نهاية الفن الرابع وهى نهاية الكتاب الأول

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2362
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

نهاية الفن الرابع وهى نهاية الكتاب الأول

مُساهمة من طرف الإدارة في الإثنين ديسمبر 12, 2016 7:06 am


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
الفن الرابع: وجوه المعالجات بحسب الأمراض الكلية
نهاية الفن الرابع وهى نهاية الكتاب الأول

● [ الفصل العشرون : الحجامة ] ●

الحجامة تنقيتها لنواحي الجلد أكثر من تنقية الفصد، واستخراجها للدم الرقيق أكثر من استخراجها للدم الغليظ، ومنفعتها في الأبدان العبال الغليظة الدم قليلة لأنها لا تبرز دماءها ولا تخرجها كما ينبغي، بل الرقيق جداً منها بتكلف، وتحدث في العضو المحجوم ضعفاً. ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أوّل الشهر لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت، أو هاجت ولا في أخره لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة تابعة في تزيدها لزيد النور في جرم القمر، ويزيد الدماغ في الأقحاف والمياه في الأنهار ذوات المدّ والجزر. واعلم أن أفضل أوقاتها في النهار هي الساعة الثانية والثالثة، ويجب أن تتوقى الحجامة بعد الحمام، إلا فيمن دمه غليظ، فيجب أن يستحم، ثم يبقى ساعة، ثم يحجم. وأكثر الناس يكرهون الحجامة في مقدم البدن، ويحذرون منها الضرر بالحس والدهن.
والحجامة على النقرة خليفة الأكحل، وتنفع من ثقل الحاجبين، وتخفف الجفن، وتنفع من جرب العين، والبخر في الفم، والتحجر في العين.
وعلى الكاهل خليفة الباسليق، وتنفع من وجع المنكب والحلق.
وعلى أحد الأخذعين خليفة القيفال، وتنفع من ارتعاش الرأس، وتنفع الأعضاء التي في الرأس مثل الوجه والأسنان والضرس والأذنين والعينين والحلق والأنف، لكن الحجامة على النقرة تورث النسيان حقاً كما قيل، فإن مؤخر الدماغ موضع الحفظ وتضعفه الحجامة، وعلى الكاهل تضعف فم المعدة. والأخدعية ربما أحدثت رعشة الرأس، فليسفل النقرية قليلاً، وليصعد الكاهلي قليلاً إلا أن يتوخى بها معالجة نزف الدم والسعال، فيجب أن تنزل ولاتصعد.
وهذه الحجامة التي تكون على الكاهل وبين الفخذين، نافعة من أمراض الصدر الدموية والربو الدموي، لكنها تضعف المعدة وتحدث الخفقان.
والحجامة على الساق وقارب الفصد وتنقي الدم وتدر الطمث. ومن كانت من النساء بيضاء متخلخلة رقيقة الدم، فحجامة الساقين أوفق لها من فصد الصافن، والحجامة على القمحدوة وعلى الهامة، تنفع فيما ادعاه بعضهم من اختلاط العقل والدوار، وتبطىء فيما قالوا بالشيب وفيه نظر، فإنه قد تفعل ذلك في أبدان دون أبدان. وفي أكثر الأبدان يسرع بالشيب، وينفع من أمراض العين، وذلك أكثر منفعتها، فإنها تنفع من جربها وبثورها، لكنها تضر بالدهن وتورث بلهاً ونسياناً ورداءة فكر وأمراضاً مزمنة، وتضرّ بأصحاب الماء في العين، اللهم إلا أن تصادف الوقت والحال التي يجب فيها استعمالها، فربما لم تضر.
والحجامة تحت الذقن تنفع الأسنان والوجه والحلقوم، وتنقي الرأس والفكين.
والحجامة على القطن، نافعة من دماميل الفخذ، وجربه، وبثوره، من النقرس، والبواسير، وداء الفيل، ورياح المثانة، والرحم، ومن حكّة الظهر. وإذا كانت هذه الحجامة بالنار بشرط أو غير شرط نفعت من ذلك أيضاً، والتي بشرط أقوى في غير الريح، والتي بغير شرط أقوى في تحليل الريح الباردة واستئصالها ههنا وفي كل موضع.
والحجامة على الفخذين من قدام، تنفع من ورم الخصيتين وخراجات الفخذين والساقين، والتي على الفخذين من خلف تنفع من الأورام والخراجات الحادثة في الأليتين.
وعلى أسفل الركبة تنفع من ضربان الركبة الكائن من أخلاط حادة ومن الخراجات الرديئة والقروح العتيقة في الساق والرجل.
والتي على الكعبين تنفع من احتباس الطمث ومن عرق النسا والنقرس.
وأما الحجامة بلا شرط فقد تستعمل في جذب المادة عن جهة حركتها، مثل وضعها على الثدي لحبس نزف دم الحيض وقد يراد بها إبراز الورم الغائر ليصل إليه العلاج، وقد يراد بها نقل الورم إلى عضو أخس في الجوار، وقد يراد بها تسخين العضو وجذب الدم إليه وتحليل رياحه، وقد يراد بها رده إلى موضعه الطبيعي المنزول عنه، كما في القيلة، وقد تستعمل لتسكين الوجع كما توضع على السرة بسبب القولنج المبرح، ورياح البطن وأوجاع الرحم التي تعرض عند حركة الحيض، خصوصاً للفتيات.
وعلى الورك لعرق النسا، وخوف الخلع.
وما بين الركبتين نافعة للوركين والفخذين والبواسير، ولصاحب القيلة والنقرس.
ووضع المحاجم على المقعدة يجذب من جميع البدن ومن الرأس، وينفع الأمعاء ويشفي من فساد الحيض، ويخف معها البدن ، ونقول: إن للحجامة بالشرط فوائد ثلاث: أولاها: الاستفراغ من نفس العضو، ثانيتها: استبقاء جوهر الروح من غير استفراغ تابع لاستفراغ ما يستفرغ من الاخلاط، وثالثتها: تركها التعرّض للاستفراغ من الأعضاء الرئيسة.
ويجب أن يعمق المشرط ليجذب من الغور، وربما ورم موضع التصاق المحجمة، فعسر نزعها فليؤخذ خرق أو اسفنجة مبلولة بماء فاتر إلى الحرارة، وليكمّد بها حواليها أولاً. وهذا يعرض كثيراً إذا استعملنا المحاجم على نواحي الثدي ليمنع نزف الحيض أو الرعاف، ولذلك لا يجب أن يضعها على الثدي نفسه وإذا دهن موضع الحجامة، فليبادر إلى إعلاقها، ولا تدافع بل تستعجل في الشرط وتكون الوضعة الأولى خفيفة سريعة القلع، ثم يتدرج إلى إبطاء القلع والإمهال. وغذاء المحتجم يجب أن يكون بعد ساعة، والصبي يحتجم في السنة الثانية، وبعد ستين سنة لا يحتجم البتة، وفي الحجامة على الأعالي أمن من انصباب المواد إلى أسفل، والمحتجم الصفراوي يتناول بعد الحجامة حب الرمان وماء الرمان وماء الهندبا بالسكر والخس بالخل.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الحادي والعشرون : العلق ] ●

