الفن الأول [ المقالة الثالثة : أورام الرأس ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2362
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الفن الأول [ المقالة الثالثة : أورام الرأس ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الثلاثاء ديسمبر 13, 2016 6:00 am


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
الفن الأول: أمراض الرأس والدماغ
المقالة الثالثة : أورام الرأس وتفرق اتصالاته

● [ فصل في قرانيطس وهو السرسام الحار ] ●

يقال قرانيطس للورم الحار في حجاب الدماغ الرقيق، أو الغليظ دون جرمه، وإن كان جرمه قد يعرض له ورم، وليس كما ظنّ بعض المتطبّبين أن الدماغ لا يرم بنفسه، محتجاً بأن ما كأن ليّناً كالدماغ أو طلباً كالعظام، فإنه لا يتمدّد. وما لا يتمدّد، فإنه لا يرم، فإن هذا الكلام خطأ، وذلك لأن اللين اللزج يتمدّد والعظام أيضاً ترم. وقد أقرّ به جالينوس، وسنبيّن القول فيه في باب الأسنان، بل نقول أن كل ما يتغذي، فإنه يتمدد ويزداد بالغذاء، وكذلك يجوز أن يتمدد ويزداد بالفضل، وذلك هو الورم، ولكنه وإن كان الدماغ قد يتورّم فإن قرانيطس والسرسام اسم مخصوص بورم حجاب الدماغ إذا كان حاراً، وإن كان في بعض المواض قد أُطلق أيضاً على ورم جوهر الدماغ، وهو الاستعمال الخاص لهذا الاسم، إلا أنه منقول من اسم العرض الذي يلزمه وهو الهذيان واختلاط العقل مع حرارة محرقة، فالاسم العاميّ واقع على هذا العرض، والصناعيّ على هذا الورم. وهذا النقل شبيه بنقل اسم العرض وهو النسيان إلى مرض يوجبه ويقتضيه، وهو السرسام البارد، وإذا استعمل السرسام بالاستعمال العاميّ، دخل فيه السرسام الدماغي، وهو هذا. ومن الناس ممن لا يعرف اللغات يحسب أن البرسام اسم لهذا الورم، وأن السرسام أخفّ منه، وليس ذلك بشيء، فإن البرسام هو فارسي، والبرّ هو الصدر، والسام هو الورم والسرسام أيضاً فارسي، والسر هو الرأس، والسام هو الورم، والمرض والسرسام الكائن في الحميات والكائن لأخلاط في فِم المعدة محرقة، والذي ربما كان لأورام في نواحي الرأس خارجة أو في الغشاء الخارج. والسرسام الكائن مع البرسام، وهو الذي يكون بمشاركة الحجاب وأورامه وسائر عضلات الصدر، والكائن في ورم المثانة، والرحم، والمعدة.
والاشتراك الواقع في هذا الاسم تختلف أوصاف المصنفين له، كما تختلف أوصاف المصنّفين لليثرغس الذي هو السرسام البارد الذي يسمى النسيان، لكن السرسام الحقيقي بحسب الاستعمال الصناعي هو ما قلناه، وربما ورم معه جوهر الدماغ أيضاً مشاركة أو انتقالاً، وذلك شديد الرداءة يقتل في الرابع، فإن جاوزه نجا وأكثر من يموت بالسرسام يموت لآفة في النفس.
ولهذا الورم مواضع مختلفة بحسب أجزاء الدماغ المختلفة، وربما اشترك فيه جزءان، أو عمّ المواضع كلها. وأكثر ما يكون إنما يستقر عموده إلى ما يلي التجويف المقدم، وإلى الأوسط، ومبدأه دم أو صفراء صحيحة، أو حمراء صحيحة، أو محرقة ضاربة إلى السوداء، وهو رديء جداً، وكأنه ليس يكون في الأكثر إلا عن دم مراري دون الدم النقي، أو عن صفراء وكأنه لا ينقضي إلا بعرق أو رعاف، وكثيراً ما يرم الحجاب والعروق التي تخرج من الرأس حتى تكاد تتفتّح الشؤون معه.
وما كان منه اختلاط عقل مركب من بكاء وضحك ساعة بعد أخرى، فهو رديء، وكذلك إذا كان انتقالاً من ذات الرئة، لأنه يدلِّ على شدة حرارة الخلط، وكذلك لو انتقل إلى غير الحقيقي، وإذا كان عرض أن دام الثقل في نواحي الرأس والرئة، ثم عرض تشنّج وقيء زنجاري مات العليل في ساعته، وأطول مهلته يوم أو يومان إن كانت القوة قوية، وأرجى أصناف قرانيطس أن يذكر العليل ما كان يهذي به بعد خفّ حمّاه، وإذا عرض لهم هموريذوس كان دليلاً محموداً، وإذا شخص المبرسم فتقيأ مراراً أحمر، وهو ضعيف فإنه يموت في يومه، أو قوي فبعد يومين. وما رؤي أحد به ورم في نواحي الدماغ يكون بوله مائياً، فيخلص، وكثيراً ما ينحل قرانيطس بالبواسير إذا سالت، وقد يبرد وينتقل إلى ليثرغس، وربما تخلّص عنه فأوقع في دق أو جنون، وكثيراً ما ينتقل الغير الحقيقي إلى الحقيقي، وقلما يتخلص المشايخ من علة قرانيطس.
وقد زعم بعض المتطببين أنه ربما عرض مرض شبيه بقرانيطس من غير حمّى، وكونه من غير حمّى دليل على خلوّه من الورم. قال: لكنه يكون شديد القلق والتوثّب لا يملك صاحبه قراراً، ويكاد يتسلّق الحيطان ويشتد ضجره وغمه، عطشه وضيق نفسه، وإذا شرب الماء شرق به وقذفه، قيل: وهو قاتل من يومه في الأكثر، وربما امتدّ إلى أربعة أيام، ولن ينجو منه أحد، بل يعرض لهم أن يسوّد وجوههم وألسنتهم، وتكون أعينهم جامدة وحالتهم كحالة الملهوفين، ثم تلين حركاتهم ويسقط نبضهم ويموتون، وأكثر موتهم بالاختناق، وتراه يعدو، ثم تراه إثر ذلك قد سقط ومات.
أقول: لا يبعد أن يكون السبب في ذلك مشاركة من الدماغ لعضو آخر كريم، مثل عضل النفس إذا عرض له تشنّج عظيم، أو فساد آخر ينحو نحو الخناق، ويتأدّى إلى الدماغ، فيشوّشه ويفسده ويخلط العقل ويعطش بتجفيف نواحي الحلق والصدر.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في علاماته المشتركة ] ●

