تابع الباب الثالث: من بشر بفرج اونجا من محنة

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2574
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

تابع الباب الثالث: من بشر بفرج اونجا من محنة

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء ديسمبر 28, 2016 8:41 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الأسرة
الفرج بعد الشدة
تابع الباب الثالث
من بشر بفرج من نطق فال ونجا
من محنة بقول أو دعاء أو ابتهال

● [ الديوان ] ●

الديوان، كلمة كانت في الأصل تطلق على جريدة الحساب، ثم أطلقت على الحساب، ثم على الموضع الذي يجري فيه الحساب المنجد.
وأول من دون الدواوين في الإسلام، الخليفة أبو حفص عمر بن الخطاب الطبري 4-209 والفخري 83 والأعلام 5-204 والمنجد وكتب فيه الناس على قبائلهم، وفرض لهم العطاء الطبري 4-209، وكان يحمل دواوين القبائل بين مكة والمدينة، فيوزع بيده العطاء على الصغير والكبير الطبري 4-210.
ثم اتسعت رقعة الدولة، ومصرت الأمصار، فأصبح للمدينة ديون الطبري 6-180 وللكوفة ديوان، وللبصرة ديوان الطبري 6-179، وأحدث معاوية بن أبي سفيان 35 - 60 ديوان الخاتم، وأمر أن تثبت فيه نسخة من كل توقيع يصدره، كما رتب البريد الذي أصبح من بعد ذلك ديواناً مهماً من دواوين الدولة الفخري 107 و 108 وقلد الدواوين الأخرى كتاباً منهم سرجون الرومي، قلده ديوان الخراج الطبري 6-180.
وفي أيام عبد الملك بن مروان 65 - 86، نقلت الدواوين من الرومية والفارسية، إلى العربية الأعلام 4-312 والفخري 122 واستعان أولاده بمواليهم، فنصبوهم كتاباً على الدواوين الطبري 6-180، وكانت الدواوين في أيام بني أمية، مقتصرة على دواوين الأصول، ولم تكن في أيامهم دواوين أزمة الطبري 8-167.
وفي أيام الخلافة العباسية، اتسعت الدواوين، وتشعبت، ولما استقرت الأمور في أيام المهدي، قلد الدواوين عمر بن بزيع، وتفكر، فوجد أنه لا يمكن أن يضبطها، لتعددها، واتساع أعمالها، فاتخذ دواوين الأزمة، وولى كل ديوان رجلاً الطبري 8-167 فأصبح لكل ديوان من دواوين الأصول، ديوان زمام يراقبه، ويشرف على أعماله وزراء 294، ثم اتخذ المهدي ديواناً، أسماه: ديوان زمام الأزمة الطبري 8-167 يظهر من اسمه، أنه كان يراقب ويشرف على دواوين الأزمة.
وكان توقيع الخليفة ينقل إلى ديوان التوقيع، وبعد التحقق من صحة التوقيع، وتخليد نسخته في الديوان، ينقل إلى ديوان الزمام وزراء 203، ويقابله الآن في العراق، ديوان مراقب الحسابات العام، فإن أقره صاحب الديوان، نقل إلى حيث يجري تنفيذه، وإذا كان التوقيع أمراً بصرف مال، نقل إلى ديوان بيت المال، ويقابله الآن في العراق، مديرية الخزينة المركزية، حيث يتم تسليم التوقيع، وتسلم المال.
ثم انقسم ديوان بيت المال إلى ديوانين، واحد للعامة وزراء 208 وآخر للخاصة وزراء 141، وانقسم ديوان الضياع إلى ديوانين، واحد للضياع العامة، وآخر للضياع الخاصة وزراء 33، وهي الضياع العائدة للخليفة والأمراء من أهل بيته، وعليه ديوان زمام خاص وزراء 284 ثم أضيفت إلى ديوان الضياع الخاصة، الضياع المستحدثة وزراء 340، ورتب لديوان الإعطاء، وهو ديوان الجيش وزراء 164 مجالس للتفرقة، يقوم فيها بتفريق الأموال، وكلاء عن صاحب الديوان وزراء 26 وعليه ديوان زمام الجيش القصة 8-34 من نشوار المحاضرة وللنفقات ديوان وزراء 140 وعليه ديوان زمام النفقات وزراء 380 وكان أبو العباس بن الفرات أحدث ديواناً اسمه: ديوان الدار وزراء 148 فانتزع الوزير عبيد الله بن سليمان من ذلك الديوان، مجلس المشرق، وجعله ديواناً منفرداً، سماه: ديوان المشرق وزراء 149 وكذلك الوزير القاسم بن عبيد الله، فقد انتزع من ديوان الدار، مجلس المغرب، وجعله ديواناً منفرداً، سماه: ديوان المغرب وزراء 149.
وأحدثت دواوين اقتضت الظروف إحداثها، مثل ديوان البر وزراء 310 وقد أحدثه الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح، عندما أقنع المقتدر، فوقف على الحرمين والثغور، المستغلات التي يملكها بمدينة السلام، وغلتها ثلاثة عشر ألف دينار، والضياع الموروثة بالسواد، الجارية في ديوان الخاصة، وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار، وديوان المرافق، أي ديوان الرشى، وكان سبب إحداثه أن من سبق من الوزراء، تساهلوا في الجباية، وأنزلوا من بدلات ضمانات الأمصار، مبالغ عظيمة، لقد مبالغ ارتفاق، يؤديها إليهم العمال سراً وزراء 38 فأصبح الارتفاع لا يفي بالنفقات، فأنشأ الوزير ديوان الارتفاق، وأمر العمال أن يبعثوا إليه بالمبالغ التي اتفقوا على إرفاق الوزراء السابقين بها، ليصرفها في أمور الدولة.
وفي السنة 324 لما ضعف أمر الدولة في أيام الراضي، نصب أبا بكر محمد بن رائق، أميراً للأمراء، وقلده إمارة الجيش والخراج والمعادون، وجميع الدواوين، وكان ابن رائق بواسط، فانحدر إليه الكتاب، والحجاب، وأصحاب الدواوين، فبطلت الدواوين من ذلك الحين، وبطلت الوزارة، وأصبح أمير الأمراء هو الناظر في جميع الأمور، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنه، وهو يطلق للخليفة ما يقوم بأوده ابن الأثير 8-322 و 323.