قالت الهند: إن من العلق ما في طباعها سميه، فليجتنب جميع ما كان عظيم الرأس، لونه كحلي أسود، أو لونه أخضر، وذوات الزغب والشبيه بالمارماهج، والتي عليها خطوط لازوردية، والشبيهة الألوان بأبي قلمون، ففي جميع هذه سمية يورث إرسالها أوراماً وغشياً ونزف دم وحمى واسترخاء وقروحاً رديئة، وليجتنب المصيدة من المياه الحمئية الرديئة، بل يختار ما يصاد من المياه الطحلبية، ومأوى الضفادع، ولا يلتفت إلى ما يقال أن الكائنة في مياه مضفدعة رديئة، ولتكن ماسية الألوان يعلوها خضرة ويمتد عليها خطان زرنيخيان، والشقر الزرق المستديرة الجنوب، والكبدية الألوان، والتي تشبه الجراد الصغير، والتي تشبه ذنب الفأر، الدقاق الصغار الرؤوس، ولا يختار على حمر البطون خضر الظهور، ولا سيما إن كانت في المياه الجارية، وجذب العلق للدم، أغور من جذب الحجامة. ويجب أن يصاد قبل الاستعمال بيوم ويقيأ بالأكباب حتى يخرج ما في بطونها إن أمكن ذلك، ثم يصب لها شيء يسير من الدم من حَمَلِ أو غيره ليغتذي به قبل الإرسال، ثم تؤخذ وتنظف لزوجاتها وقذاراتها بمثل اسفنجة، ويغسل موضع إرسالها ببورق، ويحمر بالدلك، ثم ترسل العلق عند إرادة استعمالها في ماء عذب فتنظف، ثم ترسل. ومما ينشطها للتعلق مسح الموضع بطين الرأس أو بدم، فإذا امتلأت وأريد إسقاطها ذر عليها شيء من ملح أو رماد أو بورق أو حراقة خرق كتان أو اسنفجة محرقة أو صوفة محرقة. والصواب بعد سقوطها أن يمتص بالمحجمة، فيؤخذ من دم الموضع شيء يفارق معه ضرر أثرها ولسعها، فإن لم يحتبس الدم ذر عليه عفص محرق أو نورة أو رماد أو خزف مسحوق جداً أو غير ذلك من حسابات الدم ويجب أن تكون عتيدة معدة عند معلق العلق واستعمال العلق جيد في الأمراض الجلديه من السعفة والقوباء والكَلَف والنمش وغير ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثاني والعشرون : حبس الاستفراغات ] ●

الاستفراغات تحبس، إما بإمالة المادة من غير استفراغ آخر، وإما باستفراغ مع الإمالة، وإما بإعانة الاستفراغ نفسه، وإما بأدوية مبردة أو مغرية أو قابضة أو كاوية، وإما بالشد. أما حبس الاستفراغ بالجذب من غير استفراغ، فمثل وضع المحاجم على الثدي ليمنع نزف الدم من الرحم، وأجود الجذب ما كان مع تسكين وجع المجذوب عنه.
وأما الذي يكون بجذب مع استفراغ، فمثل فصد الباسليق لذلك، ومثله حبس القيء بالإسهال، والإسهال بالقي، وحبس كليهما بالتعريق.
وأما بمعاونة الاستفراغ، فمثل تنقية المعدة والمعي عن الأخلاط اللزجة المذربة المزلقة بالأيارج، والاجتهاد في تنقية فم المعدة بالقيء لتنقطع مادة القيء الثابت. وإما بالأدوية المبردة لجمد السائل ويأخذ الفوهات ويضيقها. وأما الأدوية القابضة لتقبض المادة وتضم المجاري. وإما بالأدوية المغرية لتحدث السدد في فوهات المجاري. فإن كانت حارة مجففه فهي أبلغ، وإما الكاوية لتحدث خشكريشة تقوم على وجه المجرى فيسد ويرتق، ولها ضرر متوقع، وذلك أن الخشكريشة ربما انقلعت، فزاد المجرى اتساعاً. ومن الكاوية ما له قبض كالزاج، ومنه ما ليس له قبض كالنورة الغير مطفاة يراد القابضة حيث يراد خشكريشة غير ثابتة، وتراد الآخرى حيث يراد أن تسقط الخشكريشة سريعاً، وتراد الكاوية القابضة حيث يراد خشكريشة ثابتة. وأما الذى بالشد فبعضه بإطباق المجرى وقسره على الإنضمام كشد ما فوق المرفق عند خطأ الفصاد في الباسليق إذا أصاب الشريان وبعضه بحشو فم الجراحة مثل ما يسد سبيل المستفرغ مثل إلقام الجراحة وبر الأرنب و نقول: إن نزف الدم، إن كان من أجل انقتاح أفواه. العروق عولج بالقابضة ليضم أفواهها، وإن كان من حرق، فبالقابضة المغرية، كالطين المختوم، وإن كان عن، كُل فيما ينبت اللحم مخلوطاً بما يجلو لِتَأكل، وأنت تعلم جميع ذلك من موضع آخر.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثالث والعشرون: معالجات السدد ] ●