أما علاماته المشتركة لأصنافه الحقيقية، فحمى لازمة يابسة تشتدّ في الظهائر على الأكثر، وهذيان يفرط تارة وينقطع أخرى كراهة للكلام وكسلاً عنه، ويختلط العقل وأكثره بقرب الرابع، وعبث الأطراف ونفس مضطرب غير منتظم، ولكنه عظيم، وامتداد من الشراسيف إلى فوق كثيراً، واختلاج أعضاء معه وقبله ينذر به، وربما كان معه نوم مضطرب ينتبهون عنه فيصيحون، وتارة ينامون، وتارة يسهرون، ويكون في الأكثر نومهم مضطرباً مشوّشاً مع خيالات وأحلام فاسدة هائلة، وانتباه مشوّس مع صياح، ويكون هناك وقاحة وجسارة وغضب فوق المعهود، ويبغضون الشعاع ويعرضون عنه، وتضطرب ألسنتهم اضطراباً شديداً وتخشن ويعضون عليها، وربما ورمت. وكثيراً ما ينقطع صوتهم، ويشتهون الماء فيشربون منه قليلاً لا يكثرون، وليس أيضاً شهوتهم له كثيرة. وكثيراً ما تبرد أطرافهم من غير برد من خارج يوجبه. وأما أبوالهم فتكون مائلة إلى الرقّة واللطافة، وأما نبضهم فيكون صلباً بسبب كون الورم في عضو عصبي صعب لصلابة العرق، وضعف القوة مضغوطاً للمادة في نبضهم قوة ما، إلا أن يقاربوا الخطر، لأن اليبس يجمع ويشد. ويكون آخر الانقباض وأول الانبساط أسرع، ولا تخلو منشاريته عن موجية ما لأن الدماغ جوهر رطب. وقد يعرض لنبضهم أن يعرض مراراً، أو يعظم للحاجة، وأن يتواتر، وأن يختلف في أجزاء الوضع ويرتعش، وذلك مما ينذر بغشي، اللهم إلا أن يكون جنساً من الاختلاف والارتعاش والارتعاد توجبه صلابة العرق، وقوة القوة، فلا ينفر به. وقد يعرض للنبض منهم أن يكون تشنجياً، فينذر بتشنّج.
وإذا رأيت علامات أمراض حادة وحميات صعبة واعتقلت الطبيعة، فإن ذلك ينذر بسرسام، وكأنه من المنذرات القوية، ويتقدّم قرانيطس نسيان للشيء القريب، وحرن بلا علّة وأحلام رديئة وصداع كثير وثقل وامتلاء، ويتقدمه في الأكثر صفار الوجه، وسهر طويل ونوم مضطرب. وتشتدّ هذه الأعراض ما دامت المواد تتوجه إلى الدماغ، وتدور في عروقه، وتترقرق. وإذا قربوا منه وتشرب الدماغ المادة، وجدوا ابتداء وجع من خلف الرأس عند القفا، وخصوصاً في الصفراوي. وإذا وقعوا فيها وورم الدماغ، تيبّست أولاً أعينهم يبساً شديداً، ثم أخذت تدمع، وخصوصاً من إحدى العينين ورمصت، وكثيراً ما يعرض أن تحمر عروقها حمرة شديدة، وربما عقبه قطرات دم من الأنف، وكثيراً ما يدلكون أعينهم، ومالوا إلى سكون وهدوّ في أكثر البدن، إلا في اليدين، فإنه ربما يعبث بهما ويلقط التبن والزئبر. وقد يكون ذلك في الأكثر مع تغميض وقد يكون مع تحديق وضجر، وربما كسلوا عن الكلام الفصيح لا يزيدون على تحريك اللسان، وربما حدث بهم تقطير بول بمعرفة منهم أو بغير معرفة. وهو في الحميات من الدلالات القوية على السرسام الحاضر، ويغفلون عن الآلام إن كانت بهم في أعضائهم، بل لو مس شيء من أعضائهم الألمة بعنف لم يشعروا به. ونزيد فنقول: إذا وقع الورم في الجانب المقدم أفسد التخيل، فأخذوا يلقطون الزئبر من الثياب والتبن وما أشبهه من الحيطان، وتخيلوا أشباحاً لا وجود لها.
وإن كان إلى الوسط أفسد الفكر فخلط فيما يعلمه، ويلفظ الهذيان الكثير، وإذا وقع إلى ما يلي خلف نسي ما يراه ويفعله في الحال، حتى أنه ربما دعا بالشيء فيقدم إليه فلا يذكر أنه طلبه، وربما دعا بالطشت ليبول فيه فيقدّم إليه فينساه، وإن اشتمل الورم على الجهات كلها ظهرت هذه العلامات كلها، وإن تورّم معه الدماغ إحمرّ الوجه والعين وجحظت العينان جحوظاً شديداً، أو احمرتا إن كانت المادة المورمة دماً، واصفرتا إن كانت المادة المورمة صفراء صرفاً. وأما الكائن من الاختلاط بالمشاركة، فيدلّ عليه وقوعها دفعة، وتابعاً لسوء حال عضو آخر، ونائباً مع نوائب اشتداد ينقص لنقصان في حال غيره، وتزيد بزيادتها.
والكائن عن السرسام الدماغي يحدث قليلاً قليلاً، ويلزم.
وعلامات السرسام الحقيقي تتقدّم، ثم يعرض المرض، وأما الغير الحقيقي، فتتقدّمه أمراض أعضاء أخرى، ثم تظهر علاماته. وأما الكائن من جهة الحجاب الحاجز، وعضلات الصدر، فتتقدّمه علامات السرسام، وذات الجنب من وجع ناخس في الجنب عند التنفّس، وضيق نفس ونبض منشاري وسعال يابس، أولاً، ثم يرطب في الأكثر وينفث، ويكون مع حمّى لازمة، أكثر حرارتها في نواحي الصدر، وفي الحقيقي في نواحي الرأس، ويكثر فيه تمدد الشراسيف إلى فوق، ويختصّ به حسّ وجع فوق الجمجمة غير شامل، ولا تكون العلامات المذكورة فيما سلف قوية كثيرة، ونفسه يكون مختلفاً يضعف مرة فيتواتر ويعظم أخرى، ويكون ميله إلى الصغر والضعف أكثر، ويكون مرة كالزفرة.
وأما في قرانيطس الحقّ، فيكون النفس أعظم، بل عظيماً، ويشترك السرسامان في قوة الاختلاط، ولكن يفارق السرسام التابع للسرسام الحقّ، بأنها تتبع في قوتها قوة الحمى وتخفا معه خفة الحمى. وأما الكائن لخلط في فم المعدة، فإنه يحسّ معه بلذع في فم المعدة وغثيان وعطش ومرارة فم.
والكائن بسبب أورام أعضاء أخرى، فيعلم ما يظهر من أحوالها، فإنها ما لم تكن ظاهرة جلية لم تؤد إلى اختلاط العقل والسرسام البين ليعلم ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
●[ فصل ولنذكر الآن علامات أصناف الحقيقي في السرسام ]●

