الحديث الثالث والثلاثون

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2556
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث الثالث والثلاثون

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء مايو 17, 2017 9:54 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الثالث والثلاثون ] ●

عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُم ، لادَّعى رِجالٌ أموالَ قَومٍ ودِماءهُم ولكن البَيِّنَةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أَنْكر ) . حديثٌ حسنٌ ، رواهُ البَيهقيُّ وغيرُهُ هكذا ، وبَعضُهُ في " الصحيحين ".
أصلُ هذا الحديث خرَّجاه في " الصحيحين " من حديث ابن جريج ، عن ابن أبي مُليكة ، عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم ، لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم ، ولكن اليمين على المدَّعى عليه ).
وخرَّجاه أيضاً من رواية نافع بنِ عمر الجمحي ، عن ابن أبي مُليكة ، عن ابن عباس : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضى أنَّ اليمين على المدَّعى عليه.
واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابنُ الصَّلاح قبله في الأحاديث الكليات ، وقال : رواه البيهقي بإسناد حسن.
وخرَّجه الإسماعيلي في " صحيحه " من رواية الوليد بن مسلم ، حدثنا ابنُ جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لو يُعطى الناسُ بدعواهم ، لادَّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم ، ولكنَّ البيِّنةَ على الطَّالب ، واليمين على المطلوب ).
وروى الشَّافعي : أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مُليكة ، عن ابن عباس : أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( البينة على المُدَّعي ) قال الشافعي: وأحسبه - ولا أُثبته - أنَّه قال : ( واليمين على المُدَّعى عليه ).
وروى محمد بن عمر بن لُبابة الفقيه الأندلسيُّ ، عن عثمان بن أيوب الأندلسيِّ - ووصفه بالفضل - ، عن غازي بن قيس ، عن ابن أبي مُليكة ، عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذكر هذا الحديث ، وقال : ( لكن البينة على منِ ادَّعى ، واليمين على من أنكر ) وغازي بن قيس الأندلسي كبيرٌ صالح ، سمع من مالكٍ وابن جريج وطبقتِهما ، وسقط من هذا الإسناد ابنُ جريج ، والله أعلم.
وقد استدلَّ الإمام أحمد وأبو عبيد بأنّ النَّبيَّ- صلى الله عليه وسلم - قال : ( البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر ) ، وهذا يدلُّ على أنَّ اللفظ عندهما صحيحٌ محتجٌّ به ، وفي المعنى أحاديث كثيرة ، ففي " الصحيحين " عن الأشعث بن قيس ، قال : كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ ، فاختصمنا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( شاهداك أو يمينه ) ، قلت : إذاً يحلِفُ ولا يُبالي ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمينٍ يستحقُّ بها مالاً هو فيها فاجرٌ ، لَقِي الله وهو عليه غضبان ) ، فأنزل الله تصديقَ ذلك ، ثم اقترأ هذه الآية : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً } وفي رواية لمسلم بعد قوله : ( إذاً يحلفُ ) قال : ( ليس لك إلاّ ذلك ) . وخرَّجه أيضاً مسلم بمعناه من حديث وائلِ بنِ حجر عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وخرَّج الترمذي من حديث العَرْزَمي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جَدِّهِ ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال في خطبته : ( البيِّنةُ على المدَّعي ، واليمينُ على المُدَّعى عليه ) ، وقال : في إسناده مقال ، والعَرْزَميُّ يضعف في الحديث من قبل حفظه . وخرَّج الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي - وفيه ضعف - ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( البيِّنة على المدَّعي ، واليمين على من أنكر ، إلاَّ في القسامة ) . ورواه الحفاظ عن ابن جريج ، عن عمرو مرسلاً.
وخرَّجه أيضاً من رواية مجاهد عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في خطبته يومَ الفتح : ( المُدَّعى عليه أولى باليمين إلا أن تقومَ بيِّنة ) ، وخرَّجه الطبراني، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وفي إسناده كلام . وخرَّج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة.
وروى حجاج الصَّوَّافُ ، عن حميد بن هلال ، عن زيد بن ثابت ، قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أيُّما رَجُلٍ طلبَ عندَ رجل طلبة ، فإنَّ المطلوب هو أولى باليمين ). خرَّجه أبو عبيد والبيهقي ، وإسناده ثقات ، إلا أنَّ حميدَ بنَ هلال ما أظنُّه لقيَ زيدَ بن ثابتٍ ، وخرَّجه الدارقطني ، وزاد فيه ( بغير شهداء ).
