الحديث التاسع والثلاثون والحديث الأربعون

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2592
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث التاسع والثلاثون والحديث الأربعون

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت مايو 20, 2017 11:09 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم
الحديث التاسع والثلاثون والحديث الأربعون

● [ الحديث التاسع والثلاثون ] ●

عَنِ ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( إنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ ، وما استُكْرِهُوا عليهِ ) . حديثٌ حسَنٌ رَواهُ ابنُ ماجهْ والبَيَهقيُّ وغيرهما.
هذا الحديثُ خرَّجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وخرَّجه ابنُ حبَّان في " صحيحه " والدارقطني، وعندهما : عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عُبيد بن عمير ، عن ابنِ عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر ، ورواتُه كلهم محتجٌّ بهم في " الصحيحين " وقد خرَّجه الحاكم، وقال : صحيح على شرطهما . كذا قال ، ولكن له علة ، وقد أنكره الإمام أحمد جداً ، وقال : ليس يُروى فيه إلاَّ عن الحسن ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً . وقيل لأحمد : إنَّ الوليد بن مسلم روى عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله، فأنكره أيضاً.
وذكر لأبي حاتم الرازي حديثُ الأوزاعي ، وحديث مالك ، وقيل له : إنَّ الوليد روى أيضاً عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان ، عن عقبة بن عامر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثله، فقال أبو حاتم : هذه أحاديث منكرة كأنَّها موضوعة ، وقال : لم يسمع الأوزاعيُّ هذا الحديث من عطاءٍ ، وإنَّما سمعه من رجل لم يسمه ، أتوهَّمُ أنّه عبدُ الله بن عامر ، أو إسماعيل بن مسلم ، قال : ولا يصحُّ هذا الحديث ، ولا يثبت إسنادُه.
قلت : وقد رُوي عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عُبيد بن عُمَير مرسلاً من غير ذكر ابن عباس، وروى يحيى بنُ سليم ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : بلغني أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي عَنِ الخطأ والنِّسيان ، وما استُكرهوا عليه ) خرَّجه الجوزجاني ، وهذا المرسلُ أشبه.
وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً رواه مسلم بن خالد الزنجي ، عن سعيد العلاف ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( تُجُوِّزَ لأمَّتي عن ثلاث : عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه ) خرَّجه الجوزجاني . وسعيد العلاف : هو سعيد بن أبي صالح ، قال أحمد : وهو مكيٌّ ، قيل له : كيف حالُه ؟ قالَ : لا أدري وما علمتُ أحداً روى عنه غير مسلم بن خالد، قالَ أحمد : وليس هذا مرفوعاً ، إنَّما هوَ عن ابن عباس قوله . نقل ذَلِكَ عنه مهنا ، ومسلم بن خالد ضعفوه.
وروي من وجه ثالثٍ من رواية بقية بن الوليد ، عن عليٍّ الهمداني ، عن أبي جمرة عن ابن عباس مرفوعاً ، خرَّجه حرب ، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تُساوي شيئاً.
ورُوي من وجه رابع خرَّجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد العَمِّي ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وعبد الرحيم هذا ضعيف.
وقد روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ أُخَر ، وقد تقدَّم أنَّ الوليد بن مسلم رواه عن مالك، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً ، وصححه الحاكم وغرَّبه، وهو عند حُذَّاق الحفّاظ باطل على مالك ، كما أنكره الإمامُ أحمد وأبو حاتم ، وكانا يقولان عن الوليد : إنَّه كثيرُ الخطأ . ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود ، قال : روى الوليدُ بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصلٌ ، منها : عن نافع أربعة. قلت : والظاهر أنَّ منها هذا الحديث ، والله أعلم.
وخرَّجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعتُ أبا الأشعث يُحدث عن ثوبان عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله - عز وجل - تجاوز عن أمتي عن ثلاثة : عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ). و يزيد بن ربيعة ضعيف جداً.
وخرَّج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي ، عن شهر بن حوشب ، عن أمِّ الدرداء ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي عن ثلاث : عن الخطأ والنسيان والاستكراه ) . قال أبو بكر : فذكرت ذلك للحسن ، فقال : أجل ، أما تقرأ بذلك قرآنا : { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }. وأبو بكر الهذلي متروك الحديث.
وخرَّجه ابن ماجه، ولكن عنده عن شهر ، عن أبي ذرٍّ الغفاري ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هوا عليه ) ولم يذكر كلام الحسن.
وأما الحديث المرسل عن الحسن ، فرواه عنه هشام بن حسّان، ورواه منصور ، وعوف عن الحسن من قوله ، لم يرفعه . ورواه جعفر بن جسر بن فرقد ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن أبي بكرة مرفوعاً، وجعفر وأبوه ضعيفان.
قال محمدُ بن نصر المروزي: ليس لهذا الحديث إسنادٌ يحتجُّ به حكاه البيهقي.
وفي " صحيح مسلم " عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، قال لما نزل قولُه تعالى { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قال الله : قد فعلتُ.
وعن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنَّها لما نزلت ، قال : نعم، وليس واحدٌ منهما مصرّحاً برفعه .
وخرّج الدارقطني من رواية ابن جُريج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ، وما أكرهوا عليه ، إلاَّ أنْ يتكلَّموا به أو يعملوا ) ، وهو لفظ غريب . وقد خرَّجه النسائي ولم يذكر الإكراه . وكذا رواه ابنُ عُيينة عن مِسعَرٍ ، عن قتادة ، عن زُرارة بن أوفى ، عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وزاد فيه : ( وما استكرهوا عليه ) خرَّجه ابن ماجه. وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عيينة ، ولم يُتابعه عليها أحد . والحديث مخرَّجٌ من رواية قتادة في " الصحيحين " والسنن والمسانيد بدونها.
ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع ، فقوله : ( إنَّ الله تجاوز لي عن أُمَّتي الخطأ والنِّسيان ) إلى آخره تقديره : إنَّ الله رفع لي عن أُمَّتي الخطأ ، أو ترك ذلك عنهم ، فإنَّ ( تجاوز ) لا يتعدّى بنفسه.
وقوله : ( الخطأ والنسيان ، وما استُكرِهُوا عليه ). فأما الخطأ والنسيان ، فقد صرَّح القرآن بالتَّجاوُزِ عنهما قال الله تعالى : { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }، وقال : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ }.
وفي " الصحيحين " عن عمرو بن العاص سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا حكمَ الحاكمُ ، فاجتهد ، ثم أصابَ ، فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ ، فله أجر ).
وقال الحسن : لولا ما ذَكَر الله من أمر هذين الرجلين - يعني : داود وسليمان - لرأيت أنَّ القُضاةَ قد هلكوا، فإنَّه أثنى على هذا بعلمه ، وعَذَرَ هذا باجتهاده: يعني : قوله : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } الآية.
وأما الإكراه فصرَّح القرآن أيضاً بالتجاوز عنه ، قال تعالى : { مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ }، وقال تعالى : { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } الآية.
ونحن نتكلم إنْ شاء الله في هذا الحديث في فصلين : أحدهما في حكم الخطأ والنسيان ، والثاني في حكم الإكراه.