السدد إما من أخلاط غليظة، وإما من أخلاط لزجة، وإما من أخلاط كثيرة. والأخلاط الكثيرة، إذا لم يكن معها سبب آخر كفى مضرتها إخراجها بالفصد والإسهال، وإن كانت غليظة، احتيج إلى المحلات الحالية، وإن كانت لزجة ولا سيما رقيقة فيحتاج إلى المقطعات، وقد عرفت الفرق بين الغليظ واللزج، وهو الفرق بين الطين والغراء المذاب. والغليظ يحتاج إلى المحلل ليرققه، فيسهل اندفاعه. واللزج يحتاج إلى المقطع ليعرض بينه وبين ما التصق به، فيبرئه عنه، وليقطع أجزاءه صغاراً صغاراً، إذا كان اللزج يسدٌ بالتصاقه وتلازم أجزائه، وجب أن يحذر في تحليل الغليظ سببان متضادان: أحدهما التحليل الضعيف الذي يزيد في تحليل الضعيف الذي في تحليل المادة زيادة حجمها من غير أن يبلغ التحليل، فتزداد السدة والآخر التحليل الشديد القوي الذي يتحلّل معه لطيفها ويتحجر كثيفها، فإذا احتيج إلى تحليل قوي، أردف بالتليين اللطيف بمادة لا غلظ فيها مع حرارة معتدلة لتعين ذلك على تحليل كلية الساد، فإن أصعب السدد سدد العروق، وأصعبها سدد الشرايين وأصعبها ما كان في الأعضاء الرئيسة. وإذا اجتمع في المفتحات قبض وتلطيف، كانت أوفق، فإن القبض يدرأ عنف اللطيف عن العضو.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الرابع والعشرون: معالجات الأورام ] ●