وخرّج النسائي من حديث ابن عباس ، قال : جاء خصمان إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فادّعى أحدُهما على الآخر حقاً ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمدَّعي : ( أقم بيِّنَتَك ) ، فقال : يا رسول الله ، ما لي بينة ، فقال للآخر : ( احلِف بالله الذي لا إله إلا هو : ما له عَلَيكَ أو عِندَكَ شيء ).
وقد رُوي عن عمر أنَّه كتب إلى أبي موسى : أن البيِّنة على المدَّعي ، واليمين على من أنكر. وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبيِّ بنِ كعب ولم ينكراه.
وقال قتادة : فصلُ الخطاب الذي أوتيه داود - عليه السلام - : هو أنَّ البيِّنة على المدَّعي ، واليمين على من أنكر.
قال ابنُ المنذر: أجمع أهلُ العلم على أن البيِّنَةَ على المدعي ، واليمين على المدعى عليه ، قال : ومعنى قوله : ( البيِّنة على المدَّعِي ) يعني : يستحقُّ بها ما ادَّعى ، لأنَّها واجبةٌ عليه يؤخذ بها ، ومعنى قوله : ( اليمين على المدَّعى عليه ) أي : يبرأُ بها ، لأنَّها واجبةٌ عليه ، يؤخَذُ بها على كلِّ حالٍ . انتهى.
وقد اختلف الفقهاءُ من أصحابنا والشَّافعية في تفسير المدَّعي والمدَّعى عليه.
فمنهم من قال : المدَّعي : هو الذي يُخلَّى وسكوته من الخصمين ، والمدَّعى عليه : من لا يُخلى وسكوته منهما .
ومنهم من قال : المدَّعِي : من يطلبُ أمراً خفيّاً على خلاف الأصل أو الظاهر ، والمدَّعى عليها بخلافه. وبَنَوا على ذلك مسألةً ، وهي : إذا أسلمَ الزَّوجانِ الكافران قبلَ الدُّخول ، ثم اختلفا ، فقال الزوج : أسلمنا معاً ، فنكاحُنا باقٍ ، وقالت الزوجةُ : بل سبَق أحدُنا إلى الإسلام ، فالنِّكاح مُنفسخٌ ، فإن قلنا : المدعي من يُخلى وسكوته ، فالمرأةُ هي المدَّعي ، فيكون القولُ قولَ الزوج ، لأنه مدَّعى عليه ؛ إذ لا يخلَّى وسكوته ، وإن قلنا : المدعي من يدعي أمراً خفياً ، فالمدعي هنا هو الزوج ، إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر ، فالقولُ قولُ المرأة ؛ لأن الظَّاهر معها .
وأما الأمينُ إذا ادعى التَّلف ، كالمودَع إذا ادَّعى تلفَ الوديعة ، فقد قيل : إنَّه مدَّعٍ ؛ لأنَّ الأصلَ يُخالِفُ ما ادَّعاه ، وإنَّما لم يحتج إلى بينةٍ ، لأنَّ المودعَ ائتمنه ، والائتمان يقتضي قَبُولَ قوله.
وقيل : إنَّ المدعي الذي يحتاج إلى بيّنة هو المدعي ، ليُعطى بدعواه مالَ قوم أو دماءهم ، كما ذكر ذلك في الحديث ، فأمَّا الأمينُ ، فلا يدعي ليُعطى شيئاً ، وقيل : بل هو مدَّعى عليه ؛ لأنَّه إذا سكت ، لم يترك ، بل لابدَّ له من ردِّ الجواب ، والمودع مدَّعٍ ؛ لأنَّه إذا سكت ترك ؛ ولو ادَّعى الأمينُ ردَّ الأمانة إلى من ائتمنه ؛ فالأكثرون على أنَّ قوله مقبولٌ أيضاً كدعوى التَّلف. وقال الأوزاعي : لا يُقبل قوله ، لأنَّه مدَّعٍ . وقال مالكٌ وأحمدُ في رواية : إنْ ثبت قبضُه للأمانة ببيِّنةٍ ، لم يقبل قولُه في الرَّدِّ بدون البينة ، ووَجَّهَ بعضُ أصحابنا ذلك بأنَّ الإشهادَ على دفع الحقوق الثابتة بالبيِّنةِ واجبٌ ، فيكونُ تركُه تفريطاً ، فيجب به الضَّمانُ ، وكذلك قال طائفةٌ منهم في دفع مال اليتيم إليه : لابدَّ له من بيِّنةٍ ؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجباً.
