الحديث الثاني والثلاثون

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2592
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث الثاني والثلاثون

مُساهمة من طرف الإدارة في الثلاثاء مايو 16, 2017 11:04 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الثاني والثلاثون ] ●

عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه - : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ( لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ ). حديثٌ حَسَنٌ ، رَواهُ ابنُ ماجه والدَّارقطنيُّ وغيرهما مُسنداً ، ورواهُ مالكٌ في " الموطإ " عَن عَمْرو بن يحيى ، عَنْ أَبيهِ ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسلاً ، فأَسقط أبا سعِيدٍ ، وله طُرُقٌ يَقْوى بَعضُها بِبَعْضٍ .
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابنُ ماجه ، إنَّما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ، حدثنا الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا ضررَ ولا ضرار ، من ضارَّ ضرَّه الله ، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه )، وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ، وقال البيهقي : تفرَّد به عثمان عن الدراوردي ، وخرَّجه مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، مرسلاً.
قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، قال : ولا يُسند من وجهٍ صحيحٍ ، ثم خرَّجه من رواية عبدِ الملك بن معاذ النصيبي ، عن الدراوردي موصولاً ، والدراوردي كان الإمام أحمد يُضعف ما حدَّث به من حفظه ، ولا يعبأ به ، ولا شكَّ في تقديم قول مالكٍ على قوله . وقال خالد بن سعدٍ الأندلسي الحافظ : لم يصحَّ حديث : ( لا ضرر ولا ضرار ) مسنداً.
وأما ابن ماجه ، فخرَّجه من رواية فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد ، عن عبادةَ بن الصامت : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أنَّ لا ضَرر ولا ضِرار، وهذا من جملة صحيفة تُروى بهذا الإسناد ، وهي منقطعةٌ مأخوذة من كتابٍ ، قاله ابنُ المديني وأبو زرعة وغيرهما ، وإسحاق بن يحيى قيل : هو ابن طلحة ، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة ، قاله أبو زرعة وابنُ أبي حاتم والدارقطني في موضع، وقيل : إنَّه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة ، ولم يسمع أيضاً من عبادة ، قاله الدارقطني أيضاً. وذكره ابن عدي في كتابه " الضعفاء " ، وقال : عامة أحاديثه غير محفوظة، وقيل : إنَّ موسى بن عقبة لم يسمع منه ، وإنَّما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه ، وأبو عياش لا يُعرف.
وخرَّجه ابن ماجه أيضاً من وجه آخر من رواية جابر الجعفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ضَرر ولا ضِرار ) ، وجابر الجعفي ضعَّفه الأكثرون ، وخرَّجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود، عن عكرمة مناكير.
وخرَّج الدَّارقطني من حديث الواقدي ، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، عن أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا ضَرر ولا ضِرار ) والواقدي متروك ، وشيخه مختلف في تضعيفه . وخرَّجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضاً عن القاسم ، عن عائشة .
وخرَّج الطبراني أيضاً من رواية محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمِّه واسع بن حبان ، عن جابرٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا ضَررَ ولا ضِرَارَ في الإسلام ) وهذا إسناد مقارب وهو غريبٌ ، لكن خرَّجه أبو داود في " المراسيل " من رواية عبد الرحمان بن مَغراء ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع مرسلاً ، وهو أصحُّ.
وخرَّج الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش ، قال : أراه عن ابن عطاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا ضررَ ولا ضرورَة ، ولا يمنعنّ أحدُكم جاره أن يضع خشبه على حائطه ) ، وهذا الإسناد فيه شكٌّ ، وابن عطاء : هو يعقوب ، وهو ضعيفٌ.
وروى كثير بنُ عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا ضرر ولا ضرار ) قال ابنُ عبد البرِّ: إسناده غير صحيح.
