الكبيرة الثانية عشرة
الربا
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) . وقال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ) وقال الله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي قد مسه الشيطان وصرعه ( ذلك ) أي ذلك الذي أصابهم ( بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ). أي حلالاً فاستحلوا ما حرم الله. فإذا بعث الله الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم المصروع كلما قام صرع لأنهم لما أكلوا الربا الحرام في الدنيا أرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم يوم القيامة فهم كلما أرادوا النهوض سقطوا ويريدون الإسراع مع الناس فلا يقدرون.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لما أسري بي مررت بقوم بطونهم بين أيديهم كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم قد مالت بهم بطونهم منضدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهزمة لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم : فقلت يا جبريل من هؤلاء قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ".
وفي رواية قال : ( لما عرج بي سمعت في السماء السابعة فوق رأسي رعداً وصواعق ورأيت رجالاً بطونهم بين أيديهم كالبيوت فيها حيات وعقارب ترى من ظاهر بطونهم فقلت : من هؤلاء يا جبريل فقال : هؤلاء أكلة الربا ).
وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه : إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله بهلاكها. وعن عمر رضى الله عنه مرفوعا ً: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم . وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما ظهر في قوم الربا إلا ظهر فيهم الجنون ، ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت ، وما بخس قوم الكيل والوزن إلا منعهم الله القطر ).
وجاء في حديث فيه طول : " إن آكل الربا يعذب من حين يموت إلى يوم القيامة بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم ويلقم الحجارة وهو المال الحرام الذي جمعه في الدنيا يكلف المشقة فيه ويلقم حجارة من نار كما ابتلع الحرام الذي جمعه في الدنيا هذا العذاب له في البرزخ قبل يوم القيامة مع لعنة الله له ". كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها : مدمن الخمر وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه إلا أن يتوبوا ).
وقد ورد أن أكلة الربا يحشرون في صورة الكلاب والخنازير من أجل حيلتهم على أكل الربا كما مسخ أصحاب السبت حين تحيلوا على إخراج الحيتان التي نهاهم الله عن اصطيادها يوم السبت فحفروا لها حياضاً تقع فيها يوم السبت فيأخذونها يوم الأحد فلما فعلوا ذلك مسخهم الله قردة وخنازير . وهكذا الذين يتحيلون على الربا بأنواع الحيل فإن الله لا تخفى عليه حيل المحتالين ،
وقال صلى الله عليه وسلم : ( الربا سبعون باباً أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه وأن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم ).
وعن أنس رضى الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الربا وعظم شأنه فقال : ( الدرهم الذي يصيبه الرجل من الربا أشد من ست وثلاثين زنية في الإسلام ).
وعنه صلى الله عليه وسلم قال : ( الربا سبعون حوباً أهونها كوقع الرجل على أمه ) وفي رواية ( أهونها كالذي ينكح أمه ). والحوب الإثم.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : " الزائد والمستزيد في النار " يعني الآخذ والمعطي فيه سواء نسأل الله العافية.
فصل
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا كان لك على رجل دين فأهدى لك شيئاً فلا تأخذه فإنه ربا . وقال الحسن رحمه الله : إذا كان لك على رجل دين فما أكلت من بيته فهو سحت . وهذا من قوله صلى الله عليه وسلم ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا ) ، وقال ابن مسعود أيضا ً: من شفع لرجل شفاعة فأهدى له هدية فهي سحت وتصديقه من قوله صلى الله عليه وسلم : ( من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا ) . أخرجه أبو داود.
فنسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

الكبيرة الثالثة عشرة
أكل مال اليتيم وظلمه
قال الله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ). وقال الله تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعراج : ( فإذا أنا برجال وقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم وتخرج من أدبارهم فقلت : يا جبريل من هؤلاء قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا (ً . رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { يبعث الله عز وجل قوماً من قبورهم تخرج النار من بطونهم تأجج أفواههم ناراً فقيل من هم يا رسول الله ، قال : ألم تر أن الله تعالى يقول : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً )}.
