الكبيرة الخامسة والعشرون
اليمين الغموس
قال الله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) . قال الواحدي: نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ضيعة فهم المدعي عليه أن يحلف فأنزل الله هذه الآية فنكل المدعي عليه عن اليمين وأقر للمدعي بحقه وعن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ) . فقال الأشعث : في والله نزلت كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ألك بينة قلت : لا ، قال لليهودي : إحلف . قلت : يا رسول الله إنه إذن يحلف فيذهب بمالي ) . فأنزل الله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ) . أي عرضاً يسيراً من الدنيا وهو ما يحلفون عليه كاذبين ( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) . أي لا نصيب لهم في الآخرة ( ولا يكلمهم الله ) أي بكلام يسرهم ( ولا ينظر إليهم ) نظراً يسرهم يعني نظر الرحمة ( ولا يزكيهم ) ولا يزيدهم خيراً ولا يثني عليهم. وعن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان ) . قال عبد الله. ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقه من كتاب الله : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ) . إلى آخر الآية أخرجاه في الصحيحين. وعن أبي أمامة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) . فقال رجل : وإن كان يسيراً يا رسول الله قال : ( وإن كان قضيباً من أراك ) . أخرجه مسلم في صحيحه. قال حفص بن ميسرة: ما أشد هذا الحديث فقال أليس في كتاب الله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ) . الآية. وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ). فقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر : خابوا وخسروا يا رسول الله من هم قال : ( المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس ) . أخرجه البخاري في صحيحه والغموس هي التي يتعمد الكذب فيها سميت غموساً لأنها تغمس الحالف في الإثم وقيل تغمسه في النار.
فصل في اليمين الغموس
ومن ذلك الحلف بغير الله عز وجل كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والماء والحياة والأمانة وهي من أشد ما هنا والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان.
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن حلف فليحلف بالله أو ليسكت ) . وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم ) . رواه مسلم الطواغي: جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث : هذه طاغية دوس أي صنمهم ومعبودهم. وعن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف بالأمانة فليس منا ) . رواه أبو داود وغيره وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً ) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً يقول : والكعبة فقال : " لا تحلف بغير الله ". فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك ) . رواه الترمذي وحسنه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال : صحيح على شرطهم . قال : وفسر بعض العلماء قوله : ( كفر أو أشرك ) . على التغليظ كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الرياء شرك ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ) وقد كان في الصحابة من هو حديث عهد بالحلف بها قبل إسلامه فربما سبق لسانه إلى الحلف بها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبادر بقول : ( لا إله إلا الله ) ليكفر بذلك ما سبق إلى لسانه وبالله التوفيق.

الكبيرة السادسة والعشرون
ظلم الناس
الظلم بأكل أموال الناس وأخذها ظلما وظلم الناس بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء.
قال الله تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل. أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال. وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم. وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ) . وقال تعالى : ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ). ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ).
وقال صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى : أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون من المفلس )، قالوا : يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال : ( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج فيأتي وقد شتم هذا وأخذ مال هذا ونبش عن عرض هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيؤخذ لهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار ). وهذه الأحاديث كلها في الصحاح وتقدم حديث ( إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ). وتقدم قوله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : ( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ).
وفي الصحيح : ( من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ).
وعن عبد الله بن أنيس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهما فيناديهم مناد بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة أو أحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة أن أقصه حتى اللطمة فما فوقها ولا يظلم ربك أحدا (ً . قلنا : يا رسول الله كيف وإنما نأتي حفاة عراة . فقال : ( بالحسنات والسيئات جزاء ولا يظلم ربك أحداً )
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ضرب سوطاً ظلماً اقتص منه يوم القيامة ).
