القسم الثاني: تشريح الأعضاء الآلية [ الفصول من 7 الى 9 ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2362
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

القسم الثاني: تشريح الأعضاء الآلية [ الفصول من 7 الى 9 ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء ديسمبر 14, 2016 10:42 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
شرح تشريح القانون لإبن سينا
تأليف : إبن النفيس
تابع القسم الثاني : تشريح الأعضاء الآلية

● [ فصل ] ●
تشريح الحنجرة والقصبة والرئة

إن الشيخ رتب الكلام في التشريح مبتدئاً من تشريح الأعضاء التي هي في أعلى البدن. ومنتقلاً إلى ما هو أسفل من تلك الأعضاء حتى ينتهي إلى الرجلين. وكانت الأعضاء المؤلفة التي تحت الرأس من باطن هي هذه الأعضاء وجب أن يأخذ في تشريحها بعد الكلام في تشريح الرأس، وما يتصل به من الأعضاء، وإنما جمع الكلام في تشريح هذه الأعضاء في فصل واحد لأن معرفة هيئة كل منها يستدعي معرفة هيئة الآخر.
ونحن نجعل كلامنا في هذا الفصل يشتمل على ثلاثة مباحث:

● [ البحث الأول ] ●
تشريح قصبة الرئة

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه فأما قصبة الرئة فهي عضو ... إلى قوله: فهذه صورة قصبة الرئة.
الشرح
قد علمت أن في الحلق مجريين، وهما مجرى الغذاء ومجرى النسيم ومجرى النسيم أشرف لا محالة من مجرى الغذاء والخطر في الأمور الضارة به أعظم وذلك لأن الانقطاع عن الغذاء لآفة في مجراه، ونحو ذلك قد يبقى الحياة معه مدة ولا بعض ساعة، فلذلك مجرى النسيم أشرف كثيراً من مجرى الغذاء، ومقتضى القياس أن يكون الأشرف محروساً بالأحسن، ويتوقى به ويلزم ذلك أن يكون مجرى الغذاء من قدام ليكون وقاية لمجرى النسيم.
فما السبب في مخالفة هذا الأمر، وجعل مجرى النسيم وهو قصبة الرئة والحنجرة من قدام? السبب في ذلك أمور: أحدها: أن مجرى النسيم يحتاج أن يتصل بالرئة في وسط ما بين جانبيها وخلفها وأمامها ليكون نفوذ النسيم إلى أجزاء الرئة على الوجه العدل، وإنما يمكن ذلك بأن يكون هذا المجرى مائلاً إلى قدام بقدر صالح وذلك مما لا يحتاج إليه مجرى الغذاء.
وثانيها: أن كل موضع هو أميل إلى باطن البدن فهو أشد سخونة مما هو أميل إلى ظاهره فإن المائل إلى الظاهر يبرد لا محالة بملاقاة الهواء الخارجي أو ما يقارب ملاقاته ولا كذلك المائل إلى داخل البدن، فلو كان مجرى النسيم خلف مجرى الغذاء لكان مائلاً إلى داخل البدن فكان النسيم الداخل فيه يسخن قبل نفوذه إلى القلب فتبطل فائدته في التطفئة أو يقل ولا كذلك إذا كان هذا المجرى من قدام.
وثالثها: أن أعلى العنق ليس يتسع بأن يكون مجرى الغذاء ومجرى النسيم دائماً مفتوحين واسعين فلا بد من أن يكون في أعلى العنق أحد هذين المجريين يحتاج عند انفتاحه إلى تضيق الآخر، وذلك بأن يكون انفتاحه عند انطباق الآخر فإن هذا المكان غير متسع لانفتاحهما معاً في وقت واحد وإذا كان كذلك وجب أن يكون مجرى النسيم من قدام ولكن حاجة هذا المجرى إلى الانفتاح هو في أو قات متقاربة جداً بخلاف مجرى الغذاء فإنه إنما احتاج إلى الانفتاح عند ازدراد الطعام، وذلك إنما يكون في أو قات متباعدة فلذلك كانت حاجة مجرى النسيم إلى الانفتاح أكثر كثيراً من حاجة مجرى الغذاء، فلذلك يجب أن يكون مجرى النسيم من قدام، لأن المجرى المقدم أسهل انفتاحاً من المؤخر لأن المقدم لا عائق له عن الانفتاح إلا من ورائه فقط إذ لا مزاحم له في باقي الجهات، ولا كذلك المجرى المؤخر فإنه يكون نحيف بالأعضاء وهي لا محالة مزاحمة معاوقة عن الانفتاح فلذلك يكون انقتاح المجرى الداخل أعسر، فلذلك وجب أن يكون مجرى النسيم يحتاج من قدام لأنه أشد حاجة إلى كثرة الانفتاح وإنما يسهل ذلك إذا كان موضوعاً من قدام.
ورابعها: أن مجرى النسيم يحتاج أن يكون صلباً ليمكن حدوث الصوت بانقراعه بالهواء الخارج منه بقوة، ولا كذلك مجرى الغذاء فإن اللين أو فق له ليمكن أن يتشكل تجويفه المزدرد، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مجرى النسيم من قدام لأنه لأجل صلابته يقل انفعاله عن المصادمات ونحوها.
وخامسها: أن مجرى النسيم يحتاج أن يكون في أعلى الحنجرة و هي تحتاج أن يكون تجويفها متسعاً لما نقوله بعد. وأعلى العنق ضيق فواجب أن يكون مجرى النسيم من قدام ليتمكن أعلى العنق أن يتمدد إلى قدام، ويبرز عن مسامته باقي أجزاء العنق ولا يمكن ذلك إذا كان هذا المجرى من خلف لأن مجرى الغذاء كان يعاوق عن هذا البروز قوله: دوائر وأجزاء دوائر.
