القسم الثاني: تشريح الأعضاء الآلية [ تشريح الدماغ ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2350
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

القسم الثاني: تشريح الأعضاء الآلية [ تشريح الدماغ ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء ديسمبر 14, 2016 10:37 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
شرح تشريح القانون لإبن سينا
تأليف : إبن النفيس
القسم الثاني : تشريح الأعضاء الآلية

● [ تشريح الدماغ ] ●

والكلام في هذا يشتمل على مباحث تسعة :

● [ البحث الأول ] ●
كلام كلّي في تشريح الدماغ

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما تشريح دماغ الإنسان فإن الدماغ ينقسم إلى جوهر حجابي وإلى جوهر مخي ... إلى قوله: وحده أظهر للحس.
الشرح
لفظ الدماغ يقال على معان: أحدها: الرأس بجملته فيكون مرادفاً له إلا أن لفظ الرأس يستعمل في التعظيم والمدح.
والدماغ يستعمل في أضداد ذلك فيستعمل في التحقير والذم. ولذلك يقال للعظيم: وحق رأسك ولا يقال: وحق دماغك.
وثانيها: ما دون القحف. فتدخل فيه الحجب والشبكة ونحو ذلك مما في داخل القحف. وثالثها: نفس المخ، وهذا هو المعنى المشهور.
قوله: الدماغ ينقسم إلى جوهر حجابي يريد بالدماغ ها هنا مادون القحف إذ لو أراد الرأس نفسه لدخل فيه الجلد والسمحاق والقحف.
ولو أراد المخ، لم يدخل فيه الحجب، ويريد ها هنا بانقسام الدماغ إلى الأشياء المذكور لا قسمة العام والخاص. وإلا كان لفظ الدماغ يصدق على كل واحد من هذه الأشياء فيقال للحجاب دماغ، وكذلك التجويف وليس كذلك بل يريد بهذا الانقسام انقسام الجزء إلى أجزائه وذلك لأن ما دون القحف منه ما هو عضو كالحجب، ومنه ما هو رطوبة كالمخ ومنه ما هو بعد كفضاء البطون.
وقيل المراد بالبطون التجاويف التي هي الأفضية التي في داخل القحف والتي في داخل الأم الجافية، أو التي في داخل المخ.
الظاهر من كلامه، ومن كلام غيره أنهم يريدون الأفضية التي يعتقدون أنها في داخل المخ، وذلك لأنهم يزعمون أن في داخل المخ تجاويف ثلاثة وأنها مملوءة من الأرواح النفسانية وأن تلك الأرواح هي التي تقوم بها القوى التي بها الحس، وهي التي يسمونها الحس المشترك.
والقوى التي يسمونها الخيال. والقوى التي يسمونها الوهم، والتي يسمونها تارة مفكرة وتارة متخيلة والقوى التي يسمونها حافظة وذاكرة: وأنا إلى الآن لم يتحقق لي شيء من ذلك على الوجه الذي أرتضيه وقولهم إنهم شرحوا وأبصروا الأمر على ما ذكروه مما لا يوقع عندي ظناً فضلاً عن جزم.
فكثيراً ما رأيت الأمر على خلاف ما ادعوا أنهم صادفوه بالتشريح الذي يدعون أنه تكرر لهم كثيراً.
قوله: وجميع الدماغ منصفاً في طوله تنصيفاً نافذاً في حجبه ومخه، وفي بطونه أما بنصف القحف في أعلاه فظاهر. وذلك لأنه في باطنه نتوء ذاهب في طوله تحت الدرز السهمي ولهذا النتوء فائدة غير التنصيف ويبقى أن يكون العظم عند اتصاله بالدرز السهمي غليظاً فيكون بذلك متداركاً لما يوجبه الانفصال من وهن الجرم.
وأما الحجاب الغليظ وهو الأم الجافية فلا يظهر فيها تنصيف البتة إلا بالشعب الذي ينفذ منها في الدرز السهمي، وينبث في السمحاق ليرتبط هذه الأم بسبب تلك الأجزاء بالقحف ارتباطاً محكماً فلا يقع على المخ بل تكون معلقة بينه وبين عظام القحف وأما المخ نفسه فإنه ينقسم في طوله بما ينفذ فيه في طوله من الأم الرقيقة.
وبذلك المنافذ يحدث أيضاً لهذه الأم تنصيف وفائدة هذا التنصيف أن يكون أحد النصفين قائماً بما يحتاج إليه إذا حدث للنصف الآخر آفة وليكون ما يعرض من الآفات لشيء من هذه الأجزاء أعني العظام والحجب والمخ لا يكثر عموم ذلك لباقي جوهرها لآفة عارضة له.
قوله: وإن كانت الزوجية في البطن المقدم وحده أظهر للحس.
أما ظهور ذلك في عظام القحف فلأجل زيادة غلظ النتوء الذي به تنصيف العظم في مقدم الدماغ وذلك لأجل اتساع ذلك الموضع، وكذلك زيادة ظهور ذلك في المخ، فإنه لأجل زيادة غلظ النازل منه في مقدمه لأجل كبر ذلك الموضع يظهر ذلك التنصيف أكثر.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الثاني ] ●
مزاج الدماغ وقوامه