وقد اختلف الفقهاءُ في هذا الباب على قولين:
أحدهما : أنَّ البيِّنَة على المدَّعِي أبداً . واليمين على المدَّعى عليه أبداً ، وهو قولُ أبي حنيفة ، ووافقه طائفةٌ مِنَ الفُقهاء والمحدِّثين كالبخاري ، وطرَّدوا ذلك في كلِّ دعوى ، حتى في القسامة ، وقالوا : لا يحلِفُ إلاَّ المدَّعى عليه ، ورأَوْا أنْ لا يُقضى بشاهد ويمين ؛ لأنَّ اليمينَ لا تكونُ على المدَّعي ، ورأوا أنَّ اليمينَ لا تُرد على المدعي ؛ لأنَّها لا تكونُ إلاَّ في جانب المُنكِر المدعى عليه . واستدلُّوا في مسألة القسامةِ بما رَوى سعيدُ بن عبيد ، حدثنا بُشيرُ بن يسارٍ الأنصاريُّ ، عن سهل بن أبي حثمة: أنَّه أخبرَه أنَّ نفراً منهمُ انطلقوا إلى خيبر، فتفرَّقوا فيها ، فوجدوا أحدَهم قتيلاً ، فذكر الحديثَ ، وفيه : فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( تأتوني بالبيِّنةِ على من قتله ) ، قالوا : ما لنا بيِّنةٌ ، قال : ( فيحلفون ) ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُطَلَّ دمُهُ ، فوداه مئةً من إبل الصدقة . خرَّجه البخاري، وخرَّجه مسلم مختصراً ولم يتمَّه ، ولكن هذه الرواية تُعارِض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيلِ ، وقال فيه : فذكروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقتل عبد الله بن سهل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يُقسِمُ خمسون منكم على رجلٍ منهم ، فيدفع برُمته ) ، وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة المخرَّجة بلفظها بكمالها في " الصحيحين " . وقد ذكر الأئمَّة الحُفَّاظُ أنّ رواية يحيى بن سعيدٍ أصحُّ من رواية سعيد بن عُبيدٍ الطَّائي ، فإنَّه أجلُّ وأعلم وأحفظ ، وهو من أهل المدينة ، وهو أعلمُ بحديثهم من الكوفيِّين.
وقد ذَكَر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث ، فنفض يده ، وقال : ذاك ليس بشيءٍ ، رواه على ما يقول الكوفيون ، وقال : أذْهَبُ إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد . وقال النَّسائيُّ : لا نعلم أحداً تابعَ سعيد بن عُبيدٍ على روايته عن بشير بن يسار ، وقال مسلم في كتاب " التمييز ": لم يحفظه سعيدُ بنُ عُبيدٍ على وجهه ؛ لأنَّ جميع الأخبار فيها سؤال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إيَّاهم قسامة خمسين يميناً ، وليس في شيء من أخبارهم أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سألهم البيِّنَةَ ، وترك سعيد القسامة ، وتواطُؤُ الأخبارِ بخلافه يقضي عليه بالغلط ، وقد خالفه يحيى بن سعيد.
وقال ابن عبد البرّ في رواية سعيد بن عبيد : هذه روايةُ أهل العراق عن بُشير بن يسار ، وروايةُ أهل المدينة عنه أثبتُ ، وهم به أقعدُ ، ونقلُهم أصحُّ عند أهل العلم.
قلت : وسعيد بن عُبيد اختصر قصَّة القسامة ، وهي محفوظةٌ في الحديث ، وقد خرَّج النَّسائيُّ من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طلب من ولي القتيل شاهِدين على من قتله ، فقال : ومن أين أُصيبُ شاهدين ؟ قال : ( فتحلِفُ خمسين قسامةً ) ، قال : كيف أحلِفُ على ما لم أعلم ؟ قال : ( فتستحلفُ منهم خمسين قسامة ) فهذا الحديث يَجمَعُ به بين روايتي سعيد بن عُبيد ، ويحيى بن سعيد ، ويكونُ كلٌّ منهما تركَ بعض القصَّة ، فترك سعيدٌ ذِكرَ قسامة المدَّعين ، وترك يحيى ذكر البيِّنة قبل طلب القسامة ، والله أعلم.