قال العلماء : فكل ولي ليتيم إذا كان فقيراً فأكل من ماله بالمعروف بقدر قيامه عليه في مصالحه وتنمية ماله فلا بأس عليه وما زاد على المعروف فسحت حرام لقول الله تعالى ( ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ).
وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال أحدها أنه الأخذ على وجه القرض، والثاني الأكل بقدر الحاجة من غير إسراف، والثالث أنه أخذ بقدر إذا عمل لليتيم عملاً، والرابع أنه الأخذ عند الضرورة فإن أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو في حل وهذه الأقوال ذكرها ابن الجوزي في تفسيره.
وفي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ). وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال : ( كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة ). وأشار بالسبابة والوسطى.
كفالة اليتيم هي القيام بأموره والسعي في مصالحه من طعامه وكسوته وتنمية ماله إن كان له مال وإن كان لا مال له أنفق عليه وكساه ابتغاء وجه الله تعالى وقوله في الحديث له أو لغيره أي سواء كان اليتيم قرابة أو أجنبياً منه فالقرابة مثل أن يكفله جده أو أخوه أو أمه أو عمه أو زوج أمه أو خاله أو غيره من أقاربه والأجنبي من ليس بينه وبينه قرابة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ضم يتيماً من المسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله تعالى أوجب الله له الجنة إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( من مسح رأس يتيم لا يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة ومن أحسن إلى يتيم أو يتيمة عنده كنت أنا وهو هكذا في الجنة ).
وقال رجل لأبي الدرداء رضي الله عنه : أوصني بوصية ، قال ارحم اليتيم وأدنه منك وأطعمه من طعامك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل يشتكي قسوة قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أردت أن يلين قلبك فأدن اليتيم منك وامسح رأسه وأطعمه من طعامك فإن ذلك يلين قلبك وتقدر على حاجتك ).
وثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله ) . قال الراوي أحسبه قال : ( وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر ) والساعي عليهم هو القائم بأمورهم ومصالحهم ابتغاء وجه الله تعالى.
وفقنا الله لذلك بمنه وكرمه إنه جواد كريم رؤوف غفور رحيم.

الكبيرة الرابعة عشرة
الكذب على الله ورسوله
قال الله عز وجل : ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) قال الحسن : هم الذين يقولون : إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل قال ابن الجوزي في تفسيره : وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله وعلى رسوله كفر ينقل عن الملة. ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله في تحليل حرام وتحريم حلال كفر محض وإنما الشأن في الكذب عليه فيما سوى ذلك.
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من كذب علي بني له بيت في جهنم ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن كذباً علي ليس ككذب على غيري من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من يقل عني ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( يطبع المؤهل على كل شيء إلا الخيانة والكذب ).
نسأل الله التوفيق والعصمة إنه جواد كريم.

الكبيرة الخامسة عشرة
الفرار من الزحف
إذا لم يزد العدو على ضعف المسلمين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة وإن بعدت قال الله تعالى : ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قالوا وما هن يا رسول الله قال : ( الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) فكتب الله عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين ثم نزلت ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ) . فكتب أن لا يفر مائة من مائتين رواه البخاري.

الكبيرة السادسة عشرة
غش الإمام الرعية وظلمه لهم
قال الله تعالى : ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ) وقال الله تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ) ، وقال الله تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) ، وقال الله تعالى : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من غشنا فليس منا ) . وقال عليه السلام : ( الظلم ظلمات يوم القيامة ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما راع غش رعيته فهو في النار ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة ). أخرجه البخاري وفي لفظ : ( يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه فإن قال. ألقه ألقاه فهوى في جهنم أربعين خريفاً ) رواه الإمام أحمد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يعذبون ولم يكونوا عملوا من شيء ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه إما أطلقه عدله أو أوبقه جوره ).
ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اللهم من ولي من أمر هذه الأمة شيئاً فرفق بهم فارفق به ومن شفق عليهم فأشفق عليه ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سيكون أمراء فسقة جورة فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي سلطان ظلوم غشوش وغال في الدين يشهد عليهم ويتبرأ منهم ). وقال عليه السلام : ( أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر ). وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم وقبل أن تستغفروا الله فلا يغفر لكم إن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عمهم بالبلاء ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) . ( ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثنا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ). وفي الحديث أيضاً ( من لا يرحم لا يرحم لا يرحم الله من لا يرحم الناس ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( الإمام العادل يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ). وقال : ( المقسطون على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ).
ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال : ( إياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ). رواه البخاري وقال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: فذكر منهم الملك الكذاب وقال: إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة ). رواه البخاري وفيه أيضاً ( وإنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحداً حرص عليه ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا كعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ).
وقال : ( ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة ). وقال عمر لأبي ذر رضي الله عنهما حدثني بحديث سمعته من رسول الله فقال أبو ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فإن كان مطيعاً لله في عمله مضى به وإن كان عاصياً لله في عمله انخرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار خمسين عاماً ). فقال عمر : من يطلب العمل بها يا أبا ذر قال : من سلت الله أنفه وألصق خده بالتراب.
وقال عمرو بن المهاجر قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم قل : يا عمر ما تصنع.
يا راضياً باسم الظالم كم عليك من المظالم، السجن جهنم والحق حاكم، ولا حجة لك فيما تخاصم، القبر مهول فتذكر حبسك، والحساب طويل فخلص نفسك، والعمر كيوم فبادر شمسك، تفرح بمالك والكسب خبيث وتمرح بآمالك، والسير حثيث إن الظلم لا يترك منه قدر أنملة. فإذا رأيت ظالماً قد سطا، فربما بات فأخذته من الليل نملة أو قروح في الجسد.

الكبيرة السابعة عشرة
الكبر
الكبر والفخر والخيلاء والعجب والتيه من الكبائر، قال الله تعالى : ( وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) وقال الله تعالى : ( إنه لا يحب المستكبرين ). وقال الله تعالى : ( إن الله لا يحب كل مختال فخور )
وقال الله تعالى : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ) أي لا تمل خدك معرضاً متكبراً والمرح التبختر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل يتبختر في مشيه إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( يحشر الجبارون المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس يغشاهم الذل من كل مكان ).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر ). رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : ( العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ). رواه مسلم والمنازعة هى المجاذبة.
وقال صلى الله عليه وسلم : ( اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة: مالي ما يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار أوثرت بالجبارين والمتكبرين ). الحديث ،
وقال سلمة بن الأكوع : أكل رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله ، قال : ( كل بيمينك ). قال لا أستطيع فقال : ( لا استطعت ما منعه إلا الكبر ) فما رفعها إلى فيه بعد . رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام : ( ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ). العتل الغليظ الجافي والجواظ الجموع المنوع وقيل الضخم المختال في مشيته وقيل البطين
وقال بعض السلف أول ذنب عُصي الله به الكبر قال الله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ). فمن استكبر على الحق لم ينفعه إيمانه كما فعل إبليس.
عن ابن عمر رضي الله عنهما : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من رجل يختال في مشيته ويتعاظم في نفسه إلا لقي الله وهو عليه غضبان ).
وصح من حديث أبي هريرة : ( أول ثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط أي ظالم وغني لا يؤدي الزكاة وفقير فخور )
وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالصلف الكاذب ). والمسبل هو الذي يسبل إزاره أو ثيابه أو سراويله حتى يكون إلى قدميه لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أسبل من الكعبين من الإزار فهو في النار ).
ومن طلب العلم للفخر والرياسة وبطر على المسلمين وتحامق عليهم وازدراهم فهذا من أكبر الكبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الكبيرة الثامنة عشرة
شهادة الزور
قال الله تعالى : ( والذين لا يشهدون الزور ) الآية وفي الأثر عدلت شهادة الزور الشرك بالله تعالى مرتين وقال الله تعالى : ( واجتنبوا قول الزور ). وفي الحديث لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار. قال المصنف رحمه الله تعالى: شاهد الزور قد ارتكب عظائم أحدها الكذب والافتراء. قال الله تعالى : ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ).