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وقد خلق جوهر الدماغ بارداً ... إلى قوله: والجزء المؤخر أصلب.
الشرح
إن الكلام في مزاج الدماغ قد وقع ها هنا بالعرض لأن من جملة ما ينبغي الكلام فيه من التشريح هو قوام الأعضاء فالسبب المحدث لقوام الدماغ هو مزاجه. فإن الدماغ يحتاج أن يكون كثير الرطوبة جداً. بل الأولى أن يعد في جملة الرطوبات لا في الأعضاء وزيادة الرطوبة يلزمها لين القوام لأن كثرة الرطوبة إنما تكون لزيادة المائية والمائية إذا لم تكن جامدة كانت سهلة القبول للتشكل والانفعال وذلك مما يحتاج إليه في القوام اللين بل لا يتم لين القوام إلا به.
ومراده ها هنا بالدماغ إنما هو المخ لا غير، لأن ما سواه مما يدخل في لفظ الدماغ بالمعاني الأخر، فإنه وإن كان بارداً فليس برطب.
قوله: وأما برده قليلاً يشغله كثرة ما يتأدى إليه من قوى حركات الأعضاء وانفعالات الحواس، وحركات الروح كل عضو خلق لفعل فإن مزاجه يجب أن يكون مما يعين على ذلك الفعل على ذلك الفعل مثال ذلك القلب فإنه لما كان فعله توليد الروح الحيواني وذلك إنما يمكن بأن يكون في الحرارة بحيث يبخر الدم الواصل إليه من الكبد حتى يصعد ذلك الدم إلى الرئة، ويخالط ما فيها من الهواء المثبوت في جرمها فيحصل من المجموع مادة تصلح لأن يتكون منها الروح إذا حصلت تلك المادة في التجويف الأيسر من تجويفي القلب لذلك احتيج أن يكون مزاج القلب شديد الحرارة، وكذلك العظم لما احتيج إليه ليكون للبدن كالأساس والدعامة والدماغ وجب أن يكون شديد الصلابة، وإنما يمكن ذلك إذا كانت الأرضية فيه كثيرة جداً ويلزم ذلك أن يكون مزاجه بارداً يابساً هذا إذا كان الفعل لذلك العضو.
أما إذا كان لغيره وتأثير ذلك الفعل يصل إلى عضو آخر كان ذلك العضو ليس يجب فيه أن يكون على مزاج يعين على ذلك الفعل بل قد يجب أن يكون على مزاج ينافيه فعل الدماغ، فإنه لما كان يتسخن بأفعال أعضاء وأرواح وكان إفراط ذلك التسخن يلزمه الإضرار به جداً، وجب أن يكون مزاجه مزاجاً ينافي الإفراط في ذلك التسخين. وإنما يكون ذلك بأن يكون مزاجه بارداً فإن البارد غير مستعد للتسخن الكثير، وإن كان فعله قوياً، ولذلك وجب أن يكونه مزاج الدماغ بارداً، وكذلك نقول في الرطوبة. وإنما يمكن ذلك إذا كان ذلك العضو لا يتضرر في أفعاله بذلك المزاج مثل الدماغ فإن فعله تعديل الروح الحيواني حتى يصير صالحاً لصدور الأفعال النفسانية عنه فإنما يتم ذلك بأن يكون مزاجه بارداً رطباً فإن الروح الحيوانية ذات حرارة، وقلة رطوبة ولا كذلك القلب فإنه وإن كان يتسخن بكثرة حركاته، وحركات الشرايين المتصلة به ونحو ذلك فإن مزاجه لا يمكن أن يجعل بارداً، وإلا كان ذلك مضراً له في فعله الذي هو توليد الروح، فلذلك خلق حار المزاج، وجعل له ما يمنع إفراط تسخنه، وذلك بأن يجعل الهواء يصل المبرد إليه في أزمان متقاربة جداً ليمنع إفراط تسخينه.
قوله: ليحسن تشكله واستحالته بالمتخيلات هذا إنما يجب أن تكون معه الرطوبة إذا كان التشكل واقعاً في العضو نفسه. أما إذا كان في الروح المحوية فيه، فإن ذلك مما لا يلزم البتة والتشكل الواقع عند التخيل والإدراك ونحوهما إنما هو في الروح لا في جرم الدماغ، فلذلك لا يلزم بسبب ذلك أن يكون رطباً.
قوله: أما الدسومة فليكون ما ينبت منه من العصب علكاً.
قد بينا فيما سلف من كلامنا في الأمور الطبيعية أن العصب لا ينبت من الدماغ البتة، والعلك هو اللدن الذي مع لدونته لين.
قوله: وليكون الروح الذي يحويه الذي يفتقر إلى سرعة الحركة ممداً برطوبته الروح الذي يحويه الدماغ يحتاج إلى سرعة الحركة، وأما الروح المتحرك بالإرادة فليكون للإنسان متى أراد تحريك عضو تحرك ذلك الروح من الدماغ إلى العضل المحرك لذلك العضو في زمان لا تحس قدره.
وأما الروح المفكر، فليكون للإنسان متى أراد الفكر في أمر تحرك ذلك الروح إلى التفتيش في المخزون في الخيال وفي الحافظة ليقع بسرعة على الأمر الذي يتوصل به إلى المطلوب وسرعة حركة الروح يحتاج فيه إلى رقة قوام ذلك الروح، وقلة برودته. فإن غلظ القوام مانع من سرعة النفوذ، وكذلك زيادة البرد، فإن البرودة منحدرة مانعة من سرعة الحركة والحرارة معينة على ذلك، وإنما يكون الروح لطيف القوام إذا كان الغالب عليه الجوهر الهوائي. وذلك إنما يوجب الرطوبة التي هي بمعنى سرعة الانفعال لا الرطوبة البالة المائية، ورطوبة الدماغ إنما تكون بكثرة مائيته، فلذلك يكون ترطيبها للروح إنما يكون بمعنى الرطوبة البالية، وذلك مانع من سرعة الحركة فلذلك قوله إن رطوبة الدماغ مما يعين على سرعة حركة الروح مما لا يصح بوجه.
قوله: وأيضاً ليخف بتخلخله أما أن الأعضاء الصلبة أثقل من اللينة فظاهر لأن هذه الصلابة إنما تكون لزيادة في الأرضية وهي يلزمها زيادة الثقل وإنما قلنا أن زيادة صلابة الأعضاء إنما يكون لزيادة الأرضية مع أن الصلابة قد تفعلها قوة الانعقاد، وذلك لأن الحرارة العاقدة للأعضاء كلها واحدة وهي الحرارة الغريزية. وإذا كان الفاعل واحداً فإنما يزيد صلابة بعض الأعضاء على بعض إذا كان الاستعداد للصلابة فيها مختلفاً، وإنما يكون ذلك بسبب الأرضية فلذلك زيادة صلابة الأعضاء إنما تكون لزيادة الأرضية، ويلزم ذلك أن يكون الثقل زائداً، وأما أن الرطوبة يلزمها التخلخل فذلك إنما يكون إذا أريد بهذا التخلخل السخافة، فإن رطوبة العضو يلزمها سخافة جرمه، ولذلك كان لحم الإناث أسخف.
قوله: وذلك لأن الجزء المقدم منه ألين، والجزء المؤخر أصلب. جميع الأعضاء التي في مقدم البدن ألين من التي في مؤخره، وذلك لأن الأعضاء التي في مؤخر البدن غائبة عن حراسة الحواس فيحتاج أن يكون قبولها للانفعال عن المصادمات ونحوها أقل وغنما يمكن ذلك إذا كان قوامها أصلب.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الثالث ] ●
الأجزاء التي ينقسم إليها الدماغ