● [ دعوة مستجابة ] ●

حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق الأهوازي أحد شهود أبي بها، عن مسرور بن عبد الله الاستادي، قال: حزبني أمر ضقت به ذرعاً، فأتيت يحيى بن خالد الأزرق، وكان مستجاب الدعوة، فرآني مكروباً قلقاً، فقال لي: ما شأنك ? فقلت: دفعت إلى كيت وكيت.
فقال لي: استعن بالصبر، فإن الله وعد الصابرين خيراً.
فقلت له: ادع لي، فحرك شفتيه بشيء لا أعلم ما هو، فانصرفت على جملتي من القلق، فلما أصبحت أتاني الفرج بإذن الله تعالى.
قال مؤلف هذا الكتاب: ويحيى بن خالد هذا، هو جد عبد الله بن محمد بن يحيى الأهوازي الكاتب، وعبد الله هذا جدي لأمي.

● [ دعاء لشفاء العلل ] ●

حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه البصري، قال: اعتللت علة شديدة، أيست فيها من نفسي، على شدة كنت فيها، فعادني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد الله التستري، فقال: كان أبو محمد سهل، يدعو الله في علله، بدعاء ما دعا به أحد إلا عوفي.
فقلت: وما هو، فقال: قل: أللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وعافني من بلائك.
قال: فواصلت الدعاء بذلك، فعوفيت.

● [ غلام نازوك وكتاب العطف ] ●

حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، بن يعقوب بن إسحاق ابن البهلول التنوخي، عن أبي الحسين بن البواب المقرىء، قال: كان يصحبنا على القرآن، رجل مستور صالح، يكنى أبا أحمد، وكان يكتب كتب العطف للناس، فحدثني يوماً، قال: بقيت يوماً بلا شيء، وأنا جالس في دكاني، وقد دعوت الله أن يسهل قوتي، فما استتممت الدعاء، حتى فتح باب دكاني غلام أمرد، حسن الوجه جداًن فسلم علي وجلس.
فقلت له: ما حاجتك، فقال: أنا عبد مملوك، وقد طردني مولاي، وغضب علي، وقال: انصرف عني إلى حيث شئت، وما أعددت لنفسي من أطرحها عليه في مثل هذا الوقت، ولا أعرف من أقصده، وقد بقيت متحيراً في أمري، وقيل لي إنك تكتب كتب العطف، فاكتب لي كتاباً.
فكتبت له الكتاب الذي كنت أكتبه، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، ( الحمد لله رب العالمين ) إلى آخر السورة، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، وآية الكرسي، و( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية اللّه، وتلك الأمثال نضربنا للنّاس، لعلّهم يتفكّرون ) ... إلى آخر السورة، وكتبت آيات العطف، وهي: ( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً، ما ألّفت بين قلوبهم، ولكن اللّه ألّف بينهم )... الآية، ومن آياته أنه ( خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودّة ورحمة ) إلى آخر الآية، ( واذكروا نعمة اللّه عليكم، إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً ) ... إلى آخر الآية.
وقلت له: خذ هذه الرقعة، فشدها على عضدك الأيمن، ولا تعلقها عليك إلا وأنت طاهر.
فأخذها وقام وهو يبكي، وطرح بين يدي ديناراً عيناً، فداخلتني له رحمة، فصليت ركعتين، ودعوت له أن ينفعه الله بالكتاب، ويرد عليه قلب مولاه، وجلست.
فما مضت إلا ساعتان، وإذا بأبي الجود، خليفة عجيب، غلام نازوك، وكان خليفته على الشرطة، قد جاءني، فقال لي: أجب الأمير نازوك، فارتعت.
فقال: لا بأس عليك، وأركبني بغلاًن وجاء بي إلى دار نازوك، فتركني في الدهليز ودخل.
فلما كان بعد ساعة، أدخلت، فإذا نازوك جالس في دست عظيم، وبين يديه الغلمان قياماً سماطين، نحو ثلثمائة غلام وأكثر، وكاتبه الحسين جالس بين يديه، ورجل آخر لا أعرفه.
فارتعت، وأوهيت لأقبل الأرض، فقال: مه، عافاك الله، لا تفعل، هذا من سنن الجبارين، وما نريد نحن هذا، اجلس يا شيخ، ولا تخف، فجلست.
فقال لي: جاءك اليوم غلام أمرد، فكتبت له كتاباً للعطف، قلت: نعم.
قال: اصدقني عما جرى بينكما، حرفاً، حرفاً.
فأعدته عليه، حتى لم أدع كلمة، وتلوت عليه الآيات التي كتبتها.
فلما بلغت إلى قول الغلام: أنا عبد مملوك، وما أعددت لنفسي من أقصده في هذه الحال، ولا أعرف أحداً ألجأ إليه، وقد طردني مولاي، بكيت لما تداخلني من رحمة له، وأريته الدينار الذي أعطانيه، فدمعت عينا نازوك وتجلد، واستوفى الحديث.
وقال: قم يا شيخ، بارك الله عليك، ومهما عرضت لك من حاجة، أو لجار لك، أو صديق، فسلنا إياها، فإنا نقضيها، وأكثر عندنا وانبسط في هذه الدار، فإنك غير محجوب عنها، فدعوت له وخرجت.
فلما صرت خرج باب المجلس، إذا بغلام قد أعطاني قرطاساً فيه ثلثمائة درهم، فأخذته وخرجت.
فلما صرت في الدهليز، إذا بالفتى، فعدل بي إلى موضع وأجلسني.
فقلت: ما خبرك، فقال: أنا غلام الأمير، وكان قد طردني، وغضب علي، فلما أن جئتك، واحتبست عندك، طلبني، فرجعت مع رسله.
فقال لي: أين كنت، فصدقته الحديث، فلم يصدقني، وأمر بإحضارك، فلما اتفقنا في الحديث، وخرجت الساعة، أحضرني، وقال: يا بني، أنت الساعة من أجل غلماني عندي، وأمكنهم من قلبي، وأخصهم بي، إذ كنت لما غضبت عليك ما غيرك ذلك عن محبتي، والرغبة في خدمتي، وطلب الحيل في الرجوع إلي وانكشف لي أنك ما أعددت لنفسك- بعد الله- سواي، ولا عرفت وجهاً تلجأ إليه في الدنيا غيري، فما ترى بعد هذا إلا كل ما تحب، وسأعلي منزلتك، وأبلغ بك أعلى مراتب نظرائك، ولعل الله سبحانه استجاب فيك دعاء هذا الرجل الصالح، ونفعك بالآيات، فبأي شيء كافأت الرجل.
فقلت: ما أعطيته غير ذلك الدينار.
فقال: سبحان الله، قم إلى الخزانة، فخذ منها ما تريد، وأعطه.
فأخذت منها هذا القرطاس، وجئتك به، فخذه، وأعطاني أيضاً خمسمائة درهم، وقال لي: الزمني، فإني أحسن إليك.
فجئته بعد مديدة، فإذا هو قائد جليل، وقد بلغ به نازوك تلك المنزلة، فوصلني بصلة جليلة، وصار لي عدةً على الدهر وذخيرة.

