الحديث الرابع والثلاثون

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2556
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث الرابع والثلاثون

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء مايو 17, 2017 9:55 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الرابع والثلاثون ] ●

عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال : سَمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ : ( مَنْ رَأَى مِنكُم مُنْكَراً فَليُغيِّرهُ بيدِهِ ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فبِلسَانِهِ ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ ). رواهُ مُسلمٌ.
هذا الحديث خرَّجه مسلمٌ من رواية قيس بن مسلم ، عن طارق بنِ شهاب ، عن أبي سعيد ، ومن رواية إسماعيل بن رجاءٍ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، وعنده في حديث طارق قال : أوَّلُ مَنْ بدأ بالخطبة يومَ العيد قبلَ الصَّلاة مروانُ ، فقام إليه رجلٌ ، فقال : الصَّلاةُ قبل الخطبة ، فقال : قد تُرِكَ ما هُنالك ، فقال أبو سعيد : أمَّا هذا ، فقد قضى ما عليه ، ثمَّ روى هذا الحديث.
وقد روي معناه من وجوه أُخَر ، فخرَّج مسلم من حديث ابن مسعود ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما من نبيٍّ بعثه الله في أمَّةٍ قبلي ، إلاَّ كان له مِنْ أمَّته حواريُّونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسُنَّته ، ويقتدونَ بأمرِه ، ثمَّ إنَّها تَخلُفُ مِن بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدَهم بيده ، فهو مؤمنٌ ، ومَنْ جاهَدهم بلسانه ، فهو مؤمنٌ ، ومَنْ جاهدهم بقلبه ، فهو مؤمنٌ ، ليس وراء ذلك مِنَ الإيمان حبَّةُ خردلٍ ) .
وروى سالمٌ المراديُّ ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن عمر بن الخطَّاب ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( سَيُصيبُ أُمَّتي في آخر الزَّمان بلاءٌ شديدٌ من سُلطانهم ، لا ينجو منه إلا رجُلٌ عرف دين الله بلسانه ويده وقلبِه ، فذلك الّذي سبقت له السَّوابق ، ورجلٌ عرف دينَ الله فصدَّق به ، وللأوَّلِ عليه سابقةٌ ، ورجلٌ عرف دينَ الله ، فسكت ، فإنْ رأى مَنْ يعملُ بخيرٍ ، أحبَّه عليه ، وإنْ رأى من يعمل بباطل ، أبغضَه عليه ، فذلك الذي ينجو على إبطائه ) وهذا غريبٌ ، وإسناده منقطع.
وخرَّج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي - وهو ضعيف جداً - عن مولى لعمرَ ، عن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( تُوشِكُ هذه الأمة أن تَهلِكَ إلاّ ثلاثةَ نفر : رجل أنكرَ بيده وبلسانه وبقلبه ، فإنْ جبُن بيده ، فبلسانه وقلبه ، فإنْ جبُن بلسانه وبيده فبقلبه ).
وخرَّج أيضاً من رواية الأوزاعي ، عن عُمير بن هانئ ، عن عليٍّ سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( سيكون بعدي فتنٌ لا يستطيع المؤمن فيها أن يغيِّر بيدٍ ولا بلسانٍ ) ، قلتُ : يا رسولَ الله ، وكيف ذاك ؟ قالَ : ( يُنكرونه بقلوبهم ) ، قلتُ : يا رسول الله ، وهل يَنقُصُ ذَلِكَ إيمانَهم شيئاً ؟ قال : ( لا ، إلا كما يَنقُصُ القَطْرُ من الصَّفا ) ، وهذا الإسناد منقطع. وخرَّج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بإسنادٍ ضعيفٍ.
فدلَّت هذه الأحاديثُ كلُّها على وُجُوبِ إنكارِ المنكر بحسب القُدرة عليه ، وأنَّ إنكارَه بالقلب لابدَّ منه ، فمن لم يُنْكِرْ قلبُه المنكرَ ، دلَّ على ذَهابِ الإيمانِ مِنْ قلبِه.