أما أسافل القصبة فإنها دوائر تامة ليكون ما يحتوي عليه من التجويف أو سع وأما أجزاء الدوائر فإنها إنما تكون في أعالي هذه القصبة وذلك لأن هذه القصبة هناك تلاقي المريء ويضيق المكان عن تجويفي هذه القصبة مع تجويف المريء فلذلك يحتاج أن يجعل التجويفان في تجويف واحد، فيكون عند ازدراد اللقمة واحتاج المريء إلى الاتساع لها يستعين المريء بتجويف هذه القصبة فيتمدد جرم المريء من قدام حتى يلاقي داخل محيط هذه القصبة من قدام.
وإذا دخل النسيم المستنشق في تجويف هذه القصبة واحتيج إلى اتساعها له تمدد جرمها من خلف ودخل في بعض تجويف المريء، وإنما يمكن ذلك إذا كان ما بين تجويف المريء وتجويف هذه القصبة جرماً شديداً لقبول التمدد، وإنما يكون ذلك إذا كان غشاء فلذلك لا يمكن أن يكون غضروفياً فإن الغضاريف لا يسهل قبولها لهذا التمدد. فلذلك مؤخر هذه القصبة هناك لا يكون غضروفياً بل غشائياً.
ويلزم ذلك أن لا تكون الدوائر الغضروفية هناك تامة. وينبغي أن يكون هناك أنصاف دوائر لأنها لو كانت أقل أو أكثر من أنصاف دوائر لم يكن ما يستعينه المريء من تجويف هذه القصبة حينئذٍ عظيماً فلم يمكن أن يتسع اتساعاً كثيراً، ثم لو كانت أكثر من أنصاف دوائر لكانت تضيق المكان على المريء كثيراً، وأما أسافل هذه القصبة وعند قرب الرئة فإن تأليفها هناك يكون من دوائر تامة وذلك لأن هذه القصبة في أسافلها تنحرف كثيراً عن المريء إلى قدام، والمريء ينحرف إلى خلف أما انحراف أسافل هذه القصبة إلى قدام فلأنها تتوجه بذلك إلى وسط جهات أعلى الرئة ليتصل بها في ذلك الوسط لتكون قسمة النسيم على جميع أجزاء الرئة قسمة عادلة.
وأما انحراف المحاذي لذلك من المريء إلى خلف فلأنه يتوجه بذلك إلى الاتكاء على عظام الصلب وهي أن أسافل العنق يأخذ في الميل إلى خلف ليتوسع ما بين مؤخر الصدر، ومقدمه فيكون مكان القلب والرئة متسعاً.
قوله: ويجري على جميع ذلك من الباطن غشاء أملس إلى اليبس والصلابة ما هو أكثر الأعضاء التي يجب فيها أن يكون الأمر بعكس ذلك فيكون باطنها أشد صلابة من ظاهرها وسبب ذلك أمور:
أحدها أن هذا الغشاء يحتاج فيه أن يكون قليل الانفعال وإنما يكون كذلك إذا كان قوي الجرم، وإنما يكون كذلك إذا كان صلباً، وإنما يكون كذلك إذا كان يابساً. وإنما احتيج أن يكون قليل القبول للانفعال ليكون صبوراً على ملاقاة ما ينزل في هذه القصبة من المواد الحادة التي تنزل من الدماغ، وسبب حدة هذه النوازل إما شدة عفونة المادة أو كثرة مخالطة المواد لها، فإن فضول الدماغ يجب أن يكثر فيها المرار، لكن المادة الواصلة إليه لتغذيته لا بد من أن تكون كثيرة المرار، وإلا لم يسهل تصعدها إلى الدماغ واغتذاء الدماغ إنما هو بالأجزاء الرطبة الباردة من تلك المادة ولذلك تبقى المواد الحادة المخالطة لما يفضل عن غذائه كثيرة جداً. فلذلك كثيراً ما تكون النوازل من الدماغ حادة جداً، ومن جملة النوازل ما ينزل إلى تجويف هذه القصبة.
وثانيها: أن هذا الغشاء يحتاج أن يكون إلى صلابة ليقل تضرره لما يتصعد فيه من الدخانية التي تخرج مع الهواء المتردد في التنفس وليقل أيضاً قبوله لتمديد النسيم الكثير الداخل فيه فلا يعرض له من انشقاق ونحوه عندما يعرض حين اشتعال القلب في الحميات المحرقة وغيرها من جذب هواء كثير للتنفس.
وثالثها: ليكون الصوت الحادث بقرع الهواء الخارج بقوة قوياً فإن قوة الصوت بقرع الأشياء الصلبة أكثر من قوته بقرع الأشياء اللينة.
