بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الباب الأول
ما جاء في أوله ألف أصلية أو مجتلبة
المجموعة الثانية

المثل المضروب
إنما يضن بالضنين
تفسير هذا المثل
قاله الاغلب بن جعشم؛ ومعناه: تمسك بإخاء من يتمسك بإخائك؛ وشر الناس صحبة، وألامهم إخاء من يرى لنفسه من الحق ما لا يرى عليها.
وقيل: خل سبيل من وهي سقاؤه.
وقال لبيد:
فاقطع لبانة من تعرض وصله * ولخـير واصل خلة صرامها
ولا أعرف في هذا المعنى أحسن من قول المثقب:
فإني لو تخالفني شمالي * خلافك ما وصلت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقـلت بيني * كذلك أجـتوي من يجـتويني
وقلت:
قد آذن الـخـلـيط بـانـطـــلاق * عنـك شـدة الاشـفـاق
لا تعترضك حمقة العشاق * و مـن مـلـك بـــالـــفـــراق
فليس للـفـارك كـالـطـلاق
ومثله قول أبي النضير عمر بن عبد الملك:
رحلت أنيسة بـالطـــلاق * كت من ضيق الخناق
لو لـم أرح بطـلاقها * حـت نـفــســـي بـــالابـــاق
ودواء ما لا تـشـتـهـيه * نـفـس تـعجـيل الـفراق

المثل المضروب
أطري فإنك ناعلة
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للقوي على الامر. وأصله أن رجلا كانت له أمتان راعيتان؛ إحداهما ناعلة، والاخرى حافية، فقال للناعلة: أطرى أي خذي طرر الوادي فإنك ذات نعلين، ودعي سرارته لصاحبتك؛ فإنها حافية.
وطرر الشيء: نواحيه. ويروى: " ظرى " بالظاء؛ أي خذي في ظرر؛ وهو الغليظ من الارض، والجمع ظران.
قال أبو عبيدة: لم يكن هناك: نعل؛ وإنما أراد بالنعلين غلظ جلد قدميها. ومن هذا الكلام أخذ المتنبي قوله في كافور:
ويعجبني رجلاك في النعل إنني * رأيتك ذا نعـل إذا كنت حافياً
وفسر على وجه آخر؛ أخبرنا أبو أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن العكلي، عن أبيه، قال: سألت أبا عبيدة تن قول مسكين:
أتطلبنـي بـأطـير الـرجـال * وكلفتني ما يقول البشر
فقال: الاطير: الكلام والشر يأتيك من بعيد؛ قال: فسألته عن قوله: " أطري فإنك ناعلة "، فقال: يضرب مثلا للرجل يكون له فضل قوة في نفسه وسلاحه؛ فيتكلف ما لو تركه لم يضره؛ وأصله أن أمتين كانتا ترعيان إبلا؛ فقالت إحداهما للاخرى: اجمعي الابل من أطرارها؛ وليس بها إلى ذلك حاجة؛ فقالت الاخرى: " أطري فإنك ناعلة "؛ إي افعلي ذلك فأنت أقدر عليه. وقيل أصري فإنك ناعلة، أي أدلي فإن عليك نعلين، والاطرار: الادلال.

المثل المضروب
اكذب نفسك إذا حدثتها
تفسير هذا المثل
يقال ذلك للرجل يهتم للامر الجسيم، فتخوفه نفسه الخيبة فيه، والسقوط دون غايته، فيقال: أكذبها عند ذلك، وحدثها بالظفر لتعينك على ما تبغيه منه؛ فإن الهائب لا يلقى جسيماً؛ وأكثر الخوف باطله. وقال بعض المتأخرين:
وكل هول على مقدار هيبته * وكل صعب إذا هونته هانا
وقد قال الشاعر:
تخوفني صروف الدهر سلمى * وكم من خائف ما لا يكـون
وقال غيره:
ولا أهاب عظيماً حين يدهمني * ولست تغلب شيئاً أنت هائبه
هذا إذا كنت بالخيار في ركوب الامر؛ فإذا لم تجد بداً من ركوبه فلا وجه لتخوفه، وقد أحسن أبو النشناش في قوله:
على أي شيء يصعب الامر قد ترى * بعـينيك أن لا بد أنك راكبه
وليس في وصف هذا البيت خير؛ ولكن معناه جيد.
وقلت:
علام تستصعب الام * ر مـا تـرى مـنـه بـدا
بارز وخـل الـهـوينــى * وجــد حـتى تـجـدا
فلـــن تـــلاقـــي جـدا * حتـى تـلاقـــي كـــدا
والعرب تقول: لكل امرئ نفسان؛ تنهاه إحداهما، وتأمره الاخرى؛ وإنما هما فكران يحدثان له من الخوف والرجاء، فيتأخر عند أحدهما، ويتقدم عند الاخر. وقال الشاعر:
يؤامر نفسيه وفي العيش فسـحة * أيسترتع الذؤبان أم لا يطورها
فلـمـا رأى أن الـسماء سماؤهم * رأى خطةً كان الخضوع نكيرها
أي لما رأى أن أرضهم معشبة والعرب تسمي العشب سماء لم يجد بداً من الخضوع لهم.
والمثل للبيد؛ وهو قوله:
واكذب النفس إذا حدثتها * إن صدق النفس يزري بالامل
غير ألا تكذبـنهـا في الـتقـى * واخـزهــا بـالبر لله الاجـل
اخزها، أي سسها؛ خزوت الرجل، إذا سسته؛ قال الشاعر:
ولا أنت دياني فتخزوني
ويقال: كذبت الرجل بالتخفيف إذا أخبرته بالكذب؛ وكذبته، إذا أخبرت أنه كاذب.