وقد رُوي عن أبي جُحيفة ، قال : قال عليٌّ : إنَّ أول ما تُغلبونَ عليه مِنَ الجِهادِ : الجهادُ بأيديكم ، ثم الجهادُ بألسنتكم ، ثم الجهادُ بقلوبكم ، فمن لم يعرف قَلبهُ المعروفَ ، ويُنكرُ قلبهُ المنكرَ ، نُكِسَ فجُعِل أعلاه أسفلَه.
وسمع ابن مسعود رجلاً يقول : هَلَكَ مَنْ لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ، فقال ابنُ مسعود : هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر، يشير إلى أنَّ معرفة المعروفِ والمنكرِ بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد ، فمن لم يعرفه هَلَكَ.
وأمَّا الإنكارُ باللسان واليد ، فإنَّما يجبُ بحسب الطاقةِ ، وقال ابنُ مسعود : يوشك مَنْ عاش منكم أن يري منكراً لا يستطيعُ له غيرَ أن يعلمَ اللهُ من قلبه أنَّه له كارهٌ. وفي " سنن أبي داود " عن العُرس بن عَميرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا عُمِلَت الخطيئةُ في الأرض ، كان من شَهدَها ، فكرهها كمن غاب عنها ، ومَنْ غابَ عنها ، فرَضِيها ، كان كمن شهدها ) ، فمن شَهِدَ الخطيئةَ ، فكرهها بقلبه ، كان كمن لم يشهدها إذا عَجَز عن إنكارها بلسانه ويده ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها ؛ لأنَّ الرِّضا بالخطايا من أقبح المحرَّمات ، ويفوت به إنكارُ الخطيئة بالقلب ، وهو فرضٌ على كلِّ مسلم ، لا يسقطُ عن أحدٍ في حالٍ من الأحوال.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من حضر معصيةً فكرهها ، فكأنَّه غاب عنها ، ومن غاب عنها ، فأحبها ، فكأنَّه حضرها ) وهذا مثلُ الذي قبله. فتبيَّن بهذا أنَّ الإنكارَ بالقلب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ في كلِّ حالٍ ، وأمَّا الإنكارُ باليدِ واللِّسانِ فبحسب القُدرة ، كما في حديث أبي بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي ، ثم يقدرون على أنْ يغيِّروا ، فلا يغيِّروا ، إلا يُوشِكُ أنْ يعمَّهم الله بعقابٍ ) خرّجه أبو داود بهذا اللفظ ، وقال : قال شعبةُ فيه : ( ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي هم أكثرُ ممن يعمله ).
وخرَّج أيضاً من حديث جرير : سَمِعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ما مِنْ رجلٍ يكونُ في قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي ، يقدِرونَ أنْ يُغيِّروا عليه ، فلا يُغيِّرون ، إلا أصابهُم الله بعقابٍ قبلَ أنْ يموتُوا ).
وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه : ( ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي هم أعزُّ وأكثر ممَّن يعملُه ، فلم يغيِّروهُ ، إلاَّ عمهُم اللهُ بعقاب ).
وخرَّج أيضاً من حديث عديّ بن عَميرة ، قال : سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إنَّ الله لا يعذِّبُ العامَّةَ بعمل الخاصَّة حتَّى يروا المنكرَ بين ظهرانيهم وهم قادرون على أنْ يُنكروه فلا ينكرونه ، فإذا فعلوا ذلك ، عذَّبَ الله الخاصة والعامَّة ).
وخرَّج أيضاً هو وابنُ ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إنَّ الله ليسألُ العبدَ يومَ القيامة ، حتَّى يقول : ما منعكَ إذا رأيتَ المنكر أن تُنكِرَه ، فإذا لَقَّنَ الله عبداً حجَّته ، قال : يا ربِّ ، رجوتُك ، وفَرقْتُ النَّاسَ ).
