الفن الأول: التعليم الخامس [ الشرايين والأوردة ]

شاطر

الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2331
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الفن الأول: التعليم الخامس [ الشرايين والأوردة ]

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت نوفمبر 21, 2015 6:50 am


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
الفن الأول: حد الطب وموضوعاته من الأمور الطبيعية
التعليم الخامس: الجملة الرابعة [ الشرايين ]

● [ الفصل الأول : صفة الشرايين ] ●

العروق الضوارب، وهي الشرايين خلقت إلا واحدة منها، ذات صفاقين، وأصلبهما المستبطن إذ هو الملاقي للضربان. وحركة جوهر الروح القوية المقصود صيانة جوهره وإحرازه وتقوية وعائه ومنبت الشرايين هو من التجويف الأيسر من تجويفي القلب، لأن الأيمن منه أقرب من الكبد، فوجب أن يجعل مشغولاً بجذب الغذاء واستعماله.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثاني : تشريح الشريان الوريدي ] ●

وأوّل ما ينبت من التجويف الأيسر شريانان: أحدهما يأتي الرئة وينقسم فيها لاستنشاق النسيم وإيصال الدم الذي يغذو الرئة إلى الرئة من القلب، فإن ممر غذاء الرئة هو القلب، ومن القلب يصل إلى الرئة، ومنبت هذا القسم هو من أرق أجزاء القلب، وحيث تنفذ فيه الأوردة إليه، وهو ذو طبقة واحدة بخلاف سائر الشرايين، ولهذا يسمى الشريان الوريدي، وإنما خلق من طبقة واحدة ليكون ألين وأسلس وأطوع للانبساط والانقباض وليكون أطوع لترشح ما يترشح منه إلى الرئة من الدم اللطيف البخاري الملائم لجوهر الرئة الذي قد قارب كمال النضج في القلب. وليس يحتاج إلى فضل نضج كحاجة الدم الجاري في الوريد الأجوف الذي نورده، وخصوصاً إذ مكانه من القلب قريب فتتأدى إليه قوته الحارة المنضجة بسهولة، وأيضاً فإن العضو الذي ينبض فيه عضو سخيف لا يخشى مصادمته لذلك السخيف عند النبض أن تؤثر فيه صلابته، فاستغنى لذلك عن تثخين لجرمه ما لا يستغنى عنه في كل ما يجاور من الشرايين سائر الأعضاء الصلبة.
وأما الوريد الشرياني الذي نذكره فإنه وإن كان مجاوراً للرئة فإنما يجاور منه مؤخره مما يلي الصلب وهذا الشريان الوريدي إنما يتفرق في مقدم الرئة ويغوص فيها وقد صار أجزاء وشعباً، بل إذا قيس بين حاجتي هذا الشريان إلى الوثاقة وإلى السلاسة المسهلة عليه الإنبساط والإنقباض، ورشح ما يرشح منه وجدت الحاجة إلى التسليس أمس منها إلى التوثيق والتثخين. وأما الشريان الآخر وهو الأكبر ويسميه" ارسطوطالس"، أورطي فأول ما ينبت من القلب يرسل شعبتين أكبرهما تستدير حول القلب وتتفرق في أجزائه، والأصغر يستدير ويتفرق في التجويف الأيمن، وما يبقى بعد الشعبتين، فإنه إذا انفصل انقسم قسمين: قسم أعظم مرشح للإنحدار، وقسم أصغر مرشح للإصعاد. وإنما خلق المرشح للإنحدار زائداً في مقداره على الآخر لأنه يؤم أعضاء هي أكثر عدداً وأعظم مقادير وهي الأعضاء الموضوعة دون القلب. وعلى مخرج أورطي أغشية ثلاثة صلبة هي من داخل إلى خارج. فلو كانت واحدة أو اثنتين لما كانت تبلغ المنفعة المقصودة فيها إلا بتعظيم مقداره أو مقدارها، فكانت الحركة تثقل بهما ولو كانت أربعة لصغرت جداً وبطلت منفعيتها وإن عظمت في مقاديرها ضيقت المسلك. وأما الشريان الوريدي فله غشاءان موليان إلى داخل وإنما اقتصر على اثنين إذ ليس هناك من الحاجة إلى إحكام السكن ما ههنا بل الحاجة هناك إلى السلاسة أكثر ليسهل اندفاع البخار الدخاني والدم الصائر إلى الرئة.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثالث: تشريح الشريان الصاعد ] ●