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وفرق ما بين الجزأين باندراج الحجاب الصلب ... إلى قوله: فجعل الطي دعامة لها.
الشرح
الدماغ يعرض له الانقسام بأمرين وكلاهما بأن يكون ما ينقسم إليه الأجزاء لكن الأشياء التي ينقسم إليها بأحد الأمرين، يخص باسم الأجزاء، والأشياء التي ينقسم غليها بالأمر الآخر يخص باسم البطون، والأشياء التي يخص باسم الأجزاء ليس بعضها بأن يكون أعظم من الآخر أولى من العكس. فلذلك يجب في هذه الأجزاء أن تكون متساوية أعني إنها تكون متساوية في القطر الذي انقسمت فيه فلذلك انقسم الدماغ إلى جزأين: أحدهما يميناً، والآخر شمالاً هما لا محالة متساويان في جميع الأقطار وذلك لأن هذه القسمة إنما كانت ليقوم أحد الجزأين بالأفعال الواجبة في الحياة عند فساد الجزء الآخر وإنما يكون ذلك إذا كان أحد الجزأين مساوياً للآخر في جميع الأقطار حتى يكون أحدهما مثل الآخر حتى تكون جميع أفعاله مثل جميع أفعال الآخر.
وأما انقسام الدماغ إلى جزأين: أحدهما مقدم، والآخر مؤخر، فيجب أن يكون هذان الجزآن متساويين في الطول إذ ليس أحدهما بأن يكون أطول من الآخر أولى من العكس، وأما في العرض والسمك فيجب أن يكونا مختلفين جداً، لأن مقدم الدماغ أكثر عرضاً وسمكاً من مؤخره، فلذلك يكون الجزء المؤخر من هذين أدق من الجزء المقدم.
وأما الأشياء التي يخص البطون مما ينقسم الدماغ إليه فإنها يجب فيها أن تكون مقاديرها مختلفة بحسب الأغراض المقصودة منها. فالبطن المقدم لما كان محلاً للصور المحسوسة بالحواس الظاهرة والمحسوسة بالبصر منها هي لا محالة مثل المحسوسات الخارجية، وتلك المثل إنما يتصور فيما له مساحة فلذلك يجب أن يكون هذا البطن عظيماً جداً حتى يمكن أن يتسع لمثل كثرة الأمور الخارجة. وأما البطن المؤخر فإنه لما كان محلاً لمعاني الصور المحسوسة وتلك المعاني هي لا محالة مما لا مساحة لها، فلذلك لا يضر فيها صغر المكان، ولا يحتاج الكثير منها إلى محل كبير، فلذلك جعل البطن المؤخر من بطون الدماغ صغيراً جداً بالقياس إلى البطن المقدم بل هو أصغر كثيراً من كل واحد من جزأيه اللذين أحدهما في اليمين والآخر في الشمال، فأما البطن الوسط فإنه لما كان كالدهليز الذي يحتاج إليه القوة التي في مؤخر الدماغ لأن يشرف منه على جميع ما في البطن المقدم من الصور على ما تعرفه بعد، وجب أن يكون في مقداره على المقدار الذي لا بد منه في ذلك.
فلذلك هو صغير جداً بالنسبة إلى البطن المقدم بل هو أيضاً صغير بالنسبة إلى البطن المؤخر لأنه مؤد إليه، فالمؤدي لا محالة أصغر من الذي يؤدي هو إليه فلذلك يكون البطن المقدم أعظم كثيراً من مجموع البطنين الآخرين، فلذلك الغشاء القاسم للدماغ بنصفين، وهو الآخذ عن يمين الدماغ إلى يساره يجب لا محالة أن يقع في بعض البطن المقدم، فلذلك هذا الغشاء لا يجوز أن يمر في أعلى الدماغ إلى أسفله على الاستواء، وإلا كان يفصل مؤخر البطن المقدم عن مقدمه وكانت الروح التي في مقدم البطن المقدم لا يتمكن من النفوذ إلى مؤخره، فلذلك هذا الغشاء إذا قطع سقف البطن المقدم انحرف من التسفل إلى تغشية باطن هذا البطن، فتكون فائدة غوص هذا الغشاء في جرم الدماغ، هو التمكن من تغشية باطنه، وإنما اختص غوصه بمنتصف أعلى الدماغ لأنه لا موضع أولى بذلك من آخر فيجب أن يكون هذا الغوص في الوسط ليكون قسمته على باطن الدماغ على السواء فتكون هذه القسمة عادلة.
قوله: وإنما أدرج الحجاب فيه ليكون فصلاً أي ليفصل الجزء المقدم من الدماغ من الجزء المؤخر.
وهذا الكلام إنما يصح إذا كان انفصال الجزء المقدم من الجزء المؤخر له فائدة. وذلك مما لا يظهر ولو كان له فائدة لكانت تلك الفائدة هي فائدة إدراج الحجاب هناك من غير حاجة إلى توسط كونه فصلاً.
قوله: وقيل ليكون اللين مبرأ عن مماسة الصلب.
هذا الكلام في غاية الفساد.
وذلك لأن اللين غنما يجب أن يكون بينه وبين الصلب متوسطاً إذا كان هناك أمران: أحدهما أن يكون ما يلاقي اللين من الصلب بضربه. وأما إذا كان هذا الانتقال بالتدريج. فإن ذلك لا يجب لأن ما يلاقي أحد الجزأين حينئذٍ لا يكون بينه وبين ما يلاقيه تفاوت كثير في اللين والصلابة، فلا يمكن لملاقاته له مؤذية، ولو وجب هذا التوسط مع الانتقال لو جب أن يكون هذا المتوسط بين كل جزء من اللين وبين الجزء الذي يليه فكان يجب أن يكون غوص هذا الغشاء في مواضع كثيرة جداً، وليس كذلك.
وثانيهما: إن توسط شيء بين لين وصلب إنما يجب إذا كان ذلك المتوسط متوسطاً بينهما في الصلابة واللين إذ لو كان مساوياً للصلب في الصلابة لكانت ملاقاة اللين له كملاقاته للصلب المجاور له فكيف إذا كان هذا المتوسط أزيد صلابة من الصلب الملاقي.
فإن تضرر اللين حينئذٍ يكون بملاقاة ذلك المتوسط أكثر.
قوله: ونحن نعلم بالضرورة أن جرم الغشاء، ولو بلغ في اللين إلى أي غاية بلغ إليها، فإنه لا يبلغ إلى أن يكون في قوام النخاع فضلاً عن مؤخر الدماغ فضلاً عن توسطه.
قوله: ولهذا الطي منافع أخر أيضاً لحفظ الأوردة النازلة هذا الكلام أيضاً لا يستقيم، وذلك لأن الأوردة النازلة إلى داخل القحف هي شعب من الوداج الغائر، وهذه الشعب تأتي الغشاء المجلل للقحف، وهو السمحاق ويغوص إلى داخل القحف في الدرز السهمي متفرقة في طوله، وهذا الدرز إنما يوازيه من أغشية الدماغ الغشاء المنصف للدماغ بنصفين يمنة ويسرة. وهذا الغشاء يصلح لحفظ أو ضاع تلك الشعب فتكون هذه المنفعة من منافع هذا الغشاء لا من منافع الغشاء الذي يغوص في جرم الدماغ في منتصف ما بين مقدمه ومؤخره، فإن هذا الغشاء مقاطع للدرز السهمي لا على محاذاته وإذا كان كذلك لم يمكن أن يكون حافظاً لأوضاع ما ينزل فيه من تلك الشعب.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الرابع ] ●
هيئة الموضع الذي تحت الدماغ
المسمى بالبركة والمعصرة