المثل المضروب
أودى العير إلا ضرطاً
تفسير هذا المثل
قولهم: أودى العير إلا ضرطاً يضرب مثلا للشيء يذهب إلا أخسه؛ وشبيه بهذا قول بعضهم في البق:
صغيرة أعظمها أذاها
ومن هذا المثل أخذ الشاعر قوله:
لا تنكحن عجوزاً إن أتيت بـهـا * واخلع ثيابك منها ممعناً هربا
فإن أتـوك فـقـالـوا إنـهـا نـصـف * فإن أمثل نصفيها الذي ذهبـا

المثل المضروب
أعييتني بأشر فكيف بدردر
تفسير هذا المثل
قولهم: أعييتني بأشر فكيف بدردر، يقول: لم تقبلي الادب وأنت شابة ذات أشر. والاشر: التحزيز الذي في أسنان الاحداث، وثغر مؤشر؛ يقول: فكيف تكونين الان وقد أسننت، حتى بدت درادرك، وهي مغارز الاسنان.
ومثله قولهم: أعييتني من شب إلى دب، أي من لدن شببت إلى أن دببت هرماً.
وأصله أن دغة ولدت غلاماً، فكان أبوه يقبله ويقول: وابأبي دردرك، وكانت حسنة الثغر مؤشرته، فطنت أن االدردر أعجب إليه، فحطمت أسنانها، فلما قال: وابأبي دردركّ قالت: يا شيخ، كلنا ذو دردر، فقال: أعييتني بأشر فكيف بدردر، وذهب المثل بحمق دغة، فقيل: أحمق من دغة.

المثل المضروب
أرنيها نمرةً أركها مطرة
تفسير هذا المثل
أي أرني السحابة نمرة أركها ماطرة، وهي أن يكون فيها سواد وبياض. كذا قال ابن دريد، وسمي النمر نمراً؛ لما في جلده من نقط سواد، وسميت الشملة التي فيها سواد وبياض نمرة. يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء، وصحة الدلالة عليه.

المثل المضروب
استنوق الجمل
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل الواهن الرأي، المخلط في كلامه. والمثل لطرفة بن العبد؛ وكان بحضرة بعض الملوك؛ والمتلمس ينشد شعراً، فقال فيه:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره * بناج عـليه الصيعرية مكدم
فقال: بناج يعني جملا، والصيعرية: سمة من سمات النوق. فقال طرفة: استنوق الجمل، أي صار الجمل ناقة، فقال المتلمس: ويل لهذا من لسانه! فكان هلاكه بلسانه، هجا عمرو بن هند فقتله.
وخرج بعض الفرس في غلس ومعه آلة الصيد، فنطق طائر، فرماه وقال: خفة اللسان تهلك حتى الطير.
قال أبو بكر رضي الله عنه: اللسان سبع إذا أطلقته أكلك.

المثل المضروب
أنصف القارة من راماها
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لمساواة الرجل صاحبه فيما يدعوه إليه. والقارة: قبيلة من الهون بن خريمة، وسموا قارةً لاجتماعهم والتفافهم. والقارة: الاكمة، والجمع قور، وكانوا رماة الحدق.
وأصل المثل كان في حرب وقعت بين قريش وبكر بن عبد مناة بن كنانة، وكانت القارة مع قريش؛ فلما التقى الفريقان رماهم الاخرون؛ فقيل: قد أنصفوكم إذ قاتلوكم بما يقاتلون به؛ وجعل المثل شعراً؛ فقيل:
قد أنصف القارة من راماها * إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاهـا عـلـى أخـــراهـــا
والقارة: قوارة الاديم أيضاً.

المثل المضروب
أضئ لي أقدح لك
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للتكافؤ في الافعال؛ ومعناه: كن لي مضيئاً أبصر بك، فأتمكن من القدح لك.

المثل المضروب
اسق رقاش إنها سقاية
تفسير هذا المثل
أي أحسن إليها كإحسانها إليك؛ قالوا: وسقاية اسم موضوع، وليست الهاء فيها هاء التأنيث؛ فأما تأنيث سقاء فسقاءة، والوجه أن تكون الهاء فيها هاء التأنيث؛ لان رقاش اسم من أسماء النساء، مثل قطام وحذام، وقال: سقاية لان أصل الهمز فيها ياء؛ ألا ترى أنك تقول: سقيت، فجعل "سقاءة" سقاية رداً له على الأصل.
وقريب من هذا المعنى قول الشاعر:
يكن لك في قومي يد يشكرونها * وأيدي الندى في الصالحين قروض

المثل المضروب
إنما يجزي الفتى ليس الجمل
تفسير هذا المثل
المثل للبيد، قاله في قصيدته التي أولها:
إن تقوى ربنا خـير نـفـل * وبإذن الله ريثي وعجل
إلى أن قال:
أعمل العيس على علاتها * إنما ينجح أصحاب العمل
فاعقلي إن كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل
وإذا جوزيت قرضاً فاجزه * إنما يجزي الفتى ليس الجمل
ومعناه: إنما يجزي على الاحسان بالاحسان من هو حر وكريم، فأما من هو بمنزلة الجمل في لؤمه وموقه فإنه لا يوصل إلى النفع من جهته إلا إذا اقتسر وقهر.
وأخذ ابن الرومي هذا المثل، فقال يهجو بعض الرؤساء:
يا أبا أيوب هذي كنية * من كنى الانعام قدماً لم تزل
ولقد وفق من كنا كها * وأصاب الحق فيها وعدل
أنت شبه للذي تكنى به * ولبعض الخلق من بعض مثل
لست ألحاك على ما سمتني * من قبيح الرد أو منع النفل
قد قضى قول لبيد بيننا * إنما يجزي الفتى ليس الجـمـل
كم وجدناك لترقى في العلا * وأبى الله فلا تـعــل هــبــل