وأنشد بعضهم :
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً * فالظلم يرجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبـه * يدعو عليك وعين الله لم تنم
وعن جابر رضى الله عنهما قال : لما رجعت مهاجرة الحبشة عام الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا تخبروني بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة ) فقال فتية كانوا منهم بلى يا رسول الله : بينما نحن يوماً جلوس إذ مرت بنا عجوز من عجائزهم تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت المرأة على ركبتيها وانكسرت قلتها . فلما قامت التفتت إليه ثم قالت سوف تعلم يا غادر إذا وضع الله الكرسي وجمع الله الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون . سوف تعلم من أمري وأمرك عنده غداً . قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صدقت كيف يقدس الله قوماً لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم ).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خمسة غضب الله عليهم إن شاء أمضى غضبه عليهم في الدنيا وإلا أمر بهم في الآخرة إلى النار أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم من نفسه ولا يدفع الظلم عنهم وزعيم قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويتكلم بالهوى ورجل لا يأمر أهله وولده بطاعة الله ولا يعلمهم أمر دينهم ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجرته ورجل ظلم امرأة صداقها ).
وكان يزيد بن حكيم يقول : ما هبت أحداً قط هيبتي رجلاً ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله ، يقول لي : حسبي الله الله بيني وبينك.
وحبس الرشيد أبا العتاهية الشاعر فكتب إليه من السجن هذين البيتين شعراً:
أما والله إن الـظـلـم شـوم * وما زال المسيء هو المظلوم
ستعلم يا ظلوم إذا التقـينا * غـدا عنـد المليك من المـلـوم
ومن الظلم أخذ مال اليتيم
وتقدم حديث معاذ بن جبل حين قال له رسول الله : ( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ). وفي رواية { إن دعاء المظلوم يرفع فوق الغمام ويقول الرب تبارك وتعالى : ( وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين )}.
وأنشدوا شعراً:
توق دعا المظلوم إن دعـاءه * ليرفع فوق السحب ثم يجاب
توق دعا من ليس بين دعائه * وبين إله العالمين حـجـاب
ولا تحسبن الله مطرحـاً لـه * ولا أنه يخفى عليه خطـاب
فقد صح أن الله قال وعزتي * لأنصر المظلوم وهو مثاب
فمن لم يصدق ذا الحديث فإنه * جهول وإلا عقله فمصـاب
من أعظم الظلم المماطلة بحق عليه مع قدرته على الوفاء
لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مطل الغني ظلم ) . وفي رواية ( لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته ). أي يحل شكايته وحبسه.
ومن الظلم أن يظلم المرأة حقها من صداقها ونفقتها وكسوتها
روى عبد الله بن أبي الدنيا بسنده إلى أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته والله ما يتكلم لسانها ولكن يداها ورجلاها يشهدان عليها بما كانت تعنت لزوجها في الدنيا ويشهد على الرجل يده ورجله بما كان يولي زوجته من خير أو شر ثم يدعى بالرجل وخدمه مثل ذلك فما يؤخذ منهم دوانيق ولا قراريط ولكن حسنات هذا الظالم تدفع إلى هذا المظلوم وسيئات هذا المظلوم تحمل على هذا الظالم ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال سوقوهم إلى النار ).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينادى به على رؤوس الخلائق هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه . قال : فتفرح المرأة أن يكون لها حق على أبيها أو أخيها أو زوجها ثم قرأ : ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) . قال : فيغفر الله من حقه ما شاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً فينصب العبد للناس ثم يقول الله تعالى لأصحاب الحقوق : ( ائتوا إلى حقوقكم ) . قال : فيقول الله تعالى للملائكة : ( خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته ) فإن كان وليا لله وفضل له مثقال ذرة ضاعفها الله تعالى له حتى يدخله الجنة بها وإن كان عبداً شقياً ولم يفضل له شيء فتقول الملائكة : ربنا فنيت حسناته وبقي طالبوه . فيقول الله : ( خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ) ثم صك له صكاً إلى النار. ويؤيد ذلك ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون من المفلس فذكر أن المفلس من أمته من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ).
ومن الظلم أن يستأجر أجيراً أو إنساناً في عمل ولا يعطيه أجرته
لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته . رجل أعطى بي غدر ، ورجل باع حراً فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجرته ) وكذلك إذا ظلم يهودياً أو نصرانياًً أو نقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فهو داخل في قوله تعالى أنا حجيجه أو قال أنا خصمه يوم القيامة. ومن ذلك أن يحلف على دين في ذمته كاذباً فاجراً لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) . قيل : يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً ، قال : ( وإن قضيبا من أراك ) . وقد روي أنه لا أكره للعبد يوم القيامة من أن يرى من يعرفه خشية أن يطالبه بمظلمة ظلمه بها في الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلل منه اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ثم طرح في النار ).