فأما ما خرجه الترمذيُّ، وابنُ ماجه من حديث أبي سعيد أيضاً ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في خطبته : ( ألا لا يَمنعَنَّ رجلاً هيبةُ النَّاس أنْ يقول بحقٍّ إذا علمه ) ، وبكى أبو سعيد ، وقال : قد واللهِ رأينا أشياءَ فهِبنا . وخرَّجه الإمام أحمد، وزاد فيه : ( فإنَّه لا يُقرِّب من أجلٍ ، ولا يُباعِدُ من رزقٍ أنْ يُقال بحقٍّ أو يُذَكِّرَ بعظيمٍ ). وكذلك خرَّج الإمامُ أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يَحقِرْ أحدُكم نفسَه ) ، قالوا : يا رسولَ الله ، كيف يحقرُ أحدُنا نفسه ؟ قالَ : ( يرى أمرَ لله عليه فيه مقالٌ ، ثمَّ لا يقول فيه ، فيقولُ الله له يوم القيامة : ما منعك أنْ تقولَ فيَّ كذا وكذا ؟ فيقول : خشيةُ النَّاسِ ، فيقول الله : إيَّايَ كنتَ أحقَّ أنْ تخشى ).
فهذان الحديثان محمولان على أنْ يكون المانعُ له من الإنكار مجرَّدَ الهيبة ، دُونَ الخوفِ المسقط للإنكار.
قال سعيدُ بنُ جبير : قلتُ لابن عباس : آمرُ السُّلطانَ بالمعروفِ وأنهاه عن المنكر ؟ قال : إنْ خِفتَ أن يقتُلَك ، فلا ، ثم عُدْتُ ، فقال لي مثلَ ذلك ، ثم عدتُ ، فقال لي مثلَ ذلك ، وقال : إنْ كنتَ لابدَّ فاعلاً ، ففيما بينَك وبينه.
وقال طاووس : أتى رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ ، فقال : ألا أقومُ إلى هذا السُّلطان فآمره وأنهاهُ ؟ قالَ : لا تكن لهُ فتنةً ، قالَ : أفرأيت إنْ أمرني بمعصيةِ اللهِ ؟ قال : ذلك الَّذي تريد ، فكنْ حينئذٍ رجلاً. وقد ذكرنا حديثَ ابن مسعود الذي فيه :
( يخلف من بعدهم خُلوفٌ ، فمن جاهدَهم بيدِه ، فهو مؤمنٌ ) … الحديث ، وهذا يدلُّ على جهاد الأمراءِ باليد . وقد استنكر الإمامُ أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال : هو خلافُ الأحاديث التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها بالصَّبر على جَوْرِ الأئمة . وقد يجاب عن ذلك : بأنَّ التَّغييرَ باليدِ لا يستلزمُ القتالَ . وقد نصَّ على ذلك أحمدُ أيضاً في رواية صالحٍ ، فقال : التَّغييرُ باليد ليسَ بالسَّيف والسِّلاح ، وحينئذٍ فجهادُ الأمراءِ باليد أنْ يُزيلَ بيده ما فعلوه مِنَ المنكرات ، مثل أنْ يُريق خمورَهم أو يكسِرَ آلات الملاهي التي لهم ، ونحو ذلك ، أو يُبطل بيده ما أمروا به مِنَ الظُّلم إن كان له قُدرةٌ على ذلك، وكلُّ هذا جائزٌ، وليس هو من باب قتالهم، ولا مِنَ الخروج عليهم الذي ورد النَّهيُ عنه، فإنَّ هذا أكثرُ ما يخشى منه أن يقتل الآمر وحده.
وأما الخروج عليهم بالسَّيف ، فيخشى منه الفتنُ التي تؤدِّي إلى سفك دماءِ المسلمين . نعم ، إنْ خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهلَه أو جيرانه ، لم ينبغِ له التعرُّض لهم حينئذ ، لما فيه مِنْ تعدِّي الأذى إلى غيره ، كذلك قال الفضيلُ بنُ عياض وغيره ، ومع هذا ، فمتى خافَ منهم على نفسه السَّيف ، أو السَّوط ، أو الحبس ، أو القيد ، أو النَّفيَ ، أو أخذ المال ، أو نحوَ ذلك مِنَ الأذى ، سقط أمرُهم ونهيُهم ، وقد نصَّ الأئمَّةُ على ذلك ، منهم : مالكٌ وأحمدُ وإسحاق وغيرهم.
قال أحمد : لا يتعرَّضُ للسُّلطان ، فإنَّ سيفَه مسلولٌ.