أما الجزء الصاعد من جزأي أورطي، فإنه ينقسم إلى قسمين أكبرهما يأخذ مصعداً نحو اللثة، ثم يتورب إلى الجانب الأيمن حتى إذا بلغ اللحم الرخو التوثي الذي هناك انقسم ثلاثة أقسام: اثنان منها هما الشريانان المسميان بالسباتيين ويصعدان يمنة ويسرة مع الوداجين الغائرين اللذين نذكرهما بعد ويرافقانهما في الانقسام على ما نذكره بعد. وأمّا القسم الثالث فيتفرق في القص، وفي الأضلاع الأول الخلص والفقارات الستّ العلا من الرقبة وفي نواحي الترقوة حتى يبلغ رأس الكتف ثم يجاوزه إلى أعضاء اليدين. وأما القسم الأصغر من قسمي أورطي الصاعد فانه يأخذ إلى ناحية الإبط وينقسم انقسام الثالث من القسم الأكبر.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الرابع: تشريح الشريانين السباتيين ] ●

وكل واحد من الشريانين السباتيين ينقسم عند انتهائه إلى الرقبة إلى قسمين: قسم مقدم وواحد مؤخر، والمقدم ينقسم قسمين: قسم يستبطن فيأخذ إلى اللسان والعضل الباطنة من عضل الفك الأسفل، وقسم يستظهر ويرتقي إلى ما يلي قدام الأذنين إلى عضل الصدغين ويجاوزها بعد أن يخلف فيها شعباً كثيرة إلى قلَة الرأس ، وتتلاقى أطراف اليمنى مع أطراف اليسرى منها. وأما الجزء الآخر فيتجزأ جزأين، والأصغر منهما يرتقي كثره إلى خلف ويتفرَق في العضل المحيطة بمفصل الرأس، وبعضه يتوجه إلى قاعدة مؤخر الدماغ داخلاً في ثقب عظيم عند الدرز اللامي.
وأما الأكبر فيدخل قدام هذا الثقب في الثقب الذي في العظم الحجري إلى الشبكة، بل وتنتسج عنه الشبكة عروقاً في عروق وطبقات على طبقات من غضون على غضون من غير أن يمكن أخذ كل واحد منها بانفراده إلا ملتصقاً باَخر مربوطاً به كالشبكة ، ويتفرق قداماً وخلفاً ويمنةً ويسرةً وينتشر في الشبكة، ثم يجتمع منها زوج كما كان أولاً وينثقب له الغشاء ويرتقي إلى الدماغ ويتفرّق منه فيه الغشاء الرقيق، ثم في جرم الدماغ إلى بطونه وصفاق بطونه ويلاقي فوهات شعبها التي قد صعدت، ثم فوهات شعب العروق الوريدية النازلة وإنما أصعدت هذه وأنزلت تلك لأن تلك ساقية صابة للدم الذي أحسن أوضاع أوعيته الساقية أن تكون منتكسة الأطراف. وأما هذه فإنها تنفذ الروح والروح لطيف متحرّك صاعد لا يحتاج إلى تنكيس وعائه حتى ينصب، بل إن فعل ذلك أدى إلى إفراط إستفراغ الدم الذي يصحبه وإلى عسر حركة الروح فيه لأن حركته إلى فوق أسهل. وبما في الروح من الحركة واللطافة كفاية في أن ينبث منه في الدماغ ما يحتاج إليه ويسخنه ولهذا فرشت الشبكة تحت الدماغ فيتردّد الدم الشرياني والروح فيها ويتشبه بمزاج الدماغ بعد النضج، ثم يتخلّص إلى الدماغ على تدريج والشبكة موضوعة بين العظم وبين الغشاء الصلب.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الخامس: تشريح الشريان النازل ] ●