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه من قوله: وتحت آخر هذا العطف وإلى خلفه المعصرة ... إلى قوله: ولم يلحقها صلابة العصر.
الشرح
الموضع المسمى بالبركة يحدث من تسفل وسط الغشاء الصفيق الذي تحت الدماغ. وهو الأم الجافية فإن وسط هذا الغشاء أعني وسط ما تحت الدماغ منه يتسفل فيحدث من تسفله تجويف، أعني وهدة.
وهذه الوهدة مستديرة المحيط متدرجة في التسفل، ولذلك أكثر تسفلها في وسطها، فلذلك تسمى البركة لأنها على هيئة البركة التي تسمى في العرف العام: طشتية. وإلى هذه البركة تتوجه أطراف كثيرة من الأوردة النافذة في جرم الدماغ فيخرج الدم من فوهاتها إلى هذه البركة، ولذلك تسمى أيضاً المعصرة. لأن العروق كأنها تنعصر إليها حتى يخرج منها الدم إليها وهذه المعصرة موضوعة تحت آخر هذا الطي، أعني الغشاء الذي بينا أنه ينفذ في وسط جرم الدماغ ما بين مقدمه ومؤخره، وإنما كانت المعصرة مع أنها تحت آخر هذا الغشاء فإنها موضوعة إلى خلفه أي أنها تميل إلى خلفه قليلاً فتكون منحرفة عن وسط الدماغ في طوله إلى خلفه بقدر يسير، وسبب هذا الانحراف أن تكون قريبة من الأوردة النافذة في الدماغ فإن أكثرها إنما ينفذ إلى داخل الدماغ من خلفه وذلك من ثقب موضوع في أعلى الدرز اللامي على ما بيناه في تشريح الأوردة والغرض بذلك أن يصل الدم إليها بسرعة قبل نفوذ تلك العروق إلى قرب مقدم الدماغ فيسخنه بأكثر ما ينبغي، لأن الدم في أو ل نفوذ هذه العروق إلى الدماغ يكون بعد حاراً بما هو دم وبما يخالطه من الصفراء الكثيرة التي لابد من مخالطتها له، وإلا لم يسهل تصعده إلى الدماغ. فلذلك جعلت هذه المعصرة أميل عن وسط طول الدماغ لتغذية الدماغ ثم إلى مؤخره ليصل إليها الدم بسرعة فيتعدل فيها حتى يصلح بعد ذلك ينفذ فيها إلى جميع أجزائه، وإنما احتمل مؤخر الدماغ نفوذ الدم الحار فيه من غير أن يتضرر بذلك لأن هذا المؤخر أشد برداً من المقدم. فلذلك الدم الحار يرده إلى قرب الاعتدال قليلاً وهذا من جملة الأسباب التي أو جبت نفوذ أكثر الأوردة والشرايين إلى الدماغ من جهة مؤخره.
قوله: وهذا الطي ينتفع به في أن يكون منبتاً لرباطات الحجاب الصفيق بالدماغ في موازاته الدرز من القحف الذي يليه وفي بعض النسخ الحجاب اللصيق بالدماغ، ومعنى هذه النسخة أن من جملة منافع هذا الطي أعني القاسم للدماغ إلى جزء مقدم وآخر مؤخر أنه ينبت منه أجزاء يرتبط به الغشاء اللصيق بالدماغ، أعني الأم الرقيقة بالدرز من القحف، وهذا الدرز الذي يلي هذا الطي أي الذي يحاذيه.
وهذه النسخة لا تصح.
فإنه لا درز في القحف يحاذي هذا الطي هو في وسط ما بين مقدم الدماغ ومؤخره، وليس في وسط القحف درز من يمين الرأس إلى يساره حتى يكون محاذياً لهذا الطي، وكذلك النسخة التي كتبناها أو لاً لا تصح أيضاً لما قلناه، ولأن الأجزاء التي تصل بين الحجاب الصفيق والدرز السهمي الممتد بطول القحف إنما تتصل من ذلك الحجاب الصفيق لا من هذا الطي فإن تلك الأجزاء بعد نفوذها في ذلك الدرز تنبت في السمحاق لتعلق بها الأم الجافية فلا يقع على الدماغ.
وأما الأم الرقيقة فلا حاجة بها إلى انفصال أجزاء منها إلى القحف فإن ذلك تلزمه كثرة الثقوب في الأم الجافية من غير حاجة الأم الرقيقة لا تحتاج إلى أن يتعلق بشيء حتى تستقل عن الدماغ فإنها إنما تتم منفعتها إذا كانت ملاقية للدماغ حتى يصل إليه الغذاء منها.
قوله: وفي مقدم الدماغ منبت الزائدتين الحلميتين اللتين يكون بهما يكون الشم، في وسط مقدم الدماغ من قدام زائدتان شبيهتان بحلمتي الثدي وهما الآلة في الشم على ما نبينه بعد، وجرمها متوسط في الصلابة واللين بين الدماغ والعصب فهما ألين من العصب وأصلب من الدماغ، فلذلك قوامهما قريب من قوام النخاع وأميل منه إلى الصلابة قليلاً وإنما جعلتا في مقدم الدماغ لتكون رطوبته غذاء لهما بالنداوة فلا يعرض لهما جفاف يصلهما وإنما جعلا في وسط ما بين يمين هذا المقدم ويساره ولأن هذا الموضع أرطب أجزاء المقدم، وإنما احتيج أن تكون آلة الشم شديدة اللين لأن محسوسها هو الكيفية التي تجذب في الهواء المستنشق وجميع ذلك الأجل ضعفه إنما ينفعل عنه ما كان شديد القبول جداً، وإنما يكون كذلك إذا كان شديد اللين جداً حتى ينفعل عن المؤثرات وإن ضعفت جداً.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الخامس ] ●
تشريح الغشاءين المحيطين بالدماغ
وهما الأمّان الغليظة والرقيقة