فنقول: أما الكائن عن الدم فأول علاماته أن عامة عوارضه المذكورة المشتركة تعرض مع الضحك، وتعرض له قطرات رعاف، ويعظم نفَسُهُ، وتدمع عينه وترمص، ولا يكون السهر الذي يعتريه بذلك وتكون خشونة اللسان فيه إلى حمرة مائلة إلى السواد، ثم يسود، ويكون اللسان فيه ثقيلاً، وربما كسل عن الكلام لثقل اللسان، وتكون خيالات التي تتشنج له حمراً، وتكون عروق وجهه حمراً، وعينه ممتلئة، ويعرض له تواتر قعود وقيام من غير حاجة إليهما.
وأما الكائن عن صفراء صحيحة، فإنه يسهر كثيراً، وتجف معه العينان شديداً جداً، ويخشن اللسان شديداً، ويصفر أولاً ثم يسود، وتشتد الحمى ويكثر الولوع بمسح العينين، ويتخيلون أشياء صفراً وتدخل في أخلاقهم سبعية وسوران وحرص على الخصام وكأنه في هيئة من يريد أن يقاتل، وتدق أنوفهم خصوصاً في أطرافها، ويعرض لجباههم انجذاب شديد إلى فوق.
وأما الكائن من صفراء محترقة، وهو الرديء المهلك، فأول علاماته، أن عامة عوارضه تعرض مع جنون وضجر، ونفس عظيم وعبث، وتكون أعينهم كدرة، وتشبه صبار أو كأنه هو. وأما علامات انتقاله، فإن كان ينتقل إلى ليثرغس -وذلك أجرى لهم- رأيت العين تغور، والتغميض يدوم، والريق يسيل، والنبض يبطئ ويلين.
وأما علامات انتقاله إلى سفاقلوس والورم الدماغي: أن تظهر علامة سفاقلوس، ويغيب سواد العين، ويظهر البياض في الأحيان، ويأبى الاضطجاع إلا مستلقياً، وينتفخ بطنه، وتمتد شراسيفه، ويكثر اختلاج أعضائه. وعلامة انتقاله إلى الدقّ غؤور العينين، وهدو الحمى، وقحل البدن، وصغر النبض وصلابته. وأما علامات انتقاله إلى التشنّج، فقد أوردناه في باب التشنج.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في العلاج لأصنافه ] ●