الحذر من الدخول على الظلمة ومخالطتهم ومعونتهم
قال الله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) والركون ههنا السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تميلوا كل الميل في المحبة ولين الكلام والمودة وقال السدي وابن زيد : لا تداهنوا الظلمة وقال عكرمة هو أن يطيعهم ويودهم وقال أبو العالية : لا ترضوا بأعمالهم ، فتمسكم النار فيصيبكم لفحها ، وما لكم من دون الله من أولياء ن وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما لكم من مانع يمنعكم من عذاب الله ، ثم لا تنصرون ن لا تمنعون من عذابه وقال الله تعالى : ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) أي أشباههم وأمثالهم وأتباعهم،
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سيكون أمراء يغشاهم غواش أو حواش من الناس يظلمون ويكذبون فمن دخل عليهم وصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ).
وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أعان ظالماً سلط عليه ) . وقال سعيد بن المسيب رحمه الله : لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم الصالحة.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول من يدخل النار يوم القيامة السواطون الذين يكون معهم الأسواط يضربون بها الناس بين يدي الظلمة ).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : الجلاوزة والشرط كلاب النار يوم القيامة . والجلاوزة هم أعوان الظلمة.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقف أحدكم في موقف يضرب فيه رجل مظلوم فإن اللعنة تنزل على من حضر ذلك المكان إذا لم يدفعوا عنه ).
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) فقال يا رسول الله : أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً قال : ( تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ).

الكبيرة السابعة والعشرون
المكاس
وهو داخل في قول الله تعالى : ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ).
والمكاس هو من أكبر أعوان الظلمة ، بل هو من الظلمة أنفسهم فإنه يأخذ ما لا يستحق ويعطيه لمن لا يستحق ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المكاس لا يدخل الجنة ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة صاحب مكس ) . رواه أبو داود وما ذاك إلا لأنه يتقلد مظالم العباد ومن أين للمكاس يوم القيامة أن يؤدي للناس ما أخذ منهم إنما يأخذون من حسناته إن كان له حسنات وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون من المفلس قالوا يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال : إن المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وزكاة وصيام وحج ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيؤخذ لهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) . وفي حديث المرأة التي طهرت نفسها بالرجم : ( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) أو ( لقبلت منه ) والمكاس من فيه شبه من قاطع الطريق وهو من اللصوص . وجابي المكس وكاتبه وشاهده وآخذه من جندي وشيخ وصاحب رواية شركاء في الوزر آكلون للسحت والحرام وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت النار أولى به ) . والسحت : كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار . وذكره الواحدي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى : ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) . وعن جابر أن رجلاً قال : يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي وإني جمعت من بيعها مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة ، إن الله لا يقبل إلا الطيب ) فأنزل الله تعالى تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ) . قال عطاء والحسن : الحلال والحرام فنسأل الله العفو والعافية.