المثل المضروب
انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً
تفسير هذا المثل
كان مذهب أهل الجاهلية أن ينصروا قرناءهم وجيرانهم وأصدقاءهم، محقين كانوا أو مبطلين؛ وعلى هذا المذهب يقول الراجز:
إن أخا الصدق الذي يسعى معك * ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك * شتـت شمل نفسه ليجمعك
وإن غـدوت ظـالـمـاً غـدا مـــعـــك
وقد روي هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان صحيحاً فمعناه: انصر أخاك مظلوماً، وكفه عن ظلمه إن كان ظالماً، فتكون قد نصرته إذا منعته من الاثم؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بنصرة الظالم.
ونحو هذا المعنى قول الشاعر:
وإن ابن عم المرء من شد أزره * ومن كان يحمي عنه من حيث لا يدري
وقال الاخر:
لعمرك ما أدى امرؤ حق صاحب * إذا كان لا يرعاه في الحدثان
وقال آخر:
يغشى مضرته لنفع صديقه * لا خير في ود إذا لم ينـفـع
وقال آخر:
لا أخاً للمرء إلا من نفع
وقلت:
أخوك الذي ترضيه لا من توده * ألا رب ود لا يفيد فتيلا

المثل المضروب
إن بني صبية صيفيون
تفسير هذا المثل
يقوله الرجل إذا كبر وولده صغار. والمثل لسليمان بن عبد الملك، تمثل به عند موته، وكان أراد أن يجعل الخلافة لبعض ولده، فلم يكن فيه من بلغ إلا من كانت أمه أمةً، وكانت بنو أمية لا يستخلفون أولاد الاماء؛ وهو الذي قصر بمسلمة بن عبد الملك عن ولاية العهد مع رجاحته وكمال آلته؛ واتبعوا في ذلك سنة الاكاسرة، ثم أثر الجاهلية؛ وكان أهلها لا يسودون أولاد الاماء؛ ويسمونهم الهجناء، الواحد هجين، ويسمون أولاد المهيرات الصرحاء، واحدهم صريح؛ ولذلك قال هشام بن عبد الملك لزيد بن علي عليه السلام: بلغني أنك تسمو بنفسك إلى الامامة؛ وهي لا تصلح لاولاد الاماء. قال زيد: إن الامهات لا يضعن من الابناء؛ هذه هاجر قد ولدت إسماعيل، فما وضعه ذلك، وصلح للنبوة، وكان عند ربه مضياً، والنبوة أكبر من الامامة؛ وامتد باعه في الشرف حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم من نسله.
قلما خرج قال هشام لاصحابه: كنتم تخبرونني أن أهل هذا البيت قد درجوا وانقرضوا؛ وما درج قوم هذا غابرهم.
ومما رغب العرب في التسري أن أولاد القرائب عندهم ضاويون؛ أي نحاف مهزولون؛ ولذلك قالوا: اغتربوا لا تضووا؛ أي تزوجوا الغرائب لئلا تضوى أولادكم. وأضوى الرجل: إذا كان له ولد ضاوي؛ كما يقال: أهزل الرجل؛ إذا كانت له إبل هزلى؛ قال الشاعر:
فتىً لم تلده بنت عم قريبة * فيضوى، وقد يضوى وليد القرائب
هو ابن غريبات النساء وإنما * ذوو الشأن أبناء النساء الغرائب
وضوي الولد يضوى؛ وهو ضاوي، على غير الاصل. وكان سليمان بن عبد الملك يقول وهو في الموت:
إن بني صبية صيفيون * أفلح من كان له ربعيون
فيقول عمر بن عبد العزيز: ( قد أفلح المؤمنون ) يا أمير المؤمنين.
وأصل ذلك في الابل، وهو أن ولد الناقة إذا نتج في الربيع كان أقوى منه إذا نتج في الصيف، وإذا نتج في الصيف ضعف عما نتج في الربيع لعلتين: إحداهما ما يلحقه من شدة الحر فيضعفه، والاخرى أن ما نتج في الربيع قد سبقه بشهرين؛ فهو أقوى. ويقال للرجل إذا ولد له في شبابه: قد أربع؛ تشبيهاً بربعية النتاج، وولده ربعي. وإذا ولد له في كبره قيل: قد أصاف، وولده صيفي؛ تشبيهاً بصيفي النتاج.

المثل المضروب
أينما أوجه ألق سعدا
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لاستواء القوم في الشر والمكروه. والمثل للاضبط بن قريع السعدي؛ وكان سيد قومه، فرأى منهم تنقصاً له، وتهاوناً به، فرحل عنهم ونزل بآخرين، فرآهم يفعلون بأشرافهم فعل قومه به، فقصد آخرين، فرآهم على مثل حالهم؛ فقال: أينما أوجه ألق سعدا، ورحل إلى قومه.
وروي أنه قال: في كل واد بنو سعد ومثل هذا المثل قول طرفة:
كل خليل كنت خاللته * لا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلب * ما أشبه الليلة بالبارحه
وقال بعضهم:
سواسية كأسنان الحمار
وقلت:
كم حاجة أنزلتها * بكريم قـوم أو لئيم
فإذا الكريم من اللئيم * أو اللئيم من الكريم
سبحان رب قادر * قد البرية مـــــــن أديم
فشريفهم ووضيعهم * سيان في سفه ولوم
قد قل خير غنيهم * فغـنيهم مثل الـعـــديم
وإذا اختبرت حميدهم * ألفيته دون الذمـيم
لا تندبنهم للصغي * ر من الامور ولا العظيم
انظر إلى كبر الجسو * م ولا نسل دفع الجسم