أما المشترك لأصنافه الحقيقية، فالفصد من القيفال، وإخراج دم صالح، بل كثير جداً وتبادر إلى ذلك كما تبتدئ الأخلاط إن لم يمنع من ذلك مانع قوي، ويجب أن يكون فصده مع احتياط في تعرّف حاله من الغشي، هل وقع فيه أو قرب منه، ويحبس الدم عند القرب من الغشي، ويحتال في معرفة ذلك، فإنه لا يظهر فيهم حال الإفاقة من حال الغشي ظهوراً كثيراً، ولكن النبض قد يدل عليه، فإنه إذا ارتعش، أو انخفض، واختلف بلا نظام حتى تجد واحدة عظيمة، وأخرى صغيرة دل على قرب الغشي. ويجب أن يحتاط في عصب العصابة عليه حتى يكون موثقاً لا تحله حركاته واضطراباته التي لا عقل له معها، فربما حله وأرسله بنفسه بخيال فاسد يستدعيه إليه، ثم بعد ذلك يفصد عرق الجبهة إن كانت القوة قوية، وأوجبته الحال وقوة المرض، وأما إن لم تساعد القوة والأحوال على فصده الكلي من يده، أو لم يُمَكَنْكَ من يده، وأحوجه ما يراود عليه من ذلك إلى قلق وضجر شديد، فافصده من الجبهة، واجعل على رأسه في الابتداء دهن الورد مع الخل مبرداً، وسائر ما عددنا لك من العصارات المبرّدة، وينتفع الصفراوي بتضميد رأسه بورق العلّيق جداً، وأسكنه بيتاً معتدل الهواء ساذجاً لا تزاويق ولا تصاوير فيه، فإن خيالاته تولع بها بتأملها وذلك مما يؤذي دماغه وحجب دماغه. ويجب أن يكون في مسكنه وبالقرب منه من المشمومات الباردة، مثل النيلوفر والبنفسج والورد والكافور والتي عددناها لك في القانون. وأصْحِبْة أصدقاءه الظرفاء المَحبوبين إليه المشفقين عليه، ومن يستحي منه، فيكف بسببه عن تخليطه واضطرابه الضارين، واجتهد في تنويمه، ولو بتقريب شيء من الأفيون من جبينه وأنفه، إن كانت القوة قوية، وإلا فإياك، وذلك فإنه مهلك، بل استعمل مثل شراب الخشخاش، وضمّد رأسه بالخس، واسقه بزر الخشخاش في ماء الشعير. على أن الأصوب أن يدافع بالفصد إن احتمله الوقت ولم يكن في تأخيره خطر، تفعل ذلك في الابتداء يومين أو ثلاثة، ثم إذا افتصد لم يبالغ إن أمكن حتى يبقى في البدن دم تقوى به الطبيعة على مصارعة البحرانات، وعلى فقد الغذاء إن أوجبه الوقت، وبعد فصدك إياه، فإن من الصواب أن تحقنه بحقنة ليّنة جداً مثل دهن ورد مع ماء شعير، أو الماء والزيت، وإن احتجت إلى ما هو أقوى من هذا بعد أن يكون في درجة اللّينة فعلت، واجذب المواد إلى أسفل من كل وجه، من دلك اليدين والرجلين وغمزهما، وصبّ الماء الحار عليهما، بل بالعَصْبِ والشدّ المذكورين، بل بتعليق المحاجم عليهما، وخصوصاً في حال هبوط الحمى وقبل اشتدادها، إن كان لها ذلك. وربما وجب في ابتداء العلة أن تلزم المحجمة كاهله، وخذه أولاً بغاية تلطيف الغذاء، حتى يقتصر على السكنجبين السكري، ثم بعد ذلك بيوم أو يومين، فانقله إلى ماء الشعير الرقيق مع السكنجبين، ثم الغليظ، وراع في ذلك القوة والعلّة، وكلما رأيت أعراض العلة أشدّ، فحدّه بتلطيف الغذاء أكثر، إلا أن يخاف سقوط القوة فيغذوا، وجنّبهم الماء الشديد البرد، خاصة إن كان في الحجاب الحاجز ورم، أو في الأحشاء، وكلما ترى العلّة تنحطّ، فدرج في الغذاء، وَزِدْ منه، واجعله من القرع والبقول الباردة والماش والحبوب الباردة، إمَّا إسفيذباجة، وإما محمّضة بالفواكه الباردة، وفي هذا الوقت ينتفعون بالخبز السميذ منقوعاً في ماء بارد جداً، أو جلاب مبرّد بالثلج جداً.
ويجب أن يستعمل في الابتداء الرادعات الصرفة، إلاّ أن يكون من الجنس العظيم الذي ترم فيه العروق التي تخرج من الرأس مشاركة للحجاب، فهناك يحتاج أن يبدأ بما فيه قليل إرخاء وتسكين وجع، ثم القوابض، وتلتجئ إلى الحقن التجاء شديداً، ثم استعمل في الأكثر نطولات مبرّدة ليست بقابضة، واجعل فيها قليل خشخاش لينوم، وقليل بابونج أيضاً ليقاوم الخشخاش، ويحلّل أدنى تحليل. وإذا انتقصت العلّة بهذه العلاجات وبقي الهذيان، فاحلب على الرأس اللبن من الضرع والثدي، أما إن كانت القوة قوية، فلبن الماعز، وإن كانت ضعيفة، فلبن النساء، وكل حلبة أتت عليها ساعة، فاعقبها غسلة بالنطولات المعتدلة التي يقع فيها بنفسج، وأصل السوسن، وبابونج مع سائر المبردات كما قال بقراط في القراباذين.
فإن طالت العلّة ولم تزل بهذه المعالجات، أو كانت ثقيلة سباتية، وجاوز حد الابتداء، وكان السكون فيها أكثر من الحركية، فجنبه المبرّدات الشديدة التبريد، وخاصة الخشخاش، وزد في النطولات حينئذ بعد السابع نماماً وفودنجاً، وسذاب وعصارة النعناع، وإكليل الملك، واجعل على الرأس لعاب بزر الكتان بالزيت والماء، وعرق البدن في أدهن، مسخّن دائماً.
وإذا أردت أن تحفظ القوة بعد طول العلة ومجاوزة السابع فما فوقه، فلك أن تسقيه قليل شراب ممزوج. وكثيراً ما يعرض لهم القيء فينتفعون به وربما سقي بعضهم ماء ممزوجاً بدهن بارد رطب، فيسهّل قذفهم ويرطبهم، وإذا لم يبولوا لفقدان العقل وضعف الحسّ، مرخت مثانتهم بدهن فاتر، وأفضله الزيت أو نطلتها بماء حار، أو بماء طبخ فيه البابونج، ثم غمرت عليها حتى يحرّ البول، واعتن بهذا منهم كل وقت، واغمر مثانتهم في كل حين يتوقع فيه بوله، فإن لم يجب بذلك استعمل النطولات على ما ذكر، ويجب أن تشدهم رباطاً إن وجدتهم يكثرون التقلب في الاضطراب ويتضررون به تضرراً شديداً، وخاصة إذا كنت فصدتهم ولم يلتحم الشقّ بعد، ثم إذا أمعنوا في الانحطاط وخرجوا عن عمود العلة أكثر الخروج، دبرتهم تدبير الناقهين، وألزمتهم الأرجوحات، وجنبتهم الأهوية والرياح الرديئة والحارة، والسموم، والشمس لئلا ينتكسوا، وإن أردت تحمّمهم، حممهم في مياه عذبة تحميمات خفيفة لتنوِّمَهُمْ، ففي تنويمهم منافع كثيرة، وأطعمهم اللحوم الكثيرة الخفيفة. فهذا هو القول الكلي في علاجهم.
وأما الذي يختلف فيه الصفراوي والدموي، فإن الصفراوي يحتاج في علاجه إلى إسهال الصفراء أكثر وفصد أقلّ، ويكون إسهال الصفراء منه بما يسهِّل شرباً من المزلقات اللطيفة المذكورة والمنقِّيات للدم، ولك أن تجعل فيها الشاهترج إن علمت أن الطبيعة تجيب على كل حال، وربما جعلوا فيها سقمونيا إذا كانوا على ثقة من إجابة الطبيعة بحسب عادة العليل، ولا يبلغ الصفراوي عند الفصد قرب الغشي، بل يفصد فصداً صالحاً مع تحرز من ذلك، ثم يستفرغ بالإسهال، وأيضاً لتجعل أدويته باردة رطبة.
وأما أغذية الدموي فباردة، ويجوز أن تكون قابضة إذا وقع الفراغ من الإسهال والحقن، مثل الحصرمية والرمانية والسفرجلية والتفاحية.
وأما الصفراوي، فلا تصلح له هذه بل مثل القرعية والكشكية، أعني المتّخذ من الشعير المقشر والإسفيدباجية والقطفية والمُحِّية وما أشبه ذلك، ويكون تحميضها بخل وسكر أو بالنيشوق أو بالإجاص وما أشبه ذلك.
واعلم أن الصفراوي محتاج إلى تطفئة أكثر، والدموي إلى تحليل أكثر، ولا تحذر في الصفراوي من التبريد كل الحذر الذي تحذر في الدموي، ولا تجنبه الماء البارد كل ذلك التجنب، ويجب أن تعتني فيه بالتنويم أكثر، وذلك بمثل النطولات المرطّبة، وباستعمال أدهان الخسّ والقرع وما أشبههما سعوطات، وما كان من الصفراوي صفراؤه محترقة أكثرت العناية بالترطيب، واستعملت الحقن المبردة والمرطّبة فيهم ما أمكن.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الفلغموني العارض لنفس جوهر الدماغ ] ●

