الكبيرة الثامنة والأربعون
التصوير
التصوير في الثياب والحيطان والحجر والدراهم وسائر الأشياء سواء كانت من شمع أو عجين أو حديد أو نحاس أو صوف أو غير ذلك كله من الكبائر وقد ورد الأمر بإتلافها.
قال الله تعالى: ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً ) قال عكرمة هم الذين يصنعون الصور
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم " مخرج في الصحيحين.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلون وجهه وقال: " يا عائشة: أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله عز وجل " فقطعته فجعلت منه وسادتين. مخرج في الصحيحين. القرام بكسر القاف وهو الستر والسهوة كالصفة تكون بين يدي البيت
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب في نار جهنم ". مخرج في الصحيحين.
وعنه رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ فيها أبدا ً".
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله عز وجل: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة أو ليخلقوا ذرة ". مخرج في الصحيحين.
وقال صلى الله عليه وسلم: " يخرج عنق من النار يوم القيامة فيقول إني وكلت بثلاثة: بكل من دعا مع الله إلها آخر وبكل جبار عنيد وبالمصورين ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ". مخرج في الصحيحين.
وفي سنن أبي داود عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب ". وقال الخطابي رحمه الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب ". يريد الملائكة الذين ينزلون بالرحمة والبركة دون الملائكة الذين هم الحفظة فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب وقد قيل إنه لم يرد الجنب الذي أصابته الجنابة فأخر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة ولكنه الذي يجنب ولا يغتسل ويتهاون بالغسل ويتخذه عادة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب ولا يمس ماء. وأما الكلب فهو أن يقتني كلباً لا لزرع ولا لضرع ولا صيد فأما إذا اضطر إليه فلا حرج للحاجة إليه في بعض الأمور أو لحراسة داره إذا اضطر إليه فلا حرج عليه إن شاء الله.
وأما الصور فهي كل مصور من ذوات الأرواح سواء كانت لها أشخاص منتصبة أو كانت منقوشة في سقف أو جدار أو موضوعة في نمط أو منسوجة في ثوب أو مكان فإن قضية العموم تأتي عليه فليجتنب وبالله التوفيق.
ويجب إتلاف الصور لمن قدر على إتلافها وإزالتها. روى مسلم في صحيحه عن حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته . فنسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة التاسعة والأربعون
اللطم والنياحة وشق الثوب
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ".رواه البخاري،
وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة الصالقة التي ترفع صوتها بالنياحة والحالقة التي تحلق شعرها وتنتفه عند المصيبة والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة وكل هذا حرام باتفاق العلماء. وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه والدعاء بالويل والثبور
وعن أم عطية رضي الله عنها قالت أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح رواه البخاري
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت ". رواه مسلم
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة. رواه أبو داود
وعن أبي بردة قال: وجع أبو موسى الأشعري فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تعدد عليه فتقول واكذا واكذا فقال: حين أفاق ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أنت كذا أنت كذا. أخرجه البخاري.
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ".
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واسيداه واجبلاه واكذا واكذا ونحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا أنت? أخرج الترمذي
وقال صلى الله عليه وسلم: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ".
وقال صلى الله عليه وسلم إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة ولهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة خمش في وجوه وشق في جيوب ورنة شيطان. وقال الحسن: صوتان ملعونان مزمار عند نغمة ورنة عند مصيبة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذه النوائح يجعلن صفين في النار فينبحن في أهل النار كما تنبح الكلاب ".
وعن الأوزاعي أن عمر بن الخطاب سمع صوت بكاء فدخل ومعه غيره فمال عليهن ضرباً حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها وقال: أضرب فإنها نائحة ولا حرمة لها إنها لا تبكي بشجوكم إنها تهريق دموعها لأخذ دراهمكم وإنها تؤذي موتاكم في قبورهم وأحياءكم في دورهم لأنها تنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه.
وأعلم أن النياحة: رفع صوت بالندب: تعديد النائحة بصوتها محاسن الميت وقيل: هو البكاء عليه مع ذكر محاسنه.