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وقد جلل الدماغ كله بغشائين ... إلى قوله: ارتباط الغشاء الثخين بالقحف أيضاً.
الشرح
إن الدماغ بطبعه شديد اللين، والجرم الذي يحيط به عظم والعظم شديد الصلابة، وفي بعض الأحوال مثل الطرح الشديد، ويتورم جرم الدماغ ونحو ذلك يحتاج أن يلاقي الدماغ العظم المحيط به إذ لم يكن بينهما حائل يمنع من هذه الملاقاة. وملاقاة الشديد اللين للجرم الشديد الصلابة، لا شك أنها مؤلمة مضرة باللين، فلا بد وأن يكون بينهما حائل يمنع من هذه الملاقاة. وذلك الحائل يجب أن لا يكون شديد الصلابة، وإلا كان الدماغ يتضرر جداً. بملاقاته ويجب أيضاً أن يكون شديد اللين بملاقاة العظم فإنه شديد الصلابة فلا بد من أن يكون في صلابته متوسطاً ولكن المتوسط بين شدة لين الدماغ وشدة صلابة العظم بالنسبة إلى الدماغ صلب لأن التفاوت بين لين الدماغ وصلابة العظم كبير جداً، فلذلك لا بد من أن يكون ما يلاقي الدماغ من هذا المتوسط مائلاً إلى اللين حتى يكو مائلاً للدماغ فلا يتضرر به الدماغ ولا بد من أن يكون ما يلاقي العظم أو يتوقع ملاقاته في بعض الأحوال مائلاً إلى الصلابة حتى لا يتضرر بملاقاة القحف. فلذلك لا بد من أن يكون ما يلي الدماغ مخالفاً جداً في قوامه لما يلي العظم، وإذا كان كذلك لم يكن أن يكون ذلك المتوسط جرماً واحداً لأن الجرم الواحد إنما يختلف سطحاه المتقابلان اختلافاً كبيراً في الصلابة واللين إذا كان لذلك الجرم سمك كثير. ذلك يلزمه أن يملأ مسافة كبيرة من فضاء داخل القحف فلذلك لا بد من أن يكون هذا التوسط جرمين رقيقين ليكونا غير مائلين لقدر كثير من ذلك الفضاء، فلذلك لا بد أن يكون غشاءين، ويكون ما يلي الدماغ منهما ليناً جداً، وما يلي القحف إلى صلابة يعتد بها، ويجب أن يكون ما يلي الدماغ رقيقاً جداً لأن ذلك يكفي في حدوث صلابة ما لظاهر الدماغ بها يمكن ملاقاته الأم الجافية من غير إيلام الدماغ، وأما ما يلي القحف فيجب أن يكون غليظاً إذ لو كان رقيقاً جداً لتهيأ للتمزق بما يحدث هناك من الرياح أو الأبخرة ونحوهما لأن هذا الغشاء ليس يعتمد على عضو يقوي به كما يعتمد الغشاء الرقيق على الدماغ لأنه يلاقيه. ولما كان الدماغ يحتاج أن يتصل به عروق كثيرة جداً ضاربة، وغير ضاربة. وذلك لأنه يحتاج إلى ذلك لأجل نفسه للاغتذاء واستفادة الحياة، ويحتاج إلى ذلك لأجل توليد الروح النفساني فلذلك احتيج أن يكون ما يصل إليه من العروق بكثرة.
وهذه العروق لو لم تكن مخالطة لجرم إلى الصلابة لكانت أو ضاعها تختل بسبب تحريك ما يحدث حول الدماغ من الرياح والأبخرة، فلذلك لابد من أن يكون تلك العروق مداخلة لجرم إلى الصلابة لحفظ أو ضاع بعضها من بعض ويجب أن يكون الجرم ملاقياً للدماغ حتى تكون تلك العروق ملاقية للدماغ لتحيل ما فيها إلى الدم والروح إلى مشابهة طبيعته فيقرب بذلك من اعتدال حتى يكون الدم إلى الدماغ ضاربها وغير ضاربها مخالطة لجرم الغشاء الرقيق الملاقي للدماغ فلذلك سمي هذا الغشاء المشيمي لأجل مشابهته للمشيمة التي للجنين في حفظها لأوضاع ما يأتيه من العروق، فلذلك هذا الغشاء المجلل للدماغ الملاقي له يحتاج أن تكون فيه عروق كثيرة جداً.
وأما الغشاء الآخر الغليظ فإنه إنما يخالطه من العروق ما يوصل إليه غذاه، فإن كان قد تنفذ فيه عروق أخرى تخدمه إلى المجرى فلذلك كان هذا الغشاء قليل العروق بخلاف الغشاء الرقيق مع أن الغليظ أحوج إلى كثرة الغذاء من الرقيق.
قوله: ولذلك ما يداخل أيضاً جوهر الدماغ معناه ولما كان الغشاء الرقيق كالمشيمة في حفظ أو ضاع العروق التي منها يغتذي الدماغ وجب أن يكون لهذا الغشاء مداخلة كبيرة لجوهر الدماغ ليوصل إليه الغذاء من تلك العروق.
قوله: وينتهي عند المؤخر منقطعاً الغشاء الرقيق يدخل إلى داخل الدماغ وذلك من الطي الذي ذكرناه، وإذا خرق ذلك الطي جرم الدماغ إلى بطونه غشاء تلك البطون من داخل إلا البطن المؤخر فإنه لصلابته استغنى عن هذه التغشية. وذلك لأن من فوائد هذه التغشية حفظ أو ضاع أجزاء الدماغ، وذلك لأجل إفراط لينه وقبوله للإنعواج والانثناء ونحو ذلك بسبب إفراط ما يحدث في الدماغ من الرياح والأبخرة ونحوها، والبطن المؤخر لأجل قلة لينه يستغني عن ذلك، فلذلك باطنه يخلو من هذا الغشاء.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث السادس ] ●
تعديل بطون الدماغ