قلت : كثير هذا يصحح حديثَه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه : هو أصحُّ حديثٍ في الباب ، وحسن حديثَه إبراهيمُ بن المنذر الحِزامي ، وقال : هو خير مِنْ مراسيل ابن المسيب ، وكذلك حسَّنه ابنُ أبي عاصم ، وترك حديثه آخرون، منهم : الإمام أحمد وغيره ، فهذا ما حضرنا مِن ذكر طُرُقِ أحاديث هذا الباب .
وقد ذكر الشيخُ - رحمه الله - أنَّ بعضَ طرقه تُقوَّى ببعضٍ ، وهو كما قال ، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني : إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعفٌ قويت.
وقال الشافعي في المرسل : إنَّه إذا أُسند من وجهٍ آخر ، أو أرسله من يأخذ العلمَ عن غير من يأخذ عنه المرسلُ الأوَّل ، فإنَّه يُقبل.
وقال الجُوزجاني : إذا كان الحديثُ المسندُ من رجلٍ غير مقنع - يعني : لا يقنع برواياته - وشدَّ أركانه المراسيلُ بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار ، استعمل ، واكتُفي به ، وهذا إذا لم يُعارض بالمسند الذي هو أقوى منه .
وقد استدلَّ الإمام أحمد بهذا الحديث ، وقال : قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ضرر ولا ضرار ).
وقال أبو عمرو بن الصلاح : هذا الحديثُ أسنده الدارقطنيُّ من وجوه ، ومجموعها يُقوِّي الحديثَ ويُحسنه ، وقد تقبَّله جماهيرُ أهلِ العلم ، واحتجُّوا به ، وقولُ أبي داود : إنَّه من الأحاديث التي يدورُ الفقه عليها يُشعِرُ بكونه غيرَ ضعيفٍ ، والله أعلم.
وفي المعنى أيضاً حديثُ أبي صِرْمَة عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ضارَّ ضارَّ الله به ، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه ) . خرَّجه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن غريب.
وخرَّج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكرٍ الصديق ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ملعونٌ من ضارَّ مؤمناً أو مكر به ).
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ضَررَ ولا ضرارَ ) . هذه الرواية الصحيحة ، ضِرار بغير همزة، ورُوي ( إضرار ) بالهمزة، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدراقطني ، بل وفي بعض نسخ " الموطأ " ، وقد أثبت بعضُهم هذه الرواية وقال : يقال : ضَرَّ وأضر بمعنى ، وأنكرها آخرون ، وقالوا : لا صحَّة لها.
واختلفوا : هل بين اللفظتين - أعني : الضَّرر والضرار - فرقٌ أم لا ؟ فمنهم من قال : هما بمعنى واحد على وجه التأكيد ، والمشهورُ أنَّ بينهما فرقاً ، ثم قيل : إنَّ الضَّرر هو الاسم ، والضِّرار : الفعل ، فالمعنى أنَّ الضَّرر نفسَه منتفٍ في الشَّرع ، وإدخال الضَّرر بغير حقٍّ كذلك.
وقيل : الضَّرر : أنْ يُدخِلَ على غيرِه ضرراً بما ينتفع هو به ، والضِّرار : أن يُدخل على غيره ضرراً بما لا منفعةَ له به، كمن منع ما لا يضرُّه ويتضرَّرُ به الممنوع ، ورجَّح هذا القول طائفةٌ ، منهم ابنُ عبد البرِّ ، وابنُ الصلاح.
وقيل : الضَّرر : أنْ يضرّ بمن لا يضره ، والضِّرار : أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجهٍ غيرِ جائزٍ. وبكلِّ حال فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نفى الضرر والضِّرار بغير حق.
