الحديث السابع والثلاثون

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2592
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث السابع والثلاثون

مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة مايو 19, 2017 10:50 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث السابع والثلاثون ] ●

عَنِ ابنِ عَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنْ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَروي عَنْ رَبِّهِ تَباركَ وتَعَالى قَالَ : ( إنَّ الله - عز وجل - كَتَبَ الحَسَناتِ والسيِّئاتِ ، ثمَّ بَيَّنَ ذلك ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ ، فَلَمْ يَعْمَلْها ، كَتَبها الله عِنْدَهُ حَسنَةً كَامِلةً ، وإن هَمَّ بِها فَعَمِلَها ، كَتَبَها الله عَنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعاف كَثيرةٍ ، وإنْ هَمَّ بسيِّئة ، فلمْ يَعْمَلها ، كَتَبَها عِنْدَهُ حَسنةً كَامِلةً ، وإنْ هَمَّ بِهَا ، فعَمِلَها كَتَبَها الله سيِّئة واحِدَةً ) . رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلمٌ.
هذا الحديث خرَّجاه من رواية الجعد أبي عثمان : حدَّثنا أبو رجاءٍ العُطاردي ، عن ابنِ عبَّاس . وفي رواية لمسلم زيادةٌ في آخر الحديث ، وهي : ( أو محاها الله ، ولا يَهلِكُ على الله إلاَّ هالكٌ ).
وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة ، فخرجا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يقولُ الله : إذا أراد عبدي أنْ يعملَ سيِّئة ، فلا تكتُبوها عليه حتَّى يعملها ، فإنْ عملَها ، فاكتبوها بمثلِها ، وإنْ تركها مِنْ أجلي ، فاكتبوها له حسنةً ، وإذا أراد أنْ يعملَ حسنةً ، فلم يعمَلْها ، فاكتبوها له حسنةً ، فإن عملَها ، فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ ) وهذا لفظ البخاري،
وفي رواية لمسلم : ( قال الله - عز وجل - : إذا تحدَّثَ عبدي بأنْ يعملَ حسنةً ، فأنا أكتُبها له حسنةً ما لم يعمل ، فإذا عملَها ، فأنا أكتُبها بعشرِ أمثالها ، وإذا تحدَّث بأنْ يعملَ سيِّئة ، فأنا أغفِرُها له ما لم يعملْهَا ، فإذا عملها ، فأنا أكتُبها له بمثلها ) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قالتِ الملائكةُ : ربِّ ذاك عبدُك يريدُ أنْ يعملَ سيِّئة - وهو أبصرُ به - قال : ارقبوه ، فإنْ عملَها ، فاكتبوها له بمثلها ، وإنْ تركها ، فاكتبوها له حسنةً ، إنَّما تركها من جرَّايَ ) . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أحسنَ أحدُكم إسلامه ، فكلُّ حسنةٍ يعملها تُكتبُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف ، وكلُّ سيِّئة يعملُها تُكتَبُ بمثلها حتَّى يلقى الله ).
وفي " الصحيحين " عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف : الحسنةُ عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف ، قال الله - عز وجل - : إلاَّ الصِّيام ، فإنَّه لي ، وأنا أجزي به ، يدعُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه مِنْ أجلي ) ، وفي رواية بعد قوله : ( إلى سبع مئة ضعف ) : ( إلى ما يشاء الله ).
وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذرٍّ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يقولُ الله : مَنْ عمل حسنةً، فله عشرُ أمثالها أو أَزِيدُ ، ومن عمل سيِّئة ، فجزاؤها مِثلُها أو أغفرُ ).
وفيه أيضاً عن أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من همَّ بحسنةٍ ، فلم يعْمَلها ، كُتِبَت له حسنةً ، فإنْ عَمِلَها ، كتبت له عشراً ، ومن هَمَّ بسيِّئة ، فلم يعملها لم يُكتب عليه شيءٌ ، فإنْ عَمِلَها ، كُتِبَت عليه سيِّئة واحدةً ).