قوله: وكذلك أيضاً من ظاهره وعلى رأسه الفوقاني الذي يلي لفم الحنجرة قد بينا السبب في صلابة الغشاء الباطن من غشاءي القصبة. وأما السبب في صلابة الغشاء الظاهر عند آخر هذه القصبة من فوق وذلك حيث يلي الحنجرة من أسفلها فذلك لأن هذا الموضع فيه لسان المزمار، وهو كثير الضيق فاحتيج إلى هذا الضيق لينحصر عنده الهواء النافذ من أسفل هذه القصبة إلى أعلاها بقوة وهو الهواء الذي يتزايد به الصوت ويلزم ذلك أن يكون عند خروجه من هذا الموضع إلى فضاء الحنجرة بقوة ويلزم ذلك شدة قرعه لجرمها، وسبب هذا الانحصار أن باقي هذه القصبة كثير السعة فيكون الهواء الخارج فيه بقدر تجويفها فإذا بلغ هذا الموضع صادف هناك الضيق ولم يتسع لذلك الهواء وانحصر فيه وما يصعد بعده يدفعه للخروج وإذا خرج من ذلك الموضع صادف تجويفاً متسعاً وهو تجويف الحنجرة ومن شأن ما ينفذ من سعة إلى مضيق ومن ذلك المضيق إلى سعة أن يكون نفوذه في ذلك المضيق اشد وأقوى كما تبين في العلوم الأصلية فلذلك يكون قرع هذا الهواء لجرم الحنجرة بقوة قوية، ويلزم من ذلك قوة الصوت وإنما سمي هذا لسان المزمار لأنه يشبه ما يسمى في المزمار لساناً، وهو الموضع المستدق الذي بين أنبوبة رأسه الغليظ.
ولما كان هذا الموضع ضيقاً بالنسبة إلى باقي قصبة الرئة فالهواء الواصل إليه من القصبة لا بد وأن يشتد تمديده لجرمه طلباً لتوسيع المكان له فلو لم يكن الغشاء الخارج في ذلك الموضع الملبس عليه من خارج صلباً قوياً يقوى ذلك الهواء على توسيعه بقوة تمديده له فتبطل لذلك فائدته أو تنقص فلذلك احتيج أن يكون الغشاء الخارج في ذلك الموضع شديد الصلابة بالنسبة إلى باقي الغشاء الخارج الذي لهذه القصبة.
قوله: وأما ضيق فوهاتها فليكون بقدر ينفذ فيها النسيم إلى الشرايين المؤدية إلى القلب فإن فوهات شعب قصب الرئة تتصل بفوهات شعبة الشرايين والتي فيها ليتصل منها النسيم إلى القلب ولا ينفذ إليها دم، وعدم نفوذ الدم الذي ينبث في الرئة ليخالط الهواء، ويحدث من مجموعهما ما يستعد لأن يصير في القلب روحاً لأجل ضيق فوهات هذه الغضاريف المتفرقة في هذه الرئة فإن هذا الدم بغاية الرقة وهو لا ينفذ في فوهات هذه ومع ذلك ينفذ الدم الغليظ المنفصل من الرئة بسبب جراحة تحدث لها ونحو ذلك، ولذلك تنفذ فيها المدة والبلغم الغليظ الخارج بالنفث ولو كان الضيق هو المانع من نفوذ ذلك الدم فيها لكان امتناع نفوذ الدم الغليظ والمدة والبلغم بطريق الأولى بل السبب في نفوذ هذه وتعذر ذلك الدم هو أن الرئة من شأنها التمسك بذلك الدم الرقيق ليجعله مع الهواء الذي فيها مستعداً لأن يصير في القلب روحاً وهذا التمسك يمنع ذلك الدم من النفوذ في تلك الأفواه، وكذلك الدم الذي تغتذي به الرئة وأما الدم الغليظ الخارج من الجراحة ونحوها فإن الرئة تدفعه عنها ولا تمسكه لئلا تفسد المادة التي تعدها لأن تصير روحاً فلذلك يضطر إلى النفوذ في أفواه تلك الغضاريف إذا لا منفذ له في الرئة سوى تلك الأفواه إلا في الأوردة والشرايين ولو نفذ في هذه لكان اندفاعه يكون إلى القلب فيكون ضرر ذلك عظيماً جداً، وكذلك الحال في البلغم الغليظ والمدة ونحو ذلك فإن الرئة جعلت بالطبع تدفع فضولها إلى هذه الغضاريف ليخرج بالنفث فإنها إذا لم تندفع من هناك وجب نفوذها إلى القلب، وفي ذلك من شدة الضرر ما لا يخفى فلذلك جعلت عروق الرئة سهلة الإنصداع ولذلك يكثر بالناس حدوث نفث الدم مع أنه شديد الخطر ينتقل كثيراً إلى السل وما ذلك إلا ليكون الدم مهما كثر في الرئة وضربها دفعته إلى تلك الغضاريف وإنما يكون ذلك بانصداع أو عيته ولولا ذلك لكان ينفذ إلى القلب، فيشتد بذلك تضرر القلب.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الثاني ] ●
تشريح الحنجرة

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما الحنجرة فإنها آلة ... إلى قوله: وقد ذكرنا تشريح غضاريف الحنجرة وعضلها في كتابنا الأول.
الشرح
أما غضاريف الحنجرة وعضلاتها وأغشيتها وكيفية اتساعها تارة وضيقها أخرى وانفتاحها تارة وانسدادها أخرى فكل ذلك قد فرغ منه عند الكلام في تشريح العضل.
قوله: وقد يقابله من الحنك جوهر مثل الزائدة التي ينسد بها رأس المزمار هذا الجوهر هو اللهاة، فإنها مدلاة فوق فم الحنجرة لتفيد في تقرير الصوت، وتعديده ولينه .
قوله: إذا هم المريء بالازدراد ومال إلى أسفل لجذب اللقمة انطبقت الحنجرة وارتفعت إلى فوق.
ولقائل أن يقول: أن كل جسمين أحدهما مشدود بالآخر فإنهما لا محالة بسبب ذلك الشد يتلازمان فمتى تسفل أحدهما، تسفل الآخر وكذلك متى ارتفع أحدهما ارتفع الآخر.