قال العلماء: ويحرم رفع الصوت بإفراط بالبكاء وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام. روي في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا. فقال: " ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم ". وأشار إلى لسانه
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله ، قال: " يا ابن عوف إنها رحمة " ثم أتبعها بأخرى فقال: " إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وأنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ".
وأما الأحاديث الصحيحة: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فليست على ظاهرها وإطلاقها بل هي مؤولة واختلف العلماء في تأويلها على أقوال أظهرها والله أعلم أنها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء إما أن يكون قد أوصاهم به أو غير ذلك.
قال أصحاب الشافعي: ويجوز قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى للحديث الصحيح: " فإذا وجبت فلا تبكين باكية ". وقد نص الشافعي والأصحاب أنه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم وتأولوا حديث "فلا تبكين باكية". على الكراهة والله أعلم.
وإنما كان للنائحة هذا العذاب واللعنة لأنها تأمر بالجزع وتنهى عن الصبر والله ورسوله قد أمر بالصبر والاحتساب ونهيا عن الجزع والسخط.
استعينوا بالصبر والصلاة فى تلقى المصائب
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين). قال عطاء عن ابن عباس يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم قال الله تعالى: (ولنبلونكم) أي لنعاملنكم معاملة المبتلى لأن الله يعلم عاقبة الأمور فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعلم العاقبة ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلى فمن صبر أثابه على صبره ومن لم يصبر لم يستحق الثواب وقول الله (بشيء من الخوف والجوع) قال ابن عباس: يعني خوف العدو والجوع يعني المجاعة والقحط (ونقص من الأموال) يعني الخسران والنقصان في المال وهلاك المواشي (والأنفس) بالموت والقتل والمرض والشيب (والثمرات) يعني الحوائج وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج ، ثم ختم الآية بتبشير الصابرين ليدل على أن من صبر على هذه المصائب كان على وعد الثواب من الله تعالى فقال: تعالى (وبشر الصابرين) ثم نعتهم فقال: (الذين إذا أصابتهم مصيبة) أي نالتهم نكبة مما ذكر ولا يقال فيما أصيب بخير مصيبة (قالوا إنا لله) عبيد الله فيصنع بنا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) بالهلاك وبالفناء ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى انفراده بالحكم إذ قد ملك في الدنيا قوماً الحكم فإذا زال حكم العباد رجع الأمر إلى الله عز وجل.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مصيبة يصاب بها المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ". رواه مسلم
وعن علقمة بن مرثد بن سابط عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا مات ولد العبد يقول الله للملائكة قبضتم ولد عبدي فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد}.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله تعالى ما لعبدي عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب إلا الجنة} رواه البخاري.
وقال عليه الصلاة والسلام: " من سعادة بني آدم رضاه بما قضى الله ومن شقاة ابن آدم سخطه بما قضى الله تعالى ".
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا قبض ملك الموت عليه السلام روح المؤمن قام على الباب ولأهل البيت ضجة فمنهم الصاكة وجهها ومنهم الناشرة شعرها ومنهم الداعية بويلها فيقول ملك الموت عليه السلام: " مم هذا الجزع ومم هذا الفزع فوالله ما انتقصت لأحد منكم عمراً ولا ذهبت لأحد منكم برزق ولا ظلمت لأحد منكم شيئاً فإن كانت شكايتكم وسخطكم علي فإني والله مأمور وإن كان على ميتكم فإنه مقهور وإن كان على ربكم فأنتم به كافرون وإن لي بكم عودة بعد عودة حتى لا أبقي منكم أحداً " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم ".
فصل في التعزية
عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من عزى مصاباً فله مثل أجره " رواه الترمذي.
وعن أبي بردة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: " من عزى ثكلى كسي برداً من الجنة ". رواه الترمذي.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لفاطمة رضي الله عنها: " ما أخرجك يا فاطمة من بيتك ، قالت: أتيت أهل هذا البيت فترحمت إليهم ميتهم وعزيتهم به ".
وعن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة ".