وفي " المسند " عن خُرَيْمِ بن فاتكٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من همَّ بحسنة ، فلم يعملها ، فعلم الله أنَّه قد أشعرها قلبه ، وحَرَصَ عليها ، كُتِبَت له حسنة ، ومن همَّ بسيِّئة لم تُكتب عليه ، ومن عَمِلَها كتبت له واحدة ، ولم تُضاعَف عليه ، ومن عَمِلَ حسنة كانت له بعشر أمثالها ، ومن أنفقَ نفقة في سبيلِ الله ، كانت له بسبع مئة ضعف ) . وفي المعنى أحاديث أخر متعددة.
فتضمنت هذه النُّصوص كتابةَ الحسنات ، والسيِّئات ، والهمّ بالحسنةِ والسيِّئة ، فهذه أربعة أنواع:
النوع الأول : عملُ الحسنات ، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرةٍ ، فمُضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازمٌ لكلِّ الحسنات ، وقد دلَّ عليه قوله تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }.
وأما زيادةُ المضاعفةِ على العشر لمن شاء الله أن يُضاعف له ، فدلَّ عليه قوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }، فدلَّت هذه الآيةُ على أنّ النَّفقة في سبيل الله تُضاعف بسبع مئة ضعف.
وفي " صحيح مسلم " عن أبي مسعود ، قال : جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ ، فقال : يا رسول الله ، هذه في سبيل الله ، فقال : ( لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة ).
وفي " المسند " بإسنادٍ فيه نظر عن أبي عُبيدة بن الجرّاح ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبع مئةٍ ، ومن أنفق على نفسه وأهله ، أو عادَ مريضاً ، أو مازَ أذى ، فالحسنةُ بعشرِ أمثالها ).
وخرَّج أبو داود من حديث سهل بنِ معاذٍ عن أبيه ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الصَّلاة ، والصِّيام ، والذِّكرَ يُضاعف على النَّفقة في سبيل الله بسبع مئة ضعف ).
وروى ابنُ أبي حاتم بإسناده عن الحسن ، عن عمران بنِ حُصين عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من أرسل نفقةً في سبيلِ الله ، وأقام في بيته ، فله بكلِّ درهم سبع مئة درهم ، ومن غزا بنفسه في سبيل الله ، فلهُ بكلِّ درهم سبع مئة ألف درهم ) ثم تلا هذه الآية : { واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ }.
وخرَّج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر ، قال : لمَّا نزلتْ هذه الآية : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ }، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ربِّ زد أمتي ) ، فأنزل الله تعالى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً }، فقال : ( ربِّ زدْ أمَّتي ) ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }.
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث عليِّ بن زيد بن جُدعان ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ ، عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله ليُضاعِفُ الحسنةَ ألفي ألفِ حسنةٍ ) ثم تلا أبو هريرة : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }. وقال : ( إذا قال الله أجراً عظيماً ، فمن يقدر قدره ؟ ) وروي عن أبي هريرة موقوفاً.
وخرَّج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً : ( من دخل السُّوقَ ، فقال : لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، له الملك ، وله الحمدُ ، يُحيي ويُميتُ ، وهو حيٌّ لا يموت ، بيدِه الخيرُ ، وهو علي كلِّ شيءٍ قديرٌ ، كتب اللهُ له ألفَ ألفِ حسنةٍ ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيِّئة ، ورفع له ألفَ ألفِ درجةٍ ).
ومن حديث تميم الداري مرفوعاً : ( من قال : أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له ، إلهاً واحداً أحداً صمداً ، لم يتَّخِذْ صاحبةً ولا ولداً ، ولم يكن له كفواً أحد عشرَ مرات ، كتبَ الله له أربعين ألفَ ألف حسنةٍ ) ، وفي كلا الإسنادين ضعف.
وخرّج الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ عمر مرفوعاً : ( من قال : سبحان الله ، كتب الله مئة ألف حسنة ، وأربعة وعشرين ألف حسنة ).
