الكبيرة الخامسة والخمسون
إسبال الإزار والثوب واللباس والسراويل تعززاً وعجباً وفخراً وخيلاء
قال الله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أسفل من الكعبين من الأزار فهو في النار ".
وقال عليه الصلاة والسلام " لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً ".
وقال عليه الصلاة والسلام: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ".
وفي الحديث أيضاً: " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيه إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ".
وقال عليه الصلاة والسلام " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " وقال صلى الله عليه وسلم: " الإسبال في الإزار والعمامة من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ".
وقال عليه الصلاة والسلام: " إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه ولا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ".
وهذا عام في السراويل والثوب والجبة والقباء والفرجية وغيرها من اللباس فنسأل الله العافية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل يصلي مسبلاً إزاره قال له رسول الله " اذهب فتوضأ " ثم جاء فقال: " اذهب فتوضأ " فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه ، فقال: " إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره ولا يقبل الله صلاة رجل مسبلاً إزاره ".
ولما قال صلى الله عليه وسلم: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". فقال أبو بكر: رضي الله عنه يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك لست ممن يفعله خيلاء ". اللهم عاملنا بلطفك الحسن الجميل برحمتك يا أرحم الراحمين.

الكبيرة السادسة والخمسون
لبس الحرير والذهب للرجال
في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". وهذا عام في الجند وغيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم: " حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي ".
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليها أخرجه البخاري.
فمن استحل لبس الحرير من الرجال فهو كافر وإنما رخص فيه الشارع صلى الله عليه وسلم: لمن به حكة أو جرب أو غيره وللمقاتلين عند لقاء العدو وأما لبس الحرير للزينة في حق الرجال فحرام بإجماع المسلمين سواء كان قباء أو قبطياً أو كلوثة وكذلك إذا كان الأكثر حريراً كان حراماً وكذلك الذهب لبسه حرام على الرجال سواء كان خاتماً أو حياصة أو سقط سيف حرام لبسه وعمله.
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد رجل خاتماً من ذهب فنزعه وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ".
وكذلك طراز الذهب وكلوثة الزركش حرام على الرجال. واختلف العلماء في جواز إلباس الصبي الحرير والذهب فرخص فيه قوم ومنع آخرون لعموم قوله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب: " هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم ". فدخل الصبي في النهي وهذا مذهب الإمام أحمد وآخرين رحمهم الله فنسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة السابعة والخمسون
إباق العبد
روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة ". وروى ابن خزيمة في صحيحه من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى والسكران حتى يصحو ". وعن فضالة بن عبيد مرفوعاً: ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه وعبد آبق ومات عاصياً وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها المؤونة فتبرجت بعده أي أظهرت محاسنها كما يفعل أهل الجاهلية وهم ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم كذا ذكره الواحدي رحمه الله.

الكبيرة الثامنة والخمسون
الذبح لغير الله عز وجل
قال الله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) إلى قوله (وما ذبح على النصب) قال ابن عباس: يريد الميتة والمنخنقة ، وقال الكلبي: ما لم يذكر اسم الله عليه أو يذبح لغير الله تعالى وقال عطاء: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش والعرب على الأوثان وقوله (إنه لفسق) يعني وإن كل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة فسق أو خروج عن الحق والدين (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) أي يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل وهو أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة قال ابن عباس: أوحى الشيطان إلى أوليائه من الأنس كيف تعبدون شيئاً لا تأكلون ما يقتل وأنتم تأكلون ما قتلتم? فأنزل الله هذه الآية (وإن أطعتموهم) يعني في استحلال الميتة (إنكم لمشركون) قال الزجاج وفي هذا دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك.
فإن قيل كيف أبحتم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية والآية كالنص في التحريم قلت إن المفسرين فسروا ما لم يذكر اسم الله عليه في هذه الآية بالميتة ولم يحمله أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في تحريم الميتة ومنها قوله (وإنه لفسق) ولا يفسق آكل ذبيحة المسلم التارك للتسمية.
ومنها قوله (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) والمناظرة إنما كانت في الميتة بإجماع من المفسرين لا في ذبيحة تارك التسمية من المسلمين ومنها قوله (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) والشرك في استحلال الميتة لا في استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها.
وقد أخبرنا أبو منصور بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اسم الله على فم كل مسلم ". وأخبرنا أبو منصور أيضاً بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكفيه اسمه وإن نسي يسمي حين يذبح فليسم ويذكر الله ثم ليأكل ".
وأخبرنا عمرو بن أبي عمرو بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سموا عليه وكلوا " هذا آخر كلام الواحدي رحمه الله وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من ذبح لغير الله".