الكبيرة الثامنة والعشرون
أكل الحرام وتناوله على أي وجه كان
قال الله عز وجل : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ، أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني باليمين الباطلة الكاذبة يقتطع بها الرجل مال أخيه بالباطل والأكل بالباطل على وجهين أحدهما أن يكون على جهة الظلم نحو الغصب والخيانة والسرقة. والثاني على جهة الهزل واللعب كالذي يؤخذ في القمار والملاهي ونحو ذلك. وفي صحيح مسلم حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرجل يطيل السفر يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ) . وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن رجلاً أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) . وعن أنس رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله : أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا أنس أطب كسبك تجب دعوتك فإن الرجل ليرفع اللقمة من الحرام إلى فيه فلا يستجاب له دعوة أربعين يوماً ) وروى البيهقي بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وأن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ولا يكسب عبد مالاً حراماً فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق منه فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن ) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا حلوة خضرة من اكتسب فيها مالاً من حله وأنفقه في حقه أثابه الله وأورثه جنته ومن اكتسب فيها مالاً من غير حله وأنفقه في غير حقه أدخله الله تعالى دار الهوان. ورب متخوض فيما اشتهت نفسه من الحرام له النار يوم القيامة ) وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أي باب أدخله النار ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( لأن يجعل أحدكم في فيه تراباً خير من أن يجعل في فيه حراماً ) . وقد روي عن يوسف بن أسباط رحمه الله قال : أن الشاب إذا تعبد قال الشيطان لأعوانه : انظروا من أين مطعمه فإن كان مطعم سوء قال دعوه يتعب ويجتهد فقد كفاكم نفسه. إن اجهاده مع أكل الحرام لا ينفعه ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك? وقد روي في حديث أن ملكاً على بيت المقدس ينادي كل يوم وكل ليلة : " من أكل حراماً لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ". الصرف النافلة والعدل الفريضة . وقال عبد الله بن المبارك : " لأن أرد درهماً من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة " . وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من حج بمال حرام فقال لبيك قال ملك: لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك ) . وروى الإمام أحمد في القيامة وجاء عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من لم يبال من أين بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم من حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه ) . وقال وهب بن الورد لو قمت قيام السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك أحلال أم حرام . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : " لا يقبل الله صلاة امرئ وفي جوفه حرام حتى يتوب إلى الله تعالى منه " . وقال سفيان الثوري : من أنفق الحرام في الطاعة كمن طهر الثوب بالبول والثوب لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال وقال عمر رضي الله عنه : " كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام " . وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام ) وعن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج أي قد كاتبه على مال وكان يجيئه كل يوم بخراجه فيسأله من أين أتيت بها فإن رضيه أكله وإلا تركه. قال فجاءه ذات ليلة بطعام وكان أبو بكر صائماً فأكل منه لقمة ونسي أن يسأله ثم قال له : من أين جئت بهذا ، فقال : كنت تكهنت لأناس بالجاهلية وما كنت أحسن الكهانة إلا أني خدعتهم . فقال أبو بكر : أف لك كدت تهلكني ثم أدخل يده في فيه فجعل يتقيأ ولا يخرج فقيل له : إنها لا تخرج إلا بالماء فدعا بماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى قاء كل شيء في بطنه فقيل له : يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة فقال رضي الله عنه : لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ) . فخشيت أن ينبت بذلك في جسدي من هذه اللقمة. وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام ) . وإسناده صحيح قال العلماء رحمهم الله: ويدخل في هذا الباب: المكاس والخائن والزغلي والسارق والبطال وآكل الربا وموكله وآكل مال اليتيم وشاهد الزور ومن استعار شيئاً فجحده وآكل الرشوة ومنقص الكيل والوزن ومن باع شيئاً فيه عيب فغطاه والمقامر والساحر والمنجم والمصور والزانية والنائحة والعشرية والدلال إذا أخذ أجرته بغير إذن من البائع ومخبر المشتري بالزائد ومن باع حراً فأكل ثمنه.

الكبيرة التاسعة والعشرون
أن يقتل الإنسان نفسه
قال الله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً ).
قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ولا تقتلوا أنفسكم أي لا يقتل بعضكم بعضاً لأنكم أهل دين واحد فأنتم كنفس واحدة. هذا قول ابن عباس والأكثرين وذهب قوم إلى أن هذا نهي عن قتل الإنسان نفسه ويدل على صحة هذا ما أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري بإسناده عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت فصليت بأصحابي الصبح فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ) فأخبرته الذي منعني من الاغتسال فقلت إني سمعت الله يقول: ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ) . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً فدل هذا الحديث على أن عمرو تأول هذه الآية هلاك نفسه لا نفس غيره ولم ينكر ذلك عليه النبي صلى الله عليه وسلم. قوله ( ومن يفعل ذلك ) كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نهي عنه من أول السورة إلى هذا الموضع وقال قوم الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة وقوله تعالى: ( عدواناً وظلماً ) مع العدوان أن يعدو ما أمر الله به ( وكان ذلك على الله يسيراً ) أي أنه قادر على إيقاع ما توعد به من إدخال النار. وعن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحذ بها يده فما رقأ الدم حتى مات . قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) مخرج في الصحيحين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً فيها أبداً ). مخرج في الصحيحين. وفي حديث ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لعن المؤمن كقتله ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ). وفي الحديث الصحيح عن الرجل الذي آلمته الجراح فاستعجل الموت فقتل نفسه بذباب سيفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو من أهل النار ) . فنسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه جواد كريم غفور رحيم.