وأما القسم النازل، فإنه يمضي أولاً على الاستقامة إلى أن يتدلَى على الفقرة الخامسة إذ وضعها بحذاء وضع رأس على القلب وهناك التوثة كالمسند والدعامة له ليحول بينه وبين عظام الصلب والمري، إذا بلغ ذلك الموضع تنحّى عنه يمنة ولم يجاوزه ثم استقل متعلقاً بأغشية عند موافاته الحجاب لئلا يضايقه.
وهذا الشريان النازل إذا بلغ الفقرة الخامسة انحرف وانحدر إلى أسفل ممتداً على الصلب إلى أن يبلغ عظم العجز، ولما يحاذي الصدر ويمر به يخلف شعباً منها شعبة صغيرة دقيقة تتفرق في وعاء الرئة من الصدر، وتأتي أطرافه قصبة الرئة ولا يزال يخلف عند كل فقرة يمر بها شعبة حتى يصير إلى ما بين الأضلاع والنخاع، فإذا تجاوز الصدر تفرع منه شريانان يأتيان الحجاب ويتفرقان فيه يمنة ويسرة.
وبعد ذلك يخلف شرياناً تتفرق شعبه في المعدة والكبد والطحال ويتخلَّص من الكبد شعبة إلى المثانة وينبت بعد ذلك شريان يأتي الجداول التي حول الأمعاء الدقاق وقولون ثم من بعد ذلك ينفصل منه ثلاثة شرايين: الأصغر منها يخص الكلية اليسرى ويتفرق في لفاتها وما يحيط بها من الأجسام ويفيدها الحياة، والآخران يصيران إلى الكليتين لتجتذب الكلية منهما مائية الدم فإنهما كثيراً ما يجتذبان من المعدة والأمعاء دماً غير نقي ثم ينفصل شريانان يأتيان الأنثيين، فالآتي إلى اليسرى منهما يستصحب دائماً قطعة من الآتي إلى الكلية اليسرى بل ربما كان منشأ ما يأتي الخصية اليسرى هو من الكلية اليسرى فقط، والذي يأتي اليمنى يكون منشؤه دائماً من الشريان الأعظم وفي الندرة ربما استصحب شيئاً مما يأتي الكلية اليمنى، ثم ينفصل من هذا الشريان الكبير شرايين تتفرق في جداول العروق التي حول المعي المستقيم وشعب تتفرق في النخاع وتدخل في ثقب الفقار وعروق تصير إلى الخاصرتين، وأخرى تأتي الأنثيين. ومن جملة هذا زوج صغير ينتهي إلى القُبُلِ غير الذي نذكره بعد ذلك في الرجال والنساء ويخالط الأوردة، ثم إن هذا الشريان الكبير إذا بلغ آخر الفقار انقسم مع الوريد الذي يصحبه كما نذكره قسمين على هيئة اللام في كتابة اليونايين هكذا قسم يتيامن وقسم يتياسر وكل واحد منهما يمتطي عظم العجز آخذاً إلى الفخذين، وقبل موافاتهما الفخذ يخلف كل واحد منهما عرقاً يأخذ إلى المثانة والى السرّة ويلتقيان عند السرة ويظهران في الأجنة ظهوراً بيناً.
وأما في المستكملين فيكون قد جفّت أطرافهما وبقي أصلاهما فيتفرغّ منهما فروع تتفرّق في العضل الموضوعة على عظم العجز. والتي تأتي منها المثانة تنقسم فيه وتأتي أطرافه القضيب، وباقيه يأتي الرحم من النساء، وهو زوج صغير. وأما النازلان إلى الرجلين فإنهما يتشعبان في الفخذين شعبتين عظيمتين وحشياَ وإنسياً. والوحشي فيه أيضا ميل إلى الأنسيّ ويخلف شعباً في العضل الموضوعة هناك ثم ينحدر ويميل منها إلى قدَام شعبة كبيرة بين الإبهام والسبابة، وتستبطن باقيه وهي في أكبر أجزاء الرجل، تنفذ ممتدّة تحت الشعب الوريدية التي نذكرها بعد. فمن هذه الضوارب ما يوافق الأوردة كالإتيان من الكبد إلى السرة في أبدان الأجنة وشعب الضارب الوريدي والضارب النافذ إلى الفقرة الخامسة والصاعد إلى اللبة والمائل إلى الإبط والسباتيين حيث يتفرقان في الشبكة والمشيمة والتي تأتي الحجاب والنافذ إلى الكتف مع شعبة والتي تأتي المعدة والكبد والطحال والأمعاء والذي ينحدر من مراق البطن والعروق التي في عظم العجز وحده. وإذا رافق الشريان العضل الموضوعة على الوريد على الصلب امتطى الشريان الوريد ليكون أخسهما حاملاً للأشرف.
وأما في الأعضاء الظاهرة فإن الشريان يغور تحت الوريد ليكون أستر وأكنّ له ويكون الوريد له كالجنة وإنما استصحب الشرايين الأوردة لشيئين: أحدهما لترتبط الأوردة بالأغشية المجللة للشرايين، وتستقي مما بينهما من الأعضاء، والآخر ليستقي كل واحد منهما من الآخر فاعلم ذلك.

