الكبيرة السابعة والثلاثون
الرياء
قال الله تعالى: مخبراً عن المنافقين. (يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً) وقال الله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس) الآية وقال الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً). أي لا يرائي بعمله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد في سبيل الله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جريء. وقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقرأت ليقال هو قارئ ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار). رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سمع سمع الله به ومن يرائي يراءى به). قال الخطابي معناه من عمل عملاً على غير إخلاص إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأنه يشهره ويفضحه فيبدو عليه ما كان يبطنه ويسره من ذلك والله أعلم
وقال عليه الصلاة والسلام: (اليسير من الرياء شرك).
وقال صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) فقيل: وما هو يا رسول الله قال ( الرياء ). يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم بأعمالكم فانظروا هل تجدون عندهم جزاء).
وقيل في قول الله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). قيل كانوا عملوا أعمالاً كانوا يرونها في الدنيا حسنات بدت لهم يوم القيامة سيئات وكان بعض السلف إذا قرأ هذه الآية يقول ويل لأهل الرياء وقيل: إن المرائي ينادى به يوم القيامة بأربعة أسماء يا مرائي يا غادر يا فاجر يا خاسر اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندنا. وقال الحسن: المرائي يريد أن يغلب قدر الله فيه هو رجل سوء يريد أن يقول الناس هو صالح فكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء فلا بد من قلوب المؤمنين أن تعرفه. وقال قتادة: إذا راءى العبد يقول الله انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى رجل وهو يطأطى رقبته فقال: يا صاحب الرقبة إرفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب. وقيل إن أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو فقال له أبو أمامة: أنت أنت لو كان هذا في بيتك وقال محمد بن المبارك الصوري: أظهر السمت بالليل فإنه أشرف من إظهاره بالنهار لأن السمت بالنهار للمخلوقين والسمت بالليل لرب العالمين وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للمرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم به. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما. فنسأل الله المعونة والإخلاص في الأعمال والأقوال والحركات والسكنات إنه جواد كريم.

الكبيرة الثامنة والثلاثون
التعلم للدنيا وكتمان العلم
قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) يعني العلماء بالله عز وجل، قال ابن عباس رضى الله عنهما: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله تعالى. وقال الربيع بن أنس من لم يخش الله فليس بعالم.
وقال الله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) نزلت هذه الآية في علماء اليهود وأراد (بالبينات) الرجم والحدود والأحكام وبالهدى أمر محمد عليه الصلاة والسلام ونعته (من بعد ما بيناه للناس) أي بني إسرائيل (في الكتاب) أي في التوراة (أولئك) يعني الذين يكتمون (يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) قال ابن عباس رضى الله عنهما: كل شيء لا الجن والإنس. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى الذين يكتمون أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته
وقال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً فبئس ما يشترون).
قال الواحدي: نزلت هذه الآية في يهود المدينة أخذ الله ميثاقهم في التوراة ليبينن شأن محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه ولا يخفونه وهو قوله تعالى: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وقال الحسن: هذا ميثاق الله تعالى على علماء اليهود أن يبينوا للناس ما في كتابهم وفيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله (فنبذوه وراء ظهورهم). قال ابن عباس رضى الله عنهما: أي ألقوا ذلك الميثاق خلف ظهورهم (واشتروا به ثمناً قليلاً). يعني ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برياستهم في العلم وقوله: (فبئس ما يشترون). قال ابن عباس رضى الله عنهما: قبح شراؤهم وخسروا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علم مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة). يعني ريحها رواه أبو داود.