الكبيرة التاسعة والخمسون
من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم
عن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ". رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كافر " رواه البخاري. وفيه أيضاً: " من ادعى إلى غير أبيه فعليه لعنة الله ".
وعن زيد بن شريك قال: رأيت علياً رضي الله عنه يخطب على المنبر فسمعته يقول: والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله تعالى وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات وفيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله يوم القيامة منه صرفاً ولا عدلاً ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك وذمة المسلمين واحدة ". رواه البخاري.
وعن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ليس منا رجلاً ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ". أي رجع عليه ورواه مسلم.
فنسأل الله العفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة الستون
الجدل والمراء واللدد
قال الله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) ومما يذم من الألفاظ: المراء والجدال والخصومة.
قال حجة الأسلام الإمام الغزالي رحمه الله: المراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وأظهار مزيتك عليه.
وقال: وأما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها.
قال: وأما الخصومة فلجاج في الكلام ليستوفي به مقصوداً من مال أو غيره وتارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضاً والمراء لا يكون إلا اعتراضاً. هذا كلام الغزالي.
وقال النووي رحمه الله: اعلم أن الجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل قال الله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) وقال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال الله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) ، قال: فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محموداً وإن كان في مدافعة الحق أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه والمجادلة والجدال بمعنى واحد
قال بعضهم: ما رأيت شيئاً أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أشغل للقلب من الخصومة.
فإن قلت: لا بد للإنسان من الخصومة لاستيفاء حقوقه فالجواب ما أجاب به الغزالي رحمه الله: اعلم أن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل وبغير علم كوكيل القاضي فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب هو فيخاصم بغير علم.
ويدخل في الذم أيضاً من يطلب حقه لأنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد والكذب والإيذاء والتسليط على خصمه كذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه كذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره فهذا هو المذموم.
وأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء ففعل هذا ليس حراماً ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلاً لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الأخر ويحزن لمسرته ويطلق لسانه في عرضه. فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات وأقل ما فيها اشتغال القلب حتى أنه يكون في صلاته وخاطره متعلق بالمحاججة والخصومة فلا تبقى حاله على الاستقامة والخصومة مبدأ الشر وكذا الجدال والمراء فينبغي للإنسان ألا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها.
روينا في كتاب الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كفى بك إثماً أن لا تزال مخاصماً ".
وجاء عن علي رضي الله عنه قال: إن الخصومة لها قحم. قلت القحم بضم القاف وفتح الحاء المهملة وهي: المهالك.
فصل في الجدال
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط حتى ينزع ". وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال ثم تلا (ما ضربوه لك إلا جدلاً) ". الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: " أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق في القرآن ودنيا تقطع أعناقكم ". رواه ابن عمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " المراء في القرآن كفر ".
فصل في تغيير الكلام والتشدق
يكره التغيير في الكلام بالتشدق وتكلف السجع بالفصاحة بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون فكل ذلك من التكلف لمذموم بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظاً يفهمه جلياً ولا يثقله. روينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة ". قال الترمذي: حديث حسن وروينا فيه أيضاً عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون " ، قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون . قال: " المتكبرون ". قال الترمذي حديث حسن قال والثرثار هو كثير الكلام والمتشدق من يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم. واعلم أنه لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط وأغراب إلا أن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر والله أعلم.

الكبيرة الحادية والستون
منع فضل الماء
قال الله تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ ". وقال عليه الصلاة والسلام: " من منع فضل مائه وفضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى له وإن لم يعطه منها لم يف له ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذتها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك ". أخرجاه في الصحيحين وزاد البخاري: " ورجل منع فضل مائه فيقول الله اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ".