●[ تمت الجملة الرابعة من التعليم الخامس وهى خمس فصول ]●


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
الفن الأول: حد الطب وموضوعاته من الأمور الطبيعية
الأوردة وهى نهاية التعليم الخامس

● [ الجملة الخامسة: الأوردة ] ●
الفصل الأول : صفة الأوردة

أما العروق الساكنة، فإن منبت جميعها من الكبد وأول ما ينبت من الكبد عرقان: أحدهما من الجانب المقعر، وأكثر منفعته في جذب الغذاء إلى الكبد ويسمى الباب، والآخر من الجانب المحدب ومنفعته إيصال الغذاء من الكبد إلى الأعضاء ويسمى الأجوف.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثاني: تشريح الوريد المسمى بالباب ] ●

ولنبدأ بتشريح العرق المسمى بالباب فنقول: إن الباب أوّلاَ ينقسم طرفه الغائر في تجويف الكبد خمسة أقسام ويتشعب حتى يأتي أطراف الكبد المحدبة، ويذهب منها وريد إلى المرارة. وهذه الشعب هي مثل أصول الشجرة النابتة تأخذ إلى غور منبتها. وأما الطرف الذي يلي تقعيره فإنه كما ينفصل من الكبد ينقسم أقساما ثمانية: قسمان منها صغيران وستة هي أعظم.
فأحد القسمين الصغيرين يتصل بنفس المعي المسمى اثني عشري ليجذب منه الغذاء وقد يتشعّب منه شعب تتفرق في الجرم المسمى بانقراس .
والقسم الثاني: يتفرق في أسافل المعدة وعند البواب الذي هو فم المعدة السافل ليأخذ الغذاء.
وأما الستة الباقية فواحدة منها تصير إلى الجانب المسطح من المعدة لتغذو ظاهرها، إذ باطن المعدة يلاقي الغذاء الأول الذي فيه فيغتذي منه بالملاقاة . والقسم الثاني يأتي ناحية الطحال ليغذو الطحال ويتشعب منه قبل وصوله إلى الطحال شعب تغذو الجرم المسمى بانقراس من أصفى ما ينفذ فيه إلى الطحال ثم يتصل بالطحال ومع اتصاله به ترجع منه شعبة صالحة تنقسم في الجانب الأيسر من المعدة لتغذوه. وإذا نفذ النافذ منه في الطحال وتوسطه صعد منه جزء ونزل جزء فالصاعد يتفرق منه شعبة في النصف الفوقاني من الطحال ليغذوه والجزء الآخر يبرز حتى يوافي حدبة المعدة ثم يتجزأ جزأين: جزء يتفرّق منه في ظاهر يسار المعدة ليغذوه، وجزء يغوص إلى فم المعدة لتدفع إليه الفضل العفص الحامض من السوداء ليخرج في الفضول ويدغدغ فم المعدة لدغدغة المنبهة للشهوة. وقد ذكرناها قبل.
وأما الجزء النازل منه فإنه يتجزأ أيضاً جزأين: جزء منه يتفرق شعبة في النصف الأسفل من الطحال ليغذو ويبرز الجزء الثاني إلى الثرب فيتفرق فيه ليغذوه، والجزء الثالث من الستة الأول يأخذ إلى الجانب الأيسر ويتفرق في جداول العروق التي حول المعي المستقيم ليمتصّ ما في الثقل من حاصل الغذاء، والجزء الرابع عن الستة يتفرق كالشعر فبعضه يتوزع في ظاهر يمين حدبة المعدة مقابلاً للجزء الوارد على اليسار منه من جهة الطحال وبعضها يتوجه إلى يمين الثرب ويتفرق فيه مقابلاً للجزء الوارد عليه من جهة اليسار من شعب العرق الطحالي. وأما الخامس من الستة فيتفرّق في الجداول التي حول معي قولون ليأخذ الغذاء. والسادس كذلك أكثره يتفرق حول الصائم وباقية حول اللفائف الدقيقة المتصلة بالأعور فيجذب الغذاء فاعلم ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثالث: تشريح الأجوف وما يصعد منه ] ●