الكبيرة الثلاثون
الكذب في غالب أقواله
قال الله تعالى: ( ألا لعنة الله على الكاذبين ) وقال الله تعالى ( قتل الخراصون ) أي الكاذبون وقال تعالى ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب )،
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ).
وفي الصحيحين أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( آية المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ).
وقال عليه الصلاة والسلام: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ).
وفي صحيح البخاري في حديث منام النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فأتينا على رجل مضطجع لقفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد يشرشر شدقه إلى قفاه وعيناه إلى قفاه ثم يذهب إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل في الجانب الأول فما يرجع إليه حتى يصح مثل ما كان فيفعل به كذلك إلى يوم القيامة فقلت لهما : من هذا فقالا : إنه كان يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق ).
وقال صلى الله عليه وسلم: ( يطبع المؤمن على كل شيء ليست الخيانة والكذب ) . وفي الحديث: ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ).
وقال صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ) . والعائل هو الفقير.
وقال صلى الله عليه وسلم: ( ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به الناس فيكذب. ويل له ويل له ويل له ).
وأعظم من ذلك
الحلف كما أخبر الله تعالى عن المنافقين بقوله: ( ويحلفون على الله الكذب وهم يعلمون ) . وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ما يمنعه ابن السبيل ورجل بايع رجلاً سلعة فحلف بالله لأخذتها بكذا وكذا فصدقه وأخذها وهو على غير ذلك ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى له وإن لم يعطه لم يف له ) . وقال صلى الله عليه وسلم:: ( كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب ) . وفي الحديث أيضاً: ( من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فرى الفرى على الله أن يري الرجل عينيه ما لم تريا ) معناه أن يقول رأيت في منامي كيت وكيت ولم يكن رأى شيئاً. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى ينكت في قلبه نكتة سوداء. حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين.
فينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه عن الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة فإن في السكوت سلامة والسلامة لا يعدلها شيء،
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) . فهذا الحديث المتفق على صحته نص صريح في أنه لا ينبغي للإنسان أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً وهو الذي ظهرت مصلحته للمتكلم قال أبو موسى قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل ، قال: ( من سلم المسلمون من لسانه ويده ).
وفي الصحيحين: ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها أي ما يفكر فيها بأنها حرام يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) . وفي موطأ الإمام مالك من رواية بلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى بها له رضوانه إلى يوم يلقاه وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ) والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرنا كثيرة وفيما أشرنا إليه كفاية.
جنبنا الله معاصيه واستعملناه فيما يرضيه إنه جواد كريم.

الكبيرة الحادية والثلاثون
القاضي السوء
قال الله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال الله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال الله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ).
روى الحاكم بإسناده وفي صحيحه عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يقبل الله صلاة إمام حكم بغير ما أنزل الله ).
وصحح الحاكم أيضاً من حديث بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متعمداً فهو في النار وقاض قضى بغير علم فهو في النار) . قالوا فما ذنب الذي يجهل ، قال: ( ذنبه أن لا يكون قاضياً حتى يعلم ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين ).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة ).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن القاضي ليزل في زلقة في جهنم أبعد من عدن ).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عز وجل على الصراط ثم تنشر سريرته فتقرأ على رؤوس الخلائق فإن كان عدلاً نجاه الله بعدله وإن كان غير ذلك انتفض به ذلك الجسر انتفاضاً فصار بين كل عضو من أعضائه مسيرة كذا وكذا ثم ينخرق به الجسر إلى جهنم ).
وقال مكحول: لو خيرت بين القضاء وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي على القضاء،
وقال أيوب السختياني: إني وجدت أعلم الناس أشدهم هرباً منه.
وقيل للثوري: إن شريحاً قد استقضي فقال أي رجل قد أفسدوه ودعا مالك بن المنذر محمد بن واسع ليجعله على قضاء البصرة فأبى فعاوده وقال لتجلسن وإلا جلدتك فقال: إن تفعل فإنك سلطان وإن ذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة،
وقال وهب بن منبه: إذا هم الحاكم بالجور أو عمل به أدخل الله النقص على أهل مملكته حتى في الأسواق والأرزاق والزرع والضرع وكل شيء وإذا هم بالخير أو العدل أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك.