وقوله في حديث أبي هريرة : ( إلاَّ الصيام ، فإنّه لي ، وأنا أجزي به ) يدلُّ على أنَّ الصِّيام لا يَعلمُ قدر مضاعفة ثوابه إلا الله - عز وجل - لأنّه أفضلُ أنواع الصَّبر ، و { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }، وقد رُويَ هذا المعنى عن طائفةٍ مِنَ السَّلف ، منهم كعبٌ وغيره ، وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث : ( من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه ) أنَّ مضاعفة الحسنات زيادةً على العشرِ تكونُ بحسبِ حُسنِ الإسلام، كما جاء ذلك مصرَّحاً به في حديث أبي هريرة وغيره ، وتكون بحسب كمال الإخلاص ، وبحسب فضلِ ذلك العمل في نفسه ، وبحسب الحاجة إليه . وذكرنا من حديث ابن عمر أنّ قوله : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } نزلت في الأعراب ، وأن قوله : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } نزلت في المهاجرين.
النوع الثاني : عمل السيِّئات ، فتكتب السيِّئةُ بمثلها مِنْ غير مضاعفةٍ ، كما قال تعالى : { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }.
وقوله : ( كتبت له سيِّئة واحدة ) إشارةٌ إلى أنّها غيرُ مضاعفة ، ما صرَّح به في حديث آخر ، لكن السَّيِّئة تعظُمُ أحياناً بشرف الزَّمان ، أو المكان ، كما قال تعالى : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : { فَلا تَظلِموا فِيهِنَّ أنفُسَكُم }: في كلِّهنَّ ، ثم اختصَّ من ذلك أربعةَ أشهُر ، فجعلهنَّ حرماً ، وعظم حُرماتهنَّ ، وجعل الذَّنبَ فيهنَّ أعظمَ ، والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة في هذه الآية : اعلموا أنَّ الظلمَ في الأشهر الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووزْراً فيما سوى ذلك ، وإن كان الظُّلمُ في كلِّ حالٍ غيرَ طائل ، ولكنَّ الله تعالى يُعظِّم من أمره ما يشاء تعالى ربنا.
وقد روي في حديثين مرفوعين أنَّ السيِّئاتِ تُضاعَفُ في رمضان ، ولكن إسنادهما لا يصحُّ.
وقال الله تعالى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ }. قال ابن عمر: الفسوق : ما أُصيبَ مِنْ معاصي الله صيداً كان أو غيره ، وعنه قال : الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم .
وقال تعالى : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }.
وكان جماعة من الصحابة يتَّقونَ سُكنى الحرم ، خَشيةَ ارتكابِ الذُّنوب فيه منهم : ابنُ عباس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل ، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : الخطيئةُ فيه أعظم. ورُوي عن عمر بن الخطاب ، قال : لأَنْ أُخطئ سبعينَ خطيئةً - يعني : بغيرِ مَكَّةَ - أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُخطئ خطيئة واحدةً بمكة. وعن مجاهد قال : تُضاعف السيِّئات بمكة كما تُضاعف الحسنات. وقال ابن جريج : بلغني أن الخطيئة بمكة بمئة خطيئة ، والحسنة على نحو ذلك.
وقال إسحاق بن منصور : قلتُ لأحمدَ : في شيءٍ من الحديث أنّ السيِّئة تُكتب بأكثرَ مِنْ واحدة ؟ قال : لا ، ما سمعنا إلاَّ بمكَّة لِتعظيم البلد ( ولو أنَّ رجلاً بعدن أبين همَّ ). وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد ، وقوله : ولو أنَّ رجلاً بعدن أبين همَّ هوَ من قول ابن مسعود ، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد تُضاعَفُ السيِّئاتُ بشرف فاعلها ، وقوَّة معرفته بالله ، وقُربِه منه ، فإنَّ مَنْ عَصى السُّلطان على بِساطِه أعظمُ جُرماً مِمَّن عصاه على بُعد ، ولهذا توعَّد الله خاصَّةَ عباده على المعصية بمضاعَفةِ الجزاء ، وإن كان قد عصمَهم منها ، ليبيِّنَ لهم فضله عليهم بِعصمَتهم مِنْ ذلك ، كما قال تعالى : { وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ }.