فأما إدخالُ الضرر على أحدٍ بحق ، إمَّا لكونه تعدَّى حدودَ الله ، فيعاقَبُ بقدر جريمته ، أو كونه ظلمَ غيره ، فيطلب المظلومُ مقابلتَه بالعدلِ ، فهذا غير مرادٍ قطعاً ، وإنما المرادُ : إلحاقُ الضَّررِ بغيرِ حقٍّ ، وهذا على نوعين:
أحدهما : أنْ لا يكونَ في ذلك غرضٌ سوى الضَّررِ بذلك الغير ، فهذا لا ريبَ في قُبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النَّهيُ عن المضارَّة في مواضع : منها في الوصية ، قال الله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَار }، وفي حديث أبي هريرة المرفوع : ( إنَّ العبدَ ليعملُ بطاعةِ اللهِ ستِّين سنةً ، ثم يحضُرُه الموتُ ، فيضارّ في الوصيّة ، فيدخل النار ) ، ثم تلا : { تِلْكَ حُدُوْدُ اللهِ } إلى قوله : { وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا }، وقد خرَّجه الترمذي وغيره بمعناه .
وقال ابنُ عباس : الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية.
والإضرار في الوصيَّةِ تارةً يكون بأنْ يَخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فرضِهِ الذي فرضَهُ الله له ، فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، فلا وصيةَ لوارث ).
وتارة بأن يُوصي لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث ، فتنقص حقوقُ الورثةِ ، ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( الثُّلث والثُّلث كثير ).
ومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث ، لم ينفذ ما وصَّى به إلاَّ بإجازة الورثةِ ، وسواءٌ قصدَ المضارَّةَ أو لم يقصد ، وأما إن قصدَ المضارَّة بالوصيّة لأجنبيٍّ بالثلث ، فإنَّه يأثم بقصده المضارَّة ، وهل تُردُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ ذلك بإقراره أم لا ؟ حكى ابنُ عطية روايةً عن مالكٍ أنَّها تُردُّ ، وقيل : إنَّه قياسُ مذهب أحمد.
ومنها : في الرجعة في النِّكاح ، قال تعالى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }، وقال : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً } فدلَّ ذلك على أنَّ من كان قصدُه بالرجعة المضارَّة ، فإنَّه آثمٌ بذلك ، وهذا كما كانوا في أوَّل الإسلام قبل حصر الطَّلاق في ثلاث يطلِّقُ الرَّجلُ امرأتَه ، ثم يتركُها حتّى تقارب انقضاءَ عدَّتها ، ثم يُراجعها ، ثم يطلِّقُها ، ويفعل ذلك أبداً بغير نهاية ، فيدعُ المرأةَ لا مُطلَّقةً ولا ممسكةً ، فأبطل الله ذلك ، وحصر الطَّلاق في ثلاث مرات.
وذهب مالكٌ إلى أنَّ من راجع امرأته قبل انقضاء عدَّتها ، ثم طلَّقها من غير مسيسٍ أنّه إن قصدَ بذلك مضارَّتها بتطويل العدَّةِ ، لم تستأنف العدّة ، وبنت على ما مضى منها ، وإن لم يقصد بذلك ، استأنفت عدَّةً جديدةً ، وقيل : تبني مطلقاً ، وهو قول عطاء وقتادة ، والشّافعي في القديم ، وأحمد في رواية ، وقيل : تستأنف مطلقاً ، وهو قول الأكثرين ، منهم أبو قلابة والزُّهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في الجديد - وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عُبيد وغيرهم.
ومنها في الإيلاء ، فإنَّ الله جعل مدَّة المؤلي أربعةَ أشهرٍ إذا حلف الرجل على امتناع وطءِ زوجته ، فإنَّه يُضْرَبُ له مدَّة أربعة أشهر ، فإن فاء ورجع إلى الوطءِ ، كان ذلك توبته ، وإن أصرَّ على الامتناع لم يُمكن من ذلك ، وفيه قولان للسَّلف والخلف : أحدهما : أنَّها تَطلُقُ عليه بمضيِّ هذه المدة ، والثاني : أنَّه يوقف ، فإن فاء ، وإلاَّ أُمِرَ بالطَّلاق ، ولو ترك الوطءَ لقصدِ الإضرار بغيرِ يمينٍ مدَّة أربعة أشهر ، فقال كثيرٌ من أصحابنا : حكمُه حكمُ المُؤلي في ذلك ، وقالوا : هو ظاهرُ كلام أحمد.
