الباب الثالث: من بشر بفرج اونجا من محنة

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2574
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الباب الثالث: من بشر بفرج اونجا من محنة

مُساهمة من طرف الإدارة في الإثنين ديسمبر 26, 2016 9:53 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الأسرة
الفرج بعد الشدة
الباب الثالث
من بشر بفرج من نطق فال ونجا
من محنة بقول أو دعاء أو ابتهال

●[ أعرابية ذهب البرد بزرعها فعوضت خيراً ]●

أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، قراءة عليه وأنا أسمع، عن البرقي، قال: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها، فرفعت طرفها إلى السماء، وقال: اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف، وبيدك التعويض عما تلف، فافعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك.
قال: فلم أبرح، حتى جاء رجل من الأجلاء، فحدث بما كان، فوهب لها خمسمائة دينار.

● [ المعتضد يتخلص من سجنه ] ●
ويبطش بالوزير إسماعيل بن بلبل

وحدثني أبي في المذاكرة، من لفظه وحفظه، ولم أكتبه عنه في الحال، وعلق بحفظي، والمعنى واحد، ولعل اللفظ يزيد أو ينقص، عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، لا أظن إلا أنه هو سمعه منه، أو حدثه من سمعه من عبد الله بن أحمد بن حمدون نديم المعتضد بالله، عن المعتضد، أنه قال: لما ضرب إسماعيل بن بلبل بيني وبين أبي الموفق، فأوحشه مني، حتى حبسني الحبسة المشهورة، وكنت أتخوف القتل صباحاً ومساءً، ولا آمن أن يرفع إسماعيل عني، ما يزيد في غيظ الموفق علي، فيأمر بقتلي.
فكنت كذلك، حتى خرج الموفق إلى الجبل، فازداد خوفي، وأشفقت أن يحدثه عني إسماعيل بكذب، فيجعل غيبته طريقاً إليه، فلا يكشفه، ويأمر بقتلي، فأقبلت على الدعاء، والتضرع إلى الله، والابتهال في تخليصي.
وكان إسماعيل يجيئني في كل يوم، مراعياً خبري، ويريني أن ذلك خدمة لي.
فدخل إلي يوماً: وبيدي المصحف، وأنا أقرأ، فتركته، وأخذت أحادثه.
فقال: أيها الأمير، أعطني المصحف لأتفاءل لك به، فلم أجبه بشيء.
فأخذ المصحف، ففتحه، فكان في أول سطر منه: ( عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم، ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون )، فاسود وجهه، واربد، وخلط الورق.
وفتحه الثانية، فخرج ( ونريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أثمّة ونجعلهم الوارثين ) .. إلى قوله: ( يحذرون )، فازداد قلقاً واضطراباً.
وفتحه الثالثة، فخرج ( وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم ).
فوضع المصحف من يده، وقال: أيها الأمير، أنت والله الخليفة، بغير شك، فما حق بشارتي، فقلت: الله، الله، في أمري، احقن دمي، أسأل الله أن يبقي أمير المؤمنين، والأمير الناصر، وما أنا وهذا، ومثلك في عقلك، لا يطلق مثل هذا القول بمثل هذا الاتفاق، فأمسك عني.
وما زال يحدثني، ويخرجني من حديث، ويدخلني في غيره، إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي، فأقبل يحلف لي بأيمان غليظة، أنه لم يكن له في أمري صنع، ولا سعاية بمكروه، فصدقته، ولم أزل أخاطبه بما تطيب به نفسه، خوفاً من أن تزيد وحشته، فيسرع في التدبير لتلفي، إلى أن انصرف.
ثم صار إلي بعد ذلك، وأخذ في التنصل والاعتذار، وأنا أظهر له التصديق والقبول، حتى سكن، ولم يشك أني معترف ببراءة ساحته.
فما كان بأسرع من أن جاء الموفق من الجبل، وقد اشتدت علته، ومات، فأخرجني الغلمان من الحبس، فصيروني مكانه، وفرج الله عني، وقاد الخلافة إلي، ومكنني من عدوي إسماعيل بن بلبل، فأنفذت حكم الله فيه.

●[ قال الواثق لا أترك الفرج يموت في حبسي ]●

وحدثني علي بن هشام الكاتب، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي، يقول: سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول في وزارته، قال لي أبي:
كنت يوماً في حبس محمد بن عبد الملك الزيات، في خلافة الواثق، آيس ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغماً، حتى وردت علي رقعة أخي الحسن بن وهب، وفيها شعر له:
محـــنٌ أبـــا ايّوب أنـــت مـحلّهـا ● فإذا جزعت من الخطوب فمن لها
إنّ الّـذي عـقـد الّـذي انعقدت به ● عقـد الـمـكـاره فـيك يحـسـن حلّها
فاصـبـر فإنّ اللّه يعـــقـــب فرجة ● ولـعـلّــهـــا أن تـــنـــجـلـي ولعلّها
وعسى تكون قريبة من حيث لا ● ترجـو وتـمـحـو عـن جديدك ذلّها
قال: فتفاءلت بذلك، وقويت نفسي، فكتبت إليه:
صبّـرتـنـي ووعـظـتـنـي وأنالها ● وستنجلي، بل لا أقـول: لعـلّها
ويحلّها من كان صاحب عقدها ● ثقة بـه إذ كـان يمـلــك حـــلّها
قال: فلم أصل العتمة ذلك اليوم، حتى أطلقت، فصليتها في داري ولم يمض يومي ذاك، حتى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي.
وروي أن هاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسالة والجواب، فأمر بإطلاق سليمان، وقال: والله، لا تركت في حبسي من يرجو الفرج، ولا سيما من خدمني، فأطلقه على كره من ابن الزيات لذلك.