وقال ابنُ شُبرمَة : الأمرُ بالمعروف ، والنَّهيُ عن المنكر كالجهاد ، يجبُ على الواحد أن يُصابِرَ فيه الاثنين ، ويَحْرُم عليه الفرارُ منهما ، ولا يجبُ عليهم مصابرةُ أكثرَ من ذلك. فإن خافَ السَّبَّ ، أو سَماعَ الكلامِ السَّيء ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك نصَّ عليه الإمام أحمد ، وإن احتمل الأذى ، وقوِيَ عليه ، فهو أفضلٌ ، نصَّ عليه أحمد أيضاً ، وقيل له : أليس قد جاء عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه ) أن يعرّضها مِنَ البلاء لما لا طاقة له به ، قال : ليس هذا من ذلك . ويدلُّ على ما قاله ما خرَّجه أبو داود وابن ماجه والترمذيُّ من حديث أبي سعيد عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أفضلُ الجهاد كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ ).
وخرَّج ابنُ ماجه معناه من حديث أبي أُمامة. وفي " مسند البزار " بإسنادٍ فيه جهالة ، عن أبي عُبيدة بن الجراح ، قال : قلتُ : يا رسول الله ، أيُّ الشُّهداءِ أكرم على الله ؟ قال : ( رجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ ، فأمره بمعروفٍ ، ونهاه عن المنكر فقتله ) . وقد رُوي معناه من وجوه أُخر كلُّها فيها ضعفٌ.
وأما حديثُ : ( لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه )، فإنَّما يدلُّ على أنَّه إذا عَلِمَ أنَّه لا يُطيق الأذى ، ولا يصبرُ عليه ، فإنّه لا يتعرَّض حينئذٍ للآمر ، وهذا حقٌّ ، وإنَّما الكلامُ فيمن عَلِمَ من نفسه الصَّبر ، كذلك قاله الأئمَّةُ ، كسفيانَ وأحمد ، والفضيل بن عياض وغيرهم.
وقد رُوي عن أحمد ما يدلُّ على الاكتفاء بالإنكارِ بالقلب ، قال في رواية أبي داود : نحن نرجو إنْ أنكَرَ بقلبه ، فقد سَلِم ، وإنْ أنكر بيده ، فهو أفضل ، وهذا محمولٌ على أنَّه يخاف كما صرَّح بذلك في رواية غيرِ واحدٍ . وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنَّه لا يقبلُ منه ، وصحح القولَ بوجوبه ، وهو قولُ أكثرِ العلماء . وقد قيل لبعض السَّلف في هذا ، فقال : يكون لك معذرةٌ ، وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السَّبت أنَّهم قالوا لمن قال لهم : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }، وقد ورد ما يستدلُّ به على سقوط الأمر والنهي عندَ عدم القَبول والانتفاع به ، ففي " سنن أبي داود " وابن ماجه والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنَّه قيل له : كيف تقولُ في هذه الآية : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ }، فقال : أما والله لقد سألتُ عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( بل ائتمِروا بالمعروف ، وانتهُوا عن المنكرِ ، حتى إذا رأيتَ شُحّاً مُطاعاً ، وهوىً مُتَّبعاً ، ودُنيا مُؤْثَرةً ، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه ، فعليك بنفسك ، ودع عنك أمر العوامِّ ).
وفي " سنن أبي داود " (1) عن عبد الله بن عمرو ، قال : بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذ ذكر الفتنة ، فقال : ( إذا رأيتُمُ الناس مَرَجَتْ عهودُهم ، وخفَّت أماناتُهم ، وكانوا هكذا ) وشبك بين أصابعه ، فقمتُ إليه ، فقلت : كيف أفعلُ عندَ ذلك ، جعلني الله فداك ؟ قال : ( الزم بيتَك ، واملِكْ عليك لسانك ، وخُذْ بما تَعرِفْ ، ودع ما تُنكرُ ، وعليك بأمر خاصَّةِ نفسك ، ودع عنك أمرَ العامَّة ).
وكذلك رُوي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } ، قالوا : لم يأت تأويلُها بعدُ ، إنَّما تأويلها في آخر الزمان.
وعن ابن مسعود ، قال : إذا اختلفتِ القلوبُ والأهواءُ ، وأُلبِستُم شِيَعاً ، وذاقَ بعضُكم بأسَ بعضٍ ، فيأمرُ الإنسانُ حينئذٍ نفسَه ، حينئذ تأويل هذه الآية.