المثل المضروب
أشبه شرج شرجاً لو أن أسيمرا
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للتشابه من غير ذوي الرحم. وشرج: موضع، والاسيمر تصغير أسمر؛ وهو جمع سمر، مخفف عن سمر؛ وهي شجرة من العضاه، كما قيل: عضد وعضد.
والمثل للقسيم بن لقمان، وكان قد علا أباه في خصاله، فحسده أبوه، فنزلا شرجاً، فذهب لقيم ليعشي إبله فحفر له لقمان حفيرة، وغطاها بسمر ليقع فيها إذا رجع من الليل؛ فلما عاد لقيم أنكر المكان، وارتاب بإزالة السمر عن موضعه، فقال: أشبه شرج شرجاً لو أن أسيمراً أي لو أن أسيمرا كنت أعهدها كانت على ما عهدتها، وتنحى عن الموضع فنجا؛ وذهبت الكلمة مثلا في التشابه من غير القرابات؛ فأما ما تشابه من القرابات فمن أمثالهم فيه قول زهير:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه * وتغرس إلا في منابتها النخل
وقال أبو نخيلة:
لعمرك ما عين بأشبه مقلةً * بأخرى من ابني بي ولا النعل بالنعل
أقول لنفسي ثم نفسي تلومني * ألا هل ترى ما أشبه الشكل بالشكل
ويقولون: هو أشبه به من الماء بالماء، والليلة بالليلة، والتمرة بالتمرة، والقذة بالقذة؛ والحرة بالحرة؛ والغراب بالغراب.

المثل المضروب
إذا نزا بك الشر فاقعد
تفسير هذا المثل
أي لا تسارع إلى الشر وإن أحوجت إلى المسارعة إليه؛ يحثه على مجانبة الغضب. ولا أعرف في الحث على مجانبة الشر أجود من قول معاوية: إني لاكرم نفسي أن يكون ذنب أعظم من حلمي؛ وما غضبي على من أملك، وما غضبي على من لا أملك، معناه: إذا كنت مالكاً له فإني قادر على الانتقام منه؛ فلم ألزم نفسي الغضب، وإن كنت لا أملكه فلا يضره غضبي؛ فلم أدخل الضرر على نفسي بغضب لا يضر عدوي.
وقلت في هذا المعنى:
وما غضب الانسان من غير قدرة * سوى نهكة في جـسمه وشحوب
وقلت:
خل يد الشر وفر منه * وإن رعـاك فـتـصـامـم عـنــه
خاب أخو الشر فلا تكنه
وقيل: إياك والشر، فإن الشر للشر خلق.

المثل المضروب
إذا ارجحن شاصياً فارفع يدا
تفسير هذا المثل
أي إذا رأيته قد خضع واستكان فاكفف عنه. والشاصي: الرافع رجله. وارجحن: مال؛ وكل ثقيل مائل مرجحن؛ يقول: إذا استسلم فاعف عنه. وروى ثعلب: إذا ارجعن شاصياً. وارجعن: صرع؛ يقول: إذا صرعته فرفع رجليه فاكفف عنه. وأنشد:
ولما ارجعنوا واسترينا خيارهم * وصاروا أسارى في الحديد المكلد
وهذا أصح عندي من الاول.
ومن أحسن ما قيل في العفو قول مجاشع بن ربعي لقوم رآهم يتآمرون في الانتقام من رجل: هل لكم في الحق أو فيما هو خير من الحق، قالوا: قد عرفنا الحق، فما الذي هو خير منه، قال: العفو، فإن الحق مر.
وقال صالح المري: اتركوا العقاب لخالق العقاب، واستصلحوا الناس بالرغبة والرهبة.
وقيل: النعمة لا تستدام بمثل الانعام؛ والقدرة لا تستبقى بمثل العفو.

المثل المضروب
اتخذت عنده يداً بيضاء ويداً غراء
تفسير هذا المثل
أي نعمةً مشهورة؛ ويعنى بالبياض والغرة الشهرة. وحكى ثعلب: اتخذت عنده يداً خضراء فما نلت منه عرقاً، قال: يريد ثواباً، والعرق: الثواب. وفرس عتيق عريق؛ وهو المحض الذي لم يشبه شيء؛ وأنشد:
إنما العيش شربها معرقات * ومناغاة صاحبات الخدور
وقال غيره: المعرق: الذي مزج مزاجاً يسيراً.

المثل المضروب
إذا عز أخوك فهن
تفسير هذا المثل
المثل لهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان أغار على بني ضبة، فأقبل بما غنم، فقال أصحابه: اقسم بيننا غنيمتنا؛ فقال: أخاف الطلب؛ فأبوا إلا القسم، فقال: إذا عز أخوك فهن، وقسم بينهم؛ ومعناه: إذا صعب أخوك فلن؛ فإنك إن صعبت أيضاً كانت الفرقة؛ يقال: عز يعز عزة؛ إذا اشتد، وعز علي كذا: أي اشتد، واستعز الوجع بالمريض، أي اشتد وعز، والارض العزاز: الصلبة الشديدة، وعزني في الخطاب: اشتد فيه حتى غلبني. وهن، من قولهم: فلان هين لين؛ إذا كان سهلا منقاداً؛ وليس من الهوان، ورجل هين لين، وهين لين؛ لغتان؛ قال الشاعر:
هينون لينون أيسار ذوو يسر * أرباب مكرمة أبناء أيسار
وتقول الفرس في معنى هذا المثل:
إذا ما حمار السوء لم يأت حمله * نفاراً فأدن الحمل منه وحمل
وأخذ معاوية معنى هذا المثل فقال: لو أن بيني وبين الناس شعرةً ممدودةً ما انقطعت؛ لاني إذا مدوا أرسلت، وإذا أرسلوا مددت. وقال زياد: إياكم ومعاوية؛ فإنه إذا طار الناس وقع، وإذا وقعوا طار.
قال الزجاج: قوله: فهن بضم الهاء خطأ؛ إنما هو: فهن، بكسر الهاء، قال: وهن بالضم من الهوان؛ وليس له ها هنا موضع؛ وليس كما قال؛ إنما هو من الهون؛ وهو الرفق واللين، وفي القرآن: (على الارض هوناً).