أكثر ما يعرض هذا يعرض من دم عفن يورم الدماغ، وربما فرق الشؤون وخلخل الشبكة، ويكاد الرأس معه أن ينصاع وينشق، ويشتدّ معه الوجع وتحمرّ العيان وتجحظان جداً وتحمرّ الوجنتان جداً، وربما عرض معه قيء وغثيان بمشاركة المعدة، ويميل إلى الاستلقاء جداً على خلاف المعتاد من الاستلقاء، وعلى خلاف النظام، وهو يقتل في الأكثر في الثالث، فإن جاوزه رجي. وأعلم أن العلّة ليست بصعبة جداً، وإلا لما احتملها عضو بهذا القوام وبهذا الشرف. وعلاجه علاج السرسام وأقوى، وينفع منه فصد العرق الذي تحت اللسان منفعة شديدة، وذلك بعد فصد العرق المشترك والعروق الأخرى.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الحمرة في الدماغ والقوباء ] ●

ربما عرض أيضاً في الدماغ نفسه حمرة وقوباء، ويكون الوجع شديداً والالتهاب شديداً، لكن الوجه يعرض فيه برد لكمون الحرارة وصغره لذلك، وخاصة في العين، ثم يسخن دفعة ويحمر، وأما في الأغلب فيكون إلى الصفرة والبرد، ويكون اليبس شديداً في الفم، ولا يكون معه من السّبات كما في الفلغموني، ولكن الأعراض فيه أهول، والحمّى أشدّ. وعلاجه علاج صباري، وأكثره قاتل في الثالث، فإن لم يقتل نجا. ويعرض للصبيان الحمرة في الدماغ، فيغور معه اليافوخ والعينان، وتصفرّ العين وييبس البدن كله، فيعالجون بمخ البيض مع دهن الورد مبرّداً مبدّلاً كل ساعة، وبالعصارات والبقول الرطبة الباردة على الرأس، خاصة القرع وقشور البطيخ والقثاء وغير ذلك حسب ما تعلم.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في صباري ] ●

يقال صباري لجنون مفرط يعرض مع سرسام حار صفراوي حتى يكون الإنسان - مع أنه مسرسم - يهذي مجنوناً مضطرباً مشوّشاً، والقرانيطس الساذج يكون بعد هذيان واختلاط عقل، ولا يكون معه جنون، فإن كان فهو صباري، وأيضاً كأنه مانيا مركّب مع قرانيطس. كما أن قرانيطس كأنه مالنخوليا مركب مع ورم وحمى، وكثيراً ما يتقدّم فيه الجنون، ثم يعقبه الورم والحمى. وإنما يكون صباري إذا كان قرانيطس عن الحمراء الصرف والمحترقة، فإنها إذا اندفعت إلى الدماغ وأحدثت جنوناً بأول وصولها، وأحدثت معه أو بعده ورماً، كانت سبب صباري. وفي قرانيطس يكون الجنون عارضاً عن الورم، وفي صباري الجنون والورم حادثان معاً عن المادة، ليس أحدهما سبباً للآخر منه وجد الآخر، وإن كان ربما صار كل واحد منهما سبباً للزيادة في الآخر، وِإذا جعل صباري يظهر، كان سهر طويل، ونوم مضطرب، وفزع في النوم، ووثب ونَفس كثير متواتر، ونسيان وجواب غير شبيه بالسؤال، واحمرار العينين واضطرابهما وثقل فيهما، وكأنهما قذيتان، وربما كان فيهما على نحو ما ذكرناه اصفرار، ويكون هناك إحساس تمدد عند القفا، ووجع لتصاعد البخار، ويكون أيضاً فيهما سيل من الدمع بغير إرادة من عين واحدة، ثم إذا استقرّ المرض صلبت الحمّى وخشن اللسان ويبس، ثم في آخره تسكن حركات الجفون للضعف، وتثقل الحركة حتى تحريك الجفون، ويبقى من الجنون الهذيان المتقطّع مع عجز عن الكلام وقلّة منه، ويقبل في الأكثر على التقاط الزيبر والتبن، ويزداد النبض ضعفاً وصغراً وصلابة لليبس. وقد يقع منَ صباري ما ليس بمحض صرف فتختلف حالاته من الكلام والذكر والحركات، فتكون تارة منتظمة، وتارة غير منتظمة. وعلاجه بعينه علاج السرسام الصفراوي مع زيادة في الترطيب كثيرة، ويجب أن يدام ربط أطرافه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
●[ فصل في ليثرغس وهو السرسام البارد وترجمته النسيان ]●