وقال تعالى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ }. وكان عليُّ بن الحسين يتأوَّل في آل النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
النوع الثالث : الهمُّ بالحسنات ، فتكتب حسنة كاملة ، وإنْ لم يعملها ، كما في حديث ابن عباس وغيره ، وفي حديث أبي هريرة الذي خرَّجه مسلمٌ كما تقدم : ( إذا تحدَّث عبدي بأن يعملَ حسنةً ، فأنا أكتُبها له حسنةً ) ، والظَّاهِرُ أن المرادَ بالتَّحدُّث : حديث النفس ، وهو الهمُّ ، وفي حديث خريم بن فاتك : ( مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها ) فعَلِمَ الله أنَّه قد أشعرها قلبَه ، وحَرَصَ عليها ، كتبت له حسنة ، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالهمِّ هنا : هو العزمُ المصمّم الذي يُوجَدُ معه الحرصُ على العمل ، لا مجرَّدُ الخَطْرَةِ التي تخطر ، ثم تنفسِخُ من غير عزمٍ ولا تصميم.
قال أبو الدرداء : من أتى فراشه ، وهو ينوي أن يُصلِّي مِن اللَّيل ، فغلبته عيناه حتّى يصبحَ ، كتب له ما نوى . وروي عنه مرفوعاً، وخرَّجه ابن ماجه مرفوعاً . قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف ، وروي معناه من حديث عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وروي عن سعيد بن المسيب ، قال : من همَّ بصلاةٍ ، أو صيام ، أو حجٍّ ، أو عمرة ، أو غزو ، فحِيلَ بينه وبينَ ذلك ، بلَّغه الله تعالى ما نوى.
وقال أبو عِمران الجونيُّ: يُنادى المَلَكُ : اكتب لفلان كذا وكذا ، فيقولُ : يا ربِّ ، إنَّه لم يعملْهُ ، فيقول : إنَّه نواه .
وقال زيدُ بن أسلم : كان رجلٌ يطوفُ على العلماء ، يقول : من يدلُّني على عملٍ لا أزال منه لله عاملاً ، فإنِّي لا أُحبُّ أنْ تأتيَ عليَّ ساعةٌ مِنَ الليلِ والنَّهارِ إلاَّ وأنا عاملٌ لله تعالى ، فقيل له : قد وجدت حاجتَكَ ، فاعمل الخيرَ ما استطعتَ ، فإذا فترْتَ ، أو تركته فهمَّ بعمله ، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله.
ومتى اقترن بالنيَّة قولٌ أو سعيٌ ، تأكَّدَ الجزاءُ ، والتحقَ صاحبُه بالعامل ، كما روى أبو كبشة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ : عبدٍ رَزَقَهُ الله مالاً وعلماً ، فهو يتَّقي فيه ربَّه ، ويَصِلُ به رَحِمَه ، ويعلمُ لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبدٍ رزقه الله علماً ، ولم يرزقه مالاً ، فهو صادِقُ النِّيَّة ، يقول : لو أنَّ لي مالاً ، لعمِلْتُ بعملِ فلانٍ ، فهو بنيتِه ، فأجرُهُما سواءٌ ، وعبدٍ رزقه الله مالاً ، ولم يرزُقه علماً يَخبِطُ في ماله بغير علمٍ ، لا يتَّقي فيه ربّه ، ولا يَصِلُ فيه رحِمهُ ، ولا يعلمُ لله فيه حقاً ، فهذا بأخبثِ المنازل ، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً ، فهو يقول : لو أنَّ لي مالاً ، لعَمِلتُ فيه بعمل فلانٍ فهو بنيته فوِزْرُهما سواءٌ ) خرَّجه الإمام أحمد والترمذى وهذا لفظُهُ ، وابن ماجه.
وقد حمل قوله : ( فهما في الأجر سواءٌ ) على استوائهما في أصلِ أجرِ العمل ، دون مضاعفته ، فالمضاعفةُ يختصُّ بها من عَمِلَ العمل دونَ من نواه فلم يعمله ، فإنَّهما لو استويا مِنْ كلِّ وجه ، لكُتِبَ لمن همَّ بحسنةٍ ولم يعملها عشرُ حسناتٍ ، وهو خلافُ النُّصوصِ كلِّها ، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى : { فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ }. قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضَّلُ عليهم المجاهدون درجة همُ القاعدون من أهلِ الأعذار ، والقاعدون المفضَّل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار.