والأورام، منها حارة، ومنها باردة، ومنها رخوة، ومنها باردة صلبة، وقد عددناها. وأسبابها، إما بادية، وإما سابقة. والسابقة كالامتلاء، والبادية مثل السقطة والضربة والنهشة.
والكائن من أسباب بادية، إما أن يتفق مع امتلاء في البدن، أو مع اعتدال من الأخلاط، ولا يكون مع امتلاء في البدن. والكائن عن أسباب سابقة وعن بادية موافقة لامتلاء البدن، فلا يخلو، إما أن تكون في أعضاء مجاورة للرئيسة، وهي كالمفرغات للرئيسية، أو لا تكون فإن لم تكن، فلا يجوز أن يقرب إليها من المحللات شيء البتة في الابتداء، بل يجب أن يصلح العضو الدافع إن كان عضو دافع، ويصلح البدن كله، إن كان ليس له عضو مفرد، وأن يقرب إليه كل القرب كل ما يردع ويجذب إلى الخلاف، ويقبض، وربما جذب إلى خلاف ذلك العضو في الجانب المخالف برياضة، أو حمل ثقيل عليه. وكثيراً ما تجذب المادة عن اليد المتورمة إذا حمل بالآخرى ثقيل وأمسك ساعة.
وأما القابضات، فيجب فيها أن تتوخى القابضات الرادعة في الأورام الحارة المزاج صرفة، وفي الأورام الباردة مخلوطة بما لَه قوة حارة مع القبض، مثل الإذخر وأظفار الطيب وكلما يزيد "الصفان"، نقص القبض، وقوى به المحلل حتى يوافي الانتهاء فحينئذ يخلط بينهما بالسوية، وعند الانحطاط يقتصر على المحلل والمرخي. والباردة الرخوة يجب أن يكون ما يحللها شيئاً حارأً ميبساً أكثر ما يكون في الحارة. هذا وأماالحادث عن سبب باد، وليس هناك امتلاء من الأخلاط، فيجب أن يعالج في أول الأمر بالإرخاء، والتحليل، وإلا فبمثل ما عولج به الأول. وأما إذا كان العضو المتورم مفرغة لعضو رئيس، مثل المواضع الغددية من العنق حول الأذنين للدماغ والإبط للقلب والإربيتين للكبد، فلا يجوز البتة أن يقرب إليها ما يردع ليس لأجل أن هذا ليس علاجاً لأورامها، فإن هذا هو أعلاج لأورامها، غير أنا نؤثر أن لا نعالج أورامها، ونجتهد في الزيادة فيها وجذب المادة إليها، ولا نبالي من اشتداد الضرر بالعضو طلباً منا لمصلحة العضو الرئيس، وخوفاً منا أنا ذا أردعنا المادة انصرفت إلى العضو الرئيس، وكان من ذلك ما لا يطاق تداركه فنحن نستأثر وقوع الضرر بالعضو الخسيس من حيث ينفع العضو الرئيس حتى إنا لنجتهد في جذب المادة إلى العضو الخسيس وتوريمه ولو بالمحاجم والأضمدة الجاذبة الحادة. وإذا جتمع أمثال هذه الأورام أو غيرها - وخصوصاً في المواضع الخالية - فربما انفرج بذاته أو معونة الإنضاج، وربما احتجت إلى الإنضاج والبط معاً. والإنضاج يتم بما فيه مع الحرارة تسديد وتغرية يحصر بهما الحار، ومن يحاول الإنضاج بمثل هذه المنضجات، بجب عليه أن يتأمل فإن وجد الحار الغريزي ضعيفاً، ورأى العضو يميل إلى الفساد، نحى عنه المغرّيات والمسدّدات، واستعمل المفتّحات والشرط العميق، ثم الأدوية التي فيها تحليل وتجفيف، وكما نستقصي فيه في الكتب الجزئية، وكثيراً، ما يكون الورم غائراً، فيحتاج إلى جذبه نحو الجلد ولو بالمحاجم بالنار. وأما الأورام الصلبة المجاوزة حد الابتداء، فالقانون فيها أن تلين تارة بما يقلّ إسخانه وتجفيفه لئلآ يتحجر كثيفه لشدة التحليل، بل يستعد جميعه للتحليل، ثم يشد عليه التحليل، ثم إن خيف - من تحلل ما تحلّل- تحجر ما يبقى، أقبل على تليينه ثانياً ولا يزال يفعل ذلك حتى يفنى كله في مدتي التليين والتحليل.
والأورام الفجة تعالج يما يسخن مع لطافة، والأورام النفخية، تعالج بما يسخن مع لطافة جوهر لتحلل الريح وتوسع المسام، إذ السبب في الأورام النفخية غلظ الريح بانسداد المسام. ويجب أيضاً أن يعتنى بجسم مادة ما يحدث البخار الريحي. ومن الأورام أورام قرحية، كالنملة فيجب أن تبرد كالفلغموني، ولكن لا ينبغي أن يرطب، وأن كان الورم يقتضي الترطيب، بل ينبغي أن تجقف لأن العرض ههنا قد غلب السبب. والعرض هو التقرح المتوقع أو الواقع. والتقرح علاجه التجفيف، وأضر الأشياء به الترطيب.
وأما الأورام الباطنة، فيجب أن تنقص المادة عنها بالفصد والإسهال، ويجتنب صاحبها الحمام والشراب والحركات البدنية والنفسانية المفرطة كالغضب ونحوه، ثم يستعمل في بدء الأمر ما يردع من غير حمل شديد وخصوصاً إن كان في مثل المعدة أو الكبد، لهاذا جاء وقت تحليلها، فلا يجب أن يخلي عن أدوية قابضة طيبة الريح كما أومأنا إليه فيما سلف. والكبد والمعدة أحوج إلى ذلك من الرئة، ويجب أن تكون الملينات للطبيعة التي تستعمل، فيها إنضاج وموافقة للأورام، مثل عنب الثعلب والخيار شنبر. ولعنب الثعلب خاصية في تحليل الأورام الحارة الباطنة، ويجب أن لا يغذى أربابها إلا لطيفاً، وفي غير وقت النوبة إن كانت في ابتدائها، إلا لضعف شديد. ومن بلي باجتماع ورم الأحشاء مع سقوط القوة، فهو في طريق الموت، لأن القوة لا تنتعش إلا بالغذاء. والغذاء أضر شيء، فإن تحللت فما أحسن ما يكون، وإن تفجرت، فيجب أن يشرب ما يغسلها، مثل ماء العسل، أو ماء السكر، ثم يتناول ما ينضج برفق مع تجفيف، ثم آخر الأمر يقتصر على المجففات. وستعلم هذا من الكتاب المشتمل على الأمراض الجزئية علماً مشروحاً، وقد يغلط في الأورام الباطنة التي تحت البطن، فإنها ربما لم تكن أوراماً بل كانت فتقاً فيكون بطها فيه خطر، وربما كانت ورماً باطناً، وليس في الصفاق، بل في المعي نفسه وكان في بطه خطر فاعلم ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الخامس والعشرون : كلام مجمل في البَط ] ●

من أراد أن يبط بطأ، فيجب أن يفدب بشقه مع الأسرة والغضون التي في ذلك العضو، إلا أن يكون العضو مثل الجبهة، فإن البط إذا وقع على مذهب أسرته وغضونه انقطعت عضلة الجبهة وسقط الحاجب. وفي الأعضاء التي يخالف منصب أسرته مذهب ليف العضلة، ويجب أن يكون الباط عارفاً بالتشريح، تشريح العصب والأوردة والشرايين لئلا يخطىء، فيقطع شيئاً منها، فيؤدي إلى هلاك المريض. ويجب أن يكون عنده عدد من الأدوية الحابسة للدم ومن المراهم المسكنة للوجع والآلات التي تجانس ذلك فيكون معه، مثل دواء "جالينوس"، ومثل وبر الأرنب، أو نسج العنكبوت، إذ في نسج العنكبوت منفعة بينة في معنى ذلك، وأيضاً بياض البيض والمكاوي كلها لمنع نزف إن حل به خطأ منه أو ضرورة وتكون معه الأدوية المفردة حسب ما بينا في الأدوية المفردة. وأنت تعلم ذلك وإذا بطّ خراجاً، فأخرَج ما فيه لم يجب أن يقرب منه دهناً ولا مائية ولا مرهماً فيه شحم وزيت غالب كالباسليقون، بل مثل مرهم القلقطار، وليستعمله إذا احتاج إليه ويضع فوقه إسفنجة مغموسة في شراب قابض.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل السادس والعشرون: علاج فساد العضو والقطع ] ●