الكبيرة الثانية والستون
نقص الكيل والوزن
قال الله تعالى: (ويل للمطففين) يعني الذين ينقصون الناس ويبخسون حقوقهم في الكيل والوزن. قوله (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) يعني يستوفون حقوقهم منها قال الزجاج: المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم وكذلك إذا اتزنوا ولم يذكر " إذا اتزنوا " لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فيما يكال ويوزن فأحدهما يدل على الآخر. (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون). أي ينقصون في الكيل والوزن. وقال السدي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس " قالوا يا رسول الله وما خمس بخمس ، قال: " ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا أنزل الله بهم الطاعون " ، يعني كثرة الموت ، " ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر " ،(ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) ، قال الزجاج المعنى لو ظنوا أنهم مبعوثون ما نقصوا في الكيل والوزن (ليوم عظيم) أي يوم القيامة. (يوم يقوم الناس) من قبورهم (لرب العالمين) أي لأمره ولجزائه وحسابه وهم يقومون بين يديه لفصل القضاء. وعن مالك بن دينار قال دخل علي جار لي وقد نزل به الموت وهو يقول: جبلين من نار جبلين من نار. قال قلت: ما تقول قال يا أبا يحيى كان لي مكيالان كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر وقال مالك بن دينار: فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازداد الأمر عظماً وشدة فمات في مرضه.
والمطفف هو الذي ينقص الكيل والوزن مطففاً لأنه لا يكاد يسرق إلا الشيء الطفيف وذلك ضرب من السرقة والخيانة وأكل الحرام. ثم وعد الله من فعل ذلك بويل وهو شدة العذاب وقيل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره. وقال بعض السلف: أشهد على كل كيال أو وزان بالنار لأنه لا يكاد يسلم إلا من عصم الله وقال بعضهم: دخلت على مريض وقد نزل به الموت فجعلت ألقنه الشهادة ولسانه لا ينطق بها، فلما أفاق قلت له يا أخي مالي ألقنك الشهادة ولسانك لا ينطق بها ، قال يا أخي لسان الميزان على لساني يمنعني من النطق بها. فقلت له: بالله أكنت تزن ناقصاً ، قال: لا والله ولكن ما كنت أقف مدة لأختبر صحة ميزاني. فهذا حال من لا يعتبر صحة ميزانه فكيف حال من يزن ناقصاً. وقال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل والوزن فإن المطففين يوقفون حتى أن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم وكذا التاجر إذا شد يده في الذراع وقت البيع وأرخى وقت الشراء وكان بعض السلف يقول: ويل لمن يبيع بحبة يعطيها ناقصة جنة عرضها السماوات والأرض وويح لمن يشتري الويل بحبة يأخذها زائدة . فنسأل الله العفو والعافية من كل بلاء ومحنة إنه جواد كريم.

الكبيرة الثالثة والستون
الأمن من مكر الله
قال الله تعالى: (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة) أي أخذهم عذابنا من حيث لا يشعرون قال الحسن من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر إليه فلا رأي له ثم قرأ هذه الآية (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك منه استدراج ثم قرأ. (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) ". الإبلاس اليأس من النجاة عند ورود الهلكة وقال ابن عباس: أيسو من كل خير. وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة اليائس الحزين. وفي الأثر: أنه لما مكر بإبليس وكان من الملائكة طفق جبريل وميكال يبكيان فقال: الله عز وجل لهما مالكما تبكيان قالا: يا رب ما نأمن مكرك فقال: الله تعالى: " هكذا كونا لا تأمنا مكري " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ". فقيل له يا رسول الله أتخاف علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ".
وفي الحديث الصحيح " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ". وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل الرجل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم ". وعن سالم عن عبد الله قال: كان كثيراً ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلف " لا ومقلب القلوب ". رواه البخاري ومعناه يصرفها أسرع من ممر الريح على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهة وغير ذلك من الأوصاف وفي التنزيل (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما تصنع بنانه (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) أي عقل واختار الطبري أن يكون ذلك إخباراً من الله تعالى أنه أملك لقلوب العباد منهم وأنه يحول بينهم وبينها إن شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئة الله عز وجل وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك " . فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا فهل تخشى ، قال: " وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه ". فإذا كانت الهداية معروفة والاستقامة على مشيئته موقوفة والعاقبة مغيبة والإرادة غير مغالبة فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك ذلك إن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدار عليك فمهما افتخرت بذلك كنت مفتخرا بمتاع غيرك ربما سلبه عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف العير. فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم أضحت وزهرها يابس هشيم إذ هبت عليها الريح العقيم كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم ويصبح وهو بمعصية الله مظلم سقيم ذلك تقدير العزيز العظيم.
ابن آدم. الأقلام عليك تجري وأنت في غفلة لا تدري ابن أدم دع المغاني والأوتار والمنازل والديار والتنافس في هذه الدار حتى ترى ما فعلت في أمرك الأقدار قال الربيع: سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