المثل المضروب
إذا لم تغلب فاخلب
تفسير هذا المثل
قولهم: إذا لم تغلب فاخلب معناه: إذا لم تدرك الحاجة بالغلبة والاستعلاء فاطلبها بالرفق والمداراة، وأصل الخلابة الخداع؛ ومنه قيل: برق خلب، إذا ومض من غير مطر؛ كأنه يخدع الشائم؛ وبه سميت المرأة خلوباً.
وله وجه آخر: وهو أنه يريد: إذا لم تغلب عدوك بجلدك وقوتك فاخدعه وامكر به؛ فإن المماكرة في الحرب أبلغ من المكاثرة والجلد؛ وهو على حسب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة "؛ أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا ابن أخي أبي زرعة، قال: حدثنا عمر قال: حدثنا الحوضي، قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفر، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك بن كعب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قلما أراد سفراً أو غزواً إلا ورى بغيره، وكان يقول: " الحرب خدعة " أو " خدعة "، والوجه الخدعة بالفتح.
وقال بعض الحكماء: نفاذ الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب.

المثل المضروب
إلا حظيةً فلا ألية
تفسير هذا المثل
وهو في المعنى الاول؛ أي إن أخطأتك الحظوة فيما تلتمس فلا تأل أن تتودد. وأصله في المرأة تصلف عند زوجها، فتتحبب إليه ما أمكنها؛ لتنال الحظوة عنده بالتحبب إليه إذا أخطأته الحظوة في المحبة منه؛ فالالية هاهنا من قولك: ألا الرجل يألو؛ كما يقال: علا يعلو؛ إذا قصر. والالية أيضاً: اليمين، آلى يولي إيلاء؛ إذا حلف، ومنه قوله عز وجل: (يؤلون من نسائهم).

المثل المضروب
إن في الشر خياراً
تفسير هذا المثل
معناه أن بعض الشر أهون من بعض. وهو في مذهب قول طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وجاء رجل إلى المبرد فقال له: ما القبعض، فقال: القطن. قال: وما الحجة، قال: قول الشاعر:
كأن على مشافرها قبعضا
وسكت هنيهة ثم قال: أين السائل عن قبعض، فقام الرجل، فقال له: هذه كلمة أخذت من طرفي كلمتين من بيت طرفة فاستبق بعضنا، فتعجب الناس من سرعة جوابه، وافتعاله المصراع حتى رد الخصم وأسكته، ثم من فطنته للموضع الذي أخذت منه الكلمة.
ومثل ذلك ما أخبرني به أبو القاسم الحاسب، قال: قلت لبعض المتعاصين للعربية: ما العمال؛ وأخذته من طرفي كلمتين: ولم أعطكم في الطوع مالي، فقال لي: العمال حبل يشد به الحمار، وأخرج مخرج نظائره، فقالوا: شكال للفرس، وعقال للبعير. وعمال للحمار، قال: فتعجبت من حذقه بافتعال الخطأ، وإخراجه إياه مخرج الصواب.
ومن أمثالهم في الشر والخير قول بعضهم: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، وإنما العاقل من يعرف خير الشرين.

المثل المضروب
إلى أمه يلهف اللهفان
تفسير هذا المثل
اللهفان: المضطر المتحسر على الفائت. لهف يلهف لهفاً، وهو لهفان، كما يقال: عطش وهو عطشان.
ويضرب مثلا للرجل يستغيث بأهل ثقته؛ وهو على مذهب قول القطامي:
وإذا أصابك والحوادث جمة * حدث حداك إلى أخيك الاوثق

المثل المضروب
إنما يعاتب الاديم ذو البشرة
تفسير هذا المثل
معناه: إنما يراجع من تصلح مراجعته، ويعاتب من الاخوان من لا يحمله العتاب على اللجاج فيما كره منه، وعوتب من أجله. وأصله أن الجلد إذا لم نصلحه الدبغة الاولى أعيد في الدباغ إن كان ذا قوة ومسكة، وترك إن كان ضعيفاً، لئلا يزيد ضعفاً. وأصل البشرة: ظاهر الجلد. والادمة: باطنه. وعلى حسب ذلك يقول الشاعر:
وليس عتاب الناس للمرء نافعاً * إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه
وقد مدح العتاب وذم؛ فالمدح قولهم: ويبقى الود ما بقي العتاب
والذم قولهم: العتاب يبعث على التجني، والتجني أخو المحاجة، والمحاجة أخت العداوة، والعداوة أم القطيعة.
وقال آخر: العتاب رسول الفرقة، وداعي القلى، وسبب السلوان، وباعث الهجران.
وقال بعض الاوائل: سبيل من يأخذ على أيدي الاحداث ألا يكدهم بالتوبيخ، لئلا يضطروا إلى القحة.
وقال آخر: العتاب داعية الاجتناب؛ فإذا انبسطت المعاتبة انقبضت المصاحبة.
وقال غيره: حرك إخوانك ببعض العتاب، لئلا يستعذبوا أخلاقك، واغض عن بعض ما تنكر لئلا يوحشهم إلحاحك، وهذا أقصد ما قيل في هذا المعنى.
وكتبت إلى بعض الاخوان: العتاب مقدمة القطيعة، وطليعة الفرقة؛ فتجنبه قبل أن يجنبك حظك من السرور برؤية أحبائك، وانتقل عنه قبل أن ينتقل بك عن مقر غبطتك بمشاهدة أودائك، وإن لم تجد منه بداً فافتصد فيه، ولا تكثر منه؛ فإن الكثير من المحبوب مملول فكيف من المكروه، والافتصاد في المحمود ممدوح فكيف المذموم،