وكذا قال جماعةٌ منهم : إذا ترك الوطءَ أربعةَ أشهرٍ لغير عذرٍ ، ثم طلبت الفُرقة ، فُرِّق بينهما بناءً على أنَّ الوطءَ عندنا في هذه المدَّة واجبٌ ، واختلفوا : هل يُعتَبر لذلك قصدُ الإضرار أم لا يعتبر ؟ ومذهبُ مالك وأصحابه إذا ترك الوطءَ من غير عُذر ، فإنّه يُفسَخُ نكاحُه ، مع اختلافهم في تقدير المدَّة.
ولو أطال السَّفَر مِن غيرِ عذرٍ ، وطلبت امرأتُه قُدومَه ، فأبي ، فقال مالكٌ وأحمد وإسحاق : يفرِّقُ الحاكم بينهما ، وقدَّره أحمد بستة أشهر ، وإسحاق بمضيِّ سنتين.
ومنها : في الرضاع ، قال تعالى : { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ }، قال مجاهد في قوله : { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } قال : لا يَمنع أمه أن تُرضِعَه ليحزُنَها ، وقال عطاء وقتادة والزُّهري وسفيان والسُّدِّي وغيرهم : إذا رضِيَتْ ما يرضى به غيرُها ، فهي أحقُّ به ، وهذا هو المنصوصُ عن أحمد ، ولو كانت الأُمُّ في حبال الزَّوج . وقيل : إن كانت في حبال الزَّوج ، فله منعُها مِنْ إرضاعه ، إلاَّ أن لا يُمكن ارتضاعُه من غيرها ، وهو قولُ الشَّافعيِّ ، وبعض أصحابنا ، لكن إنَّما يجوزُ ذلك إذا كان قصدُ الزَّوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع ، لا مجرد إدخال الضَّرر عليها .
وقوله : { وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ }، يدخلُ فيه أنَّ المطلَّقة إذا طَلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها ، لَزِم الأبَ إجابتها إلى ذلك ، وسواءٌ وُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ . هذا منصوصُ الإمام أحمد ، فإن طلبت زيادةً على أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً ، ووجدَ الأب من يُرضعُه بأجرةِ المثل ، لم يلزمِ الأبَ إجابتُها إلى ما طلبت ، لأنَّها تقصد المضارَّة ، وقد نصَّ عليه الإمام أحمد.
ومنها في البيع قد ورد النهيُ عن بيع المضطرِّ ، خرَّجه أبو داود من حديث عليِّ بن أبي طالب أنّه خطب الناسَ ، فقال : سيأتي على الناس زمانٌ عَضُوضٌ يعضُّ الموسرُ على ما في يديه ، ولم يؤمرْ بذلك ، قال الله تعالى : { ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ } ويُبايع المضطرُّون ، وقد نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطرِّ . وخرَّجه الإسماعيلي ، وزاد فيه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن كان عندكَ خيرٌ تعودُ به على أخيك ، وإلاَّ فلا تزيدنَّه هلاكاً إلى هلاكه ) وخرَّجه أبو يعلي الموصلي بمعناه من حديث حُذيفة مرفوعاً أيضاً.
وقال عبد الله بن معقِل : بيعُ الضَّرورة ربا.
وقال حرب : سئل أحمد عن بيع المضطر ، فكرهه ، فقيل له : كيف هُو ؟ قال : يجيئك وهو محتاج ، فتبيعه ما يُساوي عشرة بعشرين ، وقال أبو طالب : قيل لأحمد : إنَّ ربح بالعشرة خمسة ؟ فكره ذلك ، وإنْ كان المشتري مسترسلاً لا يحسن أنْ يُماكس ، فباعه بغبنٍ كثيرٍ ، لم يجز أيضاً . قال أحمد : الخِلابة : الخداع ، وهو أنْ يَغْبِنه فيما لا يتغابَن الناسُ في مثله ؛ يبيعه ما يُساوي درهماً بخمسة ، ومذهب مالكٍ وأحمد أنّه يثبت له خيارُ الفسخ بذلك.