الكبيرة الرابعة والستون
أذية أولياء الله
قال الله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا) وقال الله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال: " من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ". وفي رواية " فقد بارزني بالمحاربة " أي أعلمته أني محارب له.
لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجروا معه فكانوا في صفة المسجد مقيمين متبتلين فسموا أصحاب الصفة فكان ينتمي إليهم من يهاجر من الفقراء حتى كثروا رضي الله عنهم. هؤلاء شاهدوا ما أعد الله لأوليائه من الإحسان وعاينوه بنور الإيمان فلم يعلقوا قلوبهم بشيء من الأكوان بل قالوا: إياك نعبد ولك نخضع ونسجد وبك نهتدي ونسترشد وعليك نتوكل ونعتمد وبذكرك نتنعم ونفرح وفي ميدان ودك نرتع ونسرح ولك نعمل ونكدح وعن بابك أبداً لا نبرح فحينئذ عمر لهم سبيله وخاطب فيهم رسوله فقال: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة) الآية أي ولا تطرد قوماً أمسوا على ذكر ربهم يتقلبون وإن أصبحوا فلبابه ينقلبون. لا تطرد قوماً المساجد مأواهم والله مطلوبهم ومولاهم والجوع طعامهم والسهر إذا نام الناس أدامهم والفقر والفاقة شعارهم والمسكنة والحياء دثارهم. ربطوا خيل عزمهم على باب مولاهم وبسطوا وجوههم في محاريب نجواهم فالفقر عام وخاص فالعام الحاجة إلى الله تعالى وهذا وصف كل مخلوق مؤمن وكافر وهو معنى قوله تعالى (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) الآية والخاص وصف أولياء الله وأحبائه خلو اليدين من الدنيا وخلو القلب من التعلق بها اشتغالاً بالله عز وجل وشوقاً إليه وأنساً بالفراغ والخلوة مع الله عز وجل.
ينادي مناد من قبل العرش: أين فلان أين فلان فلا يسمع أحد ذلك الصوت إلا وتضطرب فرائصه قال فيقول الله عز وجل لذلك الشخص: أنت المطلوب هلم إلى العرض على خالق السماوات والأرض فيشخص الخلق بأبصارهم تجاه العرش ويوقف ذلك الشخص بين يدي الله عز وجل فيلقي الله عز وجل عليه من نوره يستره عن المخلوقين ثم يقول له عبدي أما علمت أني كنت أشاهد عملك في دار الدنيا فيقول: بلى يا رب فيقول: الله تعالى عبدي أما سمعت بنقمتي وعذابي لمن عصاني ، فيقول: بلى يا رب فيقول: الله تعالى أما سمعت بجزائي وثوابي لمن أطاعني فيقول: بلى يا رب فيقول: الله تعالى يا عبدي عصيتني فيقول: يا رب قد كان ذلك فيقول الله تعالى: عبدي فما ظنك اليوم بي فيقول: يا رب أن تعفو عني فيقول: الله تعالى عبدي تحققت أني أعفو عنك فيقول: نعم يا رب لأنك رأيتني على المعصية وسترتها علي قال فيقول الله عز وجل: قد عفوت عنك وغفرت لك وحققت ظنك خذ كتابك بيمينك فما كان فيه من حسنة فقد قبلتها وما كان من سيئة فقد غفرتها لك وأنا الجواد الكريم.
اللهم أنظر إلينا نظر الرضى وأثبتنا في ديوان أهل الصفا. ونجنا من ديوان أهل الجفا. اللهم حقق بالرجاء آمالنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا وسهل في بلوغ رضاك سبلنا وخذ إلى الخيراًت بنواصينا وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