وقد مر حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين يسحبون إلى النار أحدهم الذي يقال له: إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من ابتغى العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو تقبل أفئدة الناس إليه فإلى النار). وفي لفظ (أدخله الله النار). أخرجه الترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار). وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعوذ بك من علم لا ينفع).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علماً لم يعمل به لم يزده العلم إلا كبرا).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بالعالم السوء يوم القيامة فيقذف في النار فيدور بقصبه كما يدور الحمار بالرحا فيقال له بما لقيت هذا وإنما اهتدينا بك فيقول كنت أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه). وقال هلال بن العلاء: طلب العلم شديد وحفظه أشد من طلبه والعمل به أشد من حفظه والسلامة منه أشد من العمل به. فنسأل الله السلامة من كل بلاء والتوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة التاسعة والثلاثون
الخيانة
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون). قال الواحدي يرحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا إن نزلنا على حكم سعد فينا فأشار أبو لبابة إلى حلقه أي أنه الذبح فلا تفعلوا فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله. قال أبو لبابة: فما زالت قدماي من مكاني حتى عرفت أني خنت الله ورسوله وقوله: (وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) عطف على النهي أي ولا تخونوا أماناتكم قال ابن عباس: الأمانات الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني الفرائض يقول: لا تنقضوها. قال الكلبي: أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما وأما خيانة الأمانة فكل واحد مؤتمن على ما افترضه الله عليه إن شاء خانها وإن شاء أداها لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى. وقوله (وأنتم تعلمون) أنها أمانة من غير شبهة.
وقال تعالى: (إن الله لا يهدي كيد الخائنين). أي لا يرشد كيد من خان أمانته يعني أنه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية
وقال عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له).
والخيانة قبيحة في كل شيء وبعضها شر من بعض وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). وفي الحديث أيضاً: (يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه) وفيه أيضاً: (أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة). وقال عليه الصلاة والسلام: هكذا أهل النار وذكر منهم رجلاً لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه
وقال ابن مسعود رضى الله عنه: يؤتى يوم القيامة بصاحب الأمانة الذي خان فيها فيقال له: أد أمانتك فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا، قال فتمثل له كهيئتها يوم أخذها في قعر جهنم ثم يقال له إنزل إليها فأخرجها قال فينزل إليها فيحملها على عاتقه فهي عليه أثقل من جبال الدنيا حتى إذا ظن أنه ناج هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين ثم قال: الصلاة أمانة والوضوء أمانة والغسل أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأعظم ذلك الودائع". اللهم عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك.

الكبيرة الأربعون
المنان
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى). قال الواحدي: هو أن يمن بما أعطى وقال الكلبي: بالمن على الله في صدقته والأذى لصاحبها.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). المسبل هو الذي يسبل إزاره أو ثيابه أو قميصه أو سراويله حتى تكون إلى القدمين لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار).
وفي الحديث أيضاً: (ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان). رواه النسائي
وفيه أيضاً: (لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان). والخب هو المكر والخديعة والمنان هو الذي يعطي شيئاً أو يتصدق به ثم يمن به.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إياكم والمن بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).
وسمع ابن سيرين رجلاً يقول لآخر: أحسنت إليك وفعلت وفعلت فقال: له ابن سيرين: أسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي. وكان بعضهم يقول: من بمعروفه سقط من شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره.

الكبيرة الحادية والأربعون
التكذيب بالقدر
قال الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) قال ابن الجوزي في تفسيره: في سبب نزولها قولان أحدهما أن مشركي مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية. انفرد بإخراجه مسلم.
وروى أبو أمامة أن هذه الآية في القدرية. والقول الثاني: أن أسقف نجران جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر وليس كذلك فقال صلى الله عليه وسلم: (أنتم خصماء الله) فنزلت هذه الآية (إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر. إنا كل شيء خلقناه بقدر).
وروى عمر بن الخطان رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة أمر منادياً فنادى نداء يسمعه الأولون والآخرون: أين خصماء الله ، فتقوم القدرية فيؤمر بهم إلى النار. يقول الله (ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر)). وإنما قيل لهم خصماء الله لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها.
وروى هشام بن حسان عن الحسن قال: والله لو أن قدرياً صام حتى يصير كالحبل ثم صلى حتى يصير كالوتر لكبه الله على وجهه في سقر ثم قيل له ذق مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر.
وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) وقال ابن عباس رضى الله عنهما : كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه.
قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) قال ابن جرير: فيها وجهان أحدهما: أن تكون بمعنى المصدر فيكون المعنى: والله خلقكم وعملكم والثاني أن تكون بمعنى الذي فيكون المعنى والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة والله أعلم.