ولو كان محتاجاً إلى نقدٍ ، فلم يجد من يُقرضه ، فاشترى سلعةً بثمن إلى أجل في ذمَّته ، ومقصودُه بيعُ تلك السلعة ، ليأخذ ثمنها ، فهذا فيه قولانِ للسَّلف ، ورخص أحمدُ فيه في رواية ، وقال في رواية : أخشى أنْ يكون مضطَرّاً ؛ فإن باعَ السِّلعة مِن بائعها له ، فأكثرُ السَّلف على تحريمِ ذلك ، وهو مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم.
ومن أنواع الضرر في البيوع : التَّفريقُ بين الوالدةِ وولدها في البيع ، فإنْ كان صغيراً ، حَرُمَ بالاتفاق ، وقد رُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( من فرَّق بين والدةٍ وولدِها ، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة )، فإنْ رضيت الأُمُّ بذلك ، ففي جوازه اختلافٌ ، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جداً ، وإنَّما ذكرنا هذا على وجه المثال.
والنوع الثاني : أنْ يكون له غرضٌ آخرُ صحيحٌ ، مثل أنْ يتصرَّف في ملكه بما فيه مصلحةٌ له ، فيتعدَّى ذلك إلى ضرر غيرِه ، أو يمنع غيرَه من الانتفاع بملكه توفيراً له ، فيتضرَّر الممنوعُ بذلك.
فأما الأوَّل وهو التصرُّف في ملكه بما يتعدَّى ضررُه إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتادِ ، مثل أنْ يؤجِّجَ في أرضه ناراً في يومٍ عاصفٍ ، فيحترق ما يليه ، فإنَّه متعدٍّ بذلك ، وعليه الضَّمان ، وإنْ كان على الوجه المعتاد ، ففيه للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما : لا يمنع من ذلك ، وهو قولُ الشَّافعي وأبي حنيفة وغيرهما.
والثاني : المنع ، وهو قولُ أحمد ، ووافقه مالكٌ في بعض الصُّور ؛ فمن صُوَر ذَلِكَ : أن يفتح كُوَّةً في بنائه العالي مشرفةً على جاره ، أو يبني بناءً عالياً يُشرف على جاره ولا يسترُه ، فإنَّه يُلزم بستره ، نصَّ عليهِ أحمد ، ووافقه طائفةٌ من أصحاب الشافعي ، قالَ الروياني منهم في كتاب " الحلية " : يجتهد الحاكم في ذلك ، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ ، وقصد الفساد ، قال : وكذلك القولُ في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر.
وقد خرَّج الخرائطي وابنُ عدي بإسنادٍ ضعيف عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعاً حديثاً طويلاً في حقِّ الجار ، وفيه : ( ولا يستطيل عليهِ بالبناء فيحجبَ عنه الرِّيح إلاَّ بإذنه ).
ومنها أن يحفرَ بئراً بالقرب من بئر جاره ، فيذهب ماؤها ، فإنَّها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد ، وخرّج أبو داود في " المراسيل " من حديث أبي قلابة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تَضارُّوا في الحفر ، وذلك أن يحفرَ الرَّجلُ إلى جنبِ الرَّجل ليذهبَ بمائِه ).
ومنها أنْ يحدث في ملكه ما يضرُّ بملك جاره من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما ، فإنَّه يُمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد ، وهو أحدُ الوجوه للشافعية. وكذا إذا كان يضرُّ بالسُّكَّان ، كما له رائحةٌ خبيثة ونحو ذلك.