يقال ليثرغس للورم البلغمي الكائن داخل القحف، وهو السرسام البلغمي، وأكثره يكون في مجاري جوهر الدماغ دون الحجب والبطون وجرم الدماغ، لأنّ البلغم قلّما يجتمع وينفذ في الأغشية لصلابتها، ولا في جوهر الدماغ للزوجته، كما أن ذات الجنب أيضاً في الأكثر صفراوية، وفلما تكون بلغمية لقلة نفوذ البلغم في جوهر صفاقي عصبي صلب. على أنه يمكن أن يكون ذلك الأقل منهما جميعاً، فيمكن أن يقع هذا الورم في جوهر الدماغ، وفي حجبه. وهذه العفَة مسماة باسم عرضها لأن ترجمة ليثرغس هو النسيان، وهذه العلة يلزمها النسيان. ومن اسمها أخطأ فيها كثير من الأطباء، فلم يعرفوا أن الغرض فيها هو المرض الكائن من ورم بارد، بل حسبوا أن هذه العلة هي نفس النسيان، وعلى أن بعض الأطباء يسمي ليثرغس، كل ورم بارد في الدماغ سوداوياً كان أو بلغمياً، إلا أن كثر المتقدمين يخصّون بهذا الاسم البلغمي، ولك أن تسقي به كليهما. ومادة هذه العلة قريبة من مادة السدر، لكنها أشدّ استحكاماً، وهذه العلة تتولد عن كل ما يولد خلطاً بلغمياً وفيه تبخير، ولذلك كثيراً ما تتولد عن أكل البصل، وتتولّد عن التخمة الكثيرة وكثرة الشرب وكثرة أكل الفواكه.
العلامة :
صداع خفيف وحمى لينة، فإنه لا بد من الحمى في كل ورم عن خلط عفن، وبذلك يفارق السُبات، لكنها تكون لينة لأن المادة بلغمية، وهذه الحمى ربما لم يحس بها، ويكون معها سُبَات ثقيل كلما يفتح صاحبه العين يغمض، ويكون معها نسيان ونَفَس متخلخل بطيء وجداً ضعيف، وكله مع ضيق يسير وبزاق، وكثرة تثاؤب وفتح فم وضمه، وربما بقي فمه بعد التثاؤب ونحوه مفتوحاً لنسيانه أنه يجب أن يضم، أو لكسله عنه، وإن أراده، ويكون به فواق لمشاركة المعدة، وبياض في اللسان، وكسل عن الجواب، وعن حركة الأجفان، واختلاط عقل، ويكون البرازقي الأكثر رطباً، وإن جف جف جفافاً معتدلاً، والبول كبول الحمير.
وربما عرض لهم الارتعاش وعرق الأطراف. وهم بخلاف أصحاب قرانيطس يتصدعون، ويكون النبض عظيماً متفاوتاً بطيئاً زلزلياً متموجاً بنبض ذات الرئة أشبه، لكنه أقلّ عرضاً وطولاً، وأبطأ وأشدّ تفاوتاً وأقل اختلافاً، لأن تأذي القلب به أقل، ويقع في نبضه الواقع في الوسط أكثر، لأن القوة الحيوانية فيه أسلم، والحمى معه أقل لبعده من القلب، وسباته أكثر لأن المادة ههنا في نفس الدماغ، وفي ذات الرئة متصاعدة من ورم الرئة.
وأما إن قيل للسوداوي أنه ليثرغس، فعلامته أن الوجع يكون أشد، ويكون معه ضجر وهذيان، وتكون العين مفتوحة مبهوتة وإذا كان الليثرغس في جوهر الدماغ، كان السبات أشد، وَعسر الحركات أكثر، وبياض اللسان فيه شديداً جداً، والعين إلى الجحوظ وعسر الحركة والوجع إلى الرخاوة. وإن كان في الحجاب، كان الوجع أشد، والحركات أخف، ويقع فيه كثيراً احتباس البول للنسيان ولضعف العضل المبولة. ومن علامات مصير الإنسان إلى ليثرغس كثرة اختلاج رأسه مع كسل وثقل، وإذا اشتدت أعراض ليثرغس، وكثر العرق جداً، فهو قاتل لإسقاط العرق للقوّة، وإذا اتسع النفس وجاد وانحطت الأعراض، فهو إلى السلامة، وخصوصاً إن ظهرت أورام خلف الأذن، فإنَ كثيراً من بحراناته تكون بها.
العلاج :
إن لم يعق عائق، فصدت أولاً، ثم استعملت الحقن الحارة، وجذبت المواد إلى أسفل، وقيأته بريشة لطختها خردلاً وعسلاً، وأسكنته بيتاً مضيئاً، ومنعته الاستغراق في السبات ملحاً عليه بالانتباه، ومنعت المادة في أول الأمر بدهن الورد والخل، ثم بعد يومين من ابتدائه تخلط به جندبيدستر، وتجعل الخلّ خل العنصل ولم تسقه الماء البارد إلا قليلاً، وفي الابتداء خاصة وعند الانتهاء، وخاصة في آخره تمنعه ذلك منعاً، ثم يمرخ البدن بزيت ونطرون وبزر الأنجرة وبزر المازريون وفلفل وعاقر قرحا وما أشبهه، وتستعمل النطولات القوية التحليل والشمومات والعطوسات وغراغر ملطفة فيها حاشا وزوفا وفودنج وصعتر وغراغر بعسل وعنصل، وسائر ما علمته في القانون. وإذا استعملت العنصل على رأسه -خصوصاً الرطب- انتفع به جداً، ويستعمل أيضاً سائر المحمرات على الرأس ولطوخ الخردل، وتديم دلك أطرافه وتغمزها حتى تحمر وتتألم، فإنه عظيم المنعة.
وإذا غرقوا في السبات مددت شعور رؤوسهم، وتنفف بعضها، وتضع على أقفائهم عند النقرة محاجم كثيرة بنار من غير شرط، وربما احتجت إلى شرط عندما كان محتاجاً إلى استفراغ دم، وإذا غذوت أحداً منهم غفوته بمثل ماء الترمس، وماء الحمص مع ماء الكشك، وإذا غفوته، فأقبل على غمز أطرافه ساعات لئلا ينجذب البخار إلى فوق، فإن احتجت لطول العلة أن تسقيه مسهلاً -وخاصة إذا ظهر به ارتعاش- سقيته ثلثي مثقال جندبيدستر مع قليل سقمونيا أقل من دانق، فإن خفت إفراطاً في الحمى اجتنب السقمونيا واقتصر على جندبيدستر وعلى تبديل المزاج دون الاستفراغ، وأولى الاستفراغات به ما يكون بالحقن، فإن اضطررت إلى غيرها، سقيت أيارج فيقرا وزن درهم مع ربع درهم شحم الحنظل، وثلث درهم هليلج، ودانق مصطكي، إن لم تكن الحمى شديدة الحرارة وكنت على ثقة من أنه يسهل، فإن لم تثق بذلك، فحمله حمولاً أو شيافة ليتعاون السببان على ذلك، ثم نبّهه وكلفه أن يتكلف البراز، وإذا عرض له نسيان البراز والبول، نطلت الحالبين والبطن بالمياه المطبوخ فيها بابونج، وإكليل الملك وبنفسج، وأصول السوسن، وغمزت المثانة ليبول، ثم إذا انتبهت العلة، استعملت الأراجيح والحمل، ثم الرياضة اليسيرة، وتدبير الناقهين حسب ما أنت تعلم ذلك.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الماء داخل القحف ] ●