وأما مسألة الشَّاهد مع اليمين ، فاستدلَّ من أنكر الحكم بالشَّاهد واليمين بحديث : ( شَاهِداك أو يمينه ) وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس لك إلاَّ ذلك )، وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة ، وقال : تفرَّد بها منصورٌ عن أبي وائل ، وخالفه سائرُ الرُّواة ، وقالوا : إنَّه سأله : ( ألك بيِّنَةٌ أم لا ؟ ) والبيِّنَةُ لا تقف على الشَّاهدين فقط . بل تعمُّ سائر ما يُبيِّنُ الحقَّ.
وقال غيرُه : يحتمل أنْ يريدَ بشاهديه كلَّ نوعين يشهدان للمدَّعي بصحَّة دعواه يتبيَّن بهما الحقّ، فيدخُلُ في ذلك شهادةُ الرجلين، وشهادةُ الرَّجُل مع المرأتين ، وشهادةُ الواحد مع اليمين ، وقد أقام الله سبحانه أيمانَ المدَّعي مقامَ الشُّهود في اللعان.
وقوله في تمام الحديث : ( ليس لك إلاّ ذلك ) : لم يُرِد به النَّفيَ العامَّ ، بل النَّفي الخاصَّ ، وهو الذي أراده المدَّعي ، وهو أنْ يكونَ القولُ قولَه بغير بيِّنةٍ ، فمنعه من ذلك ، وأبى ذلك عليه ، وكذلك قولُه في الحديث الآخر : ( ولكن اليمين على المدَّعى عليه ) إنَّما أريد بها اليمينُ المجردة عن الشهادة ، وأوَّلُ الحديث يدلُّ على
ذلك ، وهو قوله : ( لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ رجال وأموالهم ) فدلَّ على أن قولَه : ( اليمين على المُدَّعَى عليه ) إنَّما هي اليمينُ القاطعة للمنازَعَةِ مع عدم البينة ، وأما اليمينُ المثبتة للحقِّ ، مع وجود الشهادة ، فهذا نوعٌ آخر ، وقد ثبت بسنَّةٍ أخرى .
وأمَّا ردُّ اليمين على المدَّعي ، فالمشهورُ عن أحمد موافقةُ أبي حنيفة، وأنَّها لا تُرَدُّ ، واستدلَّ أحمدُ بحديثِ : ( اليمين على المدَّعى عليه ) ، وقال في رواية أبي طالب عنه : ما هو ببعيدٍ أن يقال له : تحلف وتستحقُّ ، واختار ذلك طائفةٌ مِنْ متأخِّري الأصحاب ، وهو قولُ مالك والشافعي وأبي عُبيد ، ورُوي عن طائفة مِنَ الصَّحابة ، وقد ورد فيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الدارقطني وفي إسناده نظر.
قال أبو عبيد : ليس هذا إزالةً لليمين عن موضعها ، فإنَّ الإزالة أنْ لا يقضي باليمين على المطلوب ، فأمَّا إذا قُضِيَ بها عليه ، فرضي بيمين صاحبه ، كان هو الحاكم على نفسه بذلك ، لأنَّه لو شاء ، لحلف وبريء ، وبطلَت عنه الدَّعوى.
والقول الثاني في المسألة : أنَّه يُرجَّحُ جانبُ أقوى المتداعيين ، وتجعل اليمينُ في جانبه ، هذا مذهب مالكٍ ، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنَّه مذهبُ أحمد ، وعلى هذا تتوجَّهُ المسائلُ التي تقدَّم ذكرُها مِن الحكم بالقسامة والشَّاهِد واليمين ، فإنَّ جانبَ المدعي في القسامة لمَّا قوي باللوث جُعِلَتْ اليمينُ في جانبه ، وحُكِمَ له بها ، وكذلك المدَّعي إذا أقام شاهداً ، فإنه قوي جانبه ، فحلف معه ، وقُضي له .
وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله : ( البينة على المدعي ) طريقان :
أحدهما : أنَّ هذا خُصَّ من هذا العموم بدليل .