إن العضو إذا فسد لمزاج رديء مع مادة أو غير مادة، ولم يغن فيه الشرط والطلاء بما يصلح مما هو مذكور في الكتب الجزئية، فلا بد من أخذ اللحم الفاسد الذي عليه، والأولى أن يكون بغير الحديد إن أمكن، فإن الحديد ربما أصاب شظايا العضل والعصب والعروق النابضة إصابة مجحفة، فإن لم يغن ذلك وكان الفساد قد تعدى إلى الدم، فلا بد من قطعه، وكي قطعه بالدهن المغلي، فإنه يأمن بذلك شر غائلته، وينقطع النزف، وينبت على قطعه دم وجلد غريب غير مناسب أشبه شيء بالدم لصلابته. وإذا أريد أن يقطع فيجب أن يدخل المجس فيه ويدور حول العظم، فحيث يجد التصاقاً صحيحاً، فهنالك يشتد الوجع بإدخال المجس فهو حدّ السلامة، وحيث يجد رهلاً وضعف التصاق فهو في جملة ما يجب أن يقطع، فتارة بثقب ما يحيط بالعظم الذي يراد قطعه حتى تحيط به المثاقب، فينكسر به وينقطع، وتارة ينشر. وإذا أريد أن يفعل به ذلك حيل بين المقطع والمنقب، وبين اللحم لئلا يوجع، فإن كان العظم الذي يحتاج إلى قطعه شظية ناتئة ليد يتهندم ولا يرجى صلاحه ويخاف أن يفسد، فيفسد ما يليه نحينا اللحم عنه، إما بالشق ثم بالربط والمد إلى خلاف الجهة، وإما بحيل أخرى تهدي إليها المشاهدة وحلنا بينه وبين عضو شريف، إذا كان هناك بحجب من الخرق ونبعده بها عنه، ثم قطعنا، وإن كان العظم مثل عظم الفخذ وكان كبيراً قريباً من أعصاب وشرايين وأوردة، وكان فساده كثيراً فعلى الطبيب عند ذلك الهرب.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل السابع والعشرون: معالجات تفرق الاتصال ] ●