وكتب عامل من عمال حمص إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى إصلاح. فكتب إليه عمر: حصنها بالعدل ونق طرقها من الجور والسلام.
قال: ويحرم على القاضي أن يحكم وهو غضبان وإذا اجتمع في القاضي قلة علم وسوء قصد وأخلاق زعرة وقلة ورع فقد تم خسرانه ووجب عليه أن يعزل نفسه ويبادر بالخلاص. فنسأل الله العفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة الثانية والثلاثون
أخذ الرشوة على الحكم
قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون). أي لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقاً لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم). أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وعن عبد الله بن عمرو: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الراشي والمرتشي.
قال العلماء : فالراشي هو الذي يعطي الرشوة والمرتشي هو الذي يأخذ الرشوة وإنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم أو ينال بها ما لا يستحق أما إذا أعطى ليتوصل إلى حق له ويدفع عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في اللعنة وأما الحاكم فالرشوة عليه حرام أبطل بها حقاً أو دفع بها ظلماً. وقد روي في حديث آخر إن اللعنة على الرائش أيضاً وهو الساعي بينهما وهو تابع للراشي في قصده خيراً لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته.
فصل فيما يدخل في الرشوة
ومن ذلك ما روى أبو داود في سننه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى باباً كبيراً من أبواب الربا). وعن ابن مسعود قال: السحت أن تطلب لأخيك الحاجة فتقضى فيهدي إليك هدية فتقبلها منه ، وعن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفاً فردها ولم يقبلها ، وقال سمعت ابن مسعود يقول: من رد عن مسلم مظلمة فأعطاه على ذلك قليلاً أو كثيراً فهو سحت. فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نظن أن السحت إلا الرشوة في الحكم. فقال: ذلك كفر نعوذ الله منه ونسأل الله العفو والعافية من كل بلاء ومكروه.

الكبيرة الثالثة والثلاثون
تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء
في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء). وفي رواية قال: (لعن الله الرجلة من النساء). وفي رواية قال (لعن الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء) يعني اللاتي يتشبهن بالرجال في لبسهم وحديثهم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المرأة تلبس لبسة الرجل والرجل يلبس لبسة المرأة).
فإذا لبست المرأة زي الرجال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرجال في لبسهم فتلحقها لعنة الله ورسوله ولزوجها إذا أمكنها من ذلك أي رضي به ولم ينهها لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله ونهيها عن المعصية لقول الله تعالى (قوا أنفسك وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة). أي أدبوهم وعلموهم ومروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصية الله كما يجب ذلك عليكم في حق أنفسكم ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. الرجل راع في أهله ومسؤول عنهم يوم القيامة). وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا هلكت الرجال حين أطاعوا النساء). وقال الحسن: والله ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله تعالى في النار وقال صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). أخرجه مسلم. قوله كاسيات أي من نعم الله عاريات من شكرها وقيل: هو أن تلبس المرأة ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها ومعنى مائلات قيل عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه مميلات أي يعلمن غيرهن الفعل المذموم وقيل مائلات متبخترات مميلات لأكتافهن وقيل مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا ومميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. رؤوسهن كأسنمة البخت أي يكبرنها ويعظمنها بلف عصابة أو عمامة أو نحوهما وعن نافع قال كان ابن عمر وعبد الله بن عمرو عند الزبير بن عبد المطلب إذ أقبلت امرأة تسوق غنماً متنكبة قوساً. فقال عبد الله بن عمر: أرجل أنت أم امرأة فقالت: امرأة فالتفت إلى ابن عمرو فقال: إن الله تعالى لعن على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهون من الرجال بالنساء.
ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ من تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر والحرير والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها إلى غير ذلك إذا خرجت وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة وهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء قال عنهن النبي صلى الله عليه وسلم: (اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء) وقال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء). فنسأل الله أن يقينا فتنتهن وأن يصلحهن وإيانا بمنه وكرمه.