النوع الرابع : الهمُّ بالسَّيِّئات من غير عملٍ لها ، ففي حديث ابن عباس : أنَّها تُكتب حسنةً كاملةً ، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: أنَّها تُكتَبُ حسنةً ، وفي حديث أبي هريرة قال : ( إنَّما تركها مِن جرَّاي ) يعني : من أجلي . وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ مَنْ قَدَرَ على ما همَّ به مِنَ المعصية ، فتركه لله تعالى ، وهذا لا رَيبَ في أنَّه يُكتَبُ له بذلك حسنة ؛ لأنَّ تركه للمعصية بهذا المقصد عملٌ صالحٌ.
فأمَّا إن همَّ بمعصية ، ثم ترك عملها خوفاً من المخلوقين ، أو مراءاةً لهم ، فقد قيل : إنَّه يُعاقَبُ على تركها بهذه النيَّة ؛ لأنَّ تقديم خوفِ المخلوقين على خوف الله محرَّم . وكذلك قصدُ الرِّياءِ للمخلوقين محرَّم ، فإذا اقترنَ به تركُ المعصية لأجله ، عُوقِبَ على هذا الترك ، وقد خرَّج أبو نعيم بإسنادٍ ضعيف عن ابن عباس ، قال : يا صاحب الذَّنب ، لا تأمننَّ سوءَ عاقبته ، ولمَا يَتبعُ الذَّنبَ أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملتَه ، وذكر كلاماً ، وقال : وخوفُك من الريح إذا حرَّكت سترَ بابِك وأنت على الذَّنب ، ولا يضطربُ فؤادُك مِن نظرِ الله إليك ، أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملته .
وقال الفضيلُ بن عياض : كانوا يقولون : تركُ العمل للناس رياءٌ ، والعمل لهم شرك.
وأمَّا إنْ سعى في حُصولها بما أمكنه ، ثم حالَ بينه وبينها القدرُ ، فقد ذكر جماعةٌ أنَّه يُعاقَب عليها حينئذٍ لقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها ، ما لم تكلَّمْ به أو تعمل ) ومن سعى في حُصول المعصية جَهدَه ، ثمَّ عجز عنها ، فقد عَمِل بها ، وكذلك قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتِلُ والمقتولُ في النَّار ) ، قالوا : يا رسول الله ، هذا القاتلُ ، فما بالُ المقتول ؟! قال : ( إنَّه كان حريصاً على قتل صاحبه ).
وقوله : ( ما لم تكلَّم به ، أو تعمل ) يدلُّ على أنَّ الهامَّ بالمعصية إذا تكلَّم بما همَّ به بلسانه إنَّه يُعاقَبُ على الهمِّ حينئذٍ ؛ لأنَّه قد عَمِلَ بجوارحِه معصيةً ، وهو التَّكلُّمُ باللِّسان ، ويدلُّ على ذلك حديث الذي قال : ( لو أنَّ لي مالاً ، لعملتُ فيه ما عَمِلَ فلان ) يعني : الذي يعصي الله في ماله ، قال : ( فهما في الوزر سواءٌ ).