●[ بين الحسن البصري والحجاج بن يوسف الثقفي ]●

وحدثني بعض شيوخنا، بإسناد ذهب عني حفظه، وبلغني عن صالح بن مسمار، فجمعت بين الخبرين: أن الحسن البصري دخل على الحجاج بواسط، فلما رأى بناءه قال: الحمد لله، أن هؤلاء الملوك ليرون في أنفسهم عبراً، وأنا لنرى فيهم عبراً، يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده، وإلى فرش فيتخذه، وقد حف به ذباب طمع، وفراش نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت، فقد رأينا - يا عدو الله - ما صنعت، فماذا يا أفسق الفسقة، ويا أفجر الفجرة، أما أهل السماء فلعنوك، وأما أهل الأرض فمقتوك.
ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء، ليبيننه للناس، ولا يكتمونه.
فاغتاظ الحجاج غيظاً شديداً، ثم قال: يا أهل الشام، هذا عبيد أهل البصرة يشتمني في وجهي فلا ينكر عليه أحد، علي به، والله لأقتلنه.
فمضى أهل الشام، فأحضروه، وقد أعلم بما قال، فكان في طريقه يحرك شفتيه بما لا يسمع.
فلما دخل على الحجاج، رأى السيف والنطع بين يديه وهو متغيظ، فلما وقعت عليه عين الحجاج، كلمه بكلام غليظ، ورفق به الحسن، ووعظه.
فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرفعا، ثم لم يزل الحسن يمر في كلامه، إلى أن دعا الحجاج بالطعام، فأكلا، وبالوضوء فتوضأ، وبالغالية فغلفه بيده، ثم صرفه مكرماً.
وقال صالح بن مسمار: قيل للحسن بن أبي الحسن: بم كنت تحرك شفتيك، قال: قلت: يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي، ويا ربي عند كربتي ويا صاحبي في شدتي، ويا وليي في نعمتي، ويا إلهي، وإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى، ويا رب النبيين كلهم أجمعين، ويا رب كهيعص، وطه، وطس، ويس، ورب القرآن الحكيم يا كافي موسى فرعون، ويا كافي محمد الأحزاب، صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار، وارزقني مودة عبدك الحجاج، وخيره، ومعروفه، واصرف عني أذاه، وشره، ومكروهه، ومعرته.
فكفاه الله تعالى شره بمنه وكرمه.
قال صالح: فما دعونا بها في شدة إلا فرج عنا.