وفي الحديث يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب وثانيها إنه ظلم الذي شهد عليه حتى أخذ بشهادته ماله وعرضه وروحه وثالثها إنه ظلم الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام فأخذه بشهادته فوجبت له النار وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار ). ورابعها : أنه أباح ما حرم الله تعالى وعصمه من المال والدم والعرض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ، الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ). رواه البخاري
فنسأل الله تعالى السلامة والعافية من كل بلاء.

الكبيرة التاسعة عشرة
شرب الخمر
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ). فقد نهى عز وجل في هذه الآية عن الخمر وحذر منها
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ) فمن لم يجتنبها فقد عصى الله ورسوله واستحق العذاب بمعصية الله ورسوله. قال الله تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين ).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزل تحريم الخمر مشى الصحابة بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلاً للشرك. وذهب عبد الله بن عمرو إلى أن الخمر أكبر الكبائر وهي بلا ريب أم الخبائث وقد لعن شاربها في غير حديث وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ومات ولم يتب منها وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة ). رواه مسلم وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه الله من طينة الخبال ، قيل يا رسول الله وما طينة الخبال ، قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار ). وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من شرب الخمرة في الدنيا يحرمها في الآخرة ).
والخمر ما خامر العقل أي غطاه سواء كان رطباً أو يابساً أو مأكولاًً أو مشروباً وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله لشارب الخمر صلاة ما دام في جسده شيء منها ). وفي رواية ( من شرب الخمر لم يقبل الله منه شيئاً ومن سكر منها لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً فإن تاب ثم عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من مهل جهنم ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من شرب الخمر ولم يسكر أعرض الله عنه أربعين ليلة ومن شرب الخمر وسكر لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أربعين ليلة فإن مات فيها مات كعابد وثن وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل : يا رسول الله وما طينة الخبال ، قال عصارة أهل النار القيح والدم ).
مدمن الخمر كعابد الوثن :
رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مدمن الخمر كعابد الوثن ).
مدمن الخمر إذا مات ولم يتب لا يدخل الجنة :
روى النسائي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ) وفي رواية ( ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث وهو الذي يقر السوء في أهله ).
السكران لا يقبل الله منه حسنة :
روى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا ترفع لهم حسنة إلى السماء : العبد الأبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها والسكران حتى يصحو ).
من شرب الخمر لا يكون مؤمناً حين يشربها :
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد ). أخرجه البخاري وفي الحديث ( من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه ). وفيه : ( من شرب الخمر ممسياً أصبح مشركاً ومن شربها مصبحاً أمسى مشركاً ). وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن رائحة الجنة لتوجد من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق ولا منان ولا مدمن خمر ولا عابد وثن ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين بعثني لأمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية وأقسم ربي تعالى بعزته { لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من الخمر إلا سقيته مثلها من حميم جهنم ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيته إياها في حظائر القدس مع خير الندماء }).
من لعن في الخمر :
روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لعنت الخمر بعينها وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها ). ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أتاني جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها ومستقيها ).
النهي عن عيادة شربة الخمر إذا مرضوا وكذلك لا يسلم عليهم:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال " لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا " قال البخاري وقال ابن عمر لا تسلموا على شربة الخمر وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تجالسوا شراب الخمر ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم وإن شارب الخمر يجيء يوم القيامة مسوداً وجهه مدلعاً لسانه على صدره يسيل لعابه يقذره كل من رآه وعرفه أنه شارب خمر ).
قال بعض العلماء : إنما نهى عن عيادتهم والسلام عليهم لأن شارب الخمر فاسق ملعون قد لعنه الله ورسوله كما تقدم في قوله ( لعن الله الخمور وشاربها ) الحديث فإن اشتراها وعصرها كان ملعوناً مرتين وإن سقاها لغيره كان ملعوناً ثلاث مرات فلذلك نهى عن عيادته والسلام عليه إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه.