المثل المضروب
أكلت يوم أكل الثور الاسود
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل فقد ناصره، فلحقه الضيم من عدوه. وهو من أمثال كليلة، وتمثل به علي رضى الله عنه حين اختلف عليه، وعند قتل عثمان رضي الله عنه.
وأصله فيما ذكر صاحب كليلة أن ثورين: أسود وأبيض، كانا في بعض المروج، فكان الاسد إذا قصدهما تعاونا عليه فرداه، فخلا يوماً بالابيض، وقال له: إن خليتني فأكلت الاسود خلا لك مرعاك، وأعطيك عهداً ألا أطور بك، فخلاه والاسود، فأكله، ثم عطف عليه فافترسه، فقال: إنما أكلت يوم أكل الثور الاسود، وتخاذل القوم فيما بينهم من أمارات شؤمهم ودلائل شقائهم.
ولما حضرت قيس بن عاصم الوفاة أحضر بنيه فقال لهم: ليأتني كل واحد منكم بعود، فاجتمع عنده عيدان، فجمعها وشدها وقال: اكسروها، فلم يطيقوا ذلك، ثم فرقها فكسروها، فقال: هذا مثلكم في اجتماعكم وتفرقكم، ثم أنشدهم لنفسه:
بصلاح ذات البين طول بقائكم * إن مد في عمري وإن لم يمـدد
حتى تلين جلودكم وقلوبكم * لمـسـود مـنــكـــم وغـير مـــســـود
إن القـداح إذا جمعن فـأمها * فالـكـسـر ذو حـنـق وبـطـش أيد
عزت فلم تكسر وإن هي بددت * فالوهن والتكسير للمـتـبـــدد

المثل المضروب
أبصر وسم قدحك
تفسير هذا المثل
أي تأمل أمرك. والقدح: ما يستقسم به، وهو الزلم. ووسمه العلامة التي فيه. يقول: تأمل ذلك لتعرف مالك وعليك.

المثل المضروب
إن الشفيق بسوء ظن مولع
تفسير هذا المثل
وذلك أن المعني بالشيء لا يكاد يظن به إلا المكروه ومن أمثالهم في. الشفيق قول القطامي:
ومعصية الشفيق عليك مما * يزيدك مرةً منه استماعا
وقول وضاح اليمن:
قد كنت أشفق مما قد فجعت به * إن كان يدفع عن ذي اللوعة الشفق

المثل المضروب
أخوك من صدقك
تفسير هذا المثل
يعنى به صدق المودة والنصيحة. وله معنى آخر، وهو أن يصدقك عن عيوبك، لان عيوب كل نفس تستتر عنها، وتظهر لغيرها.
وقلت:
عز الكمال فما يحظى به أحد * فكل خلق وإن لم يدر ذو عاب
وعلى حسب هذا قالوا: المرء مرآة أخيه، وأخذ بعضهم هذا الكلام فقال: أنا كالمرآة ألقى كل وجه بمثاله. وقال بعضهم: ليس صديق المرء من لا يصدقه، ويجوز أيضاً أن يكون معناه: إنه يصدقك عما تستخبره إياه، ولا يكذبك فيما تسأله عنه.

المثل المضروب
أتاك ريان بلبنه
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يعطيك لا من جود وكرم، ولكن لكثرة ما عنده. وقال الشاعر:
ما كل جود الفتى يدني من الكرم
ونحوه وإن لم يكن منه قول إبراهيم بن العباس:
لا تحمدن ابن سهل إن وجدت له * فعلا جميلا ولا تعذل إذا زرما
فليس يمنع إبقاء على نشب * وليس يعطي الذي يعطيه معتزما
لكنها خطـرات من وساوسه * يعطـي ويمـنع لا بـخـلا ولا كـرمـا

المثل المضروب
استكرمت فاربط
اشدد يديك بغرزه
تفسير هذا المثل
يقال ذلك لمن أفاد شيئاً يغبط به؛ وأصله في الفرس الكريم يصيبه الانسان فيحتفظ به.
والغرز: ركاب الرحل؛ واغترز الرجل، إذا وضع رجله في الغرز.
وفي كلام لمعاوية: اغترز في ركاب الفتنة حتى استوت على رجلها.