● [ الحجاج ] ●

أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي 40- 95: والي العراقين لعبد الملك بن مروان، وهو الذي يضرب به المثل في الظلم والجور، ثقفي من نسل أبي رغال اليعقوبي 2-274 وأبو رغال، بقية من قوم ثمود، كان قائد الفيل، ودليل الحبشة، لما غزوا الكعبة، فهلك فيمن هلك منهم، ودفن بين مكة والطائف، ومر النبي صلوات الله عليه، بقبره، فأمر برجمه، فرجم الأغاني 4-303.
وكانت ثقيف، عشيرة الحجاج، من أشد القبائل على رسول الله، فقد تهزأوا به، وقعدوا له صفين، فلما مر بهم رجموه بالحجارة، حتى أدموا رجله، وقال رسول الله: ما كنت أرفع قدماً، ولا أضعها، إلا على حجر اليعقوبي2-36، وقال الإمام علي، في إحدى خطبه: لقد هممت أن أضع الجزية على ثقيف الأغاني 4-306.
كل ذلك، كان من جملة أسباب حقد الحجاج، على النبي صلوات الله عليه، وعلى أولاده، وبغضه إياهم، حتى ضرب بذلك المثل، قال الشاعر: معجم البلدان 2-323
أنا في الحلّة الغـداة كـأنّـي ● علويّ في قبضة الحجّاج
وبلغ من حقده على النبي، أنه لما دخل المدينة، سماها: نتنة، وقد سماها رسول الله: طيبة، ولما رأى الناس يطوفون بقبر رسول الله ومنبره، قال: إنما يطوفون برمة وأعواد العقد الفريد 5-49 يريد بالأعواد: منبر النبي، وبالرمة: جسده الشريف.
وتبع حقده على النبي، حقده على الذين نصروه وآزروه، وهم الأنصار، فكان يسميهم: الأشرار العقد الفريد 5-39 وختم أعناق بعض الصحابة منهم بقصد إذلالهم الطبري 6-195 وكان يقول: ويحكم، أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه، أم رسوله إليهم ? يشير بذلك إلى أن عبد الملك بن مروان، أكرم على الله من النبي صلوات الله عليه العقد الفريد 5-52.
ولد الحجاج بالطائف، وكان والده يؤدب الصبيان العقد الفريد 5-13، وجاء مشوهاً، واحتيج إلى إجراء له، لكي يكون في حالة طبيعية مروج الذهب 2-97، ونشأ أخفش العينين، دقيق الصوت، شذرات الذهب 1-106 والعيون والحدائق 3-11 فكان لتشويه بدنه، وخفش عينيه، ودقة صوته، ووضاعة نشأته، أصل قوي فيما ابتلي به من سادية عجيبة، فكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته في سفك الدماء وفيات الأعيان 2-30 وكان يقول: إني- والله- لا أعلم على وجه الأرض خلقاً هو أجرأ على دم مني العقد الفريد 2-176، وكان له في القتل وسفك الدماء غرائب لم يسمع بمثلها وفيات الأعيان 2-31، وهو أحد أربعة في الإسلام، قتل كل واحد منهم أكثر من ألف ألف رجل لطائف المعارف 141، راجع بعض غرائبه في التعذيب وسفك الدماء، في آخر القصة 149 من هذا الكتاب.
وكانت سياسة الحجاج التي سلكها في العراق، من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة الأموية السيادة العربية 44 ولما مات، خلف في حبسه ثمانين ألفاً، حبسوا بغير جرم، منهم خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد، ولم يكن لحبسه ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء مروج الذهب 2-128 والعيون والحدائق 2-10، وجاء في محاضرات الأدباء 3-195 أنه أحصي من قتلهم الحجاج، سوى من قتل في بعوثه وعساكره وحروبه، فوجدوا مائة وعشرين ألفاً، ووجد في حبسه مائة ألف وأربعة عشر ألف رجل، وعشرون ألف امرأة، منهم عشرة آلاف امرأة مخدرة، وكان حبس الرجال والنساء في مكان واحد، ولم يكن في حبسه سقف ولا ظل، وربما كان الرجل يستتر بيده من الشمس، فيرميه الحرس بالحجارة، وكان أكثرهم مقرنين بالسلاسل، وكانوا يسقون الزعاف، ويطعمون الشعير المخلوط بالرماد، وكان المسجونون في سجن الحجاج يقرنون بالسلاسل، فإذا قاموا، قاموا معاً، وإذا قعدوا قعدوا معاً الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا، مخطوط ص 11، ولا يجد المسجون المقيد منهم، إلا مجلسه، فيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلون القصة 87 من هذا الكتاب.
وبلغ من شنيع سمعة الحجاج، وشهرته بالظلم، أن أبا مسلم الخراساني، الذي اشتهر بقسوته وضراوته على الدم الحرام، حتى قيل إنه قتل أكثر من ألف ألف رجل لطائف المعارف 141 و 142، قيل في حقه: إنه حجاج زمانه مرآة الجنان 1-285.
قال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز: لعن الله الحجاج، فإنه ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة معجم البلدان 3- 178 وقال فيه: لو جاءت كل أمة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج، لفضلناهم العقد الفريد 5-49، وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمناً، قال: نعم، بالطاغوت، كافراً بالله البصائر والذخائر م 2 ق 1 ص 73، والعقد الفريد 5-49، وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيراً أو الحجاج ? فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه ابن الأثير 5-479، وكان الحسن البصري، يسميه: فاسق ثقيف وفيات الأعيان 2-374، وقال القاسم ابن محمد بن أبي بكر: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام، عروة، عروة العقد الفريد 5-49، وقال ابن سيرين: إنه لم ير أغشم من الحجاج شذرات الذهب 1-106.
ووصف الحجاج نفسه بأنه: حقود، حسود، كنود، فقال له سيده عبد الملك بن مروان: ما في إبليس شر من هذه الخلال نهاية الأرب 3-267.
ولعل أصدق ما وصف به الحجاج، ما وصفه به سيده عبد الملك بن مروان، فقد كتب إليه يقول: إنك عبد، طمت بك الأمور، فغلوت فيها، حتى عدوت طورك، وجاوزت قدرك، أنسيت حال آبائك في اللؤم، والدناءة في المروءة والخلق، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين، أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين ابن الأثير 4-386.
أما بشأن ما ارتكبه الحجاج من تخريب، بحيث نزلت جباية العراق من مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم، في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم فقط، فراجع في ذلك حاشية القصة 182 من هذا الكتاب.
وعم شؤم الحجاج، أفراد عائلته من آل أبي عقيل جميعهم، فإنهم بعد هلاكه، أمر سليمان بن عبد الملك باعتقالهم، وسيرهم إلى العراق، حيث حبسهم صالح بن عبد الرحمن بواسط، وعذبهم حتى قتلهم ابن الأثير 3-588 و 589.
ولما استخلف الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز، سير الباقين من آل أبي عقيل إلى البلقاء، وكتب إلى الحارث بن عمر الطائي، عامله عليها: أما بعد، فقد بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس- والله- أهل البيت في دين الله، وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانهم على الله تعالى، وعلى أمير المؤمنين البصائر والذخائر م 2 ق 2 ص 586.

● [ دعاء دعا به الحسن بن الحسن ففرج الله عنه ] ●

وجدت في بعض الكتب، بغير إسناد: كتب الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى صالح بن عبد الله المزني، عامله على المدينة، أن أنزل الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فاضربه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسمائة سوط.
قال: فأخرجه صالح إلى المسجد، ليقرأ عليهم كتاب الوليد بن عبد الملك، ثم ينزل فيضرب الحسن، فبينما هو يقرأ الكتاب، إذ جاء علي بن الحسين رضي الله عنهما، مبادراً يريد الحسن، فدخل والناس معه إلى المسجد، واجتمع الناس، حتى انتهى إلى الحسن فقال له: يا ابن عم، ادع بدعاء الكرب.
فقال: وما هو يا ابن عم، قال: قل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال: وانصرف علي، وأقبل الحسن يكررها دفعات كثيرة.
فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل عن المنبر، قال للناس: أرى سحنة رجل مظلوم، أخروا أمره حتى أراجع أمير المؤمنين، وأكتب في أمره.
ففعل ذلك، ولم يزل يكاتب، حتى أطلق.
قال: وكان الناس يدعون، ويكررون هذا الدعاء، وحفظوه.
قال: فما دعونا بهذا الدعاء في شدة إلا فرجها الله عنا بمنه.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المري: خذ الحسن بن الحسن، فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوماً، ولا أراني إلا قاتله.
قال: فبعث إليه فجيء به وبالخصوم بين يديه.
فقام إليه علي بن الحسين رضى الله عنهما، فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك.
قال: ما هن، قال: قل: لا إله إلا الله الحكيم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال: فقالها، فأنفذ، فرده، وقال: أنا أكاتب أمير المؤمنين بعذره، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
ووجدت هذا الخبر، بأعلى وأثبت من هذين الطريقين، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم المقرىء، قال: حدثنا أحمد بن الربيع اللجمي الجرار الكوفي، قال: حدثنا الحسين بن علي، يعني الجعفي، عن والده، عن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو مصعب، قال: كتب عبد الملك إلى عامله بالمدينة هشام بن إسماعيل: أن حسن بن حسن، كاتب أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث إليه بشرط، فليأتوا به.
قال: فأتي به، فسأله عن شيء.
فقام إليه علي بن الحسين عليهما السلام، فقال: يا ابن عم، قل كلمات الفرج، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، قال: فقالها.
ثم إن الأمير نظر إلى وجهه، فقال: أرى وجهاً قد قرف بكذبة، خلوا سبيله فلأراجعن أمير المؤمنين فيه.