واعلم رحمك الله أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته وهي مستحبة لأنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أيضاً داخلة في قول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) وهذا من أحسن ما يستدل به في التعزية. واعلم أن التعزية " هي الأمر بالصبر " مستحب قبل الدفن وبعده قال أصحاب الشافعي: من حين يموت الميت وتبقى بعد الدفن إلى ثلاثة أيام قال أصحابنا وتكره التعزية بعد ثلاثة أيام. لأن التعزية تسكن قلب المصاب والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن هكذا قاله الجماهير من أصحابنا.
وقال أبو العباس من أصحابنا لا بأس بالتعزية بعد ثلاثة أيام بل تبقى أبداً وإن طال الزمان.
قال النووي رحمه الله والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا وهما إذا كان المعزي أو صاحب المصيبة غائباً حال الدفن واتفق رجوعه بعد ثلاثة أيام والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر هذا إذا لم ير منهم جزعاً فإن رآه قدم التعزية ليسكنهم والله أعلم.
ويكره الجلوس للتعزية يعني أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية ولفظ التعزية مشهور وأحسن ما يعزى به ما روينا في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: أرسلت إحدى بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم للرسول تدعوه وتخبره أن ابناً لها في الموت فقال: عليه الصلاة والسلام للرسول: " ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطي وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب " وذكر تمام الحديث. قال النووي رحمه الله: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلها والهموم والأسقام وغير ذلك من الأغراض. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " إن لله ما أخذ " إن العالم كله ملك لله لم يأخذ ما هو لكم بل هو أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية وقوله " وله ما أعطى " ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء " وكل شيء عنده بأجل مسمى " فلا تجزعوا فإن من قبضه فقد انقضى أجله المسمى فمحال تأخيره أو تقديمه عنه فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. والله أعلم.
وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى البقيع فأتى امرأة جاثية على قبر تبكي فقال لها: " يا أمة الله اتقي الله واصبري ". قالت يا عبد الله إني أنا الحرى الثكلى قال: " يا أمة الله اتقي الله واصبري " قالت: يا عبد الله لو كنت مصاباً عذرتني قال " يا أمة الله اتقي الله واصبري " قالت يا عبد الله قد أسمعتني فانصرف. قال فانصرف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصر بها رجل من المسلمين فأتاها فسألها. ما قال لك الرجل فأخبرته بما قال وبما ردت عليه فقال لها: أتعرفينه قالت: لا والله قال: ويحك ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادرت تسعى حتى أدركته فقالت: يا رسول الله أصبر قال " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " أي إنما يجمل الصبر عند مفاجأة المصيبة وأما فيما بعد فيقع السلو طبعاً
وفي صحيح مسلم مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهله لا تحدثوا أبا طلحة حتى أكون أنا أحدثه فجاء أبو طلحة فقربت إليه عشاء فأكل وشرب ثم تصنعت له أحسن ما كانت تتصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم قال لا: قالت أم سليم: فاحتسب ابنك. قال: فغضب أبو طلحة فقال: تركتني حتى إذا تلطخت أخبرتيني بابني والله لا تغلبيني على الصبر فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لكما في ليلتكما ". فذكر الحديث وفي الحديث. " ما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر ". وقال علي رضي الله عنه للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً وإلا سلوت كما تسلو البهائم. وكتب حكيم إلى رجل قد أصيب بمصيبة إنك قد ذهب منك ما رزئت به فلا يذهبن عنك ما عرضت عنه وهو الأجر. وقال آخر: العاقل يصنع أول يوم من أيام المصيبة ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام قلت: قد علم أن ممر الزمان يسلي المصاب فلذلك أمر الشارع بالصبر عند الصدمة الأولى وبلغ الشافعي رضي الله عنه أن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله مات له ابن فجزع عليه عبد الرحمن جزعاً شديداً فبعث إليه الشافعي رحمه الله يقول يا أخي عز نفسك بما تعزي به غيرك واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك واعلم أن أمضى المصائب فقد سرور وحرمان أجر فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك ألهمك الله عند المصائب صبراً وأحرز لنا ولك بالصبر أجراً
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قال عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله وأخلف له خيراً منه ا". قالت: فلما توفي أبو سلم قالت: من خير من أبي سلمة ثم قلتها فأخلفني الله رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
وعن أبي عبيدة رضي الله عنه عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصناً من النار ". فقال أبو الدرداء: قدمت اثنين قال واثنين قال أبي بن كعب سيد القراء قدمت وأحداً قال صلى الله عليه وسلم وواحدا ولكن ذلك في أول صدمة " وعن وكيع قال: كان لإبراهيم الحربي ابن وكان له عشرة سنة قد حفظ القرآن وتفقه من الفقه والحديث شيئاً كثيراً فمات فجئت أعزيه قال لي: كنت أشتهي موت ابني هذا قلت: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا قد أنجب وحفظ القرآن وتفقه الفقه والحديث قال: نعم رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت كأن صبياناً في أيديهم قلال ماء يستقبلون الناس يسقونهم وكأن اليوم يوم حار شديد حره قال فقلت لأحدهم: إسقني من هذا الماء. قال فنظر إلي وقال لي: ليس أنت أبي: فقلت: ومن أنتم نحن الصبيان الذين متنا في الإسلام وخلفنا آباءنا نستقبلهم فنسقيهم الماء. قال: فلهذا تمنيت موته.