الكبيرة الخامسة والستون
تارك الجماعة فيصلي وحده من غير عذر
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجماعة: " لقد هممت أن آمر رجل يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجماعة بيوتهم " رواه مسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: " من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه " أخرجه أبو داود والنسائي.
وقال: " من ترك الجمعة من غير عذر ولا ضرر كتب منافقاً في ديوان لا يمحى ولا يبدل ".
وعن حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رواح الجمعة واجب على كل محتلم " أي على كل بالغ فنسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة السادسة والستون
الإصرار على ترك صلاة الجمعة من غير عذر
قال الله تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) . قال كعب الأحبار: ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقال سعيد بن المسيب إمام التابعين رحمه الله: كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون وهم سالمون أصحاء.
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ". وفي رواية لمسلم أيضاً من حديث أبي هريرة: " لقد هممت أن آمر فتيتي أن يجمعوا لي حزماً من حطب ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم ". وفي هذا الحديث الصحيح والآية التي قبله وعيد شديد لمن يترك صلاة الجماعة من غير عذر فقد روى أبو داود في سننه بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سمع المنادي فلم يمنعه من إتيانه عذر قيل وما العذر يا رسول الله قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى " يعني في بيته.
وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يصلي في جماعة ولا يجمع فقال: إن مات هذا فهو في النار.
وروى مسلم أن رجلاً أعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي فرخص له فلما ولى دعاه فقال: " هل تسمع النداء بالصلاة " قال: نعم قال: " فأجب ". وفي رواية أبي داود أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع وأنا ضرير البصر فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح " قال: نعم. قال: " فأجب فحي هلا ". وفي رواية أنه قال: يا رسول الله إني ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني فهل لي رخصة. وقوله " فحي هلا " أي تعال وأقبل.
وروى الحاكم في مستدركه على شرط الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر فلا صلاة له ". قالوا وما العذر يا رسول الله: قال " خوف أو مرض " وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لعن الله ثلاثة من تقدم قوماً وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجلاً سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب ". قال أبو هريرة: لأن تمتلئ أذن ابن آدم رصاصا مذاباً خير من أن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا يجيب . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ، قيل: من جار المسجد ، قال: من يسمع الأذان قال أيضاً: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنها من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف يعني يتكئ عليهما من ضعفه حرصاً على فضلها وخوفاً من الإثم في تركها.
فضل صلاة الجماعة
وفضل صلاة الجماعة عظيم كما في تفسير قوله تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) أنهم المصلون الصلوات الخمس في الجماعات. وفي قوله تعالى (ونكتب ما قدموا وآثارهم) أي خطاهم.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته أحدهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ". رواه مسلم.

الكبيرة السابعة والستون
الإضرار في الوصية
قال الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) أي غير مدخل الضرر على الورثة وهو أن يوصي بدين ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة فمنع الله منه. وقال الله تعالى: (وصية من الله والله عليم حليم).
قال ابن عباس: يريد ما أحل الله من فرائضه في الميراث (ومن يطع الله ورسوله) في شأن المواريث (يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله) قال مجاهد فيما فرض الله من المواريث.
وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرض بقسم الله ويتعد ما قسم الله (يدخله ناراً).
وقال الكلبي يعني يكفر بقسمة الله المواريث ويتعدى حدوده استحلالاً (يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة هذه الآية (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) رواه أبو داود.
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من فر بميراث وارث قطع الله ميراثه من الجنة ". وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ". صححه الترمذي.

الكبيرة الثامنة والستون
المكر والخديعة
قال الله عز وجل: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " المكر والخديعة في النار ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان ".
وقال الله تعالى عن المنافقين: (يخادعون الله وهو خادعهم). قال الواحدي يعاملون عمل المخادع على خداعهم وذلك أنهم يعطون نوراً كما يعطى المؤمنون فإذا مضوا على الصراط أطفئ نورهم وبقوا في الظلمة.
وقال صلى الله عليه وسلم وفي حديث: " وأهل النار خمسة وذكر منهم رجلاً لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك ".

الكبيرة التاسعة والستون
من تجسس على المسلمين ودل على عورتهم
وفيه حديث حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب لقريش كتابآ يخبرهم فيه بقدوم الرسول صلى الله عليه وسلم لفتح مكة ، واراد عمر قتله بما فعل فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله لكونه شهد بدراً،
فإذا ترتب على التجسس وهن على الإسلام وأهله وقتل أو سبى أو نهب أو شيء من ذلك فهذا ممن سعى في الأرض فساداً وأهلك الحرث والنسل فيتعين قتله وحق عليه العذاب. فنسأل الله العفو والعافية. وبالضرورة يدري كل ذي جس أن النميمة إذا كانت من أكبر المحرمات فنميمة الجاسوس أكبر وأعظم.
عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إياكم والظن. فإن الظن أكذب الحديث. ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا. وكونوا، عباد الله! إخوانا ". الشرح: (إياكم والظن) المراد النهى عن ظن السوء. قال الخطابى: هو تحقيق الظن وتصديقه، دون ما يهجس فى النفس، فإن ذلك لا يملك. ومراد الخطابى أن المحرم فى الظن ما يستمر صاحبه عليه ويستقر فى قلبه، دون ما يعرض فى القلب ولا يستقر. فإن هذا لا يكلف به. (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) قال العلماء: التحسس الاستماع لحديث القوم. والتجسس البحث عن العورات. وقيل هو التفتيش عن بواطن الأمور. وأكثر ما يقال فى الشر. والجاسوس صاحب سر الشر. والناموس صاحب سر الخير. (ولا تنافسوا) المنافسة والتنافس معناهما الرغبة فى الشيء وفى الانفراد به. ونافسته منافسة إذا رغبت فيما رغب فيه. وقيل: معنى الحديث التبارى فى الرغبة فى الدنيا وأسبابها وحظوظها .
نعوذ بالله من ذلك ونسأله العفو والعافية إنه لطيف خبير جواد كريم.