والثاني : أنَّ قوله : ( البينة على المدعي ) ليس بعامٍّ ؛ لأنَّ المرادَ : على المدعي المعهود ، وهو من لا حُجَّةَ له سوى الدَّعوى كما في قوله : ( لو يُعطى الناسُ بدعواهم ، لادَّعى رجالٌ دماءَ قومٍ وأموالهم ) ، فأمَّا المدَّعي الذي معه حجةٌ تقوِّي دعواه ، فليس داخلاً في هذا الحديث .
وطريق ثالث وهو أنَّ البينة : كُلُّ ما بيَّن صحَّة دعوى المدَّعي ، وشهِدَ بصدقِه ، فاللوثُ مع القسامة بيِّنةٌ ، والشَّاهد مع اليمين بيِّنةٌ .
وطريق رابع سلكه بعضُهم ، وهو الطَّعنُ في صحَّةِ هذه اللفظة ، أعني قولَه :
( البينة على المدَّعي ) ، وقالوا : إنَّما الثَّابتُ هو قوله : ( اليمينُ على المدَّعى عليه ) . وقوله : ( لو يُعطى الناسُ بدعواهم ، لادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم ) ، يدلُ على أنَّ مدَّعي الدَّمِ والمالِ لابدَّ له مِنْ بيِّنةٍ تدلُّ على ما ادَّعاه ، ويدخل في عموم ذلك أنّ مَنِ ادَّعى على رجلٍ أنَّه قتل موروثَه ، وليس معه إلاّ قولُ المقتولِ عند موته : جرحني فلان ، أنَّه لا يُكتفى بذلك ، ولا يكونُ بمجرَّده لوثاً ، وهذا قولُ الجمهور ، خلافاً للمالكيَّة ، وأنَّهم جعلوه لوثاً يقسم معه الأولياءُ ، ويستحقُّون الدَّم .
ويدخل في عمومه أيضاً من قذف زوجته ولاعَنَها ، فإنَّه لا يُباحُ دمُها بمجرَّدِ لعانها ، وهو قولُ الأكثرين خلافاً للشافعي ، واختار قولَه الجوزجانيُّ ، لظاهر قوله - عز وجل - : { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ }، والأوَّلون منهم من حمل العذابَ على الحبس ، وقالوا : إنْ لم تلاعِن ، حُبِست حتى تُقرَّ أو تُلاعِن ، وفيه نظر.
ولو ادَّعت امرأةٌ على رجل أنَّه استكرهها على الزِّنى ، فالجمهورُ أنَّه لا يثبتُ بدعواها عليه شيء . وقال أشهب من المالكية : لها الصداقُ بيمينها ، وقال غيرُه منهم : لها الصَّداقُ بغيرِ يمين ، هذا كلُّه إذا كانت ذاتَ قدر ، وادَّعت ذلك على متَّهم تليقُ به الدَّعوى ، وإنْ كان المرميُّ بذلك مِنَ أهل الصَّلاح ، ففي حدِّها للقذف عن مالك روايتان.
وقد كان شُريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرَّد القرائن الدَّالَّةِ على صدق أحد المتداعيين ، وقضى شُريحٌ في أولاد هرَّةٍ تداعاها امرأتان ، كلٌّ منهما تقولُ هي ولد هِرَّتي ، قال شريحُ : ألقِها مع هذه ، فإن هي قرَّت ودرَّت واسبطرَّتْ فهي لها ، وإن هي فرت وهرَّت وازبأرت ، فليس لها. قال ابن قتيبة : قوله : اسبطرّت ، يريد : امتدَّت للإرضاع، وإزبأرت : اقشعرَّت وتنفَّشت . وكان يقضي بنحو ذلك أبو بكر الشامي من الشَّافعية ، ورجح قولَه ابنُ عقيل مِنْ أصحابنا.
وقد رُوي عن الشافعي وأحمد استحسان قولِ القافة في سرقة الأموال ، والأخذ بذلك ، ونقل ابنُ منصور عن أحمد : إذا قال صاحبُ الزَّرع : أفسدت غنمُك زرعي باللَّيل ، يُنظَرُ في الأثر ، فإنْ لم يكن أثرُ غنمِه في الزَّرع ، لابدَّ لصاحب الزَّرع من أنْ يجيء بالبيِّنَةِ . قال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد ؛ لأنَّه مدَّع ، وهذا يدلُّ على اتِّفاقهما على الاكتفاء برؤية أثرِ الغنم ، وأنَّ البيِّنَةَ إنَّما تُطلب عندَ عدم الأثر.