الكبيرة الخمسون
البغي
قال الله تعالى: ( إنما السبيل على اللذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد ". رواه مسلم. وفي الأثر: لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكا.
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من ذنب أجدر أن يجعل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ".
وقد خسف الله بقارون الأرض حين بغى على قومه فقد أخبر الله تعالى عنه بقوله ( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ) إلى قوله ( فخسفنا به وبداره الأرض ) الآية. قال ابن الجوزي رحمه الله: في بغي قارون أقوال أحدها أنه جعل للبغية جعلاً على أن تقذف موسى عليه السلام بنفسها ففعلت فاستحلفها موسى على ما قالت فأخبرته بقصتها مع قارون وكان هذا بغيه قاله ابن عباس والثاني أنه بغى بالكفر بالله عز وجل قاله الضحاك. والثالث بالكفر قاله قتادة والرابع أنه أطال ثيابه شبراً قاله عطاء الخراساني أنه كان يخدم فرعون فاعتدى على بني إسرائيل فظلمهم حكاه الماوردي.
قوله: ( فخسفنا به وبداره الأرض ) الآية لما أمر قارون البغية بقذف موسى على ما سبق شرحه غضب موسى فدعا عليه فأوحى الله إليه إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها فقال موسى: " يا أرض خذيه " فأخذته حتى غيبت سريره فلما رأى قارون ذلك ناشد موسى بالرحم فقال: " يا أرض خذيه " فأخذته حتى غيبت قدميه فما زال يقول: " يا أرض خذيه " حتى غيبته فأوحى الله إليه: { يا موسى وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته } قال ابن عباس: فخسفت به الأرض إلى الأرض السفلى ، قال سمرة بن جندب: إنه كل يوم يخسف به قامة. قال مقاتل. فلما هلك قارون قال بنو إسرائيل إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره فخسف الله بداره وماله بعد ثلاثة أيام.
( فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ) أي يمنعونه من الله ( وما كان من المنتصرين ) أي من الممتنعين مما أنزل الله والله أعلم. اللهم إنك إذا قبلت سلمت وإذا أعرضت أسلمت وإذا وفقت ألهمت وإذا خذلت اتهمت. اللهم اذهب ظلمة ذنوبنا بنور معرفتك وهداك واجعلنا ممن أقبلت عليه فأعرض عمن سواك واغفر لنا ولوالدينا وسائر المسلمين آمين.

الكبيرة الحادية والخمسون
الاستطالة على الضعيف
لأن الله تعالى قد أمر بالإحسان إليهم بقوله تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ). قال الواحدي: في قوله تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ): أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المهرجاني بإسناده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: " يا معاذ " قلت لبيك وسعديك يا رسول الله قال: " هل تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا نبي الله أوصني قال: " لا تشرك بالله شيئاً وإن قطعت وحرقت ولا تدع الصلاة لوقتها فإنها ذمة الله ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر ".