● [ دعاء ينجي من المحنة ] ●

حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، عن الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا الفريابي، قال: لما أخذ أبو جعفر إسماعيل بن أمية، أمر به إلى الحبس، فرأى في طريقه على حائط مكتوباً: يا وليي في نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا عدتي في كربتي، قال: فلم يزل يكررها حتى خلى سبيله، فاجتاز بذلك الحائظ فإذا ليس عليه شيء مكتوب.

● [ أجار حيةً فأرادت قتله فخلصه جميل صنعه ] ●

ويروى: أن حية استجارت برجل من العباد، من رجل يريد قتلها، قال: فرفع ذيله، وقال: ادخلي، فتطوقت على بطنه.
وجاء رجل بسيف، وقال له: يا رجل، حية هربت مني الساعة، أردت قتلها، فهل رأيتها، قال: ما أرى شيئاً.
فلما أجارها، وانصرف من يريد قتلها، قالت له الحية: لا بد من قتلك.
فقال لها الرجل: ليس غنى عن هذا، قالت: لا.
قال: فأمهليني، حتى آتي سفح جبل، فأصلي ركعتين، وأدعو الله تعالى، وأحفر لنفسي قبراً، فإذا نزلته، فافعلي ما بدا لك.
قالت: افعل.
فلما صلى، ودعا، أوحى الله إليه: إني قد رحمتك، فاقبض على الحية، فإنها تموت في يدك، ولا تضرك.
ففعل ذلك، وعاد إلى موضعه، وتشاغل بعبادة ربه.
وروى هذا الخبر، جعفر العابد، برامهرمز، على غير هذه السياقة، إلا أن المعنى متقارب، فأوردت ما بلغني من ذلك، فقال: قرأت في كتب الأوائل، أن حية أفلتت من يد طالب لها ليقتلها، وأنها سألت الرجل أن يخبأها، فخبأها في فمه، وأنكرها للطالب لها.
وحدثني عبد الله بن الحارث بن السراج الواسطي، قال: حدثني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد الله التستري، عنه، قال: كان في بني إسرائيل، رجل في صحراء قريبة من جبل، يعبد الله تعالى، إذ مثلت له حية، فقالت له: قد أرهقني من يريد قتلي، فأجرني، أجارك الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.
قال لها: وممن أجيرك، قالت: من عدو يريد قتلي.
قال: وممن أنت، قالت: من أهل لا إله إلا الله.
قال: فأين أخبيك، قالت: في جوفك، إن كنت تريد المعروف.
ففتح فاه، وقال: ادخلي، ففعلت.
فلما جاء الطالب، قال له: رأيت حيةً تسعى، فقال العابد: ما أرى شيئاً، وصدق في ذلك.
فقال له الطالب: الله.
فقال: الله.
فتركه، ومضى، ثم قال لها: اخرجي الآن.
فقالت: إني من قوم لا يكافئون على الجميل إلا بقبيح.
ثم ساق الحديث على قريب مما تقدم.
ووقع إلي الخبر بقريب من هذا المعنى، على خلاف هذه السياقة: قرىء على أبي العباس الأثرم، المقرىء البغدادي، وهو محمد بن أحمد بن حماد بن إبراهيم بن ثعلب، في منزله بالبصرة، في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وأنا حاضر أسمع، حدثكم علي بن حرب الطائي الموصلي، قال: حدثنا جعفر بن المنذر الطائي العابد بمهروبان، قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فالتفت إلى شيخ حضار، فقال له: حدث القوم بحديث الحية.
فقال الرجل: حدثني عبد الجبار، أن حميد بن عبد الله خرج إلى متعبده، فمثلت بين يديه حية، وقالت له: أجرني أجارك الله في ظله.
قال: وممن أجيرك، قالت: من عود يريد قتلي.
قال: فأين أخبئك، قالت: في جوفك.
ففتح فاه، فما استقرت، حتى وافاه رجل بسيف مجرد، فقال له: يا حميد أين الحية، قال: ما أرى شيئاً.
فذهب الرجل، فأطلعت الحية رأسها، وقالت: يا حميد أتحس الرجل، فقال: لا، قد ذهب، فاخرجي.
قالت: اختر مني إحدى خصلتين، إما أن أنكتك نكتةً فأقتلك، أو أفرث كبدك، فترميه من دبرك قطعاً.
فقال: والله، ما كافيتني.
فقال: قد عرفت العداوة التي بيني وبين أبيك آدم قديماً، وليس معي مال فأعطيك ولا دابة فأحملك عليها.
فقال: امهليني، حتى آتي سفح الجبل، وأحفر لنفسي قبراً.
قالت له: افعل.
فبينا هو يسير إذ لقيه فتى حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فقال له: يا شيخ، ما لي أراك مستسلماً للموت، آيساً من الحياة، قال: من عدو في جوفي يريد هلاكي.
فاستخرج من كمه شيئاً فدفعه إليه وقال: كله.
قال: ففعلت ذلك، فوجدت مغصاً شديداً، ثم ناولني شيئاً آخر، فإذا بالحية سقطت من جوفي قطعاً.
فقلت له: من أنت يرحمك الله، فما أحد أعظم علي منة منك
فقال: أنا المعروف، إن أهل السماء رأوا غدر هذه الحية بك، فسألوا الله عز وجل، أن يعيذك، فقال لي الله تعالى: يا معروف، أدرك عبدي، فإياي أراد بما صنع.