وقوله : ( واليمين على المُدَّعى عليه ) يدلُّ على أنَّ كلَّ مَنِ ادَّعى عليه دعوى ، فأنكر ، فإنَّ عليه اليمينَ ، وهذا قولُ أكثرِ الفقهاء ، وقال مالك : إنَّما تجبُ اليمينُ على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوعُ مخالطة ، خوفاً من أن يتبذَّل السُّفهاءُ الرؤساء بطلب أيمانهم . وعنده : لو ادَّعى على رجلٍ أنَّه غصبه ، أو سرقَ منه ، ولم يكن المدَّعى عليه متَّهماً بذلك ، لم يُستَحلَف المدَّعى عليه ، وحكي أيضاً عن القاسم بن محمد ، وحميد بن عبد الرحمان ، وحكاه بعضُهم عن فقهاءِ المدينة السَّبعَةِ ، فإن كان من أهل الفضل ، وممَّن لا يُشارُ إليه بذلك ، أُدِّبَ المدعي عندَ مالكٍ ، ويُستدلُّ بقوله : ( اليمينُ على المدَّعى عليه ) على أنَّ المدَّعي لا يمينَ عليه ، وإنَّما عليه البيِّنَة ، وهو قول الأكثرين.
وروي عن عليٍّ أنَّه أحلَفَ المدَّعي مع بيِّنته أنَّ شهودَه شهِدُوا بحقٍ ، وفعله أيضاً شُريح ، وعبدُ الله بن عتبة وابن مسعود وابن أبي ليلى ، وسوَّار العنبري وعُبيد الله بن الحسن ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري ، وروي عن النَّخعي أيضاً . وقال إسحاق : إذا استرابَ الحاكمُ ، وجب ذلك.
وسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة ، فقال أحمد : قد فعله عليٌ ، فقال له : أيستقيمُ هذا ؟ فقال : قد فعله عليٌّ ، فأثبت القاضي هذا روايةً عن أحمد ، لكنه حملَها على الدَّعوى على الغائب والصَّبيِّ ، وهذا لا يصحُّ ؛ لأنَّ عليّاً إنَّما حلَّف المدَّعي مع بيِّنته على الحاضر معه ، وهؤلاء يقولون : هذه اليمينُ لتقوية الدَّعوى إذا ضَعُفَتْ باسترابة الشُّهود كاليمين مع الشَّاهد الواحد. وكان بعضُ المتقدمين يُحلِّفُ الشُّهود إذا استرابهم أيضاً ، ومنهم سوَّارٌ العنبريُّ قاضي البصرة ، وجوَّز ذلك القاضي أبو يعلى من أصحابنا لوالي المظالم دونَ القضاة . وقد قال ابنُ عباس في المرأة الشَّاهدة على الرَّضاع : إنَّها تُستحلَفُ ، وأخذ به الإمام أحمد.
وقد دلَّ القرآن على استحلاف الشهودِ عند الارتياب بشهادتهم في الوصيَّة في السفر في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } إلى قوله : { فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ }، وهذه الآية لم يُنسخ العملُ بها عندَ جمهور السَّلف ، وقد عملَ بها أبو موسى ، وابن مسعود ، وأفتى بها عليٌّ ، وابن عباس ، وهو مذهبُ شريح والنَّخعيّ وابن أبي ليلى ، وسفيان والأوزاعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم ، قالوا : تُقبل شهادة الكفَّار في وصيَّة المسلمين في السَّفر ، ويُستحلَفان مع شهادتهما . وهل يمينهما من باب تكميل الشهادة ، فلا يُحكم بشهادتهما بدون يمين ، أم من باب الاستظهار عند الريبة ؟ وهذا محتمل ، وأصحابنا جعلوها شرطاً ، وهو ظاهرُ ما روي عن أبي موسى وغيره.
وقد ذهب طائفة من السَّلف إلى أنَّ اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب الاستظهار ، فإن رأى الحاكمُ الاكتفاءَ بالشَّاهد الواحدِ ، لبُروزِ عدالته ، وظُهور صِدْقِه ، اكتفى بشهادته بدون يمين الطالب.