وأما الأجوف، فإن أصله أوّلاً يتفرق في الكبد نفسه إلى أجزاء، كالشعر ليجذب الغذاء من شعب الباب المتشعِّبة أيضاً كالشعر، أما شُعَب الأجوف فواردة من حدبة الكبد إلى جوفه، وأما شعب الباب فواردة من تقعير الكبد إلى جوفه، ثم يطلع ساقه عند الحدبة فينقسم إلى قسمين: قسم صاعد، وقسم هابط، فأما الصاعد منه فيخرق الحجاب وينفذ فيه ويخلف في الحجاب عرقين يتفرقان فيه ويؤتيانه الغذاء، ثم يحاذي غلاف القلب فيرسل إليه شعباً كبيرة تتفرع كالشعر وتغذوه، ثم ينقسم قسمين: قسم منه عظيم يأتي القلب فينفذ فيه عند أذن القلب الأيمن، وهذا العرق أعظم عروق القلب. وإنما كان هذا العرق أعظم من سائر العروق لأن سائر العروق هي لاستنشاق النسيم. وهذا هو للغذاء والغذاء أغلظ من النسيم فيحتاج أن يكون منفذه أوسع، ووعاؤه أعظم، وهذا كما يدخل القلب يتخلف له أغشية ثلاثة مسقفها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل ليجتذب القلب عند تمدده منها الغذاء، ثم لا يعود عند الإنبساط وأغشيته أصلب الأغشية. وهذا الوريد يخلف عند محاذاة القلب عروقاً ثلاثة تصير منه إلى الرئة ناتئاً عند منيت الشرايين بقرب الأيسر منعطفاً في التجويف الأيمن إلى الرئة. وقد خلق ذا غشاءين كالشريانات. فلهذا يسمى الوريد الشرياني.
والمنفعة الأولى في ذلك أن يكون ما يرشح منه دماً في غاية الرقة مشاكلاً لجوهر الرئة، إذ هذا الدم قريب العهد بالقلب لم ينضج فيه نضج المنصبّ في الشريان الوريدي.
والمنفعة الثانية أن ينضج فيه المم فضل نضج.
وأما القسم الثاني من هذه الأقسام الثلاثة فيستدير حول القلب ثم ينبثُّ في داخله ليغذو، وذلك عندما يكاد الوريد الأجوف أن يغوص في الأذن الأيمن داخلاً في القلب. وأما القسم الثالث فإنه يميل من الناس خاصة إلى الجانب الأيسر، ثم ينحو نحو الفقرة الخامسة من فقار الصدر ويتوكأ عليها ويتفرق في الأضلاع الثمانية السفلى وما يليها من العضل وسائر الأجرام، وأما النافذ من الأجوف بعد الأجزاء الثلاثة إذا جاوزنا حبة القلب صعوداً تفرّق منه في أعالي الأغشية المنصفة للصدر وأعالي الغلاف وفي اللحم الرخو المسمّى بتوثة شعب شعرية، ثم عند القرب من الترقوة يتشعب منه شعبتان يتوجّهان إلى ناحية الترقوة متوربتين كلما أمعنتا تباعدتا، فتصير كل شعبة منهما شعبتين واحدة منهما من كل جانب تنحدر على طرف القص يمنة ويسرة حتى تنتهي إلى الحنجري، ويخلف في ممرّها شعباً تتفرّق في العضل التي بين الأضلاع، وتلاقي أفواهها أفواه العروق المنبثة فيها ويبرز منها طائفة إلى العضل الخارجة من الصدر، فإذا وافت الحنجري برزت طائفة منها إلى المتراكمة المحرَّكة للكتف وتتفرَق فيها، وطائفة تنزل تحت العضل المستقيم وتتفرق فيها منها شعب وأواخرها تتَصِل بالأجزاء الصاعدة من الوريد العجزي الذي سنذكره. وأما الباقي من كل واحد منهما وهو زوج فإن كل واحد من فرديه يخلف خمس شعب: شعبة تتفرق في الصدر وتغذو الأضلاع الأربعة العليا، وشعبة تغدو موضع الكتفين، وشعبة تأخذ نحو العضل الغائرة في العنق لتغذوها، وشعبة تنفذ في ثقب الفقرات الستّ العليا في الرقبة وتجاوزها إلى الرأس، وشعبة عظيمة هي أعظمها تصير إلى الإبط من كل جانب وتتفرع فروعاً أربعة: أوّلها: يتفرّق في العضل التي على القصّ، وهي من التي تحرّك مفصل