● [ أهدر عبد الملك دمه فدعا فأمنه وأحسن إليه ] ●

بلغني أنه جنى رجل جناية على عهد عبد الملك بن مروان، فأهدر دمه ودم من يؤويه، وأمر بطلبه، فتحاماه الناس كلهم.
فكان يسيح في الجبال والبراري، ولا يذكر اسمه، فيضاف اليوم واليومين، فإذا عرف طرد ولم يدع أن يستقر.
قال الرجل: فكنت أسيح يوماً في بطن واد، فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، عليه ثياب بياض، وهو قائم يصلي، فقمت إلى جنبه.
فلما سلم انفتل إلي، وقال لي: من أنت، قلت: رجل أخافني السلطان، وقد تحماني الناس، فلم يجرني أحد من خلق الله تعالى، فأنا أسيح في هذه البراري، خائفاً على نفسي.
قال: فأين أنت عن السبع، قلت: وأي سبع، قال: تقول: سبحان الله الإله الواحد، الذي ليس غيره أحد، سبحان الدائم الذي ليس يعادله شيء، سبحان الدائم القديم، الذي لا ند له ولا عديل، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي هو كل يوم في شأن، سبحان الذي خلق ما يرى، وما لا يرى، سبحان الذي علم كل شيء بغير تعليم، أللهم إني أسألت بحق هذه الكلمات وحرمتهن، أن تفعل بي كذا وكذا، وأعادهن علي، فحفظتهن.
قال الرجل: وفقدت صاحبي، فألقى الله تعالى الأمن في قلبي، وخرجت من وقتي متوجهاً إلى عبد الملك، فوقفت ببابه، واستأذنت عليه، فلما دخلت عليه، قال: أتعلمت السحر، قلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكن كان من شأني كذا وكذا، وقصصت عليه القصة.
فأمنني، وأحسن إلي.

● [ أبو الوليد عبد الملك بن مروان ] ●


أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي 26 - 86 استعمله معاوية على المدينة، وهو ابن ست عشرة سنة، وكان أحد فقهاء المدينة المعدودين، انتقلت إليه الخلافة بموت أبيه، وقد ناهز الأربعين، فلما بشر بها، أطبق المصحف، وقال: هذا فراق بيني وبينك تاريخ الخلفاء 217، الفخري 122، فوات الوفيات 2-32. من محاسنه أنه نقل الدواوين من الفارسية، والرومية، إلى العربية، وسك الدنانير في الإسلام، ومن سيئاته أنه سلط الحجاج بن يوسف الثقفي، الظالم السيء الصيت، على الناس، فولاه الحجاز أولاً، ثم العراق، فقتل العباد، وخرب البلاد أحسن التقاسيم 133 وواسطة السلوك 29، والسيادة العربية 44، وهو أول من غدر في الإسلام، آمن عمرو بن سعيد الأشدق، ثم قتله العقد الفريد 1-79 و 4-409، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف في الإسلام، قال في إحدى خطبه: والله، لا يأمرني أحد بتقوى الله، إلا ضربت عنقه فوات الوفيات 2-33 وتاريخ الخلفاء 219، ومنع أهل الشام من الحج إلى مكة، وبنى قبة الصخرة في بيت المقدس، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها، بدلاً من الكعبة، وأقام الناس على ذلك أيام بني أمية اليعقوبي 2-261، وقد لخص عبد الملك سياسته، في خطبة له، قال: إن من كان قبلي من الخلفاء، كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف تاريخ الخلفاء 218 ولما حضره الموت جعل يضرب على رأسه بيده، ويقول: وددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالاً تاريخ الخلفاء 220 وابن الأثير 4-521، راجع أخباره في تاريخ الخلفاء 216 - 220 والعقد الفريد 4-25 و 399، و 5-103 و 6-99 وتاريخ اليعقوبي 2-273 والهفوات النادرة 42.

● [ يا كاشف الضر بك استغاث من اضطر ] ●

وأخبرني صديق لبي: أن بعض أصحابنا من الكتاب، دفع إلى محنة صعبة، فكان من دعائه: يا كاشف الضر، بك استغاث من اضطر.
قال: وقد رأيته نقش ذلك على خاتمه، وكان يردد الدعاء به، فكشف الله محنته عن قريب.