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وللدماغ في طوله ثلاثة بطون ... إلى قوله: للمؤخر عن المقدم موجود في الزرد.
الشرح
لما كان الدماغ مبدأ للروح النفساني، وإنما يكون ذلك بإحالة المادة التي تتحقق منها إلى المزاج الذي به يتحقق ذلك، وذلك إنما يتم في زمان يعتد به، وجب أن تكون للروح الذي فيه يتكون من الروح النفساني مكاناً يبقى فيه زماناً في مثله يصير ذلك الروح نفسانياً وذلك المكان هو البطون ويجب أن تكون هذه البطون كثيرة لأن الروح الذي يتكون منه هذا الروح النفساني كما بيناه في موضعه هو الروح الذي يأتي من القلب فلا بد من مكان يتعدل فيه هذا الروح حتى يستعد لأن يصير نفسانياً، وإذا استعد لذلك وجب أن ينفذ إلى مكان آخر فيكمل فيه استحالته إلى الروح النفساني وإنما لا يبقى في مكانه إلى تمام هذه الاستحالة لأن ذلك المكان يحتاج أو لاً أن يخلو حتى يصير فيه روحاً آخر يستعد ذلك الاستعداد ثم يتحرك إلى حيث تكمل استحالته ليبقى عمل الدماغ في الروح الآتي من القلب مستمراً ومع ذلك لا يخلو عن روح نفساني ولو كملت استحالة هذا الروح في المكان الأول لكان إنما يمكن أن يصل إلى ذلك المكان روح آخر بعد خلوه، وإنما كان يخلو إذا توزع ذلك الروح النفساني على الأعضاء وحينئذٍ كان الدماغ يخلو عن روح نفساني إلى أن يكمل استحالته ذلك الوارد فلذلك احتيج أن تكون للروح النفساني مكان يسستعد فيه لذلك، ومكان يتم فيه استحالته إلى ذلك ولا بد من مكان آخر منه يتوزع ذلك الروح على الأعضاء فلذلك احتيج أن يكون للدماغ ثلاثة بطون: بطن يستعد فيه الروح الآتي من القلب لأن يصير نفسانياً، وبطن تتم فيه استحالته إلى ذلك، وبطن يتوزع منه الأعضاء.
فإن قيل: وهلا كان البطن الذي يكمل استحالته هو الذي يتوزع منه على الأعضاء قلنا هذا لا يصح وإلا كان الروح الذي استعد في البطن الأول لأن يصير نفسانياً إنما يصل إلى البطن الذي يكمل فيه استحالته بعد توزع ما في ذلك البطن من الروح على الأعضاء. وحينئذٍ كان يلزم ذلك خلو الدماغ عن روح نفساني هذه استحالة الروح المستعد لتمام الاستحالة، وذلك لا محالة يلزمه ضرر عظيم، فلذلك لا بد من أن يكون الدماغ ثلاثة بطون، وكل واحد من هذه البطون فإنه يجب أن يقسم إلى جزأين ليقوم كل واحد منهما بفعل ذلك البطن المقدم أظهر لأن هذا البطن لكبره يتسع لفاضل غليظ يفصل بين جزأيه، ولا كذلك غيره. والمشهور هو المذكور في الكتاب.
إن الروح الحيواني ينفذ أو لاً إلى البطن المقدم فينبطخ فيه أي أنه يستحيل فيه إلى مشابهة مزاج الروح النفساني استحالة ما ثم ينفذ بعد ذلك إلى البطن الأوسط ويزداد فيه هذه الاستحالة ثم إن هذه الاستحالة تكمل في البطن المؤخر وهذا مما لا يصح، وذلك لأن الروح الحساس يحتاج أن تكون بغاية الاعتدال ليحس بكل انحراف ويخرج عن الاعتدال، ولا كذلك الروح الذي به الذكر والفكر فإن هذا الروح يحتاج إلى أن يكون إلى الحرارة، ولذلك فإن البرودة شديدة الإضعاف للذكر. ولذلك فإن المشايخ يضعف هذه القوة الحافظة والذاكرة فيهم، وكذلك الفكر يضعف بالبرد، ولذلك فإن المشايخ الهرمين يعرض لهم الخرف كثيراً. فلذلك الحق: إن الروح الحيواني يصل أو لاً إلى البطن المؤخر فيعتدل فيه قليلاً ثم يزداد اعتدالاً في البطن الأوسط، وهو أشد اعتدالاً ثم يكمل هذا الاعتدال في البطن المقدم، فلذلك يكون الروح الذي في المقدم أشد اعتدالاً من الذي في البطن الأوسط وهو أشد اعتدالاً من الذي في البطن المؤخر، وما ذلك إلا أن الروح الحيواني ينفذ أو لاً إلى البطن المؤخر ثم ينفذ بعد ذلك إلى البطنين الآخرين. وهيئة التشريح تصدق ذلك، وتكذب قولهم، فإن نفوذ الشرايين إلى داخل القحف إنه لا يكون من البطن المقدم.
قوله: والغشاء الرقيق يستبطن بعضه فيغشي بطون الدماغ إلى الفجوة التي عند الطاق.
قد قالوا إن عند منتهى البطن المقدم موضعاً عميقاً، ومن هناك يبتدئ البطن الأوسط، وذلك الموضع يسمى مجمع البطنين أي أنه هناك يجتمع البطنان اللذان للبطن المقدم، وهما اللذان أحدهما يمنة والآخر يسرة، وهذا الموضع يسمى فجوة. وأما الطاق فقد يراد به الغشاء الرقيق الغائص في جرم الدماغ وهو الذي يقسمه إلى جزأين: أحدهما مقدم والآخر مؤخر.
وهذا الغشاء عند غوصه في الدماغ يغوص وهما طاقان: طاق من قدام ذلك الموضع، وطاق من مؤخره. وقد يراد بالطاق سقف البطن الأوسط لأنه كالقعد المستدير، ويغشيه الغشاء الرقيق لباطن الدماغ إنما هو قرب هذا الموضع، وذلك لأنه ما بعده إلى خلف تغشية صلابة هذه التغشية كما ذكرناه أو لاً.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث السابع ] ●
تشريح المشيمية ما يأتيها من العروق

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وبين هذا البطن، والبطن المؤخر من تحتهما مكان هو متوزع العرقين العظيمين الصاعدين ... إلى قوله: ويكون هناك تنسج على مثال المتنسج في المشيمة فيستقر فيه.
الشرح
قد كنت عرفت أن تحت الغشاء الذي ذكرنا أنه ينقسم إلى جزأين مقدم ومؤخر إلى خلفه مكان ضيق من تقعر الأم الجافية الحاوية للدماغ من تحته، فإن هذا المكان مملوء من الدم، فإن الفائدة في ذلك أن يتعدل ذلك الدم حتى يصلح لتغذية الدماغ، إذ الدم الوارد إلى الدماغ لا بد وأن يكون حاراً، والألم يسهل تصعده فلو خالط الدماغ عند أو ل وصوله لسخنه وأخرجه عن المزاج الموافق له. فلذلك احتيج أن يبقى هذا التقعير قبل نفوذه ومخالطة الدماغ مدة في مثلها ويقرب من ماج الدماغ.
وهذا المكان يسمى البركة، ويسمى المعصرة، وقد عرفت السبب في ذلك وإذا تعدل هذا الدم وصلح لتغذية الدماغ فلا بد من تصعده إليه، وإنما يمكن ذلك بامتصاص العروق له من فوهاتها. إنما يمكن ذلك بأن تكون تلك العروق كثيرة جداً لتمكنها أن تمتص كل وقت من هذا الدم ما يكفي لتغذية الدماغ مع أن هذا الامتصاص عسير وذلك لأن هذا الدم إنما يتعدل ويشابه مزاج الدماغ مشابهة ما بأن يبرد الدم إذا برد غلظ وأفواه العروق الصغار ضيقة فذلك إنما يتمكن من امتصاص ما يكفي الدماغ من هذا الدم في زمن قصير إذا كانت كثيرة جداً، وعند نفوذها إلى الدماغ لا يمكن أن تكون كثيرة وإلا لزم ذلك تثقب الأم الرقيقة لكل واحد منها فيكثر فيها الثقوب، وذلك مضعف لجرمها. فلذلك هذه العروق الماصة لهذا الدم لا بد من أن يكون أو لاً كثيرة ومتفرقة جداً لتلاقي مواضع كثيرة ثم إذا صعدت إلى قرب الدماغ فلا بد من اجتماعهما وينبغي أن يكون ذلك إلى عرقين أحدهما يمنة، والآخر يسرة، لتكون قسمة الدم على جانبي الدماغ على الوجه العدل، ثم إن هذين العرقين يتوزعان إلى عروق كثيرة تنبث في الغشاء الرقيق فيكون ذلك في المشيمة ثم يداخل جوهر الدماغ لإيصال الغذاء إليه والشعب الماصة للدم هي لهذين العرقين كالأصول للشجرة لأن منها يأتي لمادة إلى هذين العرقين، وقد ملئ الخلل بينهما بجسم غددي ليحفظ أو ضاع بعضها عند بعض. وخلق ذلك الجرم غددياً ليكون محيلاً لما في تلك العروق إلى مشابهة بجوهر الدماغ لأن الأجرام الغددية جميعها كثيرة الرطوبة ولما كانت هذه العروق من أسفل منفرجة، ومن فوق مجتمعة إلى هذين العرقين وجب أن يكون هذا الجرم الغددي صنوبري الشكل ويكون رأسه وهو الدقيق منه من فوق. وقاعدته وهو الغليظ منه إلى أسفل.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الثامن ] ●
تشريح البطن الأوسط من بطون الدماغ