وقال الله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها) الإلهام إيقاع الشيء في النفس. قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زايد: جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور والله أعلم.
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله من على قوم فألهمهم الخير فأدخلهم في رحمته وابتلى قوماً فخذلهم وذمهم على أفعالهم ولم يستطيعوا غير ما ابتلاهم فعذبهم وهو عادل) (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبياً قط وفي أمته قدرية ومرجئة إن الله لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القدرية مجوس هذه الأمة).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم براء مني). ثم قال: (والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبل حتى يؤمن بالقدر خيره وشره). ثم ذكر حديث جبريل وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم (قال: ما الإيمان ، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره).
قوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان بالله هو التصديق بأنه سبحانه وتعالى موجود موصوف بصفات الجلال والكمال منزه عن صفات النقص وأنه فرد صمد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما يشاء يفعل في ملكه ما يريد. والإيمان بالملائكة هو التصديق بعبوديتهم لله: (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمر يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون).
والإيمان بالرسل هو التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى أيدهم الله بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن الله تعالى رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمرهم الله به وأنه يجب إحترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم.
والإيمان باليوم الآخر هو التصديق بيوم القيامة وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والنشر والحشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وأنهما دار ثوابه وعقابه للمحسنين والمسيئين إلى غير ذلك مما صح به النقل. والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدم ذكره وحاصله ما دل عليه قوله سبحانه (والله خلقكم وما تعلمون) وقوله (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف).
ومذهب السلف وأئمة الخلف أن من صدق بهذه الأمور تصديقاً جازماً لا ريب فيه ولا تردد كان مؤمناً حقاً سواء كان ذلك عن براهين قاطعة أو اعتقادات جازمة والله أعلم.
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القدر
أجمع سبعون رجلاً من التابعين وأئمة المسلمين والسلف وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولها الرضا بقضاء الله وقدره والتسليم لأمره والصبر تحت حكمه والأخذ بما أمر الله به والنهي عما نهى الله عنه وإخلاص العمل لله والإيمان بالقدر خيره وشره وترك المراء والجدال والخصومات في الدين والمسح على الخفين والجهاد مع كل خليفة براً وفاجراً والصلاة على من مات من أهل القبلة.
والإيمان: قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والقرآن كلام الله نزل به جبريل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم غير مخلوق والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا ولا نكفر أحداً من أهل القبلة وإن عمل الكبائر إلا إن استحلوها ولا نشهد لأحد من أهل القبلة بالجنة لخير أتى به إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين. ونترحم على جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأولاده وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
من كلام الناس ما هو كفر
فيها من كلام الناس ما هو كفر صرحت به العلماء منها: ما لو سخر باسم من أسماء الله أو بأمره أو وعده أو وعيده كفر ولو قال. لو أمرني الله كذا ما فعلت كفر ولو صارت القبلة في هذه الجهة ما صليت إليها كفر. ولو قيل له: ألا تترك الصلاة فإن الله يؤاخذك فقال: لو آخذني بها مع ما في من المرض والشدة لظلمني كفر. ولو قال: لو شهد عندي الأنبياء والملائكة بكذا ما صدقت كفر. ولو قيل له قلم أظافرك فإنها سنة فقال: لا أفعل وإن كانت سنة كفر. ولو قال فلان في عيني كاليهودي كفر. ولو قال إن الله جلس للإنصاف أو قام للإنصاف كفر. وجاء في وجه من قال لمسلم لا ختم الله لك بخير أو سلبك الإيمان كفر. وجاء أيضاً أن من طلب يمين إنسان فأراد أن يحلف بالله فقال: أريد أن تحلف بالطلاق كفر. واختلفوا في من قال رؤيتي لك كرؤية الموت فقال: بعضهم يكفر. ولو