إنه قد تجتمع رطوبات مائية داخل القحف وخارجه، فإن كان خارج القحف دلّ عليه ما سنذكره عن قريب، وان كان داخل القحف -وموضعه فوق الغشاء الصلب- أحس بثقل داخل وعسر معه تغميض العين، فلا يمكن، وترطبت العين جداً، ودمعت دائماً، وشخصت، ولا حيلة في مثله.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الأورام الخارجة من القحف ] ●
والماء خارج القحف من الرأس وعطاس الصبيان

قد يعرض في الحجب التي من خارج الرأس أورام حارة وباردة، وقد يعرض -وخصوصاً للصبيان- علّة، هي اجتماع الماء في الرأس، وقد يعرض للكبار أيضاً هذه العلة، وهذه العلّة هي رطوبات تحتبس بين القحف وبين الجلد، أو بين الحجابين الخارجين مائية، فيعرض انخفاض في ذلك الموضع من الرأس وبكاء وسهر. أما الصبيان فيعرض لهم ذلك في أكثر الأمر إذا أخطأت القابلة، فغمزت الرأس ففرقته، وفتحت أفواه العروق وسال إلى ما تحت الجلد دم مائي، وقد يكون أخلاط أخرى غير الرطوبات المائية، فإن كان لون الجلد بحاله، وكان متعالياً متغمزاً مندفعاً، فهو الماء في الرأس، وإن كان اللون متغيراً واللمس مخالفاً، وثم قوّة وامتناع على الدفع، أو يحسّ بلذع ووجع فهو ورم من خارج القحف، وأما في الصبيان وغيرهم إذا كان في رؤسهم ماء، وأكثر ما يكون هذا للصبيان، فيجب أن يتعرف هل هو كثير، وهل هو مندفع من خارج إلى داخل إذا قهر، فإن كان كذلك، فلا يعالج، وإن كان قليلاً ومستمسكاً بين الجلد والقحف، فاستعمل إما شقاً واحداً في العرض، وإما إن كان كثيراً شقّين متقاطعين، أو ثلاثة شقوق متقاطعة، إن كان أكثر وتفرغ ما فيه، ثم تشد وتربط وتجعل عليه الشراب والزيت إلى ثلاثة أيام، ثم تحلّ الرباط وتعالج بالمراهم والفتل إن احتجت إليها، أو بالخيط والدرزان كفى ذلك، ولم تحتج إلى مراهم، وإن أبطأ نبات اللحم، فقد أمروا بأن يُجرد العظم جرداً خفيفاً لينبت اللحم، وإن كان الماء قليلاً جداً كفاك أن تحل الخلط المانع بالأضمدة. وأما الأورام الحارة، فأنت تعرف حارها وباردها باللمس واللون، وبموافقة ما يصل إليه، وتحسّ في كلها بألم ضاغط للقحف، فإذا لمست أصبت الألم، وتعالجه بأخفّ من علاج السرسام على أنك في استعمال القوي فيه آمن، والحجامة تنفع فيه أكثر من الفصد قطعاً، وأما عطاس الصبيان فينبغي أن تسقي المرضع ماء الشعير، أو ماء سويقه، إن كان بالصبي إسهال، وتسقي حينئذ شيئاً من الطباشير المقلو وبزر البقلة مقلواً، فإن الأسهال في هذه العلة رديء، ولتجتنب المرضع التحميم، ويجعل على يافوخه بنفسج مبرد.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في السبات السهري ] ●