ومن المتأخرين من قالَ : لا يُعاقَبُ على التكلُّم بما همَّ به ما لم تكن المعصيةُ التي همَّ بها قولاً محرَّماً ، كالقذف والغيبة والكذب ؛ فأمَّا ما كان متعلّقُها العملَ بالجوارح ، فلا يأثمُ بمجرَّدِ التكلُّم ما همَّ به ، وهذا قد يستدلُّ به على حديث أبي هريرة المتقدم : ( وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيِّئة ، فأنا أغفرُها له ما لم يعملها ). ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس ، جمعاً بينه وبين قوله : ( ما لم تكلّم به أو تعمل ) ، وحديث أبي كبشة يدلُّ على ذلك صريحاً ، فإنَّ قول القائل بلسانه : ( لو أنَّ لي مالاً ، لعملتُ فيه بالمعاصي ، كما عمل فلانٌ )، ليس هو العمل بالمعصية التي همّ بها ، وإنَّما أخبر عمَّا همَّ به فقط ممَّا متعلّقه إنفاقُ المالِ في المعاصي ، وليس له مالٌ بالكلّيّة ، وأيضاً ، فالكلام بذلك محرَّمٌ ، فكيف يكون معفوّاً عنه ، غيرَ مُعاقَبٍ عليه ؟ وأمّا إن انفسخت نِيَّتُه ، وفترَت عزيمتُه من غيرِ سببٍ منه ، فهل يُعاقبُ على ما همَّ به مِنَ المعصية ، أم لا ؟ هذا على قسمين:
أحدهما : أن يكون الهمُّ بالمعصية خاطراً خطرَ ، ولم يُساكِنهُ صاحبه ، ولم يعقِدْ قلبَه عليه ، بل كرهه ، ونَفَر منه ، فهذا معفوٌّ عنه ، وهو كالوَساوس الرَّديئَةِ التي سُئِلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عنها ، فقال : ( ذاك صريحُ الإيمان ).
ولمَّا نزل قولُه تعالى : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ }، شقَّ ذلك على المسلمين ، وظنُّوا دُخولَ هذه الخواطر فيه ، فنَزلت الآية التي بعدها ، وفيها قوله : { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ }، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقةَ لهم به ، فهو غيرُ مؤاخذٍ به ، ولا مكلّف به ، وقد سمى ابنُ عباس وغيرُه ذلك نسخاً ، ومرادُهم أنَّ هذه الآية أزالتِ الإيهامَ الواقعَ في النُّفوس من الآية الأولى ، وبيَّنت أنّ المرادَ بالآية الأُولى العزائم المصمَّمُ عليها ، ومثل هذا كان السَّلفُ يسمُّونَه نسخاً.
القسم الثاني : العزائم المصممة التي تقع في النفوس ، وتدوم ، ويساكنُها صاحبُها ، فهذا أيضاً نوعان:
أحدهما : ما كان عملاً مستقلاً بنفسه من أعمالِ القلوب ، كالشَّكِّ في الوحدانية ، أو النبوَّة ، أو البعث ، أو غير ذلك مِنَ الكفر والنفاق ، أو اعتقاد تكذيب ذلك ، فهذا كلّه يُعاقَبُ عليه العبدُ ، ويصيرُ بذلك كافراً ومنافقاً . وقد رُوي عن ابن عباس أنَّه حمل قوله تعالى : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ }، على مثل هذا. وروي عنه حملُها على كتمان الشَّهادة لِقوله تعالى : { وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ }.
ويلحق بهذا القسم سائرُ المعاصي المتعلِّقة بالقلوب ، كمحبة ما يُبغضهُ الله ، وبغضِ ما يحبُّه الله ، والكبرِ ، والعُجبِ ، والحَسدِ ، وسوءِ الظَّنِّ بالمسلم من غير موجِب ، مع أنَّه قد رُوي عن سفيان أنَّه قال في سُوء الظَّنِّ إذا لم يترتب عليه قولٌ أو فعلٌ ، فهو معفوٌّ عنه . وكذلك رُوي عنِ الحسن أنه قال في الحسد ، ولعلَّ هذا محمولٌ من قولهما على ما يجدُه الإنسانُ ، ولا يمكنهُ دفعُه ، فهو يكرهُه ويدفعُه عن نفسه ، فلا يندفعُ إلاَّ على ما يساكِنُه ، ويستروِحُ إليه ، ويُعيدُ حديثَ نفسه به ويُبديه.