وقوله : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } يدلُّ على أنَّه إذا ظهر خللٌ في شهادة الكفّار ، حلف أولياء الميت على خيانتهما وكذبهما ، واستحقُّوا ما حلَفُوا عليه ، وهذا قولُ مجاهدٍ وغيره من السَّلف.
ووجه ذلك أنَّ اليمين في جانبِ أقوى المتداعيين ، وقد قَوِيَتْ هاهنا دعوى الورثةِ بظهور كذب الشُّهود الكفَّار ، فتردُّ اليمينُ على المدَّعين ، ويحلفون مع اللوث ، ويستحقُّون ما ادَّعوهُ ، كما يحلفُ الأولياءُ في القسامة مع اللوث ، ويستحقون بذلك الدِّيَةَ والدَّم أيضاً عندَ مالكٍ وأحمد وغيرهما.
وقضى ابنُ مسعود في رجل مسلم حضره الموت ، فأوصى إلى رجلين مسلمين معه ، وسلَّمهما ما معه مِنَ المال ، وأشهدَ على وصيَّته كفّاراً ، ثم قدم الوصيّان ، فدفعا بعض المال إلى الورثة ، وكتما بعضَه ، ثمَّ قدم الكفّارُ ، فشهدوا عليهم بما كتموه منَ المال ، فدعا الوصيَّينِ المسلِمَين ، فاستحلفهما : ما دفع إليهما أكثرَ ممَّا دفعاه ، ثم دعا الكفَّارَ ، فشهدُوا وحلفوا على شهادتهم ، ثم أمر أولياءَ الميت أن يحلِفوا أنَّ ما شهدت به اليهودُ والنَّصارى حقٌّ ، فحلَفُوا ، فقضى على الوصِيَّين بما حلفوا عليه، وكان ذلك في خلافة عثمان ، وتأوَّل ابنُ مسعود الآية على ذلك ، فكأنَّه قابلَ بين يمين الأوصياء والشُّهود الكفار فأسقطهما ، وبقي مع الورثة شهادة الكفَّار ، فحلفُوا معها ، واستحقُّوا ، لأنَّ جانبَهم ترجَّح بشهادة الكفَّار لهم ، فجعل اليمينَ مع أقوى المتداعيين ، وقضى بها.
واختلف الفقهاء : هل يُستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن أحمد أو لا يستحلف إلاَّ فيما يقضي فيه بالنُّكول كرواية عن أحمد ؟ أو لا يستحلف إلا فيما يصحّ بذله كما هوَ المشهور عن أحمد ؟ أو لا يستحلف إلاَّ في كلِّ دعوى لا تحتاجُ إلى شاهدين كما حُكي عن مالك ؟ وأما حقوقُ الله - عز وجل - ، فمن العلماءِ من قالَ : لا يُستحلفُ فيها بحالٍ ، وهو قولُ أصحابنا وغيرهم ، ونصَّ عليهِ أحمدُ في الزَّكاة ، وبه قالَ طاووسٌ ، والثوريُّ والحسن بن صالحٍ وغيرهم ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ واللَّيثُ والشافعيُّ : إذا اتُّهمَ ، فإنَّه يُستحلَفُ ، وكذا حُكي عن الشَّافعي فيمن تزوَّجَ مَنْ لا تحلُّ لهُ ، ثمَّ ادعى الجهلَ : أنَّه يُحلَّفُ على دعواه ، وكذا قالَ إسحاق في طلاق السَّكران : يحلف أنَّه ما كان يعقل ، وفي طلاق النَّاسي : يحلف على نسيانه ، وكذا قال القاسمُ بن محمَّد وسالم بن عبد الله في رجل قال لامرأته : أنت طالقٌ : يحلفُ أنَّه ما أرادَ به الثَّلاثَ ، وتردُّ إليه.
وخرَّج الطبراني من رواية أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان أُناسٌ مِنَ الأعراب يأتونَ بلحمٍ ، فكان في أنفسنا منه شيءٌ ، فذكرنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( اجْهَدُوا أيمانَهم أنَّهم ذبحوها ، ثمَّ اذكُروا اسمَ اللهِ وكلُوا ) وأبو هارون ضعيف جداً.