وكذلك إلى أي جهة مال إليها أحدهما فلا بد من ميل الآخر معه إلى تلك الجهة، وإذا كان كذلك فكيف إذا مال المريء إلى أسفل ترتفع الحنجرة إلى فوق مع أن شد أحدهما إلى الآخر شداً وثيقاً.
قلنا: هذا يمكن بأن يكون انسداد المجرى بالحنجرة ليس بأن يكون جرم أحدهما مربوطاً بما يحاذيه من جرم الآخر، فإنه لو كان كذلك لكان تسفل المريء يلزمه تسفل القصبة والحنجرة بل بأن يكون الليف الممتد في طول المريء أو عند أعلاه نافذاً من عند أعلى المريء وسالكاً إلى أسفل الحنجرة، وبعض القصبة ماراً في سلوكه على موضع أعلى فلذلك إذا تحرك المريء إلى أسفل لأجل بلع اللقمة انجذب ذلك الليف معه إلى أسفل من جهة أعلى المريء وأعلى الحنجرة وذلك عند قرب ظاهر الحلق من أسفل ويلزم ذلك انجذاب طرف ذلك الليف أعني الطرف الذي به يتصل بأسفل الحنجرة، وبأسفل القصبة وإنما يمكن هذا الانجذاب بأن يرتفع إلى جهة ظاهر الحلق، ويلزم ذلك انجذاب أسفل الحنجرة وأجزاء من القصبة إلى فوق فلذلك ترتفع الحنجرة والقصبة عند تسفل المريء لأجل الازدراد ويلزم هذا الانجذاب تمدد الحنجرة والقصبة في الطول، ويلزم ذلك ضيقها وانطباقها، ويلزم ذلك امتناع التنفس فلذلك الازدراد لا يجامع التنفس البتة.
وباقي ألفاظ الكتاب ظاهرة.
والله ولي التوفيق.

● [ البحث الثالث ] ●
تشريح الرئة

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الرئة فإنها مؤلفة من أجزاء ... إلى قوله: وهو شديد التعلق به والالتحام.
الشرح
أما حاجة الرئة إلى الوريد الشرياني فلأن ينقل إليها الدم الذي قد لطف وسخن في القلب ليختلط ما يترشح من ذلك الدم من مسام فروع هذا العرق في خلل الرئة بالهواء الذي في خللها ويمتزج به من الجملة ما يصلح لأن يكون روحاً إذا حصل ذلك المجموع في التجويف الأيسر من القلب وذلك باتصال الشريان الوريدي لذلك المجموع إلى هذا التجويف، وأما ما يبقى من ذلك الدم فيكون في داخل فروع هذا الوريد الشرياني وينفذ من فوهاتها إلى جرم الرئة فإن يكون أغلظ من ذلك الدم الذي يرشح وأكثر مائية فلذلك يصلح لغذاء الرئة فلذلك هذا الوريد الشرياني مع أنه يوصل إلى الرئة غذاءها يوصل إليها الدم الشديد الرقة الصالح لأن يصير منه ومن جرم الهواء مما يمد الروح الحيواني وأما حاجة الرئة إلى الشريان الوريدي فإنه ينفذ فيه هذا الهواء المخالط لذلك الدم ليوصله إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب فيصير ذلك المجموع روحاً، وأنه ينفذ فيه ما فضل في هذا التجويف من ذلك المجموع فلم يصلح لأن يتكون منه روح وما فضل فيه من الهواء الذي سخن وبطلت فائدته في تعديل الروح والقلب واحتيج إلى إخراجه ليتسع المكان لما يدخل بعده من الهواء إما وحده وإما مخالطاً للأجزاء الدموية الشديدة اللطافة وليوصل ذلك إلى الرئة فيخرجه عند ردها النفس وأما حاجة الرئة إلى جرم الرئة من الهواء المجذوب في القصبة ولأن يخرج ما يفضل في الرئة من ذلك الهواء وما يفضل فيها من الرطوبات والدم ونحو ذلك فيخرج بالسعال نفثاً. وأما حاجة الرئة إلى اللحم فلأن يملأ الخلل الواقع بين هذه الأعضاء ويكون من جملة ذلك عضو واحد واحتيج أن يكون لحماً ليكون قريباً من الاعتدال بخلاف الشحم والسمين ونحوهما، واحتيج أن يكون هذا اللحم رخواً لئلا يمانع عن سهولة انبساط الرئة وانقباضها الذين لا بد منهما في التنفس وإنما يكون اللحم رخواً إذا كان كثير الرطوبة وإنما يكون كذلك إذا كانت المائية فيه كثيرة. وإنما يكون كذلك إذا كان غذاء الرئة من دم مائي وكذلك فإن الدم الواصل إلى القلب لا بد وأن يكون كثير المائية واللطيف منه الهوائي يصير روحاً والقلب إنما يغتذي بالمتين الكثير الأرضية فلذلك تبقى المائية لغذاء الرئة فلذلك قول من قال: إن غذاء الرئة بدم صفراوي مما لا صحة له البتة وكذلك تحتاج الرئة أن يكون لحمها متخلخلاً وذلك ليكون كثير المسام واسعها والغرض بذلك أن تمتلئ الفرج التي في جرمها هواء فتعدل بذلك الهواء ويخرج مما يرشح إلى جرمها من الدم اللطيف الهوائي الذي لا يصلح لغذاء الرئة، ولكنه يصلح لأن يخالط ذلك الهواء يحدث من مجموعهما جرم يصلح لأن يستحيل في القلب دماً ولما كان بين جانبي الإنسان أكثر كثيراً مما بين خلفه وقدامه خاصة في صدره وجب أن تكون الرئة مقسومة بقسمين أحدهما يذهب يميناً والآخر يذهب شمالاً ليكون ملؤها للجانبين وانقسامهما فيهما على السواء فلذلك يجب أن يكون هذان القسمان لفضاء الصدر، وليس في اليمين هذا أيضاً لا يصح.