والنوع الثاني : ما لم يكن مِنْ أعمال القلوب ، بل كان من أعمالِ الجوارحِ ، كالزِّنى ، والسَّرقة ، وشُرب الخمرِ ، والقتلِ ، والقذفِ ، ونحو ذلك ، إذا أصرَّ العبدُ على إرادة ذلك ، والعزم عليه ، ولم يَظهرْ له أثرٌ في الخارج أصلاً . فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما : يؤاخذ به ، قال ابنُ المبارك : سألتُ سفيان الثوريَّ : أيؤاخذُ العبدُ بالهمَّةِ ؟ فقال : إذا كانت عزماً أُوخِذَ. ورجَّح هذا القولَ كثيرٌ من الفُقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين من أصحابنا وغيرهم ، واستدلوا له بنحو قوله - عز وجل - : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ }، وقوله : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }، وبنحو قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( الإثمُ ما حاكَ في صدركَ ، وكرهتَ أنْ يطَّلع عليه النَّاسُ )، وحملوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله تجاوزَ لأُمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها ، ما لم تكلَّم به أو تعمل ) على الخَطَراتِ ، وقالوا : ما ساكنه العبدُ ، وعقد قلبه عليه ، فهو مِنْ كسبه وعملِه ، فلا يكونُ معفوّاً عنه ، ومِنْ هؤلاء من قال : إنَّه يُعاقَبُ عليه في الدُّنيا بالهموم والغموم ، رُويَ ذلك عن عائشة مرفوعاً وموقوفاً ، وفي صحَّته نظر.
وقيل : بل يُحاسَبُ العبدُ به يومَ القيامة ، فيقفُه الله عليه ، ثمَّ يعفو عنه ، ولا يعاقبه به ، فتكونُ عقوبته المحاسبة ، وهذا مرويٌّ عن ابن عبّاس ، والربيع بن أنس ، وهو اختيار ابن جرير ، واحتجَّ له بحديث ابن عمر في النجوى ، وذاك ليس فيه عمومٌ ، وأيضاً ، فإنَّه واردٌ في الذُّنوب المستورة في الدُّنيا ، لا في وساوس الصُّدور.
والقول الثاني : لا يُؤاخَذُ بمجرَّد النية مطلقاً ، ونُسِبَ ذلك إلى نصِّ الشافعيِّ ، وهو قولُ ابن حامدٍ من أصحابنا عملاً بالعمومات . وروى العَوْفيُّ عن ابنِ عباس ما يدلُّ على مثل هذا القول.
وفيه قول ثالث : أنَّه لا يُؤاخَذُ بالهمِّ بالمعصية إلاّ بأنْ يهِمَّ بارتكابها في الحَرَم ، كما روى السُّديُّ ، عن مرَّةَ ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : ما من عبدٍ يهِمُّ بخطيئةٍ ، فلم يَعمَلها ، فتكتب عليه ، ولو همَّ بقتل إنسان عندَ البيت ، وهو بِعَدَنِ أَبْيَنَ ، أذاقَهُ الله من عذابٍ أليم ، وقرأ عبدُ الله : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }. خرَّجه الإمام أحمد وغيره . وقد رواه عن السدي شعبةُ وسفيان ، فرفعه شعبة ووقفه سفيان ، والقول قول سفيان في وقفه.
وقال الضَّحَّاك: إنَّ الرجل ليهِمُّ بالخطيئة بمكّة ، وهو بأرض أخرى ، فتكتب عليه ، ولم يعملها ، وقد تقدَّم عن أحمد وإسحاق ما يدلُّ على مثل هذا القول ، وكذا حكاه القاضي أبو يعلي عن أحمد . وروى أحمد في رواية المروذي حديثَ ابنِ مسعودٍ هذا ، ثم قال أحمد يقول : مَنْ يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ ، قال أحمد : لو أنَّ رجلاً بعدنِ أَبْيَنَ همَّ بقتل رجل في الحرم ، هذا قول الله سبحانه : { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ، هكذا قول ابن مسعود رضى الله عنه. وقد ردَّ بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي مُتَعلَّقُها القلب ، وقال : الحرمُ يجبُ احترامُهُ وتعظيمُه بالقلوب ، فالعقوبة على ترك هذا الواجب ، وهذا لا يصحُّ ، فإنَّ حُرمَةَ الحرمِ ليست بأعظمَ من حُرمَةِ محرِّمه سبحانه ، والعزمُ على معصية الله عزمٌ على انتهاكِ محارمِه ، ولكن لو عزم على ذلك قصداً ، لانتهاكِ حُرمةِ الحرم ، واستخفافاً بحُرمته ، فهذا كما لو عَزَمَ على فعلِ معصيةٍ لقصدِ الاستخفافِ بحرمةِ الخالق - عز وجل - ، فيكفُرُ بذلك ، وإنَّما ينتفي الكفرُ عنه إذا كان همُّه بالمعصية لمجرَّد نيل شهوته ، وغرض نفسه ، مع ذهولِه عن قصدِ مخالفة الله ، والاستخفافِ بهيبته وبنظره ، ومتى اقترن العملُ بالهمِّ ، فإنَّه يُعاقَبُ عليه ، سواءٌ كان الفعلُ متأخِّراً أو متقدماً ، فمن فعل محرَّماً مرَّةً ، ثم عزم على فعله متى قَدَرَ عليه ، فهو مُصِرٌّ على المعصية ، ومعاقَبٌ على هذه النية ، وإن لم يَعُدْ إلى عمله إلاّ بعد سنين عديدة . وبذلك فسّر ابنُ المبارك وغيرُه الإصرار على المعصية.