المثل المضروب
اطلب تظفر
ألق دلوك في الدلاء
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا في الحث على الاكتساب وترك التواني في طلب الرزق، وهو من قول أبي الاسود الدؤلي:
وما طلب المعيشة بالتمني * ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجـئك بملئهــا يومـــاً ويومـــاً * تجئ بحمأة وقليل ماء
وقال بعضهم: ما أحب أني مكفي، وأن لي ما بين شرق إلى غرب، قيل: ولم، قال: كراهة عادة العجز.
وقلت:
ألا لا يذم الدهر من كان عاجزاً * ولا يعذل الاقدار من كان وانيا
فمن لم تبلغه المعـالي نفسه * فغـير جـدير أن ينـال الـمـعـالــيا

المثل المضروب
احلب حلباً لك شطره
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يعين صاحبه على أمر له فيه نصيب. والشطر: النصف، وكذلك الشطير. وقال فضالة بن شريك:
أنصف امرئ من نصف حي يسـبني * لعمري لقد لاقيت خطباً من الخطب
نصف امرئ: يعني أنه أعور، وكان من بني الشطير، وهم من كلب، ومثل هذا بديع من معاني القدماء.
وأخذ ذو الريا ستين هذا، فكتب إلى ذي اليمينين؛ أخبرنا أبو أحمد عن الصولي، عن أبي العيناء، قال: سمعت الحسن بن سهل يقول: كتب إلى المأمون أن طاهر بن الحسين قال:
غضبت على الدنيا فجفت ضروعها * فما الناس إلا بين راج وخائف
قتلت أمير المؤمنين وإنما * بقيت عناءً بعده للخلائف
وقد بقيت في أم رأسي بقية * فإما لحزم أو لرأي مخالف
فاغتم المأمون، فرآه الفضل بن سهل كاسفاً، فقال: ما بال أمير المؤمنين، إن زأرك أسد فاقذف بي في لهواته؛ فعرفه الخبر، وأقرأه الشعر. فكتب الفضل إلى طاهر: قرأت كتابك ، يذكر عنك وساوس تكون عليك لا لك، وأما والله يا نصف إنسان لئن أفكرت لأهمن، ولئن هممت لافعلن، ولئن فعلت أبرمن، ولئن أبرمت لاحكمن. وبعث إليه بالكتاب، فكتب طاهر: ما كل قول حق، وما كل إبلاغ صدق، وإنما أنا عبد استنصح فنصح، إن أمسك عني استزدت، وإن اعتمدت بإحسان شكرت، فمنزلتي كمنزلة الامة السوداء، إن حمل عليها دندنت، وإن رفهت أشرت، وإن عوقبت فباستحقاق، وإن عوفيت فبإحسان.

المثل المضروب
أنا غريرك من الامر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للمعرفة بالشيء. ومعناه: أنا عالم بالامر، فسلني عنه على غرة مني لمعرفته، وعلى غير استعداد مني له، ولا روية فيه؛ وأخرج الغرير مخرج خليط وعشير.

المثل المضروب
أتعلمني بضب أنا حرشته
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لمعرفة الشيء من وجوهه. وأصل الحرش الاثر بالشيء وهو هاهنا بمعنى الاثارة، وهو أن تثير الضب من جحره، فتستخرجه؛ والمثل المعروف: هو أجل من الحرش. وأصله في رموزهم أن الضب كان ينعت الحرش لحسوله وهي أولاده، الواحد حسل ويقول لهن: إذا أحسستن بالحرش فاصبرن ولا تخرجن من جحرتكن؛ فصيد الضب ذات يوم فوضع رأسه على حجر، وشدخ بحجر آخر، فقلن له: أهذا الحرش? فقال: هذا أجل من الحرش، هذا الموت.

المثل المضروب
أعط القوس باريها
تفسير هذا المثل
أي استغن على عملك بمن يحسنه، وهو من قول القائل:
يا باري القوس برياً لست تحكمه * لا نظلم القوس أعط القوس باريها
وظلمه لها إفساده إياها. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ونحو المثل قول الشاعر:
فخل مكاناً لم تكن لتسده * عزيزاً على عبس وذبيان ذائده
وقال غيره:
الان حين تعاطى القوس باريها
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استعينوا على كل صناعة بأهلها "، وقال بعض الخلفاء لرجل: ما أطيب النقل، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استعينوا على كل صناعة بأهلها " ولا يؤخذ علم هذا إلا عن أبي نواس فإنه أعرف أهله به، وأنشده قوله:
مالي في الناس كلهم مثل * مائي خمر ونقـلي القبل
يومي حتى إذا العيون هدت * وحان نومي فمرقدي كفل
وقريب من ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد، عن ابن دريد، عن الرياشي، عن ابن سلام قال: قال بعض جلساء حماد الراوية: بلغني أن للحلقيين أرحاماً منكوسة، فقال حماد لفتىً إلى جنبه: اكتب هذا؛ فإن أصح الحديث ما أخذ عن أهله.

المثل المضروب
أفواهها مجاسها
أراك بشر ما أحار مشفر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للامر يدل ظاهره على باطنه. وذلك أن الابل إذا أحسنت الاكل اكتفي بذلك في معرفة صحتها وصلاحها عن جسها. ومثله ما أنشدناه أبو أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن الرياشي، عن الاصمعي:
أصلس يخفي شخصه غباره * في فمه شـفرته وناره
هو الخبيث عينه فراره * ممشاه ممشى الكلب وازدجاره
بهـم بـنــي مـــحـــارب مـــزداره.
وفي المثل: إن الجواد عينه فراره معناه: إن معاينتك الجواد تغنيك عن فراره، والفرار بالضم والكسر.
وقولهم: أراك بشر ما أحار مشفر أي ما أعتلفته الدواب يتبين في أجسامها. ومثل المثل سواءً ما روي أن بعضهم قال لاعرابي رآه جيد الكدنة: أرى عليك قميصاً صفيقاً من نسج ضرسك، فقال: ذاك عنوان نعمة الله عندي.