الكبيرة السبعون
سب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم جميعآ
ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله تعالى { من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب } "،
وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". مخرج في الصحيحين.
وقال صلى الله عليه وسلم: " الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله أوشك أن يأخذه ". أخرجه الترمذي . ففي هذا الحديث وأمثاله بيان حالة من جعلهم غرضاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبهم وافترى عليهم وعابهم وكفرهم واجترأ عليهم . وقوله صلى الله عليه وسلم " الله الله " كلمة تحذير وإنذار كما يقول المحذر" النار النار" أي احذروا النار وقوله " لا تتخذوهم غرضاً بعدي " أي لا تتخذوهم غرضاً للسب والطعن كما يقال: اتخذ فلان غرضاً لسبه أي هدفاً للسب ، وقوله " فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " فهذا من أجل الفضائل والمناقب لأن محبة الصحابة لكونهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وآمنوا به وعزروه وواسوه بالأنفس والأموال فمن أحبهم فإنما أحب النبي صلى الله عليه وسلم. فحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه كما جاء في الحديث الصحيح: " حب الأنصار من الإيمان وبغضهم من النفاق ". وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك حب علي رضي الله عنه من الإيمان وبغضه من النفاق وإنما يعرف فضائل الصحابة رضي الله عنهم من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضاً ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئاً.
فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم وإضمار الحقد فيهم وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول والطعن في الوسائط طعن في الأصل والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول هذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار من ذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله اختارني واختار لي أصحاباً فجعل لي منهم وزراء وأنصار وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ".
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نسب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " . وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اختارني واختار لي أصحابي وجعل لي أصحاباً وإخواناً وأصهاراً وسيجيء قوم بعدهم يعيبونهم وينقصونهم فلا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تناكحوهم ولا تصلوا عليهم ولا تصلوا معهم ".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا ". قال العلماء: معناه من فحص عن سر القدر في الخلق وهو: أي الإمساك علامة الإيمان والتسليم لأمر الله وكذلك النجوم ومن اعتقد أنها فعالة أو لها تأثير من غير إرادة الله عز وجل فهو مشرك وكذلك من ذم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وتتبع عثراتهم وذكر عيباً وأضافه إليهم كان منافقاً. بل الواجب على المسلم حب الله وحب رسوله وحب ما جاء به وحب من يقوم بأمره وحب من يأخذ بهديه ويعمل بسنته وحب آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وغلمانه وخدامه وحب من يحبهم وبغض من يبغضهم لأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
قال أيوب السختياني رضي الله عنه: من أحب أبا بكر فقد أقام منار الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى ومن قال الخير في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق.
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم جميعآ
وأما مناقب الصحابة وفضائلهم فأكثر من أن تذكر وأجمعت علماء السنة أن أفضل الصحابة العشرة المشهود لهم وأفضل العشرة: أبو بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ولا يشك في ذلك إلا مبتدع منافق خبيث.
وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية حيث قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ". الحديث.
والخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. وأنزل الله في فضائل أبي بكر رضي الله عنه آيات من القرآن قال الله تعالى: (ولا يأتل ألوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين). الآية: لا خلاف أن ذلك فيه فنعته بالفضل رضوان الله عليه وقال تعالى: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) الآية لا خلاف أيضاً أن ذلك في أبي بكر رضي الله عنه شهدت له الربوبية بالصحبة وبشره بالسكينة وحلاه بثاني اثنين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من يكون أفضل من ثاني اثنين الله ثالثهما ، وقال الله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون).
قال جعفر الصادق: لا خلاف أن الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر رضي الله عنه وأي منقبة أبلغ من ذلك فيهم ، رضي الله عنهم أجمعين.

[بحمد الله تعالى تم مختصر كتاب الكبائر للذهبى]