وذلك لأن ميل القلب إلى الشمل، إنما هو عند رأسه المستدق، وذلك يسير جداً، ومع ذلك فإن هذا الميل هو في أسافل الصدر، وانقسام الجانب الأيمن من الرئة، إلى الأقسام الثلاثة هو في أعالي الرئة فلا يكون القسم الخامس الذي يراد به الجانب الأيمن على اليسر واقعاً في الموضع الذي أخلاه القلب بانحرافه إلى الجانب الأيسر.
قوله: والصدر مقسوم إلى تجويفين بلا شك بأن الصدر يغشيه من داخل غشاء وهو في الحقيقة غشاءان أحدهما في يمين الصدر، والآخر في يساره وإذا التقى طرف كل واحد منهما بطرف الآخر من قدام ومن خلف افترقا بعد ذلك فيمر الأيمن في الجانب الأيمن و يلقى الوسط إلى أن يتصل بطرفه الآخر المقابل لذلك الطرف. وكذلك يمر الأيسر في الجانب الأيسر ويلقى الوسط، ونفوذ كل واحد منهما في جانبه ليس على الاستقامة فإنهما جميعاً ينتحيان عن موضع القلب وغلافه فلا يمر واحد منهما بجرم القلب وإلا كان يخرقه فلذلك يبقى القلب وغلافه بين هذين الغشاءين فينقسم الصدر بذلك بنصفين، والقاسم له غشاءان يفترقان عند موضع القلب ويتلاقيان في غير ذلك الموضع.
قوله: وفي الحجاب ثقبان الكبير منهما منفذ للمريء والشريان الكبير والأصغر ينفذ فيه الوريد المسمى الأبهر.
هذا الكلام لست أفهمه، فإن الشريان ليس يحتاج في نفوذه إلى خرق الحجاب أما الصاعد فلأنه فوق الحجاب ليس يجذبه البتة.
وأما النازل فلأنه إنما يمر بالحجاب عند أسفله وذلك عند الفقرة الثانية عشرة من فقار الظهر.
وفي آخر فقار الظهر وهو هناك لا يخرق الحجاب بل يمر وراءه لأنه يمر متوكئاً على عظام الصلب.
والله ولي التوفيق.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل ] ●
تشريح القلب

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما القلب فإنه مخلوق ... إلى قوله: وإن كان أشبه الأعضاء بها لكن تحركها غير إرادي.
الشرح
إن فعل القلب كما بيناه أو لاً: أن يولد الروح الحيواني ويوزعه على الأعضاء لتحيا، وتوليده ذلك بأن يسخن الدم ويلطفه حتى إذا خالطه بما في الرئة من الهواء صلح ذلك المجموع لأن يصير روحاً حيوانياً. وذلك إذا حصل في القلب فلا بد من أن يكون له تجويف يحوي الدم الذي يحتاج إلى تسخينه وذلك بما يحدث فيه من الغليان الذي يلزمه تخلخل الجرم وانبساطه فلذلك لا يكفي في ذلك أن يكون ذلك الدم محوياً في العروق لأن العروق لا تتسع لهذا الانبساط الذي يحتاج إليه لأجل ترقق القوام جداً، فلا بد من أن يكون له تجويف آخر يحوي الروح الحيواني ومنه ينفذ في الشرايين إلى جميع الأعضاء وهذه الروح لا بد من أن تكون شديدة اللطافة هوائية فهي لا محالة مستعدة لسرعة التخلخل فلا بد من أن يكون القلب يمدها كل وقت بالغذاء وغذاؤها لا بد من أن يكون هوائياً يغلب على جوهره الجوهر الهوائي وإنما يمكن ذلك بمخالطة الأجزاء اللطيفة جداً الدموية لجوهر كثير هوائي وامتزاج ذلك المجموع وانطباخه حتى يستعد لأن يصير في القلب روحاً. وهذا الانطباخ والامتزاج لا يمكن أن يكون أو لاً في القلب فاستبين أن القلب دائماً في انبساط وانقباض وذلك ينافي بقاء ذلك الجرم فبه مدة في مثلها تمتزج وتنطبخ فلا بد من أن يكون ابتداء هذا الانطباخ والامتزاج في عضو آخر حتى إذا حصل له الاستعداد الذي به يقرب من طبيعة الروح نفذ إلى التجويف المملوء من الروح الذي في القلب فاستحال في ذلك التجويف إلى مشابة تلك الروح، وكان منه اغتذاؤها، وهذا العضو الذي يفيد هذا الاستعداد لا بد من أن يكون مشتملاً على هواء كثير يخالطه ما يلطفه القلب من الدم حتى يصير من مجموع ذلك مادة تصلح لتغذية هذا الروح فلا بد من أن يكون بالقرب من القلب فإنه لو كان بعيداً عنه لقد كان الرقيق من الدم النافذ إليه من القلب قد يبرد في المسافة الطويلة ويكثف فتبطل لذلك لطافته، وكان لم ينفذ من ذلك العضو من الهواء الخارج لتلك الأجزاء الدموية الذي استعد لتغذية الروح إلى أن يصل إلى القلب ويبرد ويفارقه ذلك الاستعداد فلذلك