المثل المضروب
أنجد من رأى حضناً
تفسير هذا المثل
وهو في معنى الدلالة على الشيء. ومعناه: أن من رأى حضناً وهو جبل بنجد فقد أتى نجداً، وليس به حاجة إلى السؤال عنه. ويقال: أنجد الرجل، إذا أتى نجداً، وأتهم، إذا أتى تهامة، وأعرق، إذا أتى العراق، وأشأم، إذا أتى الشام، وأعمن، إذا أتى عمان، وأيمن، إذا أتى اليمن، وأمنى، إذا أتى منىً، وبصر وكوف، من البصرة والكوفة. وأصل نجد: الارتفاع، وقيل للنجاد نجاد، لانه يحشو الثياب حتى ترتفع.

المثل المضروب
أن ترد الماء بماء أكيس
اشتر لنفسك وللسوق
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للاخذ بالثقة والاحتياط. يقول: الكيس أن ترد المنهل، ومعك فضل ماء تزودته من منهل قبله. والكيس: خلاف الحمق. وقال علي رضي الله عنه:
إما تراني كيساً مكيسا * بنيت بعد نافع مخيسا
سوطاً شديداً وأميراً كيسا
وقال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر: سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الاكياس، وقال زيد الخيل:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا * وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس
وكانت تميم يدعون الغدر كيسان، قال النمر بن تولب:
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم * إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد
وقال بعضهم: أصل الياء في الكيس واو، وهو مثل الطيب، يقال: كوسى وطوبى، وليس كذلك. وقال بعضهم:
قد ورد الماء بماء قيس * وفي بني أم البنين كيس
على المتاع ما غبا غبيس
يقال: لا أفعل ذلك ما غبا غبيس أي لا أفعله أبداً، يقال غبا يغبو، وغبي يغبا، إذا غاب عنه الذهن. وقال غيره:
رزقت بالحمق فالزم ما رزقت به * ما يفعل الأحمق المرزوق بالكيس
وقال جران العود، وبهذا البيت سمى حران العود:
عمدت لعود فانتحيت جرانه * وللكيس أدنى في الامور وأنجح
وقولهم: " اشتر لنفسك وللسوق "، أي اشتر ما إن أمسكته انتفعت به، وإن لم ترده نفق عنك في البيع؛ وروى عن عمر إنه قال: إذا اشتريت جملا فاشتره عظما، فإن أخطأك نفعه لم يخطئك سوق.

المثل المضروب
أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك
تفسير هذا المثل
يقول: اتبع أمر من يخوفك عواقب إساءتك لتحذرها فتنجو، ولا تتبع أمر من يؤمنك المخوف فيورطك.
ومثل ذلك قول الحسن: إن من يخوفك حتى تلقى إلا من أشفق عليك ممن يؤمنك حتى تلقى الخوف. وفي خلافه قول الاول:
تخوفني صروف الدهر سلمى * وكم من خائف ما لا يكون
وقال غيره: أكثر الخوف باطله، وفيما أوحى الله تعالى إلى بعض الانبياء: إني أخوفك لأقومك. وقلت في نحوه.
تؤدبه الايام فيما يضره * وكم ضرر للمرء فيه منافع
وقلت:
يا نفس صبراً على ما كان من ضرر * قرب منفعة تجنى من الضرر

المثل المضروب
إذا أردت المحاجزة فقبل المناجزة
إن الموصين بنو سهوان
تفسير هذا المثل
يضرب الاول مثلا في تعجيل الفرار ممن لا طاقة لك به. والمحاجزة: من قولهم: حجزت بين الشيئين. والمناجزة: سرعة القتال.
والمثلان لدويد بن زيد بن نهد في وصيته لبنيه عند موته، قال لهم: يا بني أوصيكم بالناس شراً؛ لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة، قصروا الاعنة، وطولوا الاسنة، واطعنوا شزراً، واضربوا هبراً، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجد لا بالكد؛ التجلد ولا التبلد؛ المنية ولا الدنية، لا تأسوا على فائت وإن عز فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا فتطبعوا، ولا تهنوا فتخرعوا، ولا يكن لكم مثل السوء: " إن الموصين بنو سهوان ". ثم قال:
اليوم يبنى لدويد بيته * يارب نهب صالح حويته
ورب قرن بطل أرديته * ورب غـيل حسن لويته
ومعصم مخضب ثنيته * لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحداً كفيته
وقال:
ألقى على الدهر رجلا ويدا * والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
يفسد ما أصلحـه الـيوم غـداً
الطعن الشزر: على أحد الجانبين. والنظر الشزر: بمؤخر العين. والهبر من قولهم: هبرت اللحم، إذا قطعته قطعاً كباراً، وسيف هبار. والمحالة: الحيلة والجد: الحظ. والطبع: الدنس، وأصله الصدأ الذي يركب الحديد. والوهن: الضعف. والخرع: اللين.
وقولهم: " أن الموصين بنو سهوان " الموصون: جمع موصى، وهو الذي توصيه بالشيء مرة بعد أخري، ومعناه توصيهم بالشيء، وتؤكد عليهم، ثم يسهون عما أوصوا، ويتركونه، ويحتجون بالسهو.
وقيل يضرب مثلا للرجل الموثوق به، ومعناه: أن الذين يحتاجون إلى الوصاة لحوائج إخوانهم إنما هم الذين يسهون عنها لقلة عنايتهم بها، وأنت بحاجة أخيك معنى لا تحتاج إلى وصاتك بها، قال الشاعر:
وأكثر نسياني لما لايهمني * وإني لما أعني به لذكور

المثل المضروب
أعندي أنت أم في العكم
أعندي أنت أم في الربق
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للحل القليل الفهم. والعكم: الحمل، والعكم: شده. والربق: جمع ربقة، وهي حبل تشد به البهيمة.
وأما قولهم: " أمعنا أنت أم في الجيش "؛ فمعناه أعلينا أنت أم لنا،

مُختصر كتاب جمهرة الأمثال لأبو هلال العسكري