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والجزء من الدماغ المشتمل ... إلى قوله: بسبب حركة شيء آخر أشبه بإجابة الشيء الواحد.
الشرح
إن هذا الأوسط أو له عند آخر البطن المقدم وهو في وسط عرض الدماغ، فلذلك يكون أو له عند ملتقى بطن البطن المقدم أعني الأيمن والبطن الأيسر فيكون طرف كل واحد من هذين البطنين في أو ل فضاء هذا البطن الأيسر فلذلك يشاهد منه الصور المحسوسة المنطبعة في الأرواح التي في البطنين المقدمين وآخر هذا البطن الأوسط هو عند أو ل بطن المؤخر، فلذلك تتمكن القوة الموضوعة في البطن المؤخر إذا كان هذا البطن مفتوحاً من مشاهدة جميع الصور المنطبعة في الأرواح التي في البطنين المقدمين وآخر هذا البطن الأوسط وعند أو ل البطن المؤخر وحينئذٍ يحكم على كل صورة من تلك الصور بما يليق بها من المعاني ولذلك تحكم هذه القوة من الشاة على صورة الذئب المنطبعة في البطن المقدم على أن ذلك عدو مفسد لها، وعلى صورة متعهدها بالعلف أنه صديق لها فلا تنفر عنه نفورها من الذئب. وهذا البطن لا يمكن أن يكون مفتوحاً دائماً وإلا كانت الروح التي في مؤخر الدماغ ينتقل بعضها إلى مقدمه والتي في مقدمه فينتقل إلى إلى مؤخره، فيشوش الأرواح ويفسد الذهن. وتختلط تلك الصور المحسوسة بعضها ببعض على غير النظام الطبيعي فيحدث من ذلك كما يحدث للمبرسمين، ولا يمكن أيضاً أن يكون هذا البطن دائماً مسدوداً وإلا لم يمكن الحكم على معاني تلك الصور المحسوسة لأنها حينئذٍ لا يمكن القوة التي في مؤخر الدماغ مشاهدة شيء منها، فلذلك لا بد من أن يكون هذا البطن في حال ما مفتوحاً وفي حال أخرى مسدوداً.
ولا يمكن أن يكون ذلك بالطبع فإن الطبع لا يقتضي شيئاً ولا يقتضي ما يقابله فلا بد من أن يكون هذا الانسداد والانفتاح بالإرادة، ولكن بالإرادة الطبيعية، وهي التي بالقوة الحيوانية، وهي التي لا يلزم في أفعالها أن نكون مدركين لها ولا مدركين للإرادة التي بها تكون أفعالها ثم هذا الانفتاح والانسداد لا يمكن أن يكونا بانضمام جرم الدماغ انضماماً يلزمه انسداد هذا البطن وبانفراج يلزمه انفتاح هذا البطن فإن جرم الدماغ لأجل إفراط لينه ليس يحتمل ذلك فلا بد أن يكون هذا الانسداد بجرم يكون في داخل هذا البطن ويكون ذلك الجرم على بعض أحواله ينفتح في هذا البطن وعلى بعضها ينسد، ولا يمكن أن يكون هذا الجرم من خارج هذا البطن وإلا كان سده يضغط جرم الدماغ إلى أن تتلاقى أجزاؤه وفتحة بتخلية الموضع من الدماغ عن ذلك الضغط فلا بد من أن يكون هذا الجرم من الفاعل ليسد هذا البطن وفتحه في داخل هذا البطن، ولا يمكن أن يكون ذلك في موضع من هذا البطن دون باقيه لأن هذا الجرم لا بد من أن يكون شبهاً بجوهر الدماغ حتى لا تؤلمه ملاقاته وكذلك لا بد من أن يكون هذا الجرم شديد اللين، فلو كان موضوعاً في موضع من داخل هذا البطن لأمكن أن ينفعل عن الرياح والأبخرة الحادثتين في داخل الدماغ ليبطل بذلك فتحه أو سده، ولكانت حركة الروح أيضاً قد تقوى على تغييره عن الحالة المنفتحة والسادة فلذلك لا بد من أن يكون هذا الجرم ممتداً في طول هذا البطن ولا يمكن أن يزيد على ذلك وإلا كان يحدث ضيقاً في البطن الذي تقع فيه تلك الزيادة، ولا يمكن أيضاً أن يكون جسماً واحداً، فإن الجسم الواحد إنما يحدث له سدة تارة، وانفتاحاً أخرى إذا كان يتجمع تارة فينفتح هذا البطن وينبسط أخرى فينسد وهذا غير ممكن ها هنا، فإن الأجسام الشديدة اللين لا يمكن أن يكون التفاوت بين تجمعها وانبساطها كثيراً جداً. فلو كان هذا الجرم واحداً لكان ما ينفتح عند تجمعه يسيراً جداً لا يفي بالغرض فلا يلزم أن يكون هذا الجرم من أجسام كثيرة ويكون واحد منها تحدث له حالة يحدث فيها تقارب الباقي إلى الملاقاة والسد وحالة أخرى يلزمها تباعد الباقي، وانفتاح المجرى. وهذا الجرم الذي تختلف أحواله التي يلزمها ذلك، لا بد من أن يكون حدوث تلك الأحوال له بسهولة حتى يمكن أن يحدث كل واحد من انفتاح هذا البطن وانسداده بسرعة وسهولة، وهذا يمكن أن يكون هذا الجرم دودي الشكل مؤلفاً من أجزائها أن تجتمع وتتباعد بسهولة، وذلك بأن يكون مؤلفاً من أجزاء كالزوائد مربوطاً بعضها ببعض ويكون لتلك الأجزاء أن تتباعد تارة وتتقارب أخرى، فإذا تقاربت قصر ذلك الجرم جداً، وإذا تباعدت طال، ويكون إلى جانبي هذا الجرم وإلى أسفل جسمان آخران يسهل تقاربهما وتباعدهما ويكونان ممتدين في طول هذا البطن كالجرم الأول، وإلى جانبيه، وأسفل منه ويكون هو مربوطاً إليهما من جانبيه ربطة يذهب إليها على الاستقامة فما دامت تلك الربط كذلك كانات متباعدين أي إن أحدهما يكون بعيداً عن الآخر فيكون ما بينهما مفتوحاً وذلك هو ما تحت الجرم الأول وإما إذا امتد في ذلك الجرم الأول في الطول حتى لزم ذلك خروج مبادئ تلك الأربطة عن محاذاة اتصالها بالجسمين الآخرين وذلك بأن صارت تلك الأربطة في اتصالها بالجسمين الآخرين مؤربة لزم ذلك انجذاب ذينك الجسمين إلى التقارب فسدا ما بينهما، فكان ذلك البطن حينئذٍ مسدوداً فإذا عاد الجرم الأول الدودي إلى التجمع وتقاربت أجزاؤه لزم ذلك عود تلك الأربطة في اتصالها بالجسمين الآخرين إلى الاستقامة فيمكن ذلك الجسمين من التباعد الذي هو لهما بالطبع فعادا إلى وضعهما متباعداً أحدهما عن الآخر ولزم ذلك انفتاح ما بينهما، وبذلك ينفتح هذا البطن.
ولقائل أن يقول: إن هذا لا يصح، وذلك لأن هذين الجسمين إذا تقاربا مما عن جانبيهما من الدماغ إما أن توافقهما في التقارب فيكون انسداد هذا البطن بتقارب أجزائه.
وقد قلتم: إن ذلك لا يمكن أو لاً توافقهما في ذلك فيبقى بين جانبي هذا البطن وذينك الجسمين فرجة بقدر تحركهما إلى التقارب فبقي هذا البطن مفتوحاً هناك، فيلزم ذلك أن يكون هذا البطن دائماً مفتوحاً لكن تارة يكون هذا المفتوح منه ما بين ذينك الجسمين وذلك إذا كانا متباعدين وتارة ما بين جوانبه وجوانب ذينك الجسمين، وذلك إذا كانا متقاربين وحينئذٍ يكون انسداد هذا البطن محالاً، قلنا ليس الأمر كذلك وذلك لأن هذين الجسمين ملتصقان بالغشاء المشيمي المغشي لداخل هذا البطن، فإذا تقاربا لزم ذلك انجذاب ذلك الغشاء إليهما، فانسد ما بينهما وبين جانبي الدماغ بذلك الغشاء لا بجرم الدماغ.
قوله: بأربطة تسمى وترات، هذه في الحقيقة ليست بأربطة ولا وترات أما أنها ليست بأربطة فلأنها غير متصلة بعظم. وأنها ليست بوترات فلأنها ليست مؤلفة من عصب ورباط، ولكنها تسمى أربطة بالاصطلاح العام لأنها تربط شيئاً بشيء وتسمى وترات لأنها تشبه الأوتار في أنها تجذب الأعضاء المتصلة بها فتحركها تحريكاً إرادياً فإن انفتاح هذا البطن وانسداده قد بينا أنه لا يمكن أن تكون إلا بالإرادة.
وقوله: تمدد وضاق عرضها ضغطت هاتين الزائدتين إلى الاجتماع فيسند المجرى. وإذا تقلصت إلى القصر وازدادت عرضاً تباعدت إلى الافتراق فانفتح المجرى فإن زيادة عرض ذلك الجرم يلزمها تضيق هذا البطن فلا يكون الانفتاح تاماً وكذلك ضيق عرض ذلك الجرم يلزمه أن لا يكون انسداد هذا البطن تاماً وكذلك لا لأمر يضطر إليه، وكذلك يمكن أن تتباعد أجزاؤه عند التمدد من غير نقصان في الثخن وذلك لأن مقادير تلك الأجزاء لا تتغير في حالتي التمدد والتقلص لكنها تتقارب عند التقلص وتتباعد عند التمدد، وحركة الجسم الدودي حركة إرادية كما ذكرناه لما ذكرناه أو لاً.
وأما حركة الجسمين الآخرين إلى الالتقاء، فذلك بما تجذب الأوتار المتصلة بهما وبالجرم الدودي عند تمدده، وأما حركتها إلى الانفراج فذلك بمقتضى طبيعتهما ليعودا إلى وضعيهما الطبيعي لهما وبجذب الغشاء المغشي لهما ليعود إلى ملاقاة جرم الدماغ وأما حكمة هذه الأجرام، وكونها على الهيئة المخصوصة فذلك مما نذكره في كتابنا الكبير الذي نعمله في هذه الصناعة.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث التاسع ] ●
فضول الدماغ