الكتف، وثانيها في اللحم الرخو والصفاقات التي في الإبط، وثالثها يهبط ماراً على جانب الصدر إلى المراق ، ورابعها أعظمها وينقسم ثلاثة أجزاء: جزء يتفرق في العضل التي في تقعير الكتف، وجزء في العضلة الكبيرة التي في الإبط، والثالث أعظمها يمرّ على العضد إلى اليد وهو المسمّى بالإبطي، والذي يبقى من الانشعاب الأول الذي انشعب أحد فرعيه هذه الأقسام الكثيرة فإنّه يصعد نحو العنق، وقبل أن يمعن في ذلك ينقسم قسمين: أحدهما: الوداج الظاهر، والثاني الوداج الغائر.
والوداج الظاهر، ينقسم كما يصعد من الترقوة قسمين: أحدهما كما ينفصل يأخذ إلى قدام وإلى جانب، والثاني يأخذ أولاً إلى قدّام ويتسافل ، ثم يصعد ويعلو مستظهراً ثانياً من الترقوة ويستدير على الترقوة ثم يصعد ويعلو مستظهر الرقبة حتى يلحق بالقسم الأول فيختلط به فيكون منهما الوداج الظاهر المعروف.
وقبل أن يختلط به ينفصل عنه جزآن: أحدهما يأخذ عرضاً ثم يلتقيان عند ملتقى الترقوتين في الموضع الغائر، والثاني يتورب مستظهراً العنق ولا يتلاقى فرداه بعد ذلك ويتفرع من هذين الزوجين شعب عنكبوتية تفوت الحسّ، ولكنه قد يتفرع من هذا الزوج الثاني خاصة في جملة فروعه أوردة ثلاثة محسوسة لها قدر. وسائرها غير محسوسة. وأحد هذه الأوردة يمتد على الكتف وهو المسمى الكتفي، ومنه القيفال واثنان عن جنبتي هذا يلزمانه إلى رأس الكتف معاً، لكن أحدهما يحتبس هناك ولا يجاوزه بل يتفرّق فيه. وأما المتقدّم منهما فيجاوزه إلى رأس العضد ويتفرق هناك. وأما الكتفي فيجاوزهما جميعاً إلى آخر اليد هذا.
وأما الوداج الظاهر بعد اختلاف طرديه فقد ينقسم باثنين فيستبطن جزء منه ويفرّع شعباً صغاراً تتفرق في الفكّ الأعلى وشعباَ أعظم منها بكثير تتفرق في الفكّ الأسفل وأجزاء من كلا صنفي الشعب تتفرق حول اللسان وفي الظاهر من أجزاء العضل الموضوعة هناك. والجزء الآخر يستظهر فيتفرق في المواضع التي تلي الرأس والأذنين.
وأما الوداج الغائر فإنه يلزم المريء ويصعد معه مستقيماً ويخلف في مسلكه شعباً تخالط الشعب الآتية من الوداج الظاهر وتنقسم جميعها في المريء والحنجرة وجميع أجزاء العضل الغائرة، وينفذ آخره إلى منتهى الدرز اللامي، ويتفرع هناك منه فروع تتفرّق في الأعضاء التي بين الفقارة الأولى والثانية، ويأخذ منه عرق شعري إلى عند مفصل الرأس والرقبة ويتفرع منه فروع تأتي الغشاء المجلّل للقحف وتأتي ملتقى جمجمتي القحف وتغوص هناك في القحف. والباقي بعد إرسال هذه الفروع ينفذ إلى جوف القحف في منتهى الدرز اللامي، ويتفرق منه شعب في غشائي الدماغ ليغذوهما وليربط الغشاء الصلب بما حوله وفوقه ثم يبرز فيغذو الحجاب المجلل للقحف. ثم ينزل من الغشاء الرقيق إلى الدماغ ويتفرق فيه تفرق الضوارب ويشملها كلها طي الصفاق الثخين ويؤدّيها إلى الوضع الواسع، وهو الفضاء الذي ينصت إليه الدم ويجتمع فيه. ثم يتفرق عنه فيما بين الطاقين ويسمى معصرة فإذا قاربت هذه الشعب البطن الأوسط من الدماغ احتاجت إلى أن تصير عروقاً كباراً تمتص من المعصرة ومجاريها التي تتشعب منها، ثم تمتد من البطن الأوسط إلى البطنين المقدمين وتلاقي الضوارب الصاعدة هناك وتنسج الغشاء المعروف بالشبكة المشيمية.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الرابع: تشريح أوردة اليدين ] ●