قوله تعالى: ( وبالوالدين إحساناً ) يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب ولا يغلظ لهما الجواب ولا يحد النظر إليهما ولا يرفع صوته عليهما بل يكون بين أيديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما. قوله ( وبذي القربى ) قال يصلهم ويتعطف عليهم ( واليتامى ) يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رؤوسهم ( والمساكين ) ببذل يسير ورد جميل ( والجار ذي القربى ) يعني الذي بينك وبينه قرابة فله حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام ( والجار الجنب ) هو الذي ليس بينك وبينه قرابة يقال رجل جنب إذا كان غريباً متباعداً أهله وقوم أجانب والجنابة: البعد.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الجار ليتعلق بالجار يوم القيامة يقول يا رب أوسعت على أخي هذا واقترت علي ، أمسي طاوياً ويمسي هذا شبعان ، سله لما أغلق بابه عني ، وحرمني ما قد أوسعت به عليه ". ( والصاحب بالجنب ) قال ابن عباس ومجاهد: هو الرفيق في السفر له حق الجوار وحق الصحبة ( وابن السبيل ): هو الضعيف يجب إقراؤه إلى أن يبلغ حيث يريد وقال ابن عباس: هو عابر السبيل تؤويه وتطعمه حتى يرحل عنك. ( وما ملكت أيمانكم ) يريد المملوك يحسن رزقه ويعفو عنه فيما يخطئ قوله: "( ن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ). قال ابن عباس يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الله والفخور هو الذي يفخر على عباد الله بما خوله الله من كرامته وما أعطاه من نعمه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينما رجل شاب ممن كان قبلكم يمشي في حلة مختالاً فخوراً إذ ابتلعته الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة ". وعن أسامة قال: سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". هذا ما ذكره الواحدي.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه من الدنيا في آخر مرضه يوصي بالصلاة وبالإحسان إلى المملوك ويقول: " الله الله الصلاة وما ملكت أيمانكم ". وفي الحديث: " حسن الملكة يمن ، وسوء الملكة شؤم " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يدخل الجنة سيء الملكة ".
قال أبن مسعود رضي الله عنه: كنت أضرب مملوكاً لي بالسوط فسمعت صوتاً من ورائي " اعلم أبا مسعود إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام " ، قال: قلت يا رسول الله لا أضرب مملوكاً لي بعده أبداً. وفي رواية سقط السوط من يدي من هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية فقلت هو حر لوجه الله فقال: " أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار يوم القيامة ". رواه مسلم وروى مسلم أيضاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه ". ومن حديث حكيم بن حزام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ". وفي الحديث " من ضرب بسوط ظلما اقتص منه يوم القيامة " وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم نعفو عن الخادم ، قال: " في اليوم سبعين مرة ". وكان في يد النبي صلى الله عليه وسلم يوماً سواك فدعا خادماً له فأبطأ عليه فقال: " لولا القصاص لضربتك بهذا السواك ". وكان لأبي هريرة رضي الله عنه جارية زنجية فرفع يوماً عليها السوط فقال: لولا القصاص لأغشيتكيه ولكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك ، اذهبي فأنت حرة لوجه الله. وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني قلت لأمتي يا زانية ، قال: " وهل رأيت عليها ذلك " ، قالت: لا. قال " أما أنها ستستقيد منك يوم القيامة " فرجعت إلى جاريتها فأعطتها سوطاً وقالت: اجلديني فأبت الجارية فأعتقتها ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بعتقها فقال: " عسى " أي عسى أن يكفر عتقك لها ما قذفتها به. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قذف مملوكه وهو بريء مما قاله جلد يوم القيامة حدا إلا أن يكون كما قال ". وفي الحديث " للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف ما لا يطيق " وكان صلى الله عليه وسلم يوصيهم عند خروجه من الدنيا ويقول: " الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تكتسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم ولا تعذبوا خلق الله فإنه ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم ". ودخل جماعة على سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو أمير على المدائن فوجدوه يعجن عجين أهله فقالوا له: ألا تترك الجارية تعجن ، فقال: رضي الله عنه: إنا أرسلناها في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملاً آخر. وقال بعض السلف: لا تضرب المملوك في كل ذنب ولكن احفظ له ذلك فإذا عصى الله فاضربه على معصية الله وذكره الذنوب التي بينك وبينه.