لا بد من أن يكون هذا العضو الذي يستعد فيه هذا المجموع لتغذية الروح مع كثرة الهواء فيه هو أيضاً بقرب القلب وذلك العضو هو الرئة فلذلك لا بد من أن يكون اغتذاء الروح الذي في القلب بأن يلطف الدم في القلب ويرق قوامه جداً ثم بعد ذلك ينفذ في الرئة ويخالطه ما فيها من الهواء وينطبخ فيها حتى يتعدل ويصلح لتغذية الروح ثم بعد ذلك ينفذ إلى الروح الذي في القلب ويختلط به ويغذوه وهذا الموضع الذي هو في القلب وفيه الروح لا بد من أن يكون متسعاً ليتسع بمقدار كفاية البدن كله من الروح فلذلك لا بد من اشتمال القلب على تجويف مجرى الدم، ويتلطف فيه ذلك الدم، وتجويف آخر يحوي الروح ومن ذلك التجويف ينفذ الروح إلى جميع الأعضاء ولا بد من أن يكون التجويف الذي فيه الدم بالقرب من الكبد الذي فيه يتكون الدم، وذلك بأن يكون في الجانب الأيمن من القلب، فإن موضع الكبد هو في الجانب الأيمن من البدن فلا بد من أن يكون التجويف الحاوي للروح هو في الجانب الأيسر من القلب ويجب أن يكون هذا التجويف الأيسر أكثر سعة من التجويف الأيمن لأن الدم الذي يخالط الهواء ويمتزج فيه يكفي فيه أن يكون قليل المقدار جداً لأن الغالب على هذا الروح يجب أن يكون هو الهواء نفسه فلذلك هذا الدم الذي يحتاج إلى تلطيفه في القلب لا يحتاج فيه أن يكون كثيراً جداً، وأما الروح الذي في الجانب الأيسر، فإنه يجب أن يكون كثيراً جداً ليفي بالانتشار في جميع الأعضاء فلذلك يحتاج أن يكون مكانه كثير السعة فلا بد من أن يكون هذا التجويف مع سعته عميقاً. ويلزم ذلك أن يكون القلب طويلاً ليتسع لعمق هذين التجويفين ولا بد من أن يكون فيه موضع كثير السعة ليتسع لهذين التجويفين ويجب أن يكون هذا الموضع الكثير السعة من القلب هو في أعلاه ليكون كل واحد من التجويفين بقرب الرئة فيسرع إليها وصول الدم الذي قد تلطف في التجويف الأيمن ويسرع إلى القلب نفوذ ما استعد في الرئة لتغذية الروح لينفذ بسرعة إلى التجويف الأيسر فلذلك يجب أن يكون أو سع موضع في القلب هو في أعلاه، وأما أسفله فيجب أن يكون رقيقاً لفقدان هذين التجويفين هناك. ولأن الغلظ هناك فضل غير محتاج إيه، ومع ذلك يضيق المكان على
الأعضاء التي لا بد منها هناك. ولأن الغلظ هناك فضل غير محتاج إليه، ومع ذلك يضيق المكان على الأعضاء التي لا بد منها هناك ويجب أن يكون الانتقال من سعة أعلى القلب وغلظ جرمه إلى رقة أسفله بتدريج كتدريج البطن الأيسر في سعة أعلاه إلى ضيق أسفله، فلذلك يكون شكل القلب صنوبرياً.
قوله: مخلوق من لحم قوي الغالب على جرم القلب يجب أن يكون هو اللحم لأنه يحتاج أن يكون شديد الحرارة ليقوى على تلطيف الدم التلطيف المحتاج إليه فيما ذكرناه فلذلك يجب أن يكون الغالب على جرمه الجوهر اللحمي فإن ما سوى اللحم من الأعضاء فإن مزاجه بارد ويجب أن يكون هذا اللحم صلبا ليكون جرم القلب غير شديد القبول للانفعال من الواردات وإنما يكون اللحم صلباً إذا كانت الأرضية في جرمه كثيرة. ويلزم ذلك أن يميل لو نه عن لو ن اللحم الذي هو الحمرة إلى السواد يوجبه كثرة الأرضية في جرمه كثيرة، ويلزم أن يميل لو نه عن لو ن اللحم الذي هو الحمرة إلى السواد توحيه كثرة الأرضية.
وقد علمت أن الحق الذي ذهبنا إليه هو أن حركات القلب في انبساطه وانقباضه حركات إرادية وأن الحركات التي بالليف الجاذب الطولي، والدافع العرضي، والماسك المؤرب كلها حركات إرادية فلذلك أصناف الليف الذي فيه كلها حركات إرادية وإنما كثر فيه الليف ليزداد جرمه صلابة.
قوله: دقق منه الطرف الآخر كالمجموع إلى نقطة ليكون ما يبتلى بمماسة العظام أقل أجزائه. إن هذا الكلام مما لا يصح.
وذلك لأن أسفل القلب ليس البتة عنده عظم يلاقيه لأن القلب موضوع في وسط الصدر، وليس هناك البتة عظم وإنما العظام في محيط الصدر لا عند عظم يلاقيه لكان يلاقيه دائماً، وإنما كان أسفل القلب دائماً ممتلئاً والتألم والتضرر بملاقاته وذلك لا محالة مضعف لقوته.