ومنها أنْ يكونَ له ملكٌ في أرض غيره ، ويتضرَّرُ صاحبُ الأرض بدخوله إلى أرضه ، فإنَّه يُجبرُ على إزالته ليندفعَ به ضررُ الدخول ، وخرّج أبو داود في " سننه " من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنَّه حدَّث سَمُرة بن جندبٍ أنَّه كانت له عَضُدٌ من نخلٍ في حائطِ رجلٍ من الأنصار ، ومع الرجل أهلُه ، وكان سمرة يدخل إلى نخله ، فيتأذَّى به ويشقُّ عليه ، فطلب إليه أنْ يُناقله ، فأبى ، فأتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فطلب إليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيعه ، فأبى ، فطلب إليه أنْ يُناقِلَه ، فأبى ، قال : ( فهَبْه له ولك كذا وكذا ) أمراً رغَّبه فيه ، فأبى ، فقال : ( أنت مُضارٌّ ) ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للأنصاري : ( اذهب فاقلع نخله ) ، وقد روي عن أبي جعفر مرسلاً . قال أحمد في رواية حنبل بعد أنْ ذُكِرَ له هذا الحديثُ : كلُّ ما كان على هذه الجهة ، وفيه ضرر يمنع من ذلك ، فإن أجاب وإلا أجبره السُّلطان ، ولا يضرُّ بأخيه في ذلك ، فيه مِرفَقٌ له .
وخرَّج أبو بكر الخلاّل من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سَلِيط بن قيس ، عن أبيه : أنَّ رجلاً من الأنصار كانت له في حائطه نخلةٌ لرجلٍ آخر ، فكان صاحبُ النَّخلة لا يَريمُها غدوةً وعشيةً ، فشقَّ ذلك على صاحب الحائطِ ، فأتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لصاحب النخلة : ( خذ منه نخلةً ممَّا يلي الحائطَ مكان نخلتك ) ، قال : لا والله ، قال : ( فخذ منِّي ثنتين ) قال : لا والله ، قال : ( فهبها لي ) ، قال : لا والله ، قال : فردد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى ، فأمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعطيه نخلة مكان نخلته.
وخرّج أبو داود في "المراسيل" من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حَبّان ، عن عمِّه واسع بن حبّان ، قال : كان لأبي لُبابَة عَذْقٌ في حائط رجلٍ ، فكلَّمه ، فقال : إنَّك تطأُ حائطي إلى عَذْقِكَ ، فأنا أُعطيكَ مثلَه في حائطك ، وأخرجه عنِّي ، فأبى عليه ، فكلَّم النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيه ، فقال : ( يا أبا لُبابة ، خذ مثل عَذقك ، فحُزْها إلى مالك ، واكفُفْ عن صاحبك ما يكره ) ، فقال : ما أنا بفاعل ، فقال : ( اذهب ، فأخرج له مثلَ عَذْقِه إلى حائطه ، ثم اضرب فوقَ ذلك بجدارٍ ، فإنه لا ضررَ في الإسلام ولا ضِرار ).
ففي هذا الحديث والذي قبلَه إجبارُه على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضررٌ في تركه ، وهذا مثلُ إيجاب الشُّفعة لدفع ضررِ الشَّريك الطَّارئ.
ويُستدلُّ بذلك أيضاً على وجوب العمارة على الشَّريك الممتنع مِنَ العمارة ، وعلى إيجاب البيع إذا تعذَّرَت القسمة ، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر ، عن أبيه مرفوعاً : ( لا تَعْضِية في الميراث إلا ما احتمل القسم ) وأبو بكر : هو ابن عمرو بن حزم ، قاله الإمام أحمد ، فالحديث حينئذ مرسل ، والتعضية : هي القسمة . ومتى تعذَّرَتِ القسمةُ ، لكون المقسوم يتضرَّرُ بقسمته ، وطلب أحدُ الشَّريكين البيعَ ، أجبر الآخر ، وقسم الثَّمنُ ، نصَّ عليه أحمدُ وأبو عبيد وغيرهما مِنَ الأئمة.
وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه ، والارتفاق به - فإن كان ذلك يضرُّ بمن انتفعَ بملكه ، فله المنعُ ، كمن له جدارٌ واهٍ لا يحتمل أنْ يُطرَحَ عليه خشَبٌ ، وأمَّا إنْ لم يضرَّ به ، فهل يجب عليه التَّمكين ، ويحرم عليه الامتناع أم لا ؟ فمن قال في القسم الأول : لا يمنع المالك مِنَ التَّصرُّف في ملكه ، وإن أضرَّ بجاره ، قال هنا : للجار المنع منَ التصرُّف في ملكه بغير إذنه ، ومن قال هناك بالمنع ، فاختلفوا هاهنا على قولين : أحدهما : المنع هاهنا وهو قول مالك . والثاني : أنَّه لا يجوزُ المنع ، وهو مذهبُ أحمد في طرح الخشب على جدار جاره ، ووافقه الشافعيّ في القديم وإسحاق وأبو ثور ، وداود ، وابنُ المنذر ، وعبدُ الملك بن حبيب المالكي ، وحكاه مالكٌ عن بعض قُضاة المدينة.