النهى عن تجويع المملوك أو الحيوان وتعذيبهما
ومن ذلك أن يجوع المملوك والجارية والدابة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته " ومن ذلك أن يضرب الدابة ضرباً وجيعاً أو يحبسها ولا يقوم بكفايتها أو يحملها فوق طاقتها فقد روي في تفسير قول الله تعالى ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) الآية قيل: يؤتى بهم والناس وقوف يوم القيامة فيقضي بينهم حتى أنه ليؤخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء حتى يقاد للذرة من الذرة ثم يقال لهم كونوا تراباً. فهنالك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. وهذا من الدليل على القضاء بين البهائم وبينها وبين بني آدم حتى إن الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوعها أو عطشها أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بقدر ما ظلمها أو جوعها والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ". أي من حشراتها.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة معلقة في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها وهي تعذبها كما عذبتها في الدنيا بالحبس والجوع وهذا عام في سائر الحيوان وكذلك إذا حملها فوق طاقتها تقتص منه يوم القيامة لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث ". فهذه بقرة أنطقها الله في الدنيا تدافع عن نفسها بأنها لا تؤذى ولا تستعمل في غير ما خلقت له فمن كلفها غير طاقتها أو ضربها بغير حق فيوم القيامة تقتص منه بقدر ضربه وتعذيبه . ومر ابن عمر بصبيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال: من فعل هذا ، لعن الله من فعل هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً. والغرض كالهدف وما يرمى إليه. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم يعني أن تحبس للقتل وإن كان مما أذن الشرع بقتله كالحية والعقرب والفأرة والكلب العقور قتله بأول دفعة ولا يعذبه لقوله عليه الصلاة والسلام " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ".
وكذلك لا يحرقه بالنار لما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار ، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما ". قال ابن مسعود: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت ترفرف فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " من فجع هذه بولدها ردوا عليها ولديها ". ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرية نمل ، أي مكان نمل قد أحرقناها فقال: " من حرق هذه " ، قلنا: نحن فقال عليه الصلاة والسلام: " إنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا ربها ". وفيه من النهي عن القتل والتعذيب بالنار حتى في القملة والبرغوث وغيرهما.
كراهة قتل الحيوان عبثاً
ويكره قتل الحيوان عبثاً لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قتل عصفوراً عبثاً عج إلى الله يوم القيامة وقال: يا رب سل هذا لم قتلني عبثاً ولم يقتلني لمنفعة ". ويكره صيد الطير أيام فراخه لما روي ذلك في الأثر ، ويكره ذبح الحيوان بين يدي أمه لما روي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قال: ذبح رجل عجلاً بين يدي أمه فأيبس الله يده.

الكبيرة الثانية والخمسون
أذى الجار
ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله ، قال: من لا يأمن جاره بوائقه " أي غوائله وشروره. وفي رواية: " لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه ". وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنب عند الله فذكر ثلاث خلال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، وأن تزني بحليلة جارك ". وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ".
والجيران ثلاثة: جار مسلم قريب له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ، وجار مسلم له حق الجوار وحق الإسلام ، والجار الكافر له حق الجوار.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما له جار يهودي فكان إذا ذبح الشاة يقول: احملوا إلى جارنا اليهودي منها. وروي أن الجار الفقير يتعلق بالجار الغني يوم القيامة ويقول: يا رب سل هذا لم منعني معروفه وأغلق عني بابه.