أما الكتِفِيّ وهو القيفال، فأول ما يتفرع منه إذا حاذى العضد شعب تتفرق في الجلد وفي الأجزاء الظاهرة من العضد، ثم بالقرب من مفصل المرفق ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: حبل الذراع وهو يمتد على ظاهر الزند الأعلى ثم يمتدّ إلى الوحشي مائلاً إلى حدبة الزند الأسفل ويتفرق في أسافل الأجزاء الوحشية من الرسغ.
والثاني: يتوجّه إلى معطف المرفق في ظاهر الساعد ويخالط شعبة من الإبطي فيكون منهما اكحل.
والثالث: يتعمق ويخالط في العمق شعبة أيضاً من الإبطي.
وأما الإبطي فإنه أول ما يفرعّ يفرع شعباً تتعمّق في العضل وتتفرّق في العضل التي هناك وتفنى فيه إلاّ شعبة منها تبلغ الساعد، وإذا بلغ الإبطي قرب مفصل المرفق انقسم اثنين: أحدهما: يتعمق ويتصل بالشعبة المتعمقة من القيفال وتجاوره يسيراً، ثم ينفصلان فينخفض أحدهما إلى الإنسي حتى يبلغ الخنصر والبنصر ونصف الوسطى، ويرتفع جزء ينقسم في أجزاء اليد الخارجة التي تماس العظم.
والقسم الثاني من قسمي الإبطي فإنه يتفرعّ عند الساعد فروعاً أربعةً: واحد منها ينقسم في أسافل الساعد إلى الرسغ، والثاني ينقسم فوق انقسام الأوّل مثل انقسامه، والثالث ينقسم كذلك في وسط الساعد، والرابع أعظمها وهو الذي يظهر ويعلو فيرسل فروعاً تضام شعبة من القيفال فيصير منها الأكحل، وباقيه هو الباسليق ، وهو أيضاً يغور ويعمق مرة أخرى. والأكحل يبتدي من الانسيّ ويعلو الزند الأعلى ثم يقبل على الوحشي ويتفرعّ فرعين على صورة حرف اللام اليونانية فيصير أعلى جزئه إلى طرف الزند الأعلى، ويأخذ نحو الرسغ ويتفرغ خلف الإبهام وفيما بينه وبين السبابة وفي السبابة والجزء الأسفل منه يصير إلى طرف الزند الأسفل ويتفرع إلى فروع ثلاثة: فرع منه يتوجه إلى الموضع الذي بين الوسطى والسبابة ويتّصل بشعبة من العرق الذي يأتي السبابة من الجزء الأعلى ويتحد به عرقاً واحداً، ويذهب فرع ثان منه وهو الأسليم فيتفرق فيما بين الوسطى والبنصر، ويمتد الثالث إلى البنصر والخنصر وجميع هذه تنقسم في الأصابع.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الخامس: تشريح الأجوف النازل ] ●