● [ الدهليز ] ●

الدهليز: الممر الذي بين باب الدار ووسطها، ويسمى الآن ببغداد، المجاز، والكلمفة فصيحة، لأنه موضع الجواز إلى داخل الدار، وجمعه دهاليز، قال يحيى بن خالد: ينبغي للإنسان أن يتأنق في دهليزه لأنه وجه الدار، ومنزل الضيف، وموقف الصديق حتى يؤذن له، وموضع المعلم، ومقيل الخدم، ومنتهى حد المستأذن.
ومن لطيف الكلام: القبر دهليز الآخرة.
وقال ابن سكرة:
قلـت لـلــنـــزلة لـمّا ● أن ألـمّت بلهاتـي
بحياتي خلّ حـلـقـي ● فهو دهليز حياتي
وفيات الأعيان 7-92 والغيث المسجم للصفدي 1-185 وشفاء الغليل 86.
وكانت دهاليز دور الوزراء، والقادة، والأمراء، تشتمل على حجر عدة، برسم الخدم، والأتباع، والوكلاء، والحراس، والرجالة، وفيها مواضع للجلوس والطعام، راجع القصة 1-5 و 2-164 من كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للقاضي التنوخي. ويحدثنا أبو جعفر بن شيرزاد عن دهليز داره، أنه كان محصناً ببابين، باب على الطريق العام، وباب على صحن الدار، فإذا دخل الداخلون من الباب الأول، ظل الثاني مغلقاً، حتى إذا استتم دخولهم، واستقروا في الدهليز، أغلق الأول، وفتح الثاني، لينفذوا منه إلى داخل الدار، راجع القصة 378 من هذا الكتاب.
ولما عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة، خرج إلى الجامع يوم الجمعة، فانثالت العامة عليه تصافحه وتدعو له، فأنكر الخليفة ذلك، فبنى في دهليز داره مسجداً، وكان يؤذن ويصلي فيه المنتظم 9-93.
وكان بيت الطاحون في كل دار يقع في الدهليز، راجع في الملح والنوادر ص 283 قصة العاشق الذي حل محل الحمار في الطاحون.