وينبغي للجار أن يتحمل أذى الجار فهو من جملة الإحسان إليه. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول دلني على عمل إذا قمت به دخلت الجنة ، فقال: " كن محسنا ً" فقال: يا رسول الله كيف أعلم أني محسن قال: " سل جيرانك فإن قالوا إنك محسن فأنت محسن وإن قالوا أنك مسيء فأنت مسيء ". ذكره البيهقي من رواية أبي هريرة وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أغلق بابه عن جاره مخافة على أهله وماله فليس بمؤمن وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ". وقيل: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره ، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره. وفي سنن أبي داود من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوه جاره فقال له: " اذهب فاصبر ". فأتاه مرتين أو ثلاثاً ثم قال " اذهب فاطرح متاعك على الطريق " ففعل فجعل الناس يمرون به ويسألونه عن حاله فيخبرهم خبره مع جاره فجعلوا يلعنون جاره ويقولون: فعل الله به وفعل ويدعون عليه فجاء إليه جاره وقال: يا أخي ارجع إلى منزلك فإنك لن ترى ما تكره أبداً.
وأن يحتمل أذى جاره وإن كان ذمياً فقد روي عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله أنه كان له جار ذمي وكان قد انبثق من كنيفه إلى بيت في دار سهل بثق فكان سهل يضع كل يوم الجفنة تحت ذلك البثق فيجتمع ما يسقط فيه من كنيف المجوسي ويطرحه بالليل حيث لا يراه أحد فمكث رحمه الله على هذه الحال زماناً طويلاً إلى أن حضرت سهلاً الوفاة فاستدعى جاره المجوسي وقال له: أدخل ذلك البيت وانظر ما فيه فدخل فرأى ذلك البثق والقذر يسقط منه في الجفنة فقال: ما هذا الذي أرى قال سهل هذا منذ زمان طويل يسقط من دارك إلى هذا البيت وأنا أتلقاه بالنهار وألقيه بالليل ولولا أنه حضرني أجلي وأنا أخاف أن لا تتسع أخلاق غيري لذلك وإلا لم أخبرك فافعل ما ترى فقال المجوسي: أيها الشيخ أنت تعاملني بهذه المعاملة منذ زمان طويل وأنا مقيم على كفري ، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ثم مات سهل رحمه الله. فنسأل الله أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال الأقوال وأن يحسن عاقبتنا إنه جواد كريم رؤوف رحيم.

الكبيرة الثالثة والخمسون
أذى المسلمين وشتمهم
قال الله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً). وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) وقال تعالى: (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً).
وقال صلى الله عليه وسلم: " إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه ". وقال صلى الله عليه وسلم: " عباد الله إن الله وضع الحرج إلا من افترض بعرض أخيه فذلك الذي حرج أو هلك ".
وفي الحديث " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ". وقال عليه الصلاة والسلام " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " وفيه أيضاً: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها بلسانها فقال: " لا خير فيها هي في النار " صححه الحاكم وفي الحديث أيضاً: " اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوءهم ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ". وقال عليه الصلاة والسلام: " مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من النحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ".
الترهيب من الإفساد والتحريش بين المؤمنين وبين البهائم والدواب
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ". فكل من حرش بين اثنين من بني آدم ونقل بينهما ما يؤذي أحدهما فهو نمام من حزب الشيطان من أشر الناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بشراركم " قالوا: بلى يا رسول الله قال: " شراركم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرءاء العنت ". والعنت المشقة. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الجنة نمام ". والنمام هو الذي ينقل الحديث بين الناس وبين اثنين بما يؤذي أحدهما أو يوحش قلبه على صاحبه أو صديقه بأن يقول له: قال عنك فلان كذا وكذا وفعل كذا وكذا إلا أن يكون في ذلك مصلحة أو فائدة كتحذيره من شر يحدث أو يترتب وأما التحريش بين البهائم والدواب والطير وغيرهما فحرام كمناقرة الديوك ونطاح الكباش وتحريش الكلاب بعضها على بعض وما أشبه ذلك وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فمن فعل ذلك فهو عاص لله ورسوله. ومن ذلك إفساد قلب المرأة على زوجها والعبد على سيده لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ملعون من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده ". نعوذ بالله من ذلك.
الترغيب في الإصلاح بين الناس
قال الله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً). قال مجاهد: هذه الآية عامة بين الناس يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير وهو قوله (إلا من أمر بصدقة) ثم حذف المصاف (أو معروف) قال ابن عباس: بصلة الرحم وبطاعة الله ويقال لأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها قوله تعالى (أو إصلاح بين الناس) هذا مما حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي أيوب الأنصاري " ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم " قال: بلى يا رسول الله قال: " تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا " وروت أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله ".
وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث قال سفيان ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف). الآية. فهذا هو بعينه. ثم أعلم سبحانه أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله قال الله تعالى: (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) أي ثواباً لا حد له.
وفي الحديث " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ". رواه البخاري. وقالت أم كلثوم. ولم أسمعه صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاثة أشياء: في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها. وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه من أصحابه رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما عمل شيء أفضل من مشي إلى الصلاة أو إصلاح ذات البين وحلف جائز بين المسلمين ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصلح بين اثنين أصلح الله أمره وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة ورجع مغفورا له ما تقدم من ذنبه ". وبالله التوفيق. اللهم عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك يا أرحم الراحمين.

الكبيرة الرابعة والخمسون
أذية عباد الله والتطول عليهم
قال الله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا) وقال الله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال: " من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ". وفي رواية " فقد بارزني بالمحاربة " أي أعلمته أني محارب له.
قوله تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) الآيات. وهذه الآيات في تفضيل الفقراء وسبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من آمن به الفقراء وكذلك كل نبي أرسل أول من آمن به الفقراء فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع فقراء أصحابه مثل سلمان وصهيب وبلال وعمار بن ياسر رضي الله عنهم فأراد المشركون أن يحتالوا عليه في طرد الفقراء لما سمعوا أن علامة الرسل أن يكون أول أتباعهم الفقراء فجاء بعض رؤساء المشركين فقالوا: يا محمد اطرد الفقراء عنك فإن نفوسنا تأنف أن تجالسهم فلو طردتهم عنك لآمن بك أشرف الناس ورؤساؤهم ، فلما أيس المشركون من طردهم قالوا: يا محمد إن لم تطردهم فاجعل لنا يوماً ولهم يوماً فأنزل الله تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) أي لا تتعداهم ولا تتجاوز بنظرك رغبة عنهم وطلبا لصحبة أبناء الدنيا ، (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ثم ضرب لهم مثل الغني والفقير بقوله (واضرب لهم مثلاً رجلين) ، (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم الفقراء ويكرمهم. ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجروا معه فكانوا في صفة المسجد مقيمين متبتلين فسموا أصحاب الصفة فكان ينتمي إليهم من يهاجر من الفقراء حتى كثروا رضي الله عنهم. هؤلاء شاهدوا ما أعد الله لأوليائه من الإحسان وعاينوه بنور الإيمان فلم يعلقوا قلوبهم بشيء من الأكوان بل قالوا: إياك نعبد ولك نخضع ونسجد وبك نهتدي ونسترشد وعليك نتوكل ونعتمد وبذكرك نتنعم ونفرح وفي ميدان ودك نرتع ونسرح ولك نعمل ونكدح وعن بابك أبداً لا نبرح فحينئذ عمر لهم سبيله وخاطب فيهم رسوله فقال: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة) الآية أي ولا تطرد قوماً أمسوا على ذكر ربهم يتقلبون وإن أصبحوا فلبابه ينقلبون. لا تطرد قوماً المساجد مأواهم والله مطلوبهم ومولاهم والجوع طعامهم والسهر إذا نام الناس أدامهم والفقر والفاقة شعارهم والمسكنة والحياء دثارهم. ربطوا خيل عزمهم على باب مولاهم وبسطوا وجوههم في محاريب نجواهم فالفقر عام وخاص فالعام الحاجة إلى الله تعالى وهذا وصف كل مخلوق مؤمن وكافر وهو معنى قوله تعالى (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) الآية والخاص وصف أولياء الله وأحبائه خلو اليدين من الدنيا وخلو القلب من التعلق بها اشتغالاً بالله عز وجل وشوقاً إليه وأنساً بالفراغ والخلوة مع الله عز وجل.
اللهم أذقنا حلاوة مناجاتك وأن تسلك بنا طريق مرضاتك واقطع عنا كل ما يبعدنا من حضرتك ويسر لنا ما يسرته لأهل محبتك واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين.

[ مختصر من كتاب الكبائر للذهبى ]