وعن ابن عمرَ ، قال : هذه الآية لأقوامٍ يجيئون من بعدنا ، إنْ قالوا لم يُقْبَلْ منهم.
وقال جبير بنُ نُفيرٍ عن جماعة من الصَّحابة ، قالوا : إذا رأيتَ شحّاً مُطاعاً وهوىً متَّبعاً ، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه ، فعليك بنفسِكَ ، لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتديتَ.
وعن مكحول ، قال : لم يأتِ تأويلها بعدُ ، إذا هاب الواعظ ، وأنكر الموعوظ ، فعليك حينئذٍ بنفسك لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتديت.
وعن الحسن : أنَّه كان إذا تلا هذه الآية ، قال : يا لها مِنْ ثقةٍ ما أوثقها ! ومن سَعةٍ ما أوسَعها ! وهذا كلُّه قد يُحمل على أنَّ من عجز عن الأمر بالمعروف ، أو خاف الضَّرر ، سقط عنه ، وكلامُ ابن عمر يدلُّ على أنَّ من عَلِمَ أنَّه لا يُقبل منه ، لم يجب عليه ، كما حُكي روايةً عن أحمد، وكذا قال الأوزاعيُّ: مُرْ من ترى أنْ يقبلَ منك.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الذي يُنكر بقلبه : ( وذلك أضعفُ الإيمان ) يدلُّ على أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ من خصال الإيمان ، ويدلُّ على أنَّ من قدرَ على خَصلةٍ من خصال الإيمان وفعلها ، كان أفضلَ مِمَّن تركها عجزاً عنها ، ويدلُّ على ذلك أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم - في حقِّ النساء : ( أمَّا نُقصانُ دينها ، فإنَّها تمكثُ الأيَّام واللَّيالي لا تصلِّي ) يُشير إلى أيَّامِ الحيض ، مع أنَّها ممنوعةٌ من الصَّلاةِ حينئذ ، وقد جعل ذلك نقصاً في دينها ، فدلَّ على أنَّ من قدَرَ على واجبٍ وفعله ، فهو أفضلُ ممَّن عجز عنه وتركه ، وإنْ كان معذوراً في تركه ، والله أعلم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ رأى منكم منكراً ) يدلُّ على أنَّ الإنكارَ متعلِّقٌ بالرُّؤية ، فلو كان مستوراً فلم يره ، ولكن علم به ، فالمنصوصُ عن أحمد في أكثر الروايات أنَّه لا يعرِضُ له ، وأنه لا يفتِّش على ما استراب به، وعنه رواية أخرى أنَّه يكشف المغطَّى إذا تحقَّقه ، ولو سَمِعَ صوتَ غناءٍ محرَّمٍ أو آلات الملاهي ، وعلم المكانَ التي هي فيه ، فإنَّه يُنكرها ، لأنه قد تحقَّق المنكر ، وعلم موضعَه ، فهو كما رآه ، نصَّ عليه أحمد ، وقال : إذا لم يعلم مكانَه ، فلا شيءَ عليه.
وأما تسوُّرُ الجدران على من علم اجتماعَهم على منكرٍ ، فقد أنكره الأئمَّةُ مثلُ سفيان الثَّوري وغيره ، وهو داخلٌ في التجسُّس المنهيِّ عنه ، وقد قيل لابن مسعود : إنَّ فلاناً تقطر لحيتُه خمراً ، فقال : نهانا الله عَنِ التَّجسُّس.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب " الأحكام السلطانية " : إنْ كان في المُنكر الذي غلب على ظنِّه الاستسرارُ به بإخبار ثقةٍ عنه انتهاكُ حرمة يفوتُ استدراكُها كالزنى والقتل ، جاز التجسسُ والإقدام على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم ، وإنْ كان دُونَ ذلك في الرُّتبة ، لم يجز التَّجَسُّسُ عليه ، ولا الكشفُ عنه.
والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمَعاً عليه، فأمَّا المختَلَفُ فيه، فمن أصحابنا من قال : لا يجب إنكارُه على من فعله مجتهداً فيه ، أو مقلِّداً لمجتهدٍ تقليداً سائغاً.