● [ جور أبي عبد الله الكوفي ] ●

حدثني محمد بن محمد المهندس، قال: حدثني أبو مروان الجامدي، قال: ظلمني أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، وهو يتقلد واسط لناصر الدولة، وقد تقلد أمرة الأمراء ببغداد، وكنت أحد من ظلم، فظلمني، وأخذ من ضيعتي بالجامدة نيفاً وأربعين كراً أرزاً، بالنصف من حق الرقبة، بغير تأويل ولا شبهة، سوى ما أخذه بحق بيت المال، وظلم فيه أيضاً، فتظلمت إليه، وكلمته، فلم ينفعني معه شيء، وكان الكر الأرز بالنصف- إذ ذاك- بثلاثين ديناراً.
فقلت له: قد أخذ مني سيدي ما أخذ، ووالله، ما أهتدي أنا وعيالي، إلى ما سوى ذلك، وما لي ما أقوتهم به باقي سنتي، ولا ما أعمر به ضيعتي، وقد طابت نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وجعلتك من الباقي في حل.
فقال: ما إلى هذا سبيل.
فقلت: فخمسة أكرار.
فقال: لا أفعل.
فبكيت، وقبلت يده، ورققته، وقلت: هب لي ثلاثة أكرار، وتصدق عليه بها، وأنت من الجميع في حل.
فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة.
فتحيرت، وقلت: فإني أتظلم منك إلى الله تعالى.
فقال لي: كن على الظلامة، يكررها دفعات، ويكسر الميم، بلسان أهل الكوفة.
فانصرفت منكسر القلب، منقطع الرجاء، فجمعت عيالي، وما زلنا ندعو عليه ليالي كثيرة، فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، فجئت إلى البيدر، والأرز مطروح، فأخذته، وحملته إلى منزلي، وما عاد الكوفي بعدها إلى واسط، ولا أفلح. من طريق ما اتفق لابن مقلة في نكبته التي أدته إلى الوزارة وحدثني غير واحد من الكتاب، عمن سمع أبا علي بن مقلة، لما عاد من فارس وزيراً، يحدث، قال: من طريف ما اتفق لي في نكبتي هذه التي أدتني إلى الوزارة، أنني أصبحت وأنا محبوس مقيد في حجرة من دار ياقوت، أمير فارس، وقد لحقني من اليأس من الفرج وضيق الصدر ما أقنطني وكاد يذهب بعقلي، وكنا، أنا وفلان محبوسين، مقيدين، في بيت واحد من الحجرة، إلا أنا على سبيل ترفيه وإكرام.
فدخل علينا كاتب لياقوت، وكان كثيراً ما يجيئنا برسالته، فقال: الأمير يقرئكما السلام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عليكما قضاء حاجة إن كانت لكما.
فقلت له: تقرأ عليه السلام، وتقول له: قد - والله - ضاق صدري، واشتهيت أن أشرب على غناء طيب، فإن جاز أن يسامحنا بذلك سراً، ويتخذ به منة علي ويداً، تفضل بذلك.
فقال لي المحبوس الذي كان معي: يا هذا، ما في قلوبنا فضل لذلك.
فقلت للكاتب: أد عني ما قلت لك.
قال: السمع والطاعة ومضى، وعاد فقال: الأمير يقول لك: نعم، وكرامة وعزازة، أي وقت شئت.
فقلت: الساعة.
فلم تمض إلا ساعة، حتى جاءوا بالطعام، فأكلنا، وبالمشام والفواكه والنبيذ، وصف المجلس، فجلست أنا والمحبوس الذي معي في القيدين.
وقلت له: تعال، حتى نشرب، ونتفاءل بأول صوت تغنيه المغنية، في سرعة الفرج مما نحن فيه فلعله يصح الفأل.
فقال: أما أنا فلا أشرب، فلم أزل أرفق به حتى شرب، فكان أول صوت غنته المغنية:
تواعـد لـلبين الخليط لينبتّوا ● وقالوا لراعي الذّود موعدك السّبت
ولــكنّهم بانوا ولم أدر بغتةً ● وأفظع شـــيء حين يفجؤك الـبـغـت
قال أبو علي: ذكر المبرد في كتابه المعروف بالكامل، البيت الأول، ورواه لمحمد بن يسير.
فقال لي: ما هذا مما يتفاءل به، وأي معنى فيه، مما يدل على فرجنا ? فقلت: ما هو إلا فأل مبارك، وأنا أرجو أن يفرق الله بيننا وبين هذه الحالة التي نحن عليها، ويبين الفرج والصلاح، يوم السبت.
قال: وأخذنا في شربنا يومنا، وسكرنا، وانصرفت المغنية، ومضت الأيام.
فلما كان يوم السبت، وقد مضى من النهار ساعتان، إذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعنا، وقمت إليه، فقال: أيها الوزير، الله، الله، في أمري، وأقبل إلي مسرعاً، وعانقني، وأجلسني، وأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، ولم يكن عندي علم بشيء من الأمر، ولا مقدمة له.
فأخرج إلي كتاباً ورد عليه من القاهر بالله، يعلمه فيه بما جرى على المقتدر، ومبايعة الناس له بالخلافة، ويأمره بأخذ البيعة على من بفارس من الأولياء، وفيه تقليده إياي الوزارة، ويأمره بطاعتي، وسلم إلي أيضاً، كتاباً من القاهر، يأمرني فيه بالنظر في أموال فارس، والأولياء بها، واستصحاب ما يمكنني من المال، وتدبير أمر البلد بما أراه، والبدار إلى حضرته، وأنه استخلف لي- إلى أن أحضر- الكلوذاني فحمدت الله كثيراً، وشكرته، وإذا الحداد واقف، فتقدمت إليه بفك قيودي وقيود الرجل، ودخلت الحمام، وأصلحت أمري وأمر الرجل، وخرجت، فنظرت في الأعمال والأموال، وجمعت مالاً جليلاً في أيام يسيرة، وقررت أمور البلد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إلى الحضرة، حتى جلس هذا المجلس، وفرج الله عنا.
أبو أيوب يرفع شكواه إلى الله تعالى برقعة يعلقها في المحراب
قال محمد بن عبدوس، في كتابه كتاب الوزراء: وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل الكاتب، حدثني أحمد بن أبي الأصبغ، قال: وجهني عبيد الله بن يحيى، إلى أبي أيوب، ابن أخت أبي الوزير، أيام تقلد أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد الوزارة، وكان ابن يزداد، يقصد أبا أيوب ويعاديه.
فقال لي عبيد الله: وسهل عليه الأمر، وقل له: أرجو أن يكفيك الله شره.
فوصلت إليه وهو يصلي، وقد علق في محرابه رقعة، فأنكرتها، وأديت إليه الرسالة.
فقال لي: قل له: جعلت فداك، لست أغتم بشيء، لأن أمره قريب، وقد رفعت فيه إلى الله تعالى قصةً إذ أعجزني المخلوقون، أما تراها معلقة في القبلة، فكاد يغلبني الضحك، فضبطت نفسي، وانصرفت إلى عبيد الله، فحدثته الحديث، فضحك منه.
قال: فوالله، ما مضت بابن يزداد إلا أيام يسيرة، حتى سخط عليه وصرف.
فاتفق لأبي أيوب الفرج، ونزل بابن يزداد المكروه، في مثل المدة التي تخرج فيها التوقيعات في القصص.
أبو نصر الواسطي يتظلم إلى الإمام موسى الكاظم برقعة علقها على قبره
قال مؤلف الكتاب: وأنا شاهدت مثل هذا، وذلك أن أبا الفرج محمد ابن العباس بن فسانجس، لما ولي الوزارة أظهر من الشر على الناس، والظلم لهم، بخلاف ما كان يقدر فيه، وكنت أحد من ظلمه، فإنه أخذ ضيعتي بالأهواز، وأقطعها بالحقين، وأخرجها عن يدي.
فأصعدت إلى بغداد متظلماً إليه من الحال، فما أنصفني، على حرمات كانت بيني وبينه، وكنت أتردد إلى مجلسه، فرأيت فيه شيخاً من شيوخ العمال، يعرف بأبي نصر محمد بن محمد الواسطي، أحد من كان يتصرف في عمالات بنواحي الأهواز، وكان صديقاً لي، فسألته عن أمره، فذكر أن الحسن بن بختيار، أحد قواد الديلم، ضمن أعمال الخراج والضياع بنهر تيرى، وبها منزل أبي نصر هذا، وأنه طالبه بظلم لا يلزمه، فبعد عن البلد، فكبس داره، وأخذ جميع ما كان فيها، وكان فيما أخذ، عهد ضياعه كلها، وأنه حضر للوزير محمد بن العباس متظلماً منه، فلما عرف الحسن بن بختيار ذلك، أنفذ بالعهد إلى الوزير، وقال له: قد أهديت إليك هذه الضياع، فقبل الوزير منه ذلك، وكتب إلى وكيله في ضيعته بالأهواز، فأدخل يده في ضياعي، وقد تظلمت إليه، فلم ينصفني.
فلما كان بعد أيام، دخلت المشهد بمقابر قريش، فزرت موسى بن جعفر، وعدلت إلى موضع الصلاة لأصلي، فإذا بقصة معلقة، بخط أبي نصر هذا، وقد كتبها إلى موسى بن جعفر، يتظلم فيها من محمد ابن العباس، ويشرح أمره، ويتوسل في القصة، بمحمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، وباقي الأئمة عليهم السلام، أن يأخذ له بحقه من محمد ابن العباس، ويخلص له ضياعه.
فلما قرأت الورقة، عجبت من ذلك عجباً شديداً، ووقع علي الضحك، لأنها قصة إلى رجل ميت، وقد علقها عند رأسه، وكنت عرفت أبا نصر بمذهب الإمامية الاثنى عشرية، فظننت أنه مع هذا الاعتقاد كان أكبر قصده أن يشنع على الوزير بالقصة عند قبر موسى بن جعفر عليه السلام، وكان كثير الزيارة له، أيام وزارته، وقبلها، وبعدها، ليعلم أن الرجل على مذهبه، فيتذمم من ظلمه، ويرهب الدعاء في ذلك المكان، فانصرفت.
فلما كان بعد أيام، كنت في المشهد، وجاء الوزير، فرأيته يلاحظ الرقعة، فعلمت أنه قد قرأها، ومضى على هذا الحديث مدة، وما رهب القصة، ولا أنصف الرجل.
وامتدت محنة الرجل مشهوراً، ورحل محمد بن العباس إلى الأهواز، للنظر في أبواب المال، وتقرير أمر العمال، وأقمت أنا ببغداد، لأنه لم يكن أنصفني، ولا طمعت في إنصافه إياي لو صحبته، وانحدر أبو نصر في جملة من انحدر معه.
فلما صار بالمأمونية قرية حيال سوق الأهواز، وهو يريد دخولها من غد ورد من بغداد كتاب إلى بختكين التركي مولى معز الدولة، المعروف بأزذرويه، وكان يتقلد الحرب والخراج، بالأهواز وكورها، فقبض عليه، وقبض على أمواله، وقيده، ومضى أبو نصر إلى ضياعه، فأدخل يده فيها، وكفي ما كان من أمر الوزير، واستقرت ضياعه في يده إلى الآن.
وأقمت أنا سنين أتظلم من تلك المحنة التي ظلمني فيها محمد بن العباس، فما أنصفني أحد، وأيست، وخرجت تلك الضيعة من يدي، فما عادت إلى الآن.
وصح لأبي نصر، بقصته، ما لم يصح لي، وكانت محنته ومحنتي واحد، ففاز هو بتعجيل الفرج بها، من حيث لم يغلب على ظني أن أطلب الفرج منه.