الخمر لا يحل التداوي به :
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت اشتكت ابنة لي فنبذت لها في كوز فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغلي فقال ( ما هذا يا أم سلمة ) فذكرت له أني أداوي به ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ).
ذكر الحشيشة وتحريمها
والحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام كالخمر يحد شاربها كما يحد شارب الخمر وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة
وقد توقف بعض العلماء المتأخرين في حدها ورأى أن أكلتها تعزر بما دون الحد حيث ظنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج ولم يجد للعلماء المتقدمين فيها كلاماً وليس كذلك بل أكلتها ينشون ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر حتى لا يصبروا عنها وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها مع ما فيها من الدياثة والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك. لكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شراباً تنازع العلماء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد وغيره فقيل هي نجسة كالخمر المشروبة وهذا هو الاعتبار الصحيح وقيل لا لجمودها وقيل يفرق بين جامدها ومائعها وبكل حال: فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر المسكر لفظاً ومعنى ، قال أبو موسى : يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد و " المزر" وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر حرام ) رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ). ولم يفرق صلى الله عليه وسلم بين نوع ونوع لكونه مأكولاً أو مشروباً على أن الخمر قد يصطنع بها يعني الخبز وهذه الحشيشة قد تذاب بالماء وتشرب والخمر يشرب ويؤكل والحشيشة تشرب وتؤكل وإنما لم يذكرها العلماء لأنها لم تكن على عهد السلف الماضي وإنما حدثت في مجيء التتار إلى بلاد الإسلام

الكبيرة العشرون
القمار
قال الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون )
والميسر هو القمار بأي نوع كان : نرد أو شطرنج أو فصوص أو كعاب أو جوز أو بيض أو حصى أو غيره وهو من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ). وداخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ). وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق ). فإذا كان مجرد القول يوجب الكفارة أو الصدقة فما ظنك بالفعل
النرد والشطرنج
اختلف العلماء في النرد والشطرنج إذا خلياً عن رهن اتفقوا على تحريم اللعب بالنرد لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه ). أخرجه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ). وقال ابن عمر رضي الله عنهما : اللعب بالنرد قمار كالدهن بودك الخنزير.
وأما الشطرنج فأكثر العلماء على تحريم اللعب بها سواء كان برهن أو بغيره أما بالرهن فهو قمار بلا خلاف وأما الكلام إذا خلا عن الرهن فهو أيضاً قمار حرام عند أكثر العلماء وحكي إباحته في رواية عن الشافعي إذا كان في خلوة ولم يشغل عن واجب ولا عن صلاة في وقتها وسئل النووي رحمه الله عن اللعب بالشطرنج أحرام أم جائز فأجاب رحمه الله تعالى هو حرام عند أكثر أهل العلم. وسئل أيضاً رحمه الله عن لعب الشطرنج هل يجوز أم لا وهل يأثم اللاعب بها أم لا أجاب رحمه الله إن فوت به صلاة عن وقتها أو لعب بها على عوض فهو حرام وإلا فمكروه عند الشافعي وحرام عند غيره وهذا كلام النووي في فتاويه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الشطرنج ميسر الأعاجم ومر رضي الله عنه على قوم يلعبون بها فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفى خير له من أن يمسسها . ثم قال والله لغير هذا خلقتم وقال أيضاً رضي الله عنه صاحب الشطرنج أكذب الناس . يقول أحدهم قتلت وما قتل . ومات وما مات. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ . وقيل لإسحاق بن راهويه أترى في اللعب بالشطرنج بأس فقال : البأس كله فيه . فقيل له : إن أهل الثغور يلعبون بها لأجل الحرب فقال : هو فجور. وسئل محمد بن كعب القرظي عن اللعب بالشطرنج فقال : أدنى ما يكون فيها أن اللاعب بها يعرض يوم القيامة أو قال يحشر يوم القيامة مع أصحاب الباطل.
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الشطرنج فقال : هي أشر من النرد وتقدم الكلام عن تحريمه.