قوله: كالأساس يشبه الغضروف في أصل القلب جرم أصلب من غيره من أجزاء القلب وتبلغ صلابته في بعض الحيوانات خاصة العظيم الجثة إلى أن يكون ذلك الجرم غليظاً وفائدة هذا الجرم فيما أظن أن يتصل به الجوهر الرباطي فإن الأربطة كما عرفته قبل جميعها يتصل بعظام قريبة من موضع بسطها إلى ليف العضل.
قوله: وفيه ثلاث بطون.
هذا الكلام لا يصح.
فإن القلب فيه بطنان فقط. أحدهما مملوء بالدم، وهو الأيمن، والآخر مملوء بالروح وهو الأيسر. ولا منفذ بين هذين المنفذين البتة. وإلا كان الدم ينتقل إلى موضع الروح فيفسد جوهرها. والتشريح يكذب ما قالوه.
فالحاجز بين البطنين أشد كثافة منه غيره لئلا ينفذ منه شيء من الدم أو من الروح فيضيع.
فلذلك قول من قال: إن ذلك الموضع كثير التخلخل باطل والذي أو جب له ذلك ظنه أن الدم الذي في البطن الأيسر إنما ينفذ إليه من البطن الأيمن من هذا التخلخل، وذلك باطل فإن نفوذ الدم إلى البطن الأيسر إنما هو من الرئة بعد تسخنه وتصعده من البطن الأيمن كما قررناه أو لاً.
قوله: ليكون له مستودع غذاء يتغذى به كثيف قوي يشاكل جوهره ومعدن يتولد فيه عن دم لطيف، ومجرى بينهما.
غرضه بهذه الدلالة على ثبوت البطون الثلاثة التي ظن ثبوتها وإنما هي بطنان فقط كما قررناه. وجعله للدم الذي في البطن الأيمن منه يغتذي القلب، لا يصح البتة.
فإن غذاء القلب إنما هو الدم المنبث فيه من العروق المنبثة في جرمه ولو كان القلب يغتذي من ذلك لكان يميله إلى مشابهة جوهره فكان يميله إلى الغلظ والأرضية وليس ذلك الدم كذلك إذ هو أرق من غيره من الدماء التي عند الأعضاء بل فائدة ذلك الدم أن يتلطف فيه ويرق قوامه جداً ويتصعد إلى الرئة ويخالط الهواء الذي فيها وينفذ بعد ذلك في الشريان الوريدي إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب فيكون من ذلك المجموع الروح الحيواني.
قوله: وذلك المجرى يتسع عند تعرض القلب وينضم عند تطوله.
إن هذا الذي يدعي وجوده ويسميه بطناً أو سط قد بينا أن لا وجود له فضلاً عن أن يكون حاله يختلف في الاستعراض والانضمام بحسب ما يدعى من تعرض القلب وتطوله فإن الحركة التي يعتبر فيها للقلب إنما حركة الانبساط والانقباض وأما التطول والاستعراض فمما لا أعتقد له وجوداً.
قوله: وقاعدة الأيسر أرفع، وقاعدة البطن الأيمن أنزل بكثير بسبب ذلك أن رأس القلب وهو طرفه الدقيق مائل إلى الجانب الأيسر كما بيناه.
ويلزم من ذلك أن يكون أعلاه على الصفة المذكورة.
قوله: بانبساط فيجذب الدم إلى داخله كما يجتذب الهواء.
المشهور أن البطن الأيمن من القلب له أيضاً انبساط وانقباض فإنه يجذب الدم بانبساط كما يجذب البطن الأيسر بانبساط النسيم.
وهذا عندنا من الخرافات.
فإن الجذب بالانبساط والانقباض إنما يكون لما لطف من الأجسام والدم ليس كذلك فإن الجسم الكثيف إنما يجذب بسبب الخلاء الحادث بالانبساط إذا لم يوجد جسم ألطف منه ينجذب بذلك فإن الخلاء إنما يجذب ما لطف ثم ما كثف إذا أعوز اللطيف والدم يكفي في انجذابه إلى القلب ما فيه من القوة الجاذبة الطبيعية كما في غيره من الأعضاء وانبساط البطن الأيسر وانقباضه كما نبين في غير هذا الموضع إنما هو لأجل تعديل الروح بالنسيم ودفع فضولها وتغذية الروح بما ينجذب من النسيم المخالط للطيف الدم. وهذا كله مما لا يتحقق في البطن الأيمن فلذلك هو، والله أعلم غير متحرك البتة.
قوله: وقد أخطأ من ظن أن القلب عضلة وإن كان أشبه الأشياء بها لكن بحركة غير إرادي.
قد بينا في مواضع كثيرة أن حركة القلب في انبساطه وانقباضه حركة إرادية وإن كنا لا نشعر بها، ولا بأنا مريدين لها، كما أن حركة العضل كذلك وأما أن القلب هل يسمى عضلة أو لا? فذلك مما لا يسوغ النزاع فيه.
والله ولي التوفيق.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل ] ●
تشريح الثدي

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الثدي عضو خلق لتكوين اللبن ... إلى قوله: فإنه قد وقفت عليه من تشريح العروق.