الكبيرة الرابعة والثلاثون
الديوث المستحسن على أهله والقواد الساعي بين الاثنين بالفساد
قال الله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين).
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء).
وروى النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث الذي يقر الخبث في أهله). يعني يستحسن على أهله نعوذ بالله من ذلك.
قال المصنف يرحمه الله تعالى: فمن كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبته فيها أو لأن لها عليه دينا وهو عاجز أو صداقاً ثقيلاً أو له أطفال صغار فترفعه إلى القاضي وتطلب فرضهم فهو دون من يعرض عنه ولا خير فيمن لا غيرة له. فنسأل الله العافية من كل بلاء ومحنة إنه جواد كريم.

الكبيرة الخامسة والثلاثون
المحلل والمحلل له
صح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له.
قال الترمذي: والعمل على ذلك عند أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر ، رضى الله عنهم جميعآ ـ وهو قول الفقهاء من التابعين ورواه الإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه أيضاً بإسناد صحيح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلل فقال: ( لا الإنكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عز وجل حتى يذوق العسيلة ). ورواه أبو إسحاق الجوزجاني.
وعن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبركم بالتيس المستعار ) قالوا: بلى يا رسول الله قال: ( هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له ) . رواه ابن ماجه بإسناد صحيح،
وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رجلاً سأله فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم فقال له ابن عمر: لا الإنكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها وإنا كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأله رجل فقال ابن عمي طلق امرأته ثلاثاً ثم ندم فقال ابن عمك عصى ربه فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجاً. فقال: كيف ترى في رجل يحلها له فقال: " من يخادع الله يخدعه "
وقال إبراهيم النخعي إذا كان نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الزوج الآخر أو المرأة التحليل فنكاح الآخر باطل ولا تحل للأول،
وقال الحسن البصري: إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد،
وقال سعيد بن المسيب إمام التابعين في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول فقال: لا تحل وممن قال بذلك مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والإمام أحمد،
وقال إسماعيل بن سعيد: سألت الإمام أحمد عن الرجل يتزوج المرأة وفي نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك فقال: هو محلل وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون،
ومذهب الشافعي يرحمه الله إذا شرط التحليل في العقد بطل العقد لأنه عقد بشرط قطعه دون غايته فبطل كنكاح المتعة وإن وجد الشرط قبل العقد فالأصح الصحة وإن عقد كذلك ولم يشرط في العقد ولا قبله لم يفسد العقد وإن تزوجها على أنه إذا أحلها طلقه ففيه قولان أصحهما أنه يبطل ووجه البطلان أنه شرط يمنع صحته دوام النكاح فأشبه التأقيت وهذا هو الأصح في الرافعي. ووجه الثاني أنه شرط فاسد قارن العقد فلا يبطل كما لو تزوجها بشرط أن لا يتزوج عليها ولا يسافر بها والله أعلم. فنسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه ويجنبنا معاصيه إنه جواد كريم غفور رحيم.

الكبيرة السادسة والثلاثون
عدم التنزه من البول
عدم التنزه من البول هو شعار النصارى. قال الله تعالى: (وثيابك فطهر )،
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول) أي لا يتحرز منه. مخرج في الصحيحين،
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه). رواه الدارقطني.
ثم إن من لم يتحرز من البول في بدنه وثيابه فصلاته غير صحيحة،
وروى الحافظ أبو نعيم في " الحلية " عن شقي بن ماتع الأصبحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون ما بين الحميم والجحيم ويدعون بالويل والثبور ويقول أهل النار لبعضهم البعض: ما بال الأبعد قد آذونا على ما بنا من الأذى، فيقول: إن الأبعد عليه تابوت من جمر ورجل يجر أمعاءه ورجل يسيل فمه قيحاً ودماً ورجل يأكل لحمه. قال: فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين ما أصاب البول منه "ولا يغسله" ثم يقال للذي يسيل فمه قيحاً ودماً ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى فيقول: إن الأبعد كان ينظر كل كلمة قبيحة فيستلذها. للذي يأكل لحمه ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى، فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس) يعني بالغيبة.

[مختصر من كتاب الكبائر للذهبى]