وأصناف القروح والوثي والضربة والسقطة تفرق الإتصال في الأعضاء العظيمة يعالج بالتسوية والرباط الملائم المفعول في صناعة الجبر، وسيأتيك في موضعه، ثم بالسكون واستعمال الغذاء المغري الذي يرجى أن يتولد منه غذاء غضروفي ليشد شفتي الكسر ، ويلائمها، كالكفشير، فإنه من المستحيل أن يجبر العظم، وخصوصاً في الأبدان البالغة، إلا على هذه الصفة، فإنه لا يعود إلى الاتصال البتة. وسنتكلم في الجبر كلاماً مستقصى في الكتب الجزئية. وأما تفرق الإتصال الواقع في الأعضاء اللينة، فالغرض في علاجها مراعاة أصول ثلاثة إن كان السبب ثابتاً، فأول ما يجب، هو قطع ما يسيل، وقطع مادته إن كان لمجاوره مادة.
والثاني: إلحام الشق بالأدوية والأغذية الموافقة.
والثالث: منع العفونة ما أمكن. وإذا كفى من الثلاثة واحد، صرفت العناية إلى الباقين. أما قطع ما يسيل فقد عرفت الوجه في ذلك، ونحن قد فرغنا عن بيانه. وأما الإلحام. فتجمع الشفاه إن اجتمعت وبالتجفيف فيتناول المغريات، وينبغي أن تعلم أن الغرض في مداواة القروح هو التجفيف، فما كان منها نقياً جفف فقط، وما كان منها عفناً، استعملت فيه الأدوية الحادة الأكالة، مثل القلقطار والزاج والزرنيخ والنورة فإن لم ينجع، فلا بد من النار. والدواء المركّب من الزنجار والشمع والدهن ينقى بزنجاره، ويمنع إفراط اللذع بدهنه وشمعه، فهو دواء معتدل في هذا الشأن المذكور في أقراباذين، وتقول: إن كل قرحة لا يخلو إما أن تكون مفردة، وإما أن تكون مركبة. والمفردة إن كانت صغيرة ولم يتأكل من وسطها شيء، فيجب أن يجمع شفتاها، وتعصب بعد توق من وقوع شيء فيما بينها من دهن أو غبار، فإنه يلتحم، وكذلك الكبيرة التي لم يذهب من جوهرها شيء، ويمكن إطباق جزء منها على الآخر.
وأما الكبيرة التي لا يمكن ضمها شقاً، كان أو فضاء مملوءاً صديداً، أو قد ذهب منها شيء من جوهر العضو، فعلاجها التجفيف. فإن كان الذاهب جلداً فقط، احتيج إلى ما يختم وهو، إما بالذات فالقوابض، وإما بالعرض فالحادة إذا استعمل منها قليل معلوم، مثل الزاج والقلقطار، فإنها أعون على التجفيف وإحداث الخشكريشة، فإن أكثر أكل وزاد في القروح، وأما إن كان الذاهب لحماً كالقروح الغائرة فلا يجب أن نبادر إلى الختم، بل يجب أن يعتني أولاً ب بإنبات اللحم، وإنما ينبت اللحم ما لا يتعدّى تجفيفه الدرجة الأولى كثيراً، بل ههنا شرائط ينبغي أن تراعى من ذلك اعتبار حال مزاج العضو الأصلي ومزاج القرحة، فإن كان العضو في مزاجه شديد الرطوبه، والقرحة ليست بشديدة الرطوبة، كفى تجفيف يسير في الدرجة الأولى لأن المرض لم يتعد عن طبيعة العضو كثيراً. وأما إذا كان العضو يابساً والقرحة شديدة الرطوبة، احتيج إلى ما يجفف في الدرجة الثانية والثالثة ليرده إلى مزاجه، ويجب أن يعدل الحال في المعتدلين، ومن ذلك اعتبار مزاج البدن كله، لأن البدن إذا كان شديد اليبوسة، كان العضو الزائد في رطوبته معتدلاً في الرطوبة بحسب البدن المعتدل، فيجب أن يجفف بالمعتدل، وكذلك إن كان البدن زائد الرطوبة والعضو إلىٍ اليبوسة وإن خرجا جميعاً إلى الزيادة، فحينئذ، إن كان الخروج إلى الرطوبة، جفف تجفيفاً أكثر، أو إلى اليبوسة جفّف تجفيفاً أقل، ومن ذلك اعتبار قوة المجقفات، فإن المجففات المنبتة - وإن لم يطلب منها تجفيف شديد مثله - يمنع المادة المنصبة إلى العضو التي منها يتهيأ إنبات اللحم، كما يطلب في مجففات لا تستعمل لإنبات اللحم، بل للختم، فإذاه يطلب منها أن تكون أكثر جلاءَ وغسلاً للصديد من المجففات الخاتمة التي لا يراد منها إلا الختم والإلحام والإهمال، وجميع الأدوية التي تجفف بلا لذع فهي ذات نفع في إنبات اللحم. وكل قرحة في موضع غير لحيم فهي غير مجيبة لسرعة الإندمال. وكذلك المستديرة.
وأما القروح الباطنة فيجب أن يخلط بالأدوية المجففة والقوابض المستعملة فيها أدوية منفذة، كالعسل وأدوية خاصة بالموضع كالمدرات في أدوية علاج قروح آلات البول، وإذا أردنا فيها الإدمال، جعلنا الأدوية مع قبضها لزجة، كالطين المختوم.
واعلم أن لبرء القرحة موانع رداءة العضو، أي مزاج العضو، فيجب ان تعتني بإصلاحه حسب ما تعلم، وراءة مزاج الدم المتوجه إليه، فيربطه فيجب أن تتداركه بما يولد الكيموس المحمود، وكثرة الدم الذي يسيل إليه ويرطبه، فيجب أن تتداركه بالاستفراخ وتلطيف الغذاء واستعمال الرياضة إن أمكن.
وفساد العظم الذي نخبه وأساله الصديد، وهذا لا دواء له إلا إصلاح ذلك العظم وحكه، إن كان الحك يأتي على فساده، أو أخذه وقطعه، وكثيراً ما يحتاج أن يكون مع معالجي القرحة مراهم جذابة لهشيم العظام وسلاءة ليخرجها، وإلا منعت صلاح القرحة. القروح تحتاج إلى الغذاء للتقوية، وإلى تقليل الغذاء لقطع مادة المدة، وبين المقتضيين خلاف، فإن المدة تضعف، فتحتاج إلى تقوية وتكثر فتحتاج إلى منع الغذاء، فيجب أن يكون الطبيب متدبراً في ذلك، وإذا كانت القروح في الابتداء والتزيد، فلا ينبغي أن يدخل الحمام أو يصاب بماء حار، فينجذب إليها ما يزيد في الورم. وإذا سكنت القرحة وقاحت فلعله يرخص فيها، وكل قرحة تنتكث بسرعة كلما اندملت، فهي في طريق البنصر. ويجب أن يتأمل دائماً لون المدة ولون شفة الجرح، وإذا كثرت المدة من غير استكثار من الغذاء فذلك للنضج. ولنتكلم الأن في علاج الفسخ.
فنقول: إنه لما كان الفسخ تفرق اتصال غائر وراء الجلد، فمن البين أن أدويته يجب أن تكون أقوى من أدوية المكشوفة، ولما كان الدم يكثر انصبابه إليه، احتاج ضرورة إلى ما يحلل. ويجب أن يكون ما يحلله ليس بكثير التجفيف لئلا يحلّل اللطيف ويحجر الكثيف، فإذا قضى الوطر من المحلل، فيجب أن يستعمل الملحم المجفف لئلا يرتبك فيما بين الاتصال وسخ يتحجّر، ثم يعفن بأدنى سبب أو ينقلع، فيعود تفرق الاتصال، إذا كان الفسخ أغور شرط الموضع ليكون الدواء أغوص. وأما الفسخ والرض الخفيف، فربما كفى في علاجه الفصد، فإن كان الفسخ مع الشدخ، عولج الشدخ أولاً بأدوية الشدخ حتى يمكن علاج الفسخ. والشدخ إن كان كثيراً عولج بالمجفّفات، وإن كان قليلاً كنخس الإبرة أسند أمره إلى الطبيعة نفسها، إلا أن يكون سمياً ملتفاً أو يكون شديد الانخلاع، أو يكون نال عصباً فيخاف منه تولّد الورم والضربان. وأما الوثي، فيكفي فيه شدّ رقيق غير موجع، وأن يوضع عليه الأدوية الوثبية. وأما السقطة والضربة، فيحتاج في مثلها إلى فصد من الخلاف، وتلطيف الغذاء وهجر للحم، ونحوه، واستعمال الأطلية والمشروبات المكتوبة لذلك في الكتب الجزئية. وأما تفرّق الاتصال في الأعضاء العصبية، وفي العظام فلنؤخر القول فيها.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثامن والعشرون : الكي ] ●