قال لو كان فلان نبياً ما آمنت به كفر. ولو قال إن كان ما قاله صدقا نجونا كفر ولو صلى بغير وضوء استهزاء أو استحلالا كفر. ولو تنازع رجلان فقال: أحدهما لا حول ولا قوة إلا بالله فقال: له الآخر لا حول ولا قوة إلا بالله لا تغني من جوع كفر. ولو سمع أذان المؤذن فقال: إنه يكذب كفر. ولو قال لا أخاف القيامة كفر. ولو وضع متاعه فقال: سلمته إلى الله فقال: له رجل سلمته إلى من لا يتبع السارق كفر. ولو جلس رجل على مكان مرتفع تشبيهاً بالخطيب فسألوه المسائل وهم يضحكون أو قال أحدهم قصعة ثريد خير من العلم كفر. ولو ابتلي بمصائب فقال: أخذت مالي وولدي وماذا تفعل كفر. ولو ضرب ولده أو غلامه فقال: له رجل ألست بمسلم فقال: لا متعمداً كفر ولو تمنى أن لا يحرم الله الزنا أو القتل أو الظلم كفر ولو شد على وسطه حبلا فسئل عنه فقال: هذا زنار فالأكثرون على أنه يكفر. ولو قال معلم الصبيان اليهود خير من المسلمين لأنهم يعطون معلمي صبيانهم كفر ولو قال النصراني خير من المجوسي كفر ولو قيل لرجل ما الإيمان فقال: لا أدري كفر ومن ذلك ألفاظ مستكرهة مستنكرة وهي لا دين لك لا إيمان لك لا يقين لك أنت فاجر أنت منافق أنت زنديق أنت فاسق ومن ذا وأشباهه كله حرام ويخشى على العبد بها سلب الإيمان والخلود في النار. فنسأل الله المنان بلطفه أن يتوفانا مسلمين على الكتاب والسنة إنه أرحم الراحمين.

الكبيرة الثانية والأربعون
التسمع على الناس وما يسرون
قال الله تعالى: (ولا تجسسوا). قال ابن الجوزي رحمه الله: قرأ أبو زيد والحسن والضحاك وابن سيرين بالحاء. قال أبو عبيدة التجسس والتحسس واحد وهو البحث ومنه الجاسوس. وقال يحيى بن أبي كثير: التجسس بالجيم عن عورات الناس وبالحاء الاستماع لحديث القوم. قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم فالمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذا ستره الله.
وقيل لابن مسعود رضى الله عنه: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً قال: إنا نهينا عن التجسس فإن يظهر لنا شيء نأخذ به.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة). أخرجه البخاري، والآنك: الرصاص المذاب نعوذ بالله منه ونسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة الثالثة والأربعون
النمام
النمام هو من ينقل الحديث بين الناس على جهة الإفساد بينهم هذا بيانها: وأما أحكامها فهي حرام بإجماع المسلمين وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة قال الله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم).
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة نمام)،
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين قال (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أنه كبير. أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها إثنتين وغرز في كل قبر واحدة وقال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا). وقوله: (وما يعذبان في كبير) أي ليس بكبير تركه عليهما أو ليس بكبير في زعمهما ولهذا قال في رواية أخرى: (بلى إنه كبير).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ومن كان ذا لسانين في الدنيا فإن الله يجعل له لسانين من نار يوم القيامة). ومعنى من كان ذا لسانين أي يتكلم مع هؤلاء بكلام وهؤلاء بكلام وهو بمعنى صاحب الوجهين،
قال الإمام أبو حامد الغزالي يرحمه الله: إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه بقوله فلان يقول فيك كذا وليست النميمة مخصوصة بذلك بل حدها كشف ما يكره كشفه سواء كره المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث وسواء أكان الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الإيماء أو نحوها وسواء كان من الأقوال أو الأعمال وسواء كان عيباً أو غيره فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه. وينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة للمسلمين أو دفع معصية. قال وكل من حملت إليه نميمة وقيل له قال فيك فلان كذا وكذا لزمه ستة أحوال:
الأول أن لا يصدقه لأنه نمام فاسق وهو مردود الخبر.
الثاني أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.
الثالث أن يبغضه في الله عز وجل فإنه بغيض عند الله والبغض في الله واجب.
الرابع أن لا يظن في المنقول عنه السوء لقوله تعالى (إجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم)
الخامس أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن تحقق ذلك قال الله سبحانه وتعالى (ولا تجسسوا)
السادس أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته.