● [ سليمان بن وهب يتخلص من حبسه ] ●
بدعاء صادف استجابة

حدثني علي بن هشام، قال: سمعت أبا عبد الله حمد بن محمد القنائي، ابن أخت الحسن بن مخلد.
قال مؤلف هذا الكتاب: قال لي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، في كلام جرى بيننا- غير هذا- طويل: كان حمد بن محمد هذا، ابن عمة الحسن بن مخلد، وكان أبي عرفني أنه أشار على المقتدر بالله، وقد استشاره فيمن يقلده الوزارة، فأسميت له حمد بن محمد هذا، وأبا عيسى أخا أبي صخرة، وأبا زنبور، ومحمد بن علي المادرائيين.
قال: سمعت عبيد الله بن سليمان بن وهب، يقول: كان المتوكل، أغيظ الناس على إيتاخ، وذكر حديثاً طويلاً، وصف فيه كيف قبض المتوكل على إيتاخ وابنيه ببغداد، لما رجع من الحج، بيد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، قال فيه: قال سليمان بن وهب: ساعة قبض على إيتاخ ببغداد، قبض علي بسر من رأى، وسلمت إلى عبيد الله بن يحيى.
وكتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم، بدخول سر من رأى، ليتقوى به على الأتراك، لأنه كان معه بضعة عشر ألفاًن ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وشدة شوكتهم.
فلما دخل إسحاق سامراء، أمر المتوكل بتسليمي إليه، وقال: هذا عدوي: ففصل لحمه عن عظمه، هذا كان يلقاني في أيام المعتصم، فلا يبدأني بالسلام فأبدأه به لحاجتي إليه، فيرد علي كما يرد المولى على عبده، وكل ما دبره إيتاخ، فعن رأيه.
فأخذني إسحاق، وقيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف، وحبسني في كنيف، وأغلق علي خمسة أبواب، فكنت لا أعرف الليل من النهار.
فأقمت على ذلك عشرين يوماً، لا يفتح علي الباب إلا دفعة واحدة في كل يوم وليلة، يدفع إلي فيها خبز وملح جريش، وماء حار، فكنت آنس بالخنافس، وبنات وردان، وأتمنى الموت من شدة ما أنا فيه.
فعرض لي ليلة من الليالي، أن أطلت الصلاة، وسجدت، فتضرعت إلى الله تعالى، ودعوته بالفرج، وقلت في دعائي: أللهم، إن كنت تعلم أنه كان لي في دم نجاح بن سلمة صنع، فلا تخلصني مما أنا فيه، وإن كنت تعلم أنه لا صنع لي فيه، ولا في الدماء التي سفكت، ففرج عني.
فما استتممت الدعاء، حتى سمعت صوت الأقفال تفتح، فلم أشك أنه القتل، ففتحت الأبواب، وجيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي.
فقلت لحاجبه: سألتك بالله، اصدقني عن أمري.
فقال: ما أكل الأمير يوماً شيئاً، لأنه أغلظ عليه في أمرك، وذلك أن أمير المؤمنين وبخه بسببك، وقال: سلمت إليك سليمان بن وهب تسمنه أو تستخرج ماله، فقال الأمير: أنا صاحب سيف، ولا أعرف المناظرة على الأموال ووجوهها، ولو قرر أمره على شيء لطالبته به.
فأمر أمير المؤمنين الكتاب بالاجتماع عند الأمير لمناظرتك، وإلزامك مالاً يؤخذ به خطك، وتطالب به، وقد اجتمعوا، واستدعيت لهذا.
قال: فحملت إلى المجلس، فإذا فيه موسى بن عبد الملك، صاحب ديوان الخراج، والحسن بن مخلد، صاحب ديوان الضياع، وأحمد بن إسرائيل الكاتب، وأبو نوح عيسى بن إبراهيم، كاتب الفتح بن خاقان، وداود بن الجراح، صاحب الزمام، فطرحت في آخر المجلس.
فشتمني إسحاق أقبح شتم، وقال: يا فاعل، يا صانع، تعرضني لاستبطاء أمير المؤمنين، والله، لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأرض أحب إليك من ظهرها، أين الأموال.
فاحتججت بنكبة ابن الزيات لي.
فبدرني الحسن بن مخلد، فقال: أخذت من الناس أضعاف ما أديت، وعادت يدك إلى كتبة إيتاخ، فأخذت ضياع السلطان، واقتطعتها لنفسك، وحزتها سرقة إليك، وأنت تغلها ألفي ألف درهم، وتتزيا بزي الوزراء، وقد بقيت عليك من تلك المصادرة جملة لم تؤدها، وأخذت الجماعة تواجهني بكل قيح، إلا موسى بن عبد الملك، فإنه كان ساكتاً لصداقة كانت بيني وبينه.
فأقبل من بينهم على إسحاق، وقال: يا سيدي، أتأذن لي في الخلوة به لأفصل أمره، قال: افعل.
فاستدناني، فحملت إليه، فسارني، وقال: عزيز علي يا أخي، حالك، وبالله لو كان خلاصك بنصف ما أملكه لفديتك به، ولكن صورتك قبيحة، وما أملك إلا الرأي، فإن قبلت مني، رجوت خلاصك، وإن خالفتني، فأنت- والله- هالك.