وفي الصحيحين عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يمنعنَّ أحدُكُم جارَه أنْ يَغرِزَ خشبة على جِداره ) قال أبو هريرة : مالي أراكم عنها مُعرِضين ، والله لأَرمِينَّ بها بَيْنَ أكتافِكُم.
وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يُجري ماء جاره في أرضه ، وقال : لتمرنّ به ولو على بطنِكَ.
وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد ، ومذهبُ أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جارِه إذا أجراه في قناة في باطن أرضه ، نقله عنه حربٌ الكرمانيُّ .
ومما يُنهى عن منعه للضَّرر منعُ الماء والكلأ ، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرةَ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تمنعوا فضلَ الماء لتمنعوا به الكلأ ) . وفي " سنن أبي داود " أنَّ رجلاً قال : يا نبيَّ الله ، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه ؟ قال : ( الماء ) ، قال : يا نبيَّ الله ، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه ؟ قال : ( الملح ) قال : ما الشيء الذي لا يحلّ منعه ، قال : ( أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك ).
وفيه أيضاً أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( النَّاس شركاء في ثلاث : الماء والنار والكلأ ).
وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يُمنَعُ فضلُ الماء الجاري والنَّابعِ مطلقاً ، سواء قيل : إنَّ الماء ملك لمالك أرضه أم لا ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم ، والمنصوص عن أحمد وجوبُ بذلِه مجاناً بغيرِ عِوَضٍ للشُّربِ ، وسقي البهائم ، وسقي الزروع ، ومذهب أبي حنيفة والشافعي : لا يجب بذلُه للزُّروع .
واختلفوا : هل يجبُ بذلُه مطلقاً ، أو إذا كان بقرب الكلأ ، وكان منعه مُفضِياً إلى منع الكلأ ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، وفي كلام أحمد ما يدلُّ على اختصاصِ المنع بالقُرب من الكلأ ، وأما مالكٌ ، فلا يجبُ عندَه بذلُ فضلِ الماء المملوك بملك منبعِه ومجراه إلا للمضطرّ كالمُحاز في الأوعية ، وإنما يجب عندَه بذلُ فضل الماء الذي لا يملك.
وعند الشافعي: حكم الكلأ كذلك يجوزُ منعُ فضله إلاَّ في أرض الموات . ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنّه لا يمنعُ فضل الكلأ مطلقاً ، ومنهم من قال : لا يمنع أحدٌ الماء والكلأ إلاّ أهلَ الثغور خاصَّة ، وهو قولُ الأوزاعي ، لأنَّ أهلَ الثُّغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدِرُوا أن يتحوَّلوا من مكانهم من وراء بَيضَةِ الإسلام وأهله.
وأما النَّهي عن منع النار ، فحملَه طائفةٌ من الفُقهاء على النَّهي عن الاقتباس منها دُونَ أعيانِ الجمر ، ومنهم من حمله على منع الحجارة المُورِيَة للنَّارِ ، وهو بعيدٌ ، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنَّار ، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها ، أو يُنضجُ عليها طعاماً ونحوه ، لم يبعد.
وأما الملح ، فلعلَّه يُحمل على منع أخذِهِ مِنَ المعادن المُباحَة ، فإنَّ الملحَ منَ المعادن الظَّاهرة ، لا يُملَكُ بالإحياء ، ولا بالإقطاع ، نصّ عليه أحمد ، وفي " سنن أبي دواد " : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقطع رجلاً الملحَ ، فقيل له : يا رسول الله إنّه بمنْزلة الماء العدِّ ، فانتزعه منه.