وبكلِّ حالٍ ، فالمعصيةُ إنَّما تكتَبُ بمثلِها من غير مضاعفةٍ ، فتكونُ العقوبةُ على المعصيةِ ، ولا ينضمُّ إليها الهمُّ بها ، إذا لو ضُمَّ إلى المعصية الهمُّ بها ، لعُوقبَ على عمل المعصية عقوبتين ، ولا يقال : فهذا يلزم مثلُه في عمل الحسنة ، فإنه إذا عملها بعد الهمِّ بها ، أُثيب على الحسنة دُونَ الهمِّ بها ، لأنَّا نقول : هذا ممنوع ، فإنَّ من عَمِلَ حسنة ، كُتِبَت له عشرَ أمثالِها ، فيجوزُ أن يكونَ بعضُ هذه الأمثال جزاءً للهمِّ بالحسنة ، والله أعلم.
وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم: ( أو محاها الله ) يعني : أنَّ عمل السيِّئة : إمَّا أنْ تُكتَب لعاملها سيِّئة واحدة ، أو يمحوها الله بما شاءَ مِنَ الأسباب ، كالتوبة والاستغفار ، وعمل الحسنات . وقد سبق الكلامُ على ما تُمحى به السيِّئات في شرح حديث أبي ذر : ( اتَّقِ الله حيثُما كنت ، وأتبع السيِّئةَ الحسنة تمحُها ).
وقوله بعد ذلك : ( ولا يَهلِكُ على الله إلاّ هالكٌ ) : يعني بعد هذا الفضل العظيم من الله ، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات ، والتَّجاوز عن السيِّئات ، لا يَهلِكُ على الله إلاّ من هلك ، وألقى بيده إلى التَّهلُكة ، وتجرَّأ على السيِّئات ، ورَغِبَ عن الحسنات ، وأعرض عنها . ولهذا قال ابنُ مسعود: ويلٌ لمن غلب وحْدانُه عشراته . وروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ، مرفوعاً : ( هَلَكَ مَنْ غلَبَ واحدُهُ عشراً ).
وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خَلَّتانِ لا يُحصِيهِما رجلٌ مسلمٌ إلاّ دخَلَ الجنَّة ، وهما يسيرٌ ، ومَنْ يعمَلُ بهما قليلٌ : تُسبِّح الله في دبر كلِّ صلاةٍ عشراً ، وتَحمده عشراً ، وتُكبِّرُه عشراً ، قال : فتلك خمسون ، ومئة باللسان ، وألف وخمس مئة في الميزان ، وإذا أخذتَ مضجعك ، تُسبحه ، وتكبره ، وتحمده مئة ، فتلك مئة باللسان ، وألف في الميزان ، فأيُّكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مئة سيِّئة.
وفي " المسند " عن أبي الدرداء ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يَدَعْ أحدٌ منكم أنْ يعمل لله ألف حسنة حين يُصبح يقول : سبحانَ الله وبحمده مئة مرة ، فإنَّها ألفُ حسنةٍ ، فإنَّه لنْ يعمل إنْ شاءَ الله تعالى مثل ذلك في يومه من الذنوب ، ويكون ما عمل من خير سوى ذلك وافراً ).


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 9:40 am