قد يسقيه بعض الأطباء الشخوص، وليس به، بل الشخوص نوع من الجمود، فنقول: هذه علة سرسامية مركبة من السرسام البارد والحار، لأن الورم كائن من الخلطين معاً، أعني من البلغم والصفراء، وسببه امتلاء ولده النهم، وإكثار الأكل والشرب والسكر، وقد يعتدل الخلطان، وقد يغلب أحدهما فتغلب علاماته، فإن غلب البلغمي سقي سباتاً سهرياً، وإن غلب الصفراوي سمي سهراً سباتياً، وقد يتفق في مرض واحد بالعدد أن يكون لكل واحد منهما كرة على الآخر، فتارة يغلب البلغم فيفعل فيه البلغم سباتاً وثقلاً وكسلاً وتغميضاً، ويشق عليه الجواب عما يخاطب به، فيكون جوابه جواب متمهل متفكر. وتارة تغلب فيه الصفراء، فتفعل فيه أرقاً وهذياناً وتحديقاً متصلاً، ولا تدعه يستغرق في السبات، بل يكون سباته سباتاً ينبه عنه إذا نبه.
وعندما يغلب عليه البلغم يثقل السبات ويتغمّض الجفن إذا فتحه، وعندما تغلب الصفراء يتنبه بسرعة إذا نبه، ويهذي ويقصد الحركة ويفتح العين بلا طرف، ولا تغميض، بل ينجذب طرفه الأعلى كما يعرض لأصحاب السرسام، ويشتهي أن يكون مستلقياً، ويكون استلقاؤه غير طبيعي، ويتهيّج وجهه ويميل إلى الخضرة والحمرة، وعلى أنه في أغلب حالاته ينجذب جفنه إلى فوق، ويغط، فإذا فتح عينه فتح فتحاً كفتح أصحاب الشخوص، والجمود بلا طرف، وإذا نطق لم يكن لكلامه نظام ويشرق بالماء، حتى إنه ربما رجع الماء من منخره، وكذلك يشرق بالإحساء، وهذه علامة رداءته.
وكثيراً ما يعرض فيه احتباس البول والبراز معاً، أو قلتهما، ويعرض له ضيق نفس، وقد يشبه في كثير من أحوال اختناق الرحم، ولكن الوجه يكون في اختناق الرحم بحاله، ويكون سائر علامات اختناق الرحم المذكور في بابه، وههنا يمكن أن يجبر فيه العليل على الكلام بشيء ما، وأن يكلّف التفهم.
والمختنق رحمها، لا يمكن ذلك فيها ما دامت في الاختناق، وهذه العلّة تشبه ليثرغس أيضاً، ولكن تفارقه بأن الوجه فيها لا يكون بحاله كما في أصحاب ليثرغس، وأيضاً يعرض لهم سهر وتفتيح عين غير طارف، والحمّى فيه أشدّ، وتشبه قرانيطس، ولكن يفارقه بأن السبات فيه أكثر، والهذيان أقلّ، وأما بالنبض، فنبضه سريع متواتر بسبب الورم والاختلاط الحموي، فيخالف نبض ليثرغس، وعريض، وقصير بسبب البلغم وورمه، فيخالف قرانيطس، وقصره لعرضه، ثم هو أقوى من نبض ليثرغس وأضعف من نبض قرانيطس، ويكون النبض غير متمدّد متشنّج متفاوت كما في اختناق الرحم، ولا تكون القوة فيه باقية ولا خارجة عن النظم كل ذلك الخروج، كما تكون في اختناق الرحم، بل تكون القوّة ساقطة والنبض متواتر.
العلاج :
أما العلاج المشترك فالفصد كما علمت، ثم الحقن تزيد في حدّتها ولينها بقدر ما تجد عليه المادة بالعلامات المذكورة حين يتعرف، هل الغالب مرة، أو بلغم، ويمنع الغذاء أيضاً على ما في قرانيطس، وخاصة إن كان سببه إكثار الطعام، وإن كان سببه إكثار الطعام، قيأت المريض، ونقّيت منه المعدة، وإن كان سببه السكر لم يعالج البتة حتى ينقطع السكر، ثم يقتصر على مرطبات رأسه، ثم يعالج أخيراً بما يعالج به آخر الخمار.
وتشترك أصنافه في النطولات والضمّادات والعطوسات المذكورة والاستفراغات اللطيفة بما يشرب، ويحقن مما علمت، وتكون هذه الأدوية فيه لا في حدّ ما يؤمر به في قرانيطس من البرد، ولا في حدّ ما يؤمر به في ليثرغس من السخونة، بل تكون مركبة منهما، ويغلب فيهما ما يجب بحسب ما يظهر من أن أيّ الخلطين أغلب.
وقد سبق لك في القانون جميع ما يجب أن تعمله في مثل هذا، ويجب أن تجعل في نطولاته إن كانت المرّة غالبة أوراق الخلاف، والبنفسج، وأصول السوسن، والشعير مع بابونج، وإكليل الملك وشبث، وربما سقيته شراب الخشخاش إن لم تخف عليه من غلبة البلغم. والغرض في سقيه إياه هو التنويم، فإن كانت المادتان متساويتين، زيد فيه الشيح والمرزنجوش، وإن كان البلغم غالباً زيد فيه ورق الغار والسذاب والفودنج والزوفا والجندبادستر والصعتر، وكذلك الحال في الأضمدة والحقن على حسب هذا القانون، ويمكنك التقاطها له من القراباذين. وأما في آخر المرض وبعد أن تنحطّ العلّة، فجنبه النطولات الباردة واقتصر على الملطّفات التي علمتها، ثم حمّمه ودبره تدبير الناقهين.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الشجّة وقطع جلد الرأس وما يجري مجراه ] ●

التفرّق الواقع في الرأس، أما في الجلد واللحم، وأما في العظم موضحة، أو هاشمة، أو مثقلة، أو سمحاقاً. ومن السمحاق الفطرة، وهو أن يبرز الحجاب إلى خارج، ويرم، ويسمن، ويصبر كفطرة، ومنها الآمة والجائفة، وفيها خطر. ويحدث في الجراحات الواصلة إلى غشاء الدماغ استرخاء في جانب الجراحة، وتشتج في مقابله، وإذا لم يصل القطع إلى البطون، بل إلى حدّ الحجاب الرقيق، كان أسلم، وإذا وصل القطع إلى الدماغ ظهر حمّى وقيء مراري، وليس مما يفلح إلا القليل.
وأقربه إلى السلامة ما يقع من القطع في البطنين المقدّمين إذا تدورك بسرعة فيضم. واللذان في البطنين المؤخرين أصعب، والذي في الأوسط أصعب من الذي في المؤخر، وأبعد أن يرجع إلى الحالة الطبيعية، إلا أن يكون قليلاً يسيراً، وتقع المبادرة إلى ضمّه وإصلاحه سريعاً. وأما العلاج، فالمبادرة إلى منع الورم بما يحتمل.
فأما تفصيله، فقد ذكرنا علاج الجراحة الشجيّة التي في الجلد واللحم، حيث ذكرنا القروح في الكتاب الرابع، وذكرنا علاج الكسِر منها في باب الكسر والجبر. وللأطباء في كسر القحف المنقلع الذي هو المنقلة مذهبان، مذهب من يميل إلى الأدوية الهادئة الساكنة الشديدة التسكين للألم، ومذهب من يرى استعمال الأدوية الشديدة التجفيف، ويستعملون نبعد قطع المنكسر وقلع المنقلع وجذب انكساره بالأدوية الجذابة من المراهم وغيرهما على الموضع من فوقه من خارج، لطخاً من خلّ وعسل، وكانت السلامة على أيدي هؤلاء المتأخرين منها أكثر منها على أيدي الأوّلين، وليس ذلك بعجب، قال جالينوس: فإن مزاج الغشاء والعظم يابس.

● [ تمت المقالة الثالثة : أورام الرأس وتفرق اتصالاته ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أبريل 28, 2017 5:16 am