وأما المؤتمن في حُقوق الآدميِّينَ حيث قُبِلَ قولُه ، فهل عليه يمين أم لا ؟ فيه ثلاثةُ أقوال للعلماء :
أحدها : لا يمينَ عليه ؛ لأنَّه صدَّقه بائتمانِه ، ولا يمين مع التَّصديقِ ، وبالقياسِ على الحاكم ، وهذا قولُ الحارث العُكلي.
والثاني : عليه اليمينُ ، لأنَّه منكر ، فيدخل في عموم قوله : ( واليمين على من أنكر ) ، وهو قولُ شريحٍ وأبي حنيفة والشَّافعيّ ومالكٍ في رواية ، وأكثر أصحابنا.
والثالث : لا يمين عليه إلاّ أنْ يُتَّهَمَ وهو نصُّ أحمد ، وقول مالك في رواية لما تقدم مِنَ ائتمانه.
وأمَّا إذا قامت قرينةٌ تُنافي حالَ الائتمان ، فقد اختلَّ معنى الائتمان.
وقوله : ( البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ) إنَّما أُريد به إذا ادَّعى على رجلٍ ما يدَّعيه لنفسه ، وينكر أنَّه لمن ادَّعاه عليه ، ولهذا قال في أوَّل الحديث : ( لو يُعطى الناسُ بدعواهم ، لادّعى رجالٌ دماء قومٍ وأموالهم ) ، فأما من ادّعى ما ليس له مدَّعٍ لنفسه ، منكر لدعواه ، فهذا أسهلُ مِنَ الأوَّلِ ، ولابدَّ للمدَّعي هنا من بيِّنةٍ ، ولكن يُكتفى مِنَ البيِّنةِ هنا بما لا يُكتفى بها في الدَّعوى على المدَّعي لنفسه المنكر.
ويشهد لذلك مسائل :
منها : اللقطة إذا جاء من وصفها ، فإنَّها تُدفَعُ إليه بغير بيِّنَةٍ بالاتفاق ، لكن منهم من يقول : يجوزُ الدَّفْعُ إذا غلب على الظَّنِّ صِدقُهُ ، ولا يجبُ ، كقول الشافعي وأبي حنيفة ، ومنهم من يقول : يجب دفعُها بذكرِ الوصف المطابق ، كقول مالك وأحمد.
ومنها : الغنيمة إذا جاء من يدَّعي منها شيئاً ، وأنَّه كان له ، واستولى عليه الكفّار ، وأقام على ذلك ما يُبيِّنُ أنَّه له اكتُفي به ، وسُئِلَ عن ذلك أحمد وقيل له : فيريد على ذلك بينة ؟ قالَ : لابدَّ مِنْ بيانٍ يدلُّ على أنَّه لهُ ، وإنْ علم ذَلِكَ ، دفعه إليه الأمير . وروى الخلال بإسناده عن الرُّكين بن الربيع ، عن أبيه قالَ : جشر لأخي فرس بعين التمر ، فرآه في مربط سعدٍ ، فقالَ : فرسي ، فقالَ سعد : ألك بينة ؟ قال : لا ، ولكن أَدْعُوه ، فَيُحَمْمِمُ ، فدعاه فحمحم ، فأعطاه إيّاه، وهذا يحتمل أنه كان لحق بالعدوِّ ، ثم ظهر عليه المسلمون ، ويحتمل أنَّه عرف أنه ضالٌّ، فوضع بين الدواب الضالة ، فيكون كاللقطة.
ومنها الغصوب إذا علم ظلم الولاة ، وطلب ردَّها من بيت المال ، قال أبو الزناد : كان عمرُ بنُ عبد العزيز يردُّ المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة ، كان يكتفي باليسير ، إذا عرف وجه مَظْلمةِ الرَّجُلِ ردَّها عليه ، ولم يكلِّفْهُ تحقيقَ البيِّنةِ ، لما يعرف مِنْ غشم الوُلاة قبله على الناس ، ولقد انفد بيت مال العراق في ردِّ المظالم حتى حُمِلَ إليها مِنَ الشَّامِ ، وذكر أصحابُنا أنَّ الأموالَ المغصوبةَ مع قُطَّاعِ الطَّريق واللصوص يُكتفى مِن مدَّعيها بالصِّفَة كاللقطة ، ذكره القاضي في خلافه ، وأنَّه ظاهرُ كلام أحمد.


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 10:46 am