وقد جاء أن رجلاً ذكر لعمر بن عبد العزيز رجلاً بشيء فقال: عمر يا هذا إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية (هماز مشاء بنميم) وإن شئت عفونا عنك فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً.
وجاء رجل إلى علي بن الحسين رضي الله عنهم فقال: إن فلاناً شتمك وقال عنك كذا وكذا فقال: اذهب بنا إليه فذهب معه وهو يرى أنه ينتصر لنفسه فلما وصل إليه قال: يا أخي إن كان ما قلت في حقاً فغفر الله لي وإن كان ما قلت في باطلاً فغفر الله لك وقيل في قول الله تعالى: (حمالة الحطب) يعني امرأة أبي لهب أنها كانت تنقل الحديث بالنميمة. سمى النميمة حطباً لأنها سبب العداوة كما أن الحطب سبب لاشتعال النار ويقال عمل النمام أضر من عمل الشيطان لأن عمل الشيطان بالوسوسة وعمل النمام بالمواجهة.

الكبيرة الرابعة والأربعون
اللعان
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). وقال صلى الله عليه وسلم: (لعن المؤمن كقتله). أخرجه البخاري وفي صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة). وقال عليه الصلاة والسلام: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً). وفي الحديث (ليس المؤمن بطعان ولا بلعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء). والبذيء: هو الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يميناً وشمالاً فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن إن كان أهلاً لذلك وإلا رجعت إلى قائلها). وقد عاقب النبي صلى الله عليه وسلم من لعنت ناقتها بأن سلبها إياها قال عمران بن حصين: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة). قال عمران فكأني أنظر إليها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم). وعن عمرو بن قيس: قال إذا ركب الرجل دابته قالت: اللهم إجعله بي رفيقاً رحيماً فإذا لعنها قالت: على أعصانا لله ورسوله لعنة الله عز وجل.
جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين المعروفين
قال الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) وقال (ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين).
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه).
وإنه قال: (لعن الله المحلل والمحلل له). وأنه قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة). فالواصلة: هي التي تصل شعرها والمستوصلة هي التي يوصل لها والنامصة هي التي تنتف الشعر من الحاجبين والمتنمصة التي يفعل بها ذلك وأنه صلى الله عليه وسلم لعن الصالقة والحالقة والشاقة فالصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة والحالقة هي التي تحلق شعرها عند المصيبة والشاقة هي التي تشق ثيابها عند المصيبة.
وأنه صلى الله عليه وسلم لعن المصورين وأنه لعن من غير منار الأرض أي حدودها وأنه قال: (لعن الله من لعن والديه ولعن من سب أمه).
وفي السنن أنه قال: (لعن الله من أضل أعمى عن الطريق ولعن الله من أتى بهيمة ولعن الله من عمل عمل قوم لوط). وأنه لعن من أتى كاهناً أو أتى امرأة في دبرها ولعن النائحة ومن حولها ولعن من أم قوماً وهم له كارهون ولعن الله امرأة باتت وزوجها عليها ساخط ولعن رجلاً سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب ولعن من ذبح لغير الله ولعن السارق ولعن من سب الصحابة ولعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ولعن المرأة تلبس لبسة الرجل والرجل يلبس لبسة المرأة ولعن من سل سخيمته على الطريق يعني تغوط على طريق الناس، ولعن السلتاء والمرأة السلتاء التي لا تخضب يديها، والمرأة التي لا تكتحل، ولعن من خبب امرأة على زوجها، أو مملوكاً على سيده، يعني أفسدها، ولعن من أشار إلى أخيه بحديدة، ولعن مانع الصدقة، يعني الزكاة، ولعن من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، ولعن من كوى دابة في وجهها، ولعن الشافع والمشفع في حد من حدود الله إذا بلغ الحاكم، ولعن المرأة إذا خرجت من دارها بغير إذن زوجها، ولعنها إذا باتت هاجرة فراش زوجها حتى ترجع، ولعن تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أمكنه، ولعن الفاعل والمفعول به يعني اللواط، ولعن الخمرة وشاربها وساقيها ومستقيها وبائعها ومبتاعها عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها والدال عليها،
وقال صلى الله عليه وسلم: (ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة المكذب بقدر الله والزائد في كتاب الله والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعزه الله والمستحل لحرم الله والمستحل من عترتي ما حرم الله والتارك لسنتي)
ولعن الزاني بامرأة جاره، ولعن ناكح يده، ولعن ناكح الأم وبنتها، ولعن الراشي والمرتشي في الحكم، والرائش يعني الساعي بينهما ولعن من كتم العلم، ولعن المحتكر، ولعن من أخفر مسلماً، يعني خذله ولم ينصره ولعن الوالي إذا لم يكن فيه رحمة، ولعن المتبتلين من الرجال الذين يقولون لا نتزوج والمتبتلات من النساء، ولعن راكب الفلاة وحده، ولعن من أتى بهيمة.