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه من قوله: ولدفع فضول الدماغ ... إلى آخر الفصل.
الشرح
يحيط بالدماغ عظام القحف وهي صلبة لا تسمح بنفوذ الفضول من خلالها إلا ما يمكن أن يمر في سنون القحف وهذه لا تكفي لتحلل فضول الدماغ الكثيرة ولذلك يعسر تحلل ما يتحلل منها بخلاف الأعضاء التي تحيط بها مثل اللحم ونحوه. فإن فضولها تجد سبيلاً إلى النفوذ في ذلك المحيط فتكون تلك الأعضاء نقية من الفضول ولا كذلك الدماغ ومع كثرة فضول الدماغ فإن الحاجة إلى كثرة بقائه تشتد وذلك لأن ما يحتبس فيه من فضول مع أنه يحدث له سوء المزاج والسدد في مجاريه ونحوها فإنه يكدر أرواحه ويغلظها، ويفسد أمزجتها، فلذلك اضطر إلى أن يكون له طرق ينتقي منها فضوله. وهذه الطرق منها ما منفعتها تنقية الدماغ من الفضول فقط فتكون مخلوقة لذلك فقط.
وهذه كالمجاري المذكورة في الكتاب. ومنها ما هي مخلوقة مع ذلك لمنفعة أخرى إما للإحساس بشيء كالعين، وإنها تنتفع بها في إدراك المبصرات، وينتفع بها أيضاً في تحلل بعض فضول الدماغ بها بالدموع ونحوها، وكذلك الأذن ينتفع بها في إدراك المسموعات، وفي تنقية الدماغ من المادة الحادة الصفراوية التي تندفع إليها فيكون منها وسخ الأذن، وكذلك الأنف ينتفع به في إدراك الرائحة وفي إخراج الفضول المخاطية التي تتولد في الدماغ.
وأما تكون تلك المنفعة ليست هي الإحساس لشيء كالسنون التي في عظام القحف فإن هذه ينتفع بها المنافع التي ذكرناها عند تشريحنا لعظام القحف وينتفع بها مع ذلك في تحلل الفضول البخارية التي في الدماغ منها وكذلك النخاع فإنه خلق لما ذكرناه في تشريح عظام الصلب من منافعه ومع ذلك فإنه ينتفع به في تحلل بعض فضول الدماغ منه، وكذلك فإن الذي يعتريه الجرب يكون جربه في اسافل ظهره عند عجزه، وطرف عصعصه. لأن الذي يقربه الجرب لا بد من أن تكون مواده حارة بورقية فيكون ما يتبخر منها كذلك فلذلك يكثر هذا التبخر منها في دماغه، ويكثر ما يندفع من ذلك في النخاع إلى طرفه، وذلك عند آخر العصعص ولذلك فإن كثيراً مما تكثر فيه السوداء يعرض له عند طرف عصعصه غلظ. وعبارة الكتاب في باقي الفصل ظاهرة.
والله ولي التوفيق.

●[ يتم متابعة القسم الثاني : تشريح الأعضاء الآلية ]●

شرح تشريح القانون لإبن سينا
تأليف : إبن النفيس
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو السبت مارس 25, 2017 4:48 pm