قال: فقلت: لا أخالفك.
فقال: الرأي أن تكتب خطك بعشرة آلاف ألف درهم، تؤديها في عشرة أشهر، عند انقضاء كل شهر ألف ألف درهم، وتترفه عاجلاً مما أنت فيه.
فسكت سكوت مبهوت، فقال لي: ما لك، فقلت له: والله، ما أرجع إلى ربعها، إلا بعد بيع عقاري، ومن يشتري مني وأنا منكوب، وكيف يتوفر لي الثمن وأنا على هذه الحالة.
فقال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن احرس نفسك عاجلاً يعظم ما تبذله، ويطمع فيه من جهتك، وأنا من وراء الحيلة لك في شيء أميل به رأي الخليفة من جهتك، يعود إلى صلاحك، والله المعين، ومن ساعة إلى ساعة فرج، ولا تتعجل الموت، ولو لم تستفد إلا الراحة مما أنت فيه يوماً واحداً، لكفى.
قال: فقلت: لست أتهم ودك ولا رأيك، وأنا أفعل ما تقول.
فأقبل على الجماعة، وقال: يا سادتي، إني قد أشرت عليه أن يكتب خطه بشيء لا يطيقه، فضلاً عما هو أكثر منه، ورجوت أن نعاونه بأموالنا وجاهنا، ليمشي أمره، وقد واقفته ليكتب بكذا وكذا.
فقالوا: الصواب له أن يفعل هذا.
فدعا لي بدواة وقرطاس، وأخذ خطي بالمال على نجومه، فلما أخذه، قام قائماً، وقال لإسحاق: يا سيدي، هذا رجل قد صار عليه للسلطان- أعزه الله- مال، وسبيله أن يرفه، وتحرس نفسه، وينقل من هذه الحال ويغير زيه، ويرد جاهه، بإنزاله داراً كبيرة، وإخدامه بفرش وآلة حسنة، وإخدامه خداماً بين يديه، ويمكن من لقاء من يؤثر لقاءه من معامليه، ومن يحب لقاءه من أهله وولده وحاشيته، ليجد في حمل المال الحال عليه، قبل محله، ونعينه نحن، ويبيع أملاكه، ويرتجع ودائعه ممن هي عنده.
فقال إسحاق: الساعة أفعل ذلك، وأبلغه جميع ما ذكرت، وأمكنه منه، ونهضت الجماعة.
فأمر إسحاق بفك حديدي، وإدخالي الحمام، وجاءني بخلعة حسنة، وطيب، وبخور، فاستعملته، واستدعاني، فلما دخلت عليه، نهض إلي، ولم يكن في مجلسه أحد، واعتذر إلي مما خاطبني به، وقال: أنا صاحب سيف، ومأمور، وقد لحقني اليوم من أجلك سماع كل مكروه، حتى امتنعت عن الطعام غماً بأن ابتلى بقتلك، أو يعتب الخليفة علي من أجلك، وإنما خاطبتك بذلك، إقامة عذر عند هؤلاء الأشرار، ليبلغوا الخليفة ذلك، وجعلته وقاية لك من الضرب والعذاب، فشكرته، وقلت ما حضرني من الكلام.
فلما كان من الغد، حولني إلى دار كبيرة، واسعة، حسنة، مفروشة، ووكل بي فيها، على إحسان عشرة وإجلال، فاستدعيت كل من أريده، وتسامع بي أصحابي، فجاؤوني وفرج الله عني.
ومضت سبعة وعشرون يوماً، وقد أعددت ألف ألف درهم، مال النجم الأول، وأنا أتوقع أن يحل، فأطالب، فأؤديه، فإذا بموسى بن عبد الملك قد دخل إلي، فقمت إليه، فقال: أبشر.
فقلت: ما الخبر يا سيدي.
فقال: ورد كتاب عامل مصر، بمبلغ مال مصر لهذه السنة مجملاً في مبلغ الحمل والنفقات، إلى أن ينفذ حسابه مفصلاً، فقرأ عبيد الله ذلك على المتوكل، فوقع إلى ديواني بإخراج العبرة لمصر، ليعرف أثر العامل، فأخرجت ذلك من ديوان الخراج والضياع، لأن مصر تجري في ديوان الخراج والضياع وينفذ حسابها إلى الديوانين، كما قد علمت، وجعلت سنتك التي وليت فيها عمالة مصر، مصدرة، وأوردت بعدها السنين الناقصة عن سنتك، تلطفاً في خلاصك، وجعلت أقول: النقصان في سنة كذا عن سنة كذا وكذا التي صدرناها، كذا وكذا ألفاً.
فلما قرأ عبيد الله العمل على المتوكل، قال: فهذه السنة الوافرة، من كان يتولى عمالتها.
فقلت أنا: سليمان بن وهب يا أمير المؤمنين.
فقال المتوكل: فلم لا يرد إليها، فقلت: وأين سليمان بن وهب ? ذاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر.
فقال: تزال عنه المطالبة، ويعان بمائة ألف درهم، ويعجل إخراجه.
فقلت: وترد ضياعه يا أمير المؤمنين، ليرجع جاهه.
قال: ويفعل ذلك، وقد تقدم إلى عبيد الله بهذا، واستأذنته في إخراجك، فأذن لي، فقم بنا إلى الوزير، وقد كان دخل إلى إسحاق برسالة الخليفة بإطلاقي.
فخرجت من وقتي، ولم أؤد من مال النجم الأول حبة واحدة، ورددته إلى موضعه.
وجئت إلى عبيد الله، فوقع لي بمائة ألف درهم معونة على سفري، ودفع إلي عهدي على مصر، فخرجت إليها.