وقال مجاهد : ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجالسهم فاحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج فقيل له : قل لا إله إلا الله ، فقال : شاهك ثم مات فغلب على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب. فنسأل الله المنان بفضله أن يتوفانا مسلمين لا مبدلين ولا مغيرين ولا ضالين ولا زائغين إنه جواد كريم.

الكبيرة الحادية والعشرون
قذف المحصنات
قال الله تعالى : ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ). وقال الله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ).
بين الله تعالى في الآية أن من قذف امرأة محصنة حرة عفيفة عن الزنا والفاحشة أنه ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم وعليه في الدنيا الحد ثمانون جلدة وتسقط شهادته وإن كان عدلاً . وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اجتنبوا السبع الموبقات ) فذكر منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات والقذف أن يقول لامرأة أجنبية حرة عفيفة مسلمة يا زانية أو يا باغية أو يا قحبة أو يقول لزوجها : يا زوج القحبة أو يقول لولدها : يا ولد الزانية أو يا ابن القحبة . أو يقول لبنتها يا بنت الزانية أو يا بنت القحبة . فإن القحبة عبارة عن الزانية . فإذا قال ذلك أحد من رجل أو امرأة لرجل أو لامرأة كمن قال لرجل يا زاني أو قال لصبي حر يا علق أو يا منكوح ، وجب عليه الحد ثمانون جلدة إلا أن يقيم بينة بذلك والبينة كما قال الله : أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة أو ذاك الرجل فإن لم يقم بينة جلد إذا طالبته بذلك التي قذفها أو إذا طالبه بذلك الذي قذفه وكذلك إذا قذف مملوكه أو جاريته بأن قال لمملوكه : يا زاني أو لجاريته يا زانية أو يا باغية أو يا قحبة لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال ) . وكثير من الجهال واقعون في هذا الكلام الفاحش الذي عليهم فيه العقوبة في الدنيا والآخرة ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) . فقال له معاذ بن جبل : يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به. فقال : ( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) . وفي الحديث : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) . وقال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ). وقال عقبة بن عامر : يا رسول الله ما النجاة قال : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وإن أبعد الناس إلى الله القلب القاسي ).
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن أبغض الناس إلى الله الفاحش ) البذي الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام. وقانا الله وإياكم شر ألسنتنا بمنه وكرمه إنه جواد كريم.

الكبيرة الثانية والعشرون
الغلول من الغنيمة
وهي من بيت المال ومن الزكاة قال الله تعالى : ( إن الله لا يحب الخائنين ) وقال الله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال : ( لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع يخفق فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ). أخرج هذا الحديث مسلم . قوله : على رقبته رقاع تخفق أي ثياب وقماش . قوله : على رقبته صامت أي من ذهب أو فضة فمن أخذ شيئاً من هذه الأنواع المذكورة من الغنيمة قبل أن تقسم بين الغانمين أو من بيت المال بغير إذن الإمام أو من الزكاة التي تجمع للفقراء جاء يوم القيامة حامله على رقبته كما ذكر الله تعالى في القرآن : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ).
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول بأنه عار على صاحبه يوم القيامة ). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لما استعمل ابن اللتبية على الصدقة وقدم وقال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وحمد الله وأثنى عليه إلى أن قال : ( والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا جاء يوم القيامة يحمله فلا أعرف رجلاً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم هل بلغت ) . وعن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح علينا فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً غنمناً المتاع الطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد وهبه له رجل من بني جذام يدعى رفاعة بن يزيد من بني الضبيب فلما نزل الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا هنيئاً له بالشهادة يا رسول الله فقال رسول الله : ( كلا والذي نفسي بيده أن الشملة لتلتهب عليه ناراً أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم ) . قال ففزع الناس ، فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال أصبت يوم خيبر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( شراك أو شراً كان من نار ) متفق عليه . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها ). وعن زيد بن خالد الجهني أن رجلاً غل في غزوة خيبر فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وقال : ( إن صاحبكم غل في سبيل الله ) قال ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزاً من خرز اليهود ما يساوي درهمين . قال الإمام أحمد رحمه الله : ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه . وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هدايا العمال غلول ).