نعوذ بالله من لعنته ولعنة رسوله.

الكبيرة الخامسة والأربعون
الغدر وعدم الوفاء بالعهد
قال الله تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً). قال الزجاج كل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو من العهد وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) . وقال الضحاك بالعهود التي أخذ الله على هذه الأمة أن يوفوا بها مما أحل وحرم وما فرض من الصلاة وسائر الفرائض والعهود وكذا العهود جمع عهد العقد بمعنى المعقود وهو الذي أحكم ما فرض الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نقضه بحال. وقال مقاتل بن حيان أوفوا بالعقود التي عهد الله إليكم في القرآن مما أمركم به من طاعته أن تعملوا بها ونهيه الذي نهاكم عنه وبالعهود الذي بينكم وبين المشركين وفيما يكون من العهد بين الناس والله أعلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر). مخرج في الصحيحين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذا غدرة فلان ابن فلان). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل إستأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره). أخرجه البخاري وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). أخرجه مسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر).

الكبيرة السادسة والأربعون
تصديق الكاهن والمنجم
قال الله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)، قال الواحدي في تفسير قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) قال الكلبي لا تقل ما ليس لك به علم وقال قتادة: لا تقل سمعت ولم يسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم. والمعنى: لا تقولن في شيء بما لا تعلم (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً). قال الوالبي عن ابن عباس رضى الله عنهما: يسأل الله العباد فيم استعملوها وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل والاستماع إلى ما يحرم وإرادة ما لا يجوز والله أعلم.
وقال الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول). قال ابن الجوزي: عالم الغيب هو الله عز وجل وحده لا شريك له في ملكه فلا يظهر: أي فلا يطلع على غيبه الذي لا يعلمه أحد من الناس إلا من ارتضى من رسول لأن الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب والمعنى أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من الغيب ففي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدل على الغيب فهو كافر والله أعلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).
وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب).
قال العلماء: إن قال مسلم مطرنا بنوء كذا يريد أن النوء هو الموجد والفاعل المحدث للمطر صار كافراً مرتداً بلا شك وإن قال مريداً أنه علامة نزول المطر وينزل المطر عند هذه العلامة ونزوله بفعل الله خلقه لم يكفر واختلفوا في كراهته والمختار أنه مكروه لأنه من ألفاظ الكفار وهذا ظاهر الحديث.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً). رواه مسلم
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال: (ليس بشيء) قالوا يا رسول الله أليس قد يحفظها الجني فيقرها في أذن ولية " أي يلقيها " فيخلط معها قال كذا وكذا فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الكلمة من الحق مائة كذبة). مخرج في الصحيحين.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة تنزل في العنان) وهو السحاب (فتذكر الأمر قضي في السماء فيسترق الشيطان السمع فيسمعه فيوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم). رواه البخاري.
وعن قبيصة بن أبي المخارق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (العيافة والطيرة والطرق من الجبت). رواه أبو داود وقال: الطرق الزجر أي زجر الطير وهو أن يتيامن أو يتشاءم بطيرانه فإن طار إلى جهة اليمين تيمن وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم قال أبو داود: العيافة الخط. قال الجوهري: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد). وقال علي بن أبي طالب: الكاهن ساحر والساحر كافر.
فنسأل الله العافية والعصمة في الدنيا والآخرة.