●[ أحمد بن أبي خالد يبلغه أن جارية له توطىء فراشه غيره ]●

قال محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء: إن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: كنت أكتب لأحمد بن أبي خالد، فدخلت عليه يوماً، فرأيته مطرقاً، مفكراً، مغموماً، فسألته عن الخبر.
فأخرج إلي رقعة، فإذا فيها أن حظية من أعز جواريه عنده، يخالف إليها، وتوطىء فراشه غيره، ويستشهد في الرقعة، بخادمين كانا ثقتين عنده.
وقال لي: دعوت الخادمين، فسألتهما عن ذلك، فأنكرا، فتهددتهما، فأقاما على الإنكار، فضربتهما، وأحضرت لها آلة العذاب، فاعترفا بكل ما في الرقعة على الجارية، وإني لم أذق أمس ولا اليوم طعاماً، وقد هممت بقتل الجارية.
فوجدت بين يديه مصحفاً، ففتحه لأتفاءل بما يخرج فيه، فكان أول ما وقعت عيني عليه: ( يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ) ..... الآية، فشككت في صحة الحديث، وأريته ما خرج به الفأل.
وقلت: دعني أتلطف في كشف هذا.
قال: افعل.
فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بأحدهما، فقال: النار ولا العار، وذكر أن امرأة ابن أبي خالد، أعطته ألف دينار، وسألته الشهادة على الجارية، وأحضرني الكيس مختوماً بخاتم المرأة، وأمرته أن لا يذكر شيئاً إلا بعد أن يوقع به المكروه، ليكون أثبت للخبر، ودعوت الآخر، فاعترف بمثل ذلك أيضاً.
فبادرت إلى أحمد بالبشارة، فما وصلت إليه، حتى جاءته رقعة الحرة، تعلمه أن الرقعة الأولى كانت من فعلها، غيرة عليه من الجارية، وأن جميع ما فيها باطل، وأنها حملت الخادمين على ذلك، وأنها تائبة إلى الله تعالى من هذا الفعل وأمثاله.
فجاءته براءة الجارية من كل وجه فسر بذلك، وزال عنه ما كان فيه، وأحسن إلى الجارية.