● [ المتوكل ] ●

أبو الفضل جعفر المتوكل بن أبي إسحاق محمد المعتصم 207 - 247: لم يكن المتوكل أكبر أولاد المعتصم، ولذلك فإنه لم يعد في نشأته إعداداً يؤهله للموضع الذي وضعته الظروف فيه.
وعندما توفي الواثق، واجتمع رجال الدولة يتذاكرون فيمن يرشح للحكم، كان المتوكل- إذ ذاك- في قميص وسراويل قاعداً مع أبناء الأتراك، يتساءل ما الخبر، الطبري 9-154.
وكان وهو شاب له شعر قفا في زي المخنثين الطبري 9-157، غير أن وفاة أخيه الواثق، وعدم وجود خلف له في سن تؤهله للحكم، اضطر رجال الدولة إلى اختيار المتوكل خلفاً لأخيه، وأصر القاضي النبيل أبو عبد الله أحمد بن أبي داؤد على مبايعته، وألبسه الطويلة، وعممه بيده الطبري 9-154، وكان جزاؤه منه على ذلك أن قبض ضياعه وضياع أولاده، وأجبرهم على الإقرار والإشهاد ببيعها، وحبس أولاده، ثم نفاهم عن سامراء، ولم يحبس القاضي لأنه كان مشلولاً طريح الفراش الطبري 9-189.
ولما تولى الحكم ساس المملكة سياسة صبيانية خرقاء، قوامها التعصب والنزق، وهو أول من أظهر من بني العباس الانهماك على الشهوات، وكان أصحابه يسخفون ويسفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء زهر الآداب 1-252 وكان أول خليفة ظهر في مجلسه اللعب والمضاحيك مروج الذهب 2-391 وكان له مضحكان، اسم أولهما شعرة، واسم الثاني: بعرة البصائر والذخائر م 1 ص 25 وكان يستطيب معاشرة المخنثين ومجالستهم الملح والنوادر 282 وكان قد بسط نديمه عبادة المخنث، الذي كان مجاهراً بالعهر والبغاء البصائر والذخائر م 4 ص 65، بحيث أباح له أن يدخل عليه وهو نائم مع نسائه الملح والنوادر 148، وكان أبو الشبل البرجمي قد نفق عليه بإيثاره العبث الأغاني 14-193 تجارب الأمم 6-556 وغضب على نديمه أحمد بن إبراهيم بن حمدون، فنفاه إلى تكريت، ثم قطع أذنيه معجم الأدباء 1-365، وكان قد غضب على إبراهيم بن حمدون، والد أحمد، إذ اتهمه بأنه قد حزن لموت الواثق، فأمر بنفيه إلى السند، وأن يضرب ثلثمائة سوط معجم الأدباء 1-368 ولاطف أحد ندمائه، فأمر بأن تدخل في أسته فجلة الهفوات النادرة رقم 218 ص 230.
وكان شديد البغض للإمام علي وأهل بيته، يقصد من يتولى علياً وأهله، بالقتل والمصادرة، بحيث كان اتهام الإنسان بالتشيع لآل علي، في أيامه، كافياً لقتله وفيات الأعيان 5-340 وكرب قبر الحسين الشهيد، وعفى آثاره، ووضع على سائر الطريق مسالح، لا يجدون أحداً زاره إلا أتوه به، فقتله، أو أنهكه عقوبة مقاتل الطالبيين 597، وفوات الوفيات 1-203 وتاريخ الخلفاء 347 والطبري 9-185 وذكر أنه كان يكره من تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق، لمحبتهم علياً وأهل بيته ابن الأثير 7-56.
وكان يظهر من سب الإمام علي، والاستهزاء بذكره كثيراً خلاصة الذهب المسبوك 226 وكان نديمه عبادة المخنث، يرقص بين يديه، والمغنون يغنون: أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين ابن الأثير 7-55 وبلغه أن أمير مصر، ضرب رجلاً عشر درر، فاستحلفه بحق الحسن والحسين أن يكف عنه، فكتب إلى الأمير أن يجلده مائة جلدة الولاة والقضاة للكندي 203 وبلغه أن أبا عمر الجهضمي، روى حديثاً عن النبي صلوات الله عليه أثنى فيه على الحسن والحسين وأبيهما وأمهما، فأمر بضربه ألف سوط تاريخ بغداد للخطيب 13-287 و 288 وغضب ولده المنتصر، يوماً، من استهزاء عبادة المخنث بعلي، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الذي يحكيه هذا الكلب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه، فقال المتوكل للمغنين: غنواً جميعاً: ابن الأثير 7-55
غادر الـفـتـى لابـن عـمّــه ● رأس الفتى في حر أمّه
وقتل ابن السكيت إمام اللغة والأدب، لأنه أثنى على الحسن والحسين ابن الأثير 7-91 وغضب على قاضي القضاة بمصر، فأمر بأن تحلق لحيته، وأن يطاف به على حمار وأن يضرب في كل يوم عشرين سوطاً تاريخ الخلفاء 347.
واستعمل على المدينة ومكة، عمر بن فرج الرخجي، لمعرفته بنصبه وبغضه علياً ابن الأثير 7-56، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحداً بر أحداً منهم بشيء- وإن قل- إلا أنهكه عقوبة، وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات، يصلين فيه، واحدة بعد واحدة، ثم يرفعنه ويجلسن إلى مغازلهن، عواري، حواسر، إلى أن قتل المتوكل، فعطف عليهم المنتصر، وأحسن إليهم مقاتل الطالبيين 599 ووصفت للمتوكل عائشة بنت عمر بن فرج الرخجي، فوجه في جوف الليل، والسماء تهطل، إلى عمر، أن احمل إلي عائشة، فسأله أن يصفح عنها، فأبى، وحملها إليه في الليل، فوطئها، ثم ردها إلى منزل أبيها المحاسن والأضداد 118.
وأنفق على بناء قصوره في سامراء، أربعة وعشرين ألف ألف دينار الديارات 364 - 371، وكان المصروف على ثلاثة منها مائة ألف ألف درهم مروج الذهب 2-418، وصرف في حفلة ختان ولده المعتز ستة وثمانين ألف ألف درهم الديارات 150 - 157 وبلغ ما نثره في تلك الحفلة على المغنين والمغنيات، عشرين ألف ألف درهم، وحصل في ذلك اليوم للمزين الذي ختن المعتز، نيف وثمانون ألف دينار، سوى الصياغات والخواتم والجواهر والعدات الديارات 155 و 156. ورغب يوماً أن يعمل الشاذ كلاه، بأن يشرب على الورد، ولم يكن موسم ورد، فأمر فسك له خمسة آلاف ألف درهم، وأن تلون، وتنثر مكان الورد، لكي يشرب عليها.
وكان قد بايع لولده المنتصر، ثم المعتز، ثم المؤيد ابن الأثير 7-49 ثم رغب في تقديم المعتز، لمحبته لأمه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى، فكان يحضره مجلس العامة، ويحط منزلته، ويتهدده ويشتمه تاريخ الخلفاء 350 ويطلب من الفتح أن يلطمه الطبري 9-225 وتجارب الأمم 6-555، وابن الأثير 7-97 وأمر المتوكل بقبض ضياع وصيف، وإقطاعها الفتح بن خاقان على الفتك بوصيف، وبغا، وبابنه المنتصر، تجارب الأمم 6-554، واشتد عبثه، قبل قتله بيومين، بابنه المنتصر، مرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل الطبري 9-225 فاضطر المنتصر أن يشاور بعض الفقهاء وأن يعلمهم بمذاهب أبيه، وحكى عنه أموراً قبيحة، فأفتوه بقتله، فاتفق مع الأتراك، وقتلوه تاريخ الخلفاء 350.
وقد كان تصرف المتوكل مع أولاده، ومع قواده، ومع حاشيته، ومع رعيته، لا بد أن يؤدي به إلى النهاية التي انتهى إليها، ففتح بذلك على من خلفه من الخلفاء، وعلى من يلوذ بهم من رجال الدولة، باباً استحال سده، وكان فاتحة لما أصيب به الخلفاء من بعده، والوزراء، وسائر رجال الدولة، من قتل، وسمل، وتشريد، وامتهان.

● [ لهذا الباب بقية ] ●


مُختصر كتاب الفرج بعد الشدة
تأليف : القاضي التنوخي
مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 19, 2017 11:06 am