الكبيرة السابعة ولأربعون
نشوز المرأة على زوجها
قال الله تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً ). قال الواحدي رحمه الله تعالى: النشوز ههنا معصية الزوج وهو الترفع عليه بالخلاف وقال عطاء: هو أن تتعطر له وتمنعه نفسها وتتغير عما كانت تفعله من الطواعية ( فعظوهن ) بكتاب الله وذكروهن ما أمرهن الله به ( واهجروهن في المضاجع ) قال ابن عباس رضى الله عنهما: هو أن يوليها ظهره على الفراش ولا يكلمها. وقال الشعبي ومجاهد: هو أن يهجر مضاجعتها فلا يضاجعها ( واضربوهن ) ضرباً غير مبرح.
وللزوج أن يتلافى نشوز امرأته بما أذن الله له مما ذكره الله في هذه الآية ( فإن أطعنكم ) فيما يلتمس منهن ( فلا تبغوا عليهن ). قال ابن عباس رضى الله عنهما: فلا تتجنوا عليهن العلل،
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأت فبات وهو عليها غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ) ولفظ الصحيحين أيضاً ( إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها ).
وعن جابر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ولا ترفع لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها والسكران حتى يصحو ).
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ). أخرجه البخاري. ومعنى شاهد أي حاضر غير غائب وذلك في صوم التطوع فلا تصوم حتى تستأذنه لأجل وجوب حقه وطاعته،
وقال صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ). رواه الترمذي. وقالت عمة حصين بن محصن وذكرت زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( انظري من أين أنت منه فإنه جنتك ونارك ). أخرجه النسائي،
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا خرجت المرأة من بيت زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع أو تتوب " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ).
فالواجب على المرأة أن تطلب رضا زوجها وتجتنب سخطه ولا تمتنع منه متى أرادها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلتأته وإن كانت على التنور ).
قال العلماء: إلا أن يكون لها عذر من حيض أو نفاس فلا يحل لها أن تجيئه ولا يحل للرجل أيضاً أن يطلب ذلك منها في حال الحيض والنفاس ولا يجامعها حتى تغتسل لقول الله تعالى: ( فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ) أي لا تقربوا جماعهن حتى يطهرن. قال ابن قتيبة يطهرن ينقطع عنهن الدم فإذا تطهرن أي اغتسلن بالماء والله أعلم. ولما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أتى حائضاً أو امرأة من دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ). وفي حديث آخر: ( ملعون من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها ). والنفاس مثل الحيض إلى الأربعين فلا يحل للمرأة أن تطيع زوجها إذا أراد إتيانها في حال الحيض والنفاس وتطيعه فيما عدا ذلك،
وقالت عائشة رضي الله عنها: " يا معشر النساء لو تعلمن بحق أزواجكم عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بخد وجهها ".
وقال صلى الله عليه وسلم: ( ونساؤكم من أهل الجنة الودود التي إذا آذت أو أوذيت أتت زوجها حتى تضع يدها في كفه فتقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى ).
ويجب على المرأة أيضاً دوام الحياء من زوجها وغض طرفها قدامه والطاعة لأمره والسكوت عند كلامه والقيام عند قدومه والابتعاد عن جميع ما يسخطه والقيام معه عند خروجه وعرض نفسها عليه عند نومه وترك الخيانة له في غيبته في فراشه وماله وبيته وطيب الرائحة وتعاهد الفم بالسواك وبالمسك والطيب ودوام الزينة بحضرته وتركها الغيبة وإكرام أهله وأقاربه وترى القليل منه كثيراً.
فضل المرأة الطائعة لزوجها وشدة عذاب العاصية
ينبغي للمرأة الخائفة من الله تعالى أن تجتهد لطاعة الله وطاعة زوجها وتطلب رضاه جهدها فهو جنتها ونارها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة ).
وفي الحديث أيضاً: ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وأطاعت بعلها فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت ).
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يستغفر للمرأة المطيعة لزوجها الطير في الهواء والحيتان في الماء والملائكة في السماء والشمس والقمر ما دامت في رضا زوجها وأيما امرأة عصت زوجها فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وأيما امرأة كلحت في وجه زوجها فهي في سخط الله إلى أن تضاحكه وتسترضيه. وأيما امرأة خرجت من دارها بغير إذن زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ).
وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً قال: ( أربع من النساء في الجنة وأربع في النار فأما الأربع اللواتي في الجنة فامرأة عفيفة طائعة لله ولزوجها ولود صابرة قانعة باليسير مع زوجها ذات حياء إن غاب عنها حفظت نفسها وماله وإن حضر أمسكت لسانها عنه والرابعة امرأة مات عنها زوجها ولها أولاد صغار فحبست نفسها على أولادها وربتهم وأحسنت إليهم ولم تتزوج خشية أن يضيعوا. وأما الأربع اللواتي في النار من النساء فامرأة بذيئة اللسان على زوجها) أي طويلة اللسان على زوجها (فاحشة الكلام إن غاب عنها زوجها لم تصن نفسها وإن حضر آذته بلسانها والثانية امرأة تكلف زوجها ما لا يطيق والثالثة امرأة لا تستر نفسها من الرجال وتخرج من بيتها متبرجة والرابعة امرأة ليس لها هم إلا الأكل والشرب والنوم وليس لها رغبة في الصلاة ولا في طاعة الله ولا طاعة رسوله ولا في طاعة زوجها).
فالمرأة إذا كانت بهذه الصفة وتخرج من بيتها بغير إذن زوجها كانت ملعونة من أهل النار إلا أن تتوب إلى الله
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ). وذلك بسبب قلت طاعتهن لله ورسوله ولأزواجهن وكثرة تبرجهن والتبرج إذا أرادت الخروج لبست أفخر ثيابها وتجملت وتحسنت وخرجت تفتن الناس بنفسها فإن سلمت هي بنفسها لم يسلم الناس منها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان ).
وأعظم ما تكون المرأة من الله ما كانت في بيتها وفي الحديث أيضاً المرأة عورة فاحبسوها في البيوت فإن المرأة إذا خرجت إلى الطريق قال لها أهلها: أين تريدين قالت: أعود مريضاً أشيع جنازة فلا يزال بها الشيطان حتى تخرج من دارها. وما التمست المرأة رضا الله بمثل أن تقعد في بيتها وتعبد ربها وتطيع بعلها.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تؤذي المرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله. ويا بينة الويل لامرأة تعصي زوجها ).
حقوق الزوجة على زوجها
وإذا كانت المرأة مأمورة بطاعة زوجها وبطلب رضاه فالزوج أيضاً مأمور بالإحسان إليها واللطف بها والصبر على ما يبدو منها من سوء خلق وغيره وإيصالها حقها من النفقة والكسوة والعشرة الجميلة لقول الله تعالى ( وعاشروهن بالمعروف ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن وحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ). وقوله صلى الله عليه وسلم " عوان " أي أسيرات جمع عانية وهي الأسيرة شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة في دخولها تحت حكم الرجل بالأسير.
وقال صلى الله عليه وسلم: ( خيركم خيركم لأهله ) وفي رواية ( خيركم ألطفكم بأهله )، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد اللطف بالنساء.
وقال صلى الله عليه وسلم ( أيما رجل صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله الأجر مثل ما أعطى أيوب عليه السلام على بلائه وأيما امرأة صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله من الأجر مثل ما أعطى آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ).
وقد روي أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه يشكو خلق زوجته فوقف على باب عمر ينتظر خروجه فسمع امرأة عمر تستطيل عليه بلسانها وتخاصمه وعمر ساكت لا يرد عليها فانصرف الرجل راجعاً وقال: إن كان هذا حال عمر مع شدته وصلابته وهو أمير المؤمنين فكيف حالي ، فخرج عمر فرآه مولياً عن بابه فناداه وقال ما حاجتك يا رجل فقال: يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك سوء خلق امرأتي واستطالتها علي فسمعت زوجتك كذلك فرجعت وقلت: إذا كان حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي فقال: عمر يا أخي إني احتملتها لحقوق لها علي إنها طباخة لطعامي خبازة لخبزي غسالة لثيابي مرضعة لولدي وليس ذلك كله بواجب عليها ويسكن قلبي بها عن الحرام فأنا أحتملها لذلك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي قال عمر: فاحتملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة.

[مختصر من كتاب الكبائر للذهبى]