● [ الحرة ] ●

الحر في اللغة، الذي يملك أن يتصرف كما يريد من دون أي قيد يحد من تصرفاته، مادياً كان القيد أو معنوياً، واتسع مفهوم الكلمة، فأصبحت تدل على الشريف الكريم.
والحر من كل شيء: خياره، ومنه: الطير الحر، أي الصقر والبازي، والطين الحر، أي الذي لا رمل فيه، ويسمونه في العراق: الطين الحري.
أما في الاصطلاح فإن كلمة الحرة، تعني خلاف الأمة، وسبب هذه التسمية غلبة الجواري والإماء، وقد كان ابن أبي عسرون يعرف بزوج الحرة، لأنه تزوج بامرأة كانت زوجة المقتدر القصة 5-2 من كتاب نشوار المحاضرة.
وكان الأمويون يتحرون أن يكون من تقلد الخلافة منهم، من أم عربية، وكان أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك من رجالهم المعدودين، إلا أن كونه ابن أمة، حال بينه وبين الخلافة، وعرض مسلمة على عمرة بنت الحارس، أن يتزوج منها، فقالت: يا ابن التي تعلم، وإنك لهناك، تعني أن أمه أمة بلاغات النساء 190 ولما تنقص هشام بن عبد الملك، الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، لم يجد ما يعيره به، إلا قوله: أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة مروج الذهب 2-162، والعقد الفريد 4-32 و 482.
ثم اختلف الحال في آخر أيام الأمويين، فإن آخر من تقلد الخلافة منهم، إبراهيم ابن الوليد، ومروان بن محمد، كانا من أبناء الإماء خلاصة الذهب المسبوك 46 و 47.
أما الخلفاء في الدولة العباسية، وعددهم سبعة وثلاثون، فلم يكن فيهم من هو عربي الأم، إلا ثلاثة، الأول: أبو العباس السفاح، أمه ريطة بنت عبد المدان الحارثي خلاصة الذهب 53 وكان يدعى: ابن الحارثية، وكانت عروبة أمه، السبب في تقدمه على أخيه المنصور الذي كان يكبره في السن، فإن أم المنصور بربرية، اسمها سلامة خلاصة الذهب المسبوك 59، والثاني: المهدي بن المنصور، وأمه أم موسى بنت منصور ابن عبد الله الحميري خلاصة الذهب 90، والثالث: محمد الأمين بن هارون الرشيد، أمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور، قالوا: لم يل الخلافة هاشمي من هاشميين، إلا ثلاثة: الإمام علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، ومحمد الأمين خلاصة الذهب 171 أما بقية الخلفاء العباسيين، فكلهم أبناء أمهات أولاد، للتفصيل ومعرفة أسماء أمهات الخلفاء، راجع خلاصة الذهب المسبوك 59 - 289.
هذا وإن غلبة الجواري على الخلفاء والأمراء لم تقتصر على المشرق، وإنما تجاوزته إلى المغرب والأندلس، وقد وجدت في قرطبة، في السنة 1960، قنطرة على نهرها، شادتها زوجة أحد الخلفاء الأمويين، فسميت: قنطرة الحرة، وكان الدليل أسبانياً، لم يدرك سبب هذه التسمية، فقال: إن كلمة الحرة تعني النبيلة الشريفة.