وفي الباب أحاديث كثيرة ويأتي بعضها في باب الظلم والظلم على ثلاثة أقسام : أحدها أكل المال بالباطل وثانيها ظلم العباد بالقتل والضرب والكسر والجراح وثالثها ظلم العباد بالشتم واللعن والسب والقذف وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فقال : ( ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ). متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ) . فنسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى إنه جواد كريم.

الكبيرة الثالثة والعشرون
السرقة
قال الله تعالى : ( السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم ). قال ابن شهاب نكل الله بالقطع في سرقة أموال الناس والله عزيز في انتقامه من السارق حكيم فيما أوجبه من قطع يده. وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولكن التوبة معروضة ).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن ). قيل لعائشة رضي الله عنها وما ثمن المجن قالت ربع دينار . وفي رواية قال : ( اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما دون ذلك ) كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهماً.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله السارق الذي يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ). قال الأعمش كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي ثمنه ثلاثة دراهم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فيها فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أسامة لا أراك تشفع في حد من حدود الله تعالى ) ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال : ( إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ). فقطع يد المخزومية.
وعن عبد الرحمن بن جرير قال سألنا فضالة بن عبيد عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة? قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه . قال العلماء : ولا تنفع السارق توبته إلا أن يرد ما سرقه فإن كان مفلساً تحلل من صاحب المال والله أعلم.

الكبيرة الرابعة والعشرون
قطع الطريق
قال الله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. ذلك خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ).
قال الواحدي رحمه الله : معنى يحاربون الله ورسوله يعصونهما ولا يطيعونهما. كل من عصاك فهو محارب لك ويسعون في الأرض فساداً أي بالقتل والسرقة وأخذ الأموال وكل من أخذ السلاح على المؤمنين فهو محارب لله ورسوله وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي . قوله تعالى : ( أن يقتلوا ) إلى قوله ( أو ينفوا من الأرض ) قال الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أو أدخلت للتخيير ومعناها الإباحة إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء نفي وهذا قول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد وقال في رواية عطية أو ليست للإباحة إنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجنايات فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن أخذ المال ولم يقتل قطع ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قتل ومن أخاف السبيل ولم يقتل نفي من الأرض وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه. وقال الشافعي أيضا ً: يحد كل واحد بقدر فعله فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه ويصلب ثلاثاً ثم ينزل ومن وجب عليه القتل دون الصلب قتل ودفع إلى أهله يدفنونه ومن وجب عليه القطع دون القتل قطعت يده اليمنى ثم حسمت فإن عاد وسرق ثانياً قطعت رجله اليسرى فإن عاد وسرق قطعت يده اليسرى لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق : ( إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ). ولأنه فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا مخالف لهما من الصحابة ووجه كونها اليسرى اتفاق من صار إلى قطع الرجل بعد اليد على أنها اليسرى وذلك معنى قوله تعالى : ( من خلاف ).
وقوله تعالى : ( أو ينفوا من الأرض ) . قال ابن عباس : هو أن يهدر الإمام دمه فيقول : من لقيه فليقتله هذا فيمن يقدر عليه فأما من قبض عليه فنفيه من الأرض الحبس والسجن لأنه إذا حبس ومنع من التقلب في البلاد فقد نفي منها أنشد ابن قتيبة لبعض المسجونين شعرا ً:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوماً لـحـاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنـيا
قال : فبمجرد قطع الطريق وإخافة السبيل قد ارتكب الكبيرة فكيف إذا أخذ المال أو جرح أو قتل فقد فعل عدة كبائر مع ما غالبهم عليه من ترك الصلاة وإنفاق ما يأخذونه في الخمر والزنا واللواطة وغير ذلك. نسأل الله العافية من كل بلاء ومحنة إنه جواد كريم غفور رحيم.

[مختصر من كتاب الكبائر للذهبى]