بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
أسرار ترتيب القرآن
من أسرار القصص والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة والأحزاب

سورة القصص
أقول: ظهر لي بعد الفكرة: أنه سبحانه لما حكى في الشعراء قول فرعون لموسى (أَلم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عُمرِكَ سنينَ وفعلتَ فِعلتَكَ التي فعلت) إلى قول موسى (ففررتُ مِنكُم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المُرسلين) وقال في طس النمل قول موسى لأهله: (إِني آنست ناراً) إلى آخره، الذي هو في الوقوع بعد الفرار، ولما كان على سبيل الإشارة والإجمال، بسط في هذه السورة ما أوجزه في السورتين، وفصل ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما فبدأ بشرح تربية فرعون له، مصدراً بسبب ذلك: من علو رعون، وذبح أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم خوفاً عليه من الذبح، وبسط القصة في تربيته، وما وقع فيها إلى كبره، إلى السبب الذي من أجله قتل القبطي، وهي الفعلة التي فعل، إلى الهم بذلك عليه، والموجب لفراره إلى مدين، إلى ما وقع له مع شعيب، وتزوجه بابنته، إلى أن سار بأهله، وآنس من جانب الطور ناراً فقال لأهله: (امكثوا إِني آنست ناراً)، إلى ما وقع له فيها من المناجاة لربه، وبعثه إياه رسولاً، وما استتبع ذلك، إلى آخر القصة فكانت السورة شارحة لما أجمل في السورتين معاً، على الترتيب وبذلك عرف وجه الحكمة في تقديم (طس) على هذه، وتأخيرها عن الشعراء، فللهِ الحمد على ما ألهم.

سورة العنكبوت
أقول ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما أخبر في أول السورة السابقة عن فرعون أنه: (علا في الأَرضِ وجعلَ أَهلِها شيعاً يستضعف طائفة مِنهُم يذبح أَبناءهم ويستحي نساءهم) افتتح هذه السورة بذكر المؤمنين الذين فتنهم الكفار وعذبوهم على الإيمان، بعذاب دون ما عذب به قوم فرعون بني إسرائيل، تسلية لهم، بما وقع لمن قبلهم، وحثا لهم على الصبر، ولذلك قال هنا: (ولَقد فتنّا الذينَ مِن قبلِهم) وهذه أيضاً من حكم تأخير القصص على (طس) وأيضاً فلما كان في خاتمة القصص الإشارة إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خاتمة هذه الإشارة إلى هجرة المؤمنين بقوله: (يا عبادي إِن أَرضي واسعة) ناسب تتاليهما.

سورة الروم
أقول ظهر لي في اتصالها بما قبلها أنها ختمت بقوله(والذينَ جاهدوا فينا لنهديَنَهُم سُبُلنا) فافتتحت هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر، وفرح المؤمنين بذلك، وأن الدولة لأهل الجهاد فيه، ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة هذا مع تآخيهها بما قبلها في المطلع، فإن كلا منهما افتتح ب(الم) غير معقب بذكر القرآن، وهو خلاف القاعدة الخاصة بالمفتتح بالحروف المقطعة، فإنها كلها عقبت بذكر الكتاب أو وصفه، إلا هاتين السورتين وسورة القلم، لنكتة بينتها في أسرار التنزيل.

سورة لقمان
أقول: ظهر لي في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح ب(الم) أن قوله تعالى هنا: (هُدى ورحمة للمُحسنين الذين يقيمونَ الصلاة ويؤتون الزكاةَ وهُم بالآخرةِ هُم يوقنون) متعلق بقوله في آخر سورة الروم: (وقالَ الذينَ أُوتوا العلمَ والإِيمان لقد لبثتُم في كتاب اللَهِ إِلى يوم البعث) فهذا عين إيقانهم بالآخرة، وهم المحسنون الموقنون بما ذكر وأيضاً ففي كلتا السورتين جملة من الأديان وبدء الخلق وذكر في الروم: (في روضة يحبرون) وقد فسر بالسماع وفي لقمان: (ومِنَ الناسِ مَن يَشتري لهوَ الحديث) وقد فسر بالغناء، وآلات الملاهي.

سورة السجدة
أقول وجه اتصالها بما قبلها أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة التي ذكرت في خاتمة لقمان فقوله هنا: (ثُمَ يعرج إِليهِ في يومٍ كانَ مقداره أَلف سنة مما تعدون) شرح لقوله هناك: (إِنَّ اللَهَ عِندهُ عِلمَ الساعة) ولذلك عقب هنا بقوله: (عالمِ الغيبَ والشِهادة) وقوله: (أَولَم يروا أَنّا نسوق الماء إِلى الأَرض الجرز) شرح لقوله: (ويُنزلُ الغيث) وقوله: (الذي أَحسنَ كل شيء خلقه) شرح لقوله: (ويعلَم ما في الأَرحام) وقوله: (يدبر الأَمر من السماء إِلى الأرض) و(ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هُداها) شرح لقوله: (وما تَدري نفسٌ ماذا تكسِبُ غداً) وقوله: (أَئذا ضللنا في الأرض) إلى قوله: (قُل يتوفاكُم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم مرجعكُم) شرح لقوله: (وما تَدري نفسٌ بأَي أَرض تموت) فللهِ الحمد على ما ألهم.

سورة الأحزاب
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تشابه مطلع هذه، ومقطع تلك، فإن تلك ختمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، ومطلع هذه الأمر بتقوى الله، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، فصارت كالتتمة لما ختمت به تلك، حتى كأنهما سورة واحدة.

كتاب أسرار ترتيب القرآن تأليف : السيوطي