●[ سبب خروج أحمد بن محمد بن المدبر إلى الشام ]●

حدثني أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر، الشاهد، المقرىء، المعروف بغلام ابن مجاهد، قال: حدثني أبو الحسين الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر، قال: كان بدء خروجي إلى الشام، أن المتوكل خرج يتنزه بالمحمدية، فخلا به الكتاب هناك، فأحكموا علي القصة وأنا لا أعلم، ثم بعثوا إلي، وأنا لا أدري، فحضرت وهم مجتمعون فقالوا لي: وكان المخاطب لي موسى بن عبد الملك.
فقال لي: قد جرت أسباب أوجبت أن أمير المؤمنين أمر أن تخرج إلى الرقة، فكم تحتاج لنفقت، فقلت: أما خروجي، فالسمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأما الذي أحتاج إليه للنفقة، فهو ثلاثون ألف درهم.
فما برحت، حتى دفعت إلي، وقالوا: اخرج الساعة.
فقلت: أودع أمير المؤمنين.
فقالوا: ما إلى ذلك سبيل.
فقلت: أصلح من شأني.
فقالوا: ولا هذا، وأخذ موسى يعرض لي، أن السلطان قد سخط علي، وأن الصواب الخروج، وترك الخلاف.
وأقبل يقول: إن السلطان إذا سخط على الرجل، فالصواب لذلك الرجل أن ينتهي إلى أمره كله، وأن لا يراجه في شيء، وينبغي أن يعلم أن التباعد عن السلطان، له فيه الحظ.
فقلت: يكفي الله ويلطف.
فوكلوا بي جماعة، حتى خرجت من البلد، وأنا في حالة، الأسر عندي أحسن منها وأطيب، وحثوا بي السير.
فلما قاربت الرقة، وأردت الدخول إليها، أدركنا الليل، فإذا بأعرابي في ناحية عني، ومعه إبل يحدوها، ويقول:
كم مرّة حفّت بك المكاره ● خار لك اللّه وأنت كـاره
قال: ولم يزل يكرر ذلك، فحظفته، وتبركت بالفأل، ودخلت الرقة، فلم أقم بها إلا أياماً يسيرة، حتى ورد كتاب أمير المؤمنين بالخروج إلى الشام للتعديل، وأجرى علي مائة ألف درهم، وذكر أن هذا عمل جليل، كان المأمون خرج فيه بنفسه، لجلالته وعظم خطره، وأنه رآني أهلاً له.
فخرجت، فرأيت ل ما أحب، حتى لو بذلت لي العراق بأسرها، على فراق تلك الناحية، ما سمحت نفساً بذلك، فلله الحمد والمنة.
وذكر هذا الخبر محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء، فقال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني جدك أحمد بن حمد بن مدبر، وكان جده لأمه، وحدثني أنه لم يره قط- أن المتوكل خرج إلى المحمدية سنة إحدى وأربعين ومائتين متنزهاً، فأتاني رسوله، وأحضرني، فحضرت، فوجدت عبيد الله بن يحيى، والحسن بن مخلد، وأحمد بن الخصيب، وجماعة من الكتاب حضوراً.
فقال لي عبيد الله بن يحيى: إن أمير المؤمنين يقول لك: قد فسد علينا أمر الرقة، ثم ذكر نحواً من الحديث الأول، إلا أنه لم يكن فيه إطلاق ثلاثين ألف درهم، بل قال: فخرجت وما أقدر على نفقة، ففكرت فيمن أقصده، وأستعين بماله، فما ذكرت غير المعلى بن أيوب، وكانت بيني وبينه وحشة، فكتبت إليه رقعة حملت نفسي على الصعب فيها، فوجه إلي خمس آلاف دينار، فتحملت بها... ثم ذكر باقي الحديث، على سياقة الخبر الأول، إلا أنه قال: إن الذي أجري عليه، لما أمر بالخروج للتعديل، في كل شهر مائة ألف وعشرين ألف درهم.
قال: فشخصت إليها، ولو أعطيت الآن بقصري فيها، سر من رأى كلها، ما سمحت نفساً بذلك.
وكان قصره بالرملة، وكان جليلاً.

● [ لا إله إلا الله الحليم الكريم ] ●

أخبرني القاضي أبو طالب إجازة، قال: حدثنا أبو سعيد، قال: حدثني سهل بن محمد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مسعر، عن أبي بكر بن حفص عن الحسن بن أبي الحسن: أن عبد الله بن جعفر، لما أراد أن يهدي ابنته إلى زوجها، خلا بها، فقال لها: إذا نزل بك أمر فظيع من أمور الدنيا، أو الموت، فاستقبليه بقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال الحسن: فبعث إلي الحجاج، فقلتهن، فلما مثلت بين يديه، قال: لقد بعثت إليك وأنا أريد قتلك، واليوم ما أحد أكرم علي منك، فسل حوائجك.

● [ دعاء يعقوب الذي نال به الفرج ] ●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني المثنى بن عبد الكريم، قال: حدثني زافر بن سليمان، عن يحيى بن سليم، قال: بلغني أن ملك الموت، استأذن ربه عز وجل، أن يسلم على يعقوب، فأذن له، فأتاه، فسلم عليه.
فقال له يعقوب: بالذي خلقك، أقبضت روح يوسف، قال: لا، ولكني أعلمك كلمات لا تسأل الله بها شيئاً إلا أعطاك.
قال: ما هي، قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصيه غيره.
فقالها، فما طلع الفجر من غده، حتى أتاه البشير بالقميص.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو غسان مالك ابن ضيغم، عن إبراهيم بن خلاد الأزدي، قال:
نزل جبريل على يعقوب عليه السلام فشكى إليه ما هو عليه من الشوق إلى يوسف، فقال: ألا أعلمك دعاءً، إن دعوت به فرج الله عنك، قال: بلى.
قال: قل، يا من لا يعلم كيف هو، إلا هو، ويا من لا يبلغ قدرته غيره، فرج عني.
فقالها، فأتاه البشير بالقميص.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن المعمر بن سليمان، قال: لقي يعقوب رجل، فقال له: يا يعقوب، ما لي لا أراك كما كنت، قال: طول الزمان، وكثرة الأحزان.
قال: قل: أللهم اجعل لي من كل هم همني وكربني من أمري، في ديني، ودنياي، وآخرتي، فرجاً ومخرجاً، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا يكون لي رجاء إلا إياك.
قال داود بن رشيد، حدثني الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لو عري من البلاد أحد، لعري منه آل يعقوب، مسهم البلاء ثمانون سنة.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني مدلج بن عبد العزيز، عن شيخ من قريش: أن جبريل عليه السلام هبط على يعقوب صلى الله عليه، فقال له: يا يعقوب، تملق إلى ربك.
فقال: يا جبريل، كيف أقول، فقال: قل: يا كثير الخير، يا دائم المعروف.
فأوحى الله إليه، لقد دعوتني بدعاء، لو كان ابناك ميتين، لأنشرتهما لك.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن عمرو بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان ليعقوب عليه السلام، أخ مؤاخ في الله عز وجل، فقال ليعقوب: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك، فقال: أما الذي قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، وأما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف.
فأوحى الله تعالى إليه: أما تستحي، تشكوني إلى عبدي.
قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، ثم قال: يا رب، ارحم الشيخ الكبير، أذهبت بصري، وقوست ظهري، أردد علي ريحانتي يوسف، أشمه، ثم افعل بي ما شئت.
فقال له جبريل عليه السلام: إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: أبشر، وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين، لأنشرتهما لك، فاصنع طعاماً للمساكين وادعهم إليه، فإن أحب عبادي إلي، الأنبياء والمساكين، وإن الذي ذهب ببصرك، وقوس ظهرك، وسبب صنع إخوة يوسف به ما صنعوا، أنكم ذبحتم شاة، فأتاكم رجل صائم، فلم تطعموه.
فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء، أمر مناديه، فنادى: من كان يريد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإن كان صائماً أمر مناديه، فنادى: من كان صائماً من المساكين فليفطر مع يعقوب.