ومما يدخل في عمومِ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ضرَرَ ) أنّ الله لم يكلِّف عبادَه فعلَ ما يَضُرُّهم البتَّة ، فإنَّ ما يأمرهم به هو عينُ صلاحِ دينهم ودنياهم ، وما نهاهم عنه هو عينُ فساد دينهم ودنياهم ، لكنَّه لم يأمر عبادَه بشيءٍ هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضاً ، ولهذا أسقط الطَّهارة بالماء عَنِ المريض ، وقال : { مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ }، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر ، وقال : { يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام ، كالحلق ونحوه عمن كان مريضاً ، أو به أذى من رأسه ، وأمرَ بالفدية . وفي " المسند " عن ابن عباس ، قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله ؟ قال : ( الحنيفيَّةُ السَّمحةُ ) . ومن حديث عائشة (1) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنِّي أرسلتُ بحنيفيَّةٍ سَمحَةٍ ).
ومن هذا المعنى ما في " الصحيحين " عن أنسٍ : أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : رأى رجلاً يمشي ، قيل : إنّه نذرَ أن يحجَّ ماشياً ، فقال : ( إنَّ الله لغنيٌّ عن مشيه ، فليركب ) ، وفي رواية : ( إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه ).
وفي " السنن " عن عُقبة بن عامر أنَّ أختَه نذرت أنْ تمشي إلى البيت ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله لا يَصنَعُ بشقاءِ أختك شيئاً فلتَرْكَبْ ).
وأصل الحديث في الصحيحين ( البخاري 3/25 ( 1866 ) ، ومسلم 5/78 ( 1644 ) ) ، ولفظه عن عقبة بن عامر أنَّه قال : نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ، وأمرتني أن استفتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لتمشِ ولتركب ).
وقد اختلفَ العلماءُ في حكم من نذَر أن يحجَّ ماشياً ، فمنهم من قال : لا يلزمُه المشيُ ، وله الرُّكوبُ بكلِّ حالٍ ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ . وقال أحمد : يصومُ ثلاثة أيَّام ، وقال الأوزاعي : عليه كفَّارةُ يمين ، والمشهور أنَّه يلزمُه ذلك إن أطاقه ، فإن عجز عنه ، فقيل : يركبُ عند العجز ، ولاشيءَ عليه ، وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ.
وقيل : بل عليه - مع ذلك - كفارةُ يمين ، وهو قول الثَّوري وأحمد في رواية.
وقيل : بل عليه دمٌ ، قاله طائفةٌ مِنَ السَّلف ، منهم عطاءٌ ومُجاهدٌ والحسنُ واللَّيثُ وأحمدُ في رواية.
وقيل : يتصدَّقُ بكراء ما ركبَ ، وروي عن الأوزاعيِّ ، وحكاه عن عطاء ، وروي عن عطاء : يتصدَّقُ بقدر نفقته عند البيت.
وقالت طائفة من الصَّحابة وغيرهم : لا يُجزئُه الرُّكوبُ ، بل يَحُجُّ من قابِلٍ ، فيمشي ما رَكِبَ ، ويركبُ ما مشى ، وزاد بعضُهم : وعليه هديٌ ، وهو قول مالكٍ إذا كان ما ركبه كثيراً.
وممَّا يدخل في عمومه أيضاً أنَّ من عليه دينٌ لا يُطالَبُ به مع إعساره ، بل يُنظَرُ إلى حال إيساره ، قال تعالى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }، وعلى هذا جمهورُ العلماء خلافاً لشريح في قوله : إنَّ الآية مختصَّةٌ بديون الرِّبا في الجاهلية، والجمهورُ أخذُوا باللَّفظ العام ، ولا يُكلَّفُ المدينُ أن يقضيَ مما عليه في خروجه من ملكه ضررٌ ، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه ، وخادمه كذلك ، ولا ما يحتاجُ إلى التجارة به لِنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد.


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 9:51 am