واستثنى القاضي في ( الأحكام السلطانية ) ما ضَعُفَ فيه الخلافُ وكان ذريعةً إلى محظورٍ متَّفقٍ عليه ، كربا النقد الخلاف فيه ضعيفٌ ، وهو ذريعةٌ إلى ربا النَّساء المتَّفق على تحريمه ، وكنكاح المتعة ، فإنَّه ذريعةٌ إلى الزِّنى . وذكر عن أبي إسحاق بن شاقلا أنَّه ذكرَ أنَّ المتعة هي الزنى صراحاً.
وعن ابن بطة أنّه قال : لا يفسخ نكاحٌ حكم به قاضٍ إذا كان قد تأوَّل فيه تأويلاً ، إلاَّ أنْ يكون قضى لرجلٍ بعقدِ متعة ، أو طلق ثلاثاً في لفظٍ واحدٍ ، وحكم بالمراجعة من غيرِ زوجٍ ، فحكمُهُ مردودٌ ، وعلى فاعله العقوبةُ والنَّكالُ.
والمنصوصُ عن أحمد : الإنكارُ على اللاّعب بالشطرنج ، وتأوَّله القاضي على من لعب بها بغير اجتهادٍ ، أو تقليدٍ سائغٍ ، وفيه نظرٌ ، فإنَّ المنصوصَ عنه أنَّه يُحَدُّ شاربُ النَّبيذِ المختلفِ فيه ، وإقامةُ الحدّ أبلغُ مراتبِ الإنكارِ ، مع أنَّه لا يفسق بذلك عنده ، فدلَّ على أنَّه ينكَرُ كلُّ مختلفٍ فيه ضَعفُ الخلافُ فيه ، لدلالة السُّنَّة على تحريمه ، ولا يخرجُ فاعلُه المتأوّل مِنَ العدالة بذلك ، والله أعلم . وكذلك نصَّ أحمدُ على الإنكار على من لا يتم صلاتَه ولا يُقيم صلبه من الرُّكوعِ والسُّجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك.
واعلم أنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكرِ تارةً يحمِلُ عليه رجاءُ ثوابه ، وتارةً خوفُ العقابِ في تركه ، وتارةً الغضب لله على انتهاك محارمه ، وتارةً النصيحةُ للمؤمنين ، والرَّحمةُ لهم ، ورجاء إنقاذهم ممَّا أوقعوا أنفسهم فيه من التعرُّض لغضب الله وعقوبته في الدُّنيا والآخرة ، وتارةً يحملُ عليه إجلالُ الله وإعظامُه ومحبَّتُه ، وأنَّه أهلٌ أنْ يُطاعَ فلا يُعصى ، ويُذكَرَ فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يُكفر ، وأنْ يُفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال ، كما قال بعضُ السَّلف : وددت أنَّ الخلقَ كلَّهم أطاعوا الله ، وإنَّ لحمي قُرِض بالمقاريض. وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه : وددتُ أنِّي غلت بيَ وبكَ القدورُ في الله - عز وجل -.
ومن لَحَظَ هذا المقامَ والذي قبله ، هان عليه كلُّ ما يلقى من الأذى في الله تعالى ، وربما دعا لمن آذاه ، كما قال ذلك النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا ضربه قومُه فجعل يمسَحُ الدَّمَ عن وجهه ، ويقول : ( ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون ).
وبكلِّ حالٍ يتعين الرفقُ في الإنكار ، قال سفيان الثوري : لا يأمرُ بالمعروف ويَنهى عن المنكرِ إلاّ من كان فيه خصالٌ ثلاثٌ : رفيقٌ بما يأمرُ ، رفيقٌ بما ينهى ، عدلٌ بما يأمر ، عدلٌ بما ينهى ، عالمٌ بما يأمر ، عالم بما ينهى.
وقال أحمد : النّاسُ محتاجون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غِلظةٍ إلا رجل معلن بالفسق ، فلا حُرمَةَ له ، قال : وكان أصحابُ ابن مسعود إذا مرُّوا بقومٍ يرون منهم ما يكرهونَ ، يقولون : مهلاً رحمكم الله ، مهلاً رحمكم الله.
وقال أحمد : يأمر بالرِّفقِ والخضوع ، فإن أسمعوه ما يكره ، لا يغضب ، فيكون يريدُ ينتصرُ لنفسه.


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 10:55 am