الكي علاج نافع لمنع انتشار الفساد، ولتقوية العضو الذي يرد مزاجه، ولتحليل المواد الفاسدة المتشبثة بالعضو، ولحبس النزف. وأفضل ما يكوى به الذهب، ولا يخلو موقع الكي، إما أن يكون ظاهراً ويوقع عليه الكيّ بالمشاهدة، أو يكون غائراً في داخل عضو، كالأنف أو الفم أو المقعدة، ومثل هذا يحتاج إلى قالب يغلي عليه مثل الطلق والمغرة مبلولة بالخلّ، ثم يلف عليه خرق ويبرد جداً بماء ورد أو ببعض العصارات، فيدخل القالب في ذلك المنفذ حتى يلتقم موقع الكي، ثم يدس فيه المكوى ليصل إلى موقعه، ولا يؤذي ما حواليه، وخصوصاً إذا كان المكوى أرق من حيطان القالب، فلا يلقي حيطان القالب، وليتوق الكاوي أن تتأدى قوة كيته إلى الأعصاب والأوتار والرباطات، وإذا كان كيه لنزف دم، فيجب أن يجعله قوياً ليكون لخشكريشته عمق، وثخن، فلا يسقط بسرعة، فإن سقوط خشكريشة كي النزف يجلب آفة أعظم مما كان، وإذا كويت لإسقاط لحم فاسد وأردت أن تعرف حد الصحيح فهو حيث يوجع، وربما احتجت أن تكوي مع اللحم العظم الذي تحته، وتمكنه عليه حتى يبطل جميع فساده، وإذا كان مثل القحف تلطفه حتى لا يغلي الدماغ ولا تتشنج الحجب، وفي غيره لا تبالي بالاستقصاء.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل التاسع والعشرون : تسكين الأوجاع ] ●

قد علمت أسباب الأوجاع، وأنها تنحصر في قسمين: تغير المزاج دفعة، وتفرق الاتصال، ثم علمت أن آخر تفصيلها ينتهي إلى سوء مزاج حار، أو بارد، أو يابس بلا مادة، أو مع مادة كيموسية، أو ريح، أو ورم. فتسكين الوجع يكون بمضادة الأسباب. وقد علمت مضادة كل واحد منها كيف يكون، وعلمت أن سوء المزاج والورم والريح كيف يكون وكيف يعالج، وكل وجع يشتد فإنه يقتل، ويعرض منه أولاً برد البدن وارتعاد، ثم يصغر النبض، ثم يبطل، ثم يموت. وجملة ما يسكن الوجع، إما مبدل المزاج، وإما محلل المادة، وإما مخدر. والتخدير يزيل الوجع، لأنه يذهب بحس ذلك العضو، وإنما يذهب بحسّه لأحد سببين: إما بفرط التبريد، وإما بسمّية فيه مضادة لقوة ذلك العضو. والمرخيات من جملة ما يحلل برفق، مثل بزر الكتان والشبت وإكليل الملك والبابونج وبزر الكرفس واللوز المر وكل حار في الأولى، وخصوصاً إذا كان هناك تغرية ما، مثل صمغ الإجاص والنشا والاسفيذاجات والزعفران واللاذن والخطمي والحماما والكرنب والسلجم وطبيخها والشحوم والزوفا الرطب وأذهان مما ذكر، والمسهلات والمستفركات كيف كانت من هذا القبيل. ويجب أن تستعمل المرخيات بعد الاستفراغ إن احتيج إلى استفْراغ حتى تنقطع المادة المنصبة إلى ذلك العضو، وأيضاً جميع ما ينضج الأورام أو يفجرها. والمخدرات أقواها الأفيون، ومن جملتها اللفاح وبزره وقشور أصله والخشخاشات والبنج والشوكران وعنب الثعلب وبزر الخس. ومن هذه الجملة الثلج والماء البارد، وكثير ما يقع الغلط في الأوجاع، فتكون أسبابها أموراٌ من خارج، مثل حر أو برد أو سوء وساد وفساد مضطجع، أو صرعة في السكر وغيره، فيطلب لها سبب من البدن فيغلط. ولهذا يجب أن تتعرف ذلك، وتتعرف هل هناك امتلاء أم ليس، وتتعرف هل هناك أسباب الامتلات المعلومة، وربما كان السبب أيضاً قد ورد من خارج، فتمكن داخلاً، مثل من يشرب ماءً بارداً فيحدث به وجع شديد في نواحي معدته وكبده، وكثيراً ما لا يحتاج إلى أمر عظيم من الاستفراغ ونحوه، فإنه كثيراً ما يكفيه الاستحمام والنوم البالغ فيه، ومثل من يتناول شيئاً حاراً فيصدعه صداعاً عظيماً، ويكفيه شرب ماء مبرد. وربما كان الشيء الذي من قبله يرجى زوال الوجع، إما بطيء التأثير، ولا يحتمل الوجع إلى ذلك الوقت، مثل استفراغ المادة الفاعلة لوجع القولنج المحتبسة في ليف الأمعاء، وإما سريع التأثير، لكنه عظيم الغائلة مثل تخدير العضو الوجع في القولنج بالأدوية التي من شأنها أن تفعل ذلك فيتحير المعالج فى ذلك، فيجب أن يكون عنده حدس قوي ليعلم أى المدتين أطول، مدة ثبات القوة، أو مدد الوجع، وأيضاً الحالين أضر فيه، الوجع، أو الغائلة المتوقعة في التخدير، فيؤثر تقديم ما هو أصوب. فربما كان الوجع- إن بقي- قتل بشدته وبعظمه، والتخدير ربما لم يقتل، وإن أضر من وجه اخر، وربما أمكنك أن تتلافى مضرّته وتعاود وتعالج بالعلاج الصواب، ومع ذلك، فيجب أن تنظر في تركيب المخدر وكيفيته، وتستعمل أسهله، وتستعمل مركبه مع ترياقاته، إلا أن يكون الأمر عظيماً جداً، فتخاف وتحتاج إلى تخدير قوي، وربما كان بعض الأعضاء غير ميال باستعمال المخدر عليه، فإنه لا يؤدي إلى غائلة عظيمة، مثل الأسنان إذا وضع عليها مخدّر. وربما كان الشرب أيضاً سليماً في مثله، مثل شرب المخدر لأجل وجع العين، فإن ذلك أقل ضرراً بالعين من أن يكتحل به، وربما سهك تلاقي ضرر شربها بالأعضاء الآخرى.
وأما في مثل القولنج فتعظم الغائلة لأن المادة تزداد برداً وجموداً واستغلافاً، والمخدرات قد تسكن الوجع بما تنوم، فإن النوم أحد أسباب سكون الوجع وخصوصاً إذا استعمل الجوع معه في وجع مادي. والمخدّرات المركبة التي تكسر قواها أدوية هي كالترياق لها أسلم، مثل الفلونيا، ومثل الأقراص المعروفة بالمثلثة، لكنها أضعف تخديراً. والطري منها أقوى تخديراً، والعتيق يكاد لا يخدر، والمتوسط متوسط. ومن الأوجاع ما هو شديد الشدة، سهل العلاج أحياناً، مثل الأوجاع الريحية، فربما سكنها وكفاها صب الماء الحار عليها، ولكن في ذلك خطر واحد، وذلك أنه ربما كان السبب ورماً، فيظن أنه ريح، فإن استعمل عليه، وخصوصاً في ابتداء تبطيل ماء حار عظم الضرر. وهذا مع ذلك ربما أضر بالريحي، وذلك إذا ضعف عن تحليل الريح، وزاد في انبساط حجمه. والتكميد أيضاً من معالجات الرياح، وأفضله بما خص، مثل الجاورس ، إلا في عضو لا يحتمله مثل العين، فتكمد بالخرق ومن الكمادات ما يكون بالدهن المسخّن. ومن التكميدات القوية أن يطبخ دقيق الكرسنة بالخل ويجفّف ثم يتخذ منه كماد، ودونه أن تطبخ النخالة كذلك، والملح لذاع البخار، والجاورس أصلح منه وأضعف، وقد يكمد بالماء في مثانة. وهو سليم لين، ولكن قد يفعل الفعل المذكور، إذا لم يراع والمحاجم بالنار من قبيل هذا، وهو قوي على إسكَان الوجع الريحي، وإذا كرر أبطل الوجع أصلاً، لكنه قد يعرض منه ما يعرض من المرخيات. ومن مسكنات الأوجاع المشي الرقيق الطويل الزمان لما فيه من الارخاء، وكذلك الشحوم اللطيفة المعروفة والأدهان التي ذكرنا والغناء الطيب، خصوصاً إذا نوم به والتشاغل بما يفرح مسكن قوي للوجع.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثلاثون: وصية في أنا بأي المعالجات نبتدىء ] ●