قد ختمنا الكلام في الجزء الصاعد من الأجوف، وهو أصغر جزأيه، فلنبدأ في ذكر الأجوف النازل فنقول: الجزء النازل أول ما يتفرعّ منه كما يطلع من الكبد، وقبل أن يتوكأ على الصلب هو شعب شعرية تصير إلى لفائف الكلية اليمنى ويتفرّق فيها وفيما يقاربها من الأجسام ليغوذها، ثم من بعد ذلك ينفصل منه عرق عظيم في الكلية اليسرى ويتفرعّ أيضاً إلى عروق كالشعر يتفرق في لفافة الكلية اليسرى وفي الأجسام القريبة منها لتغذوها ثم يتفرق منه عرقان عظيمان يسمّيان الطالعين يتوجهان إلى الكليتين لتصفية مائية الدم، إذ الكلية إنما تجتذب منهما غذاءها وهو مائية الدم وقد يتشعب من أيسر الطالعين عرق يأتي البيضة اليسرى من الذكران والإناث . وعلى النحو الذي بيناه في الشرايين لا يغادره في هذا، وفي أنه يتفرع بعد هذين عرقان يتوجهان إلى الأنثيين، فالذي يأتي اليسرى يأخذ دائماً شعبة من أيسر هذين الطالعين وربما كان في بعضهم كلاّ منشئه منه والذي يأتي اليمنى فقد يتفق له أن يأخذ في الندرة شعبة من أيمن هذين الطالعين، ولكن أكثر أحواله أن لا يخالطه وما يأتي الأنثيين من الكلية، وفيه المجرى الذي ينضج فيه المني فيبيض بعد احمراره لكثرة معاطف عروقه واستدارتها وما يأتيها أيضاً من الصلب، وأكثر هذا العرق يغيب في القضيب وعنق الرحم وعلى ما بيناه من أمر الضوارب وبعد نبات الطالعين. وشعبة تتوكأ الأجوف عن قريب على الصلب وتأخذ في الانحدار، ويتفرع منه عند كل فقرة شعب، ويدخلها، ويتفرق في العضل الموضوعة عندما فتتفرع عروق تأتي الخاصرتين وتنتهي إلى عضل البطن، ثم عروق تدخل ثقب الفقار إلى النخاع. فإذا انتهى إلى آخر الفقار انقسم قسمين: يتنحى أحدهما عن الآخر يمنة ويسرة، كل واحد منهما يأخذ تلقاء فخذ، ويتشعب من كل واحد منهما قبل موافاة الكبد طبقات عشر: واحدة منها تقصد المتنين.
والثانية دقيقة الشعب شعريتها تقصد بعض أسافل أجزاء الصفاق.
والثالثة تتفرق في العضل التي على عظم العجز.
والرابعة تتفرق في عضل المقعدة وظاهر العجز.
والخامسة تتوجه إلى عنق الرحم من النساء فيتفرق فيه وفيما يتصل به وإلى المثانة، ثم ينقسم القاصد إلى المثانة قسمين: قسم يتفرق في المثانة، وقسم يقصد عنقها، وهذا القسم في الرجال كثير جداً لمكان القضيب، وللنساء قليل. والعروق التي تأتي الرحم من الجوانب تتفرع منها عروق صاعدة إلى الثدي ليشاكل بها الرحم الثدي.
والسادسة تتوجه إلى العضل الموضوع على عظم العانة.
والسابعة تصعد إلى العضل الذاهب في استقامة البدن على البطن، وهذه العروق تتصل بأطراف العروق التي قلنا إنها تنحدر في الصدر إلى مراق البطن، ويخرج من أصل هذه العروق في الإناث عروق تأتي الرحم. والعرَوق التي تأتي الرحم من الجوانب يتفرع منها عروق صاعدة إلى الثدي ليشارك بها الرحم الثدي.
والثامنة تأتي القبل من الرجال والنساء جميعاً.
والتاسعة تأتي عضل باطن الفخذ فيتفرق فيها.
والعاشرة تأخذ من ناحية الحالب مستظهرة إلى الخاصرتين وتتصل بأطراف عروق منحدرة لا سيما المنحدرة من ناحية الثديين، ويصير من جملتها جزء عظيم إلى عضل الأنثيين. وما يبقى من هذه يأتي الفخذ فيتفرع فيه فروع وشعب: واحد منها ينقسم في العضل التي على مقدم الفخذ، وآخر في عضل أسفل الفخذ وإنسيه متعمقاً. وشعب أخرى كثيرة تتفرق في عمق الفخذ وما يبقى بعد ذلك كله ينقسم كما يتحلل مفصل الركبة قليلاً إلى شعب ثلاث: فالوحشي منها يمتد على القصبة الصغرى إلى مفصل الكعب، والأوسط يمتد في منثنى الركبة منحدراً، ويترك شعباً في عضل باطن الساق، ويتشعب شعبتين تغيب إحداهما فيما دخل من أجزاء الساق. والثانية تأتي إلى ما بين القصبتين ممتدة إلى مقدّم الرجل وتختلط بشعبة من الوحشي المذكور. والثالث وهو الإنسي فيميل إلى الموضع المعرق من الساق، ثم يمتد إلى الكعب، وإلى الطرف المحدب من القصبة العظمى، وينزل إلى الإنسي المقدم وهو الصافن وقد صارت هذه الثلاثة أربعة: إثنان وحشيان يأخذان إلى القدم من ناحية القصبة الصغرى، وإثنان إنسيان: أحدهما يعلو القدم ويتفرق في أعالي ناحية الخنصر، والثاني هو الذي يخالط الشعبة الوحشية من القسم الإنسي المذكور ويتفرقان في الأجزاء السفلية. فهذه هي عدد الأوردة وقد أتينا على تشريح الأعضاء المتشابهة الأجزاء. فأما الإلية فسنذكر تشريح كل واحد منها في المقالة المشتملة على أحواله ومعالجاته. ونحن الآن نبتدىء بعون الله ونتكلم في أمر القوى.

● [ تمت الأوردة وهى خمس فصول ] ●
وتم التعليم الخامس وهو خمس جمل


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يناير 20, 2017 11:02 am