الشرح
الحاجة إلى الثدي هو توليد اللبن ليكون غذاء الطفل، وإنما احتيج إلى ذلك ليكون هذا الغذاء شبيهاً جداً بجوهر الطفل لأنه يتولد من المادة التي تكون منها أعضاؤه وبها تغذت، وبيان ذلك أن كل حيوان يلد حيواناً، فإنه لا بد من أن يكون في بدنه رطوبة زائدة منها يتكون ذلك الحيوان ويغتذي منها مدة تكونه فما صلح من تلك الرطوبة للاستحالة إلى جواهر أعضائه كانت غذاء لها. وما لم يصلح لذلك وكان غير بعيد جداً عن جواهر تلك الأعضاء اندفع إلى الثدي واستحال فيه إلى حالة يصلح لتغذية أعضائه بعد الانفصال عن الرحم، وذلك هو اللبن، فلذلك كل حيوان يلد حيواناً، فإنه يتكون فيه اللبن وبه يغتذي طفله بعد الولادة. ولا كذلك الحيوان الذي يتولد بيض، فإن هذا الحيوان يكون بدنه قليل الرطوبة فلذلك جميع ما في بدنه من الرطوبة يخرج في البيضة فلذلك إذا تكون ذلك الحيوان لم يجد في بدن أمه ما يقوم بغذائه، ولذلك فإن الحيوان الذي يتولد في البيض يغتذي بالأشياء الخارجة من أو ل خروجه من البيضة، ولا كذلك الحيوان الذي يتولد في الرحم، فإنه عند ولادته إنما يغتذى باللبن لأن ما سواه يبعد جداً عن طبيعته فلذلك احتيج إلى الثدي لتوليد اللبن فإن الثدي في أو ل حلقة الأنثى يكون صغيراً جداً وإنما يعظم ويظهر ظهوراً بيناً عند وقت الحاجة إلى توليده اللبن، وذلك عند الوقت الذي يمكن فيه الولادة. وذلك بعد البلوغ. فلذلك يكون ثدي الطفلة صغيراً جداً ولا يزال كذلك حتى تقارب البلوغ. وحينئذٍ يزداد زيادة فاحشة، وإذا حبلت ازداد زيادة أكثر من ذلك بكثير. وأما الرجل فيكون ثديه صغيراً جداً وإن كملت خلقته وذلك لأن الحاجة إلى اللبن في الرجال قليلة جداً ونادرة فإن الرجل كثيراً ما تتكون في ثديه اللبن لطفل يحن عليه ونحو ذلك.
وكان لنا جار توفيت زوجته عن طفل رضيع. ولم يكن له جدة يتخذها مرضعة. فتولد اللبن في ثديه. وكان إذا عصر ثديه خرج منه لبن كثير. وكان لبعض كبراء أهل دمشق أتان توفيت بعد أن وضعت جحشاً، وعنده بغلة. فدر لتلك البغلة لبن كثير يجري من ثدي تلك البغلة. فكان إذا ركب تلك البغلة، وأخذ الجحش خلفها يستحي من الناس، وإذا ترك الجحش في الاصطبل صار اللبن يجري من ثدي تلك البغلة وهي تمشي تحته، وهو مستح من الناس. فلم يكن له إلا أن ترك ركوب تلك البغلة إلى أن فطمت الجحش. ومن خواص الإنسان أن ثدييه في صدره، وثديا الفيل يقربان من صدره. وثديا غيره يقرب من الرحم، وسبب ذلك أن قرب الثدي من الرحم أولى ليكون وصول المادة إليه من الرحم في حال الحمل أسهل. وطفل غير الإنسان يتمكن من الارتضاع من ثدي أمه وهو بقرب الرحم فلذلك وجب أن يخلق الثدي هناك في غير الإنسان من الماشية وغير ذلك. وأما الإنسان فإن ذلك تعذر فيه لأن طفل الإنسان لا يقوى على القعود ولا على القيام عقيب الولادة بل إنما يقوى على ذلك بعد مدة يعتد بها، وفي تلك المدة لا يتمكن من الارتضاع من الثدي إذا كان كما في الماشية. لأنه في تلك المدة يكون مستلقياً، فإنما يسهل ارتضاعه بأن يكون الثدي مرتفعاً عن وركي المرأة في حال قعودها بقدر يعتد به. وذلك بأن يكون في الصدر فإنه حينئذٍ يسهل دخول الحلمة في فم الطفل إذا كان مستلقياً على وركي أمه. وتختلف الحيوانات في عدد أثدائها لاختلافها في عدد الأولاد فيكون عدد الثدي في كل حيوان بعدد أكبر ما يولد لها في العادة. وأكثر ما للإنسان في العادة ولدان، فلذلك يكون له ثديان فقط. وأما الكلاب فأكثر عدد يولد لها عادة هو ثمانية، ولذلك لها ثمانية أثداء. قوله: لحم غددي لا حس له، أبيض اللون ولبياضه إذا تشبه به الدم أبيض.
هذا الكلام لا يصح. وذلك لأن اللحم الغددي وإن كان أبيض غير شديد بل يميل إلى الحمرة قليلاً والدم إذا شبه بهذا اللحم فإن كان التشبه به تاماً صار لو نه أبيض إلى حمرة لبياض ذلك اللحم، وإن كان ذلك التشبه أقل، كانت الحمرة أغلب لأن لو ن الدم يكون بطلانه حينئذٍ أق، واللبن كذلك فإن بياضه شديد جداً بل العلة في بياض اللبن هو ما يحدث له من الزبدية بسبب ما يعرض له من الغليان في الثدي، والزبدية يلزمها البياض على ما عرف في العلوم الأصلية.
والله ولي التوفيق.

●[ يتم متابعة القسم الثاني : تشريح الأعضاء الآلية ]●

شرح تشريح القانون لإبن سينا
تأليف : إبن النفيس
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أبريل 28, 2017 5:07 am