● [ كلمات الفرج التي دعا بها يوسف ] ●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا الخطاب بن عثمان، قال: حدثنا محمود بن عمر، عن رجل من أهل الكوفة: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف السجن، فقال له: يا طيب، ما الذي أدخلك ها هنا، قال: أنت أعلم.
قال: أفلا أعلمك كلمات الفرج، قال: بلى.
قال: قل: اللهم، يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري هذا فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أزهر بن مروان الرقاشي، قال: حدثني قزعة بن سويد، عن أبي سعيد مؤذن الطائف: أن جبريل عليه السلام، أتى يوسف، فقال: يا يوسف، اشتد عليك الحبس، قال: نعم.
قال: قل: اللهم اجعل لي من كل ما أهمني، وحزبني، من أمر دنياي وآخرتي، فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا أرجو أحداً غيرك.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني عبد العزيز القرشي، عن جعفر بن سليمان، عن غالب القطان.
قال: لم اشتد كرب يوسف، وطال سجنه، واتسخت ثيابه، وشعث رأسه، وجفاه الناس، دعا عند ذلك، فقال: اللهم إني أشكو إليك ما لقيت من ودي وعدوي، أما ودي، فباعوني، وأما عدوي، فحبسني، اللهم اجعل لي فرجاً ومخرجاً.
فأعطاه الله عز وجل ذلك.

● [ إبراهيم التيمي الزاهد في حبس الحجاج ] ●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن محبوب، قال: قال الفيض بن إسحاق، قال الفضيل بن عياض، قال إبراهيم التيمي: لما حبست الحبسة المشهورة، أدخلت السجن، فأنزلت على أناس في قيد واحد، ومكان ضيق، لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، وفيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلون.
قال: فجيء برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا، فلم نجد مكاناً، فجعلوا يتبرمون به، فقال: اصبروا، فإنما هي الليلة.
فلما دخل الليل، قام يصلي، فقال: يا رب، مننت علي بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سلطت علي شر خلقك، يا رب، الليلة، الليلة، لا أصبح فيه.
فما أصبحنا حتى ضربت أبواب السجن: أين البحراني، أين البحراني ? فقال كل منا: ما دعي الساعة، إلا ليقتل، فخلي سبيله.
فجاء، فقام على باب السجن، فسلم علينا، وقال: أطيعوا الله لا يضيعكم.
أبو سعد البقال في حبس الحجاج ابن يوسف الثقفي
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أبو نصر المؤدب، عن أبي عبد الرحمن الطائي، قال: أخبرنا أبو سعد البقال، قال: كنت محبوساً في ديماس الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في السجن، فأتى رجل، فقال له: يا أبا إسحاق، في أي شيء حبست، فقال: جاء العريف، فتبرأ مني، وقال: إن هذا كثير الصوم والصلاة، وأخاف أنه يرى رأي الخوارج.
فإنا لنتحدث مع مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي، إذ دخل علينا رجل السجن، فقلنا: يا عبد الله، ما قصتك، وأمرك، فقال: لا أدري، ولكني أخذت في رأي الخوارج، ووالله، إنه لرأي ما رأيته قط، ولا أحببته، ولا أحببت أهله، يا هؤلاء، ادعوا لي بوضوء، فدعونا له به، ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم قال: اللهم إنك نعلم، أني كنت على إساءتي وظلمي، وإسرافي على نفسي، لم أجعل لك ولداً، ولا شريكاً، ولا نداً، ولا كفؤاً، فإن تعذب فعدل، وإن تعف، فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا تغلطه المسائل، ولا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين، أن تجعل لي في ساعتي هذه، فرجاً ومخرجاً مما أنا فيه، من حيث أرجو، ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه، وبصره، ويده، ورجله، حتى تخرجني في ساعتي هذه، فإن قلبه، وناصيته، بيدك، يا رب، يا رب.
قال: وأكثر، فوالذي لا إله غيره، ما انقطع دعاؤه، حتى ضرب باب السجن وقيل أين فلان، فقام صاحبنا، فقال: يا هؤلاء، إن تكن العافية، فوالله، لا أدع الدعاء لكم، وإن تكن الأخرى، فجمع الله بيننا وبينكم، في مستقر رحمته.
قال: فبلغنا من الغد، أن خلي سبيله.

● [ سبحان الله وبحمده ] ●

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي، قال: أخبرت أن رجلاً، أخذ أسيراً، فألقي في جب، وألقي على رأس الجب صخرة، فتلقن فيه: قل: سبحان الله الحي القدوس، سبحان الله وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان.

● [ يا عزيز يا حميد يا ذا العرش المجيد ] ●

قال مؤلف هذا الكتاب، وقد ذكر القاضي هذا الخبر في كتابه، قال: حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا أبو سفيان الحميري، قال: سمعت أبا بلج الفزاري، قال: أتي الحجاج بن يوسف، برجل كان جعل على نفسه، إن ظفر به، أن يقتله، قال: فلما دخل عليه، تكلم بكلام، فخلى سبيله.
فقيل له: أي شيء قلت، فقال: قلت: يا عزيز، يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني ما أطيق، وما لا أطيق، واكفني شر كل جبار عنيد.

● [ لهذا الباب بقية ] ●


مُختصر كتاب الفرج بعد الشدة
تأليف : القاضي التنوخي
مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 19, 2017 11:11 am