إذا اجتمعت أمراض، فإن الواجب أن نبتدىء بما يخصه إحدى الحواص الثلاث: إحداها بالتي لا تبرىء الثانية دون برئه مثل الورم والقرحة إذا اجتمعا، فإنا نعالج الورم أولاً حتى يزول سوء المزاج الذي يصحبه، ولا يمكن أن تبرأ معه القرحة ثم نعالج القرحة. الثانية منها، أن يكون أحدهما هو السبب في الثاني، مثل أنه إذا عرضت سدّة وحمى، عالجنا السدة أولاً، ثم الحمى ولم نبال من الحمى إن احتجنا أن نفتح السددة بما فيه شيء من التسخين، ونعالج بالمجففات ولا نبالي بالحمى، لأن الحمى يستحيل أن تزول وسببها باق وعلاج سببها التجفيف وهو يضر الحمى.
والثالثة أن يكون أحداهما أشد اهتماماً، كما إذا اجتمع حمى مطبقة سوناخس. والفالج، فإنا نعالج سوناخس بالتطفية والفصد، ولا نلتفت إلى الفالج، وأما إذا اجتمع المرض والعرض، فإنا نبدأ بعلاج المرض، إلا أن يغلبه العرض، فحينئذ نقصد فصد العرض ولا نلتفت إلى المرض، كما نسقي المخدرات في القولنج الشديد الوجع إذا صعب، وإن كان يضر نفس القولنج، وكذلك ربما أخرنا الواجب من الفصد لضعف المعدة أو لإسهال متقدم أو غثيان في الحال وربما لم نؤخر، ولكن فصدنا ولم نستوف قطع السبب كله، كما أنا في علة التشنُج لا نتحرى نفض الخلط كله، بل نترك منه شيئاً تحلله الركة التشنجية لئلا تحلل من الرطوبة الغريزية. فليكن هذا القدر من كلامنا في الأصول الكلية لصناعة الطب كافياً، ولنأخذ في تصنيف كتابنا في الأدوية المفردة إن شاء الله تعالى.

● [ تم الكتاب الأول من كتب القانون ] ●
وهو فى الأمور الكلية فى علم الطب


والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أبريل 28, 2017 5:05 am