● [ الفصل الأول ] ●
في الخطأ والنسيان

الخطأ : هو أن يَقصِدَ بفعله شيئاً ، فيُصادف فعلُه غير ما قصده ، مثل : أنْ يقصد قتلَ كافرٍ ، فيصادف قتله مسلماً .
والنسيان : أنْ يكون ذاكراً لشيءٍ ، فينساه عندَ الفعل ، وكلاهما معفوٌّ عنه ، بمعنى أنَّه لا إثمَ فيه ، ولكن رفعُ الإثم لا يُنافي أنْ يترتَّب على نسيانه حكم .
كما أنَّ من نسيَ الوضوء ، وصلَّى ظانّاً أنَّه متطهِّرٌ ، فلا إثم عليه بذلك ، ثم إنْ تبيَّنَ له أنَّه كان قد صلَّى محدِثاً فإنَّ عليه الإعادة.
ولو ترك التسميةَ على الوضوء نسياناً ، وقلنا بوجوبها ، فهل يجبُ عليه إعادةُ الوضوء ؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد.
وكذا لو ترك التسمية على الذبيحة نسياناً ، فيه عنه روايتان، وأكثرُ الفقهاء على أنَّها تؤكل.
ولو ترك الصلاة نسياناً ، ثم ذكر ، فإنَّ عليه القضاء ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها ، فليُصَلِّها إذا ذكرها ، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك ) ثمَّ تلا : { أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي }.
ولو صلَّى حاملاً في صلاته نجاسةً لا يُعفى عنها ، ثم علم بها بعد صلاته ، أو في أثنائها ، فأزالها فهل يُعيدُ صلاته أم لا ؟ فيه قولان ، هما روايتان عن أحمد، وقد رُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه خلع نعليه في صلاته وأتمَّها ، وقال : ( إنَّ جبريل أخبرني أنَّ فيهما أذى ) ولم يُعد صلاته.
ولو تكلَّم في صلاته ناسياً أنَّه في صلاة ، ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران ، هما روايتان عن أحمد، ومذهبُ الشافعي : أنَّها لا تَبطُلُ بذلك.
ولو أكل في صومه ناسياً ، فالأكثرون على أنَّه لا يَبطُلُ صيامه ، عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ أَكل ، أو شرب ناسياً ، فليتمَّ صومه ، فإنَّما أطمعه الله وسقاه ). وقال مالك : عليه الإعادة ؛ لأنَّه بمنزلة من ترك الصلاة ناسياً، والجمهور يقولون : قد أتى بنيَّةِ الصيام ، وإنَّما ارتكب بعض محظوراته ناسياً ، فيُعفى عنه.
ولو جامع ناسياً ، فهل حكمه حكم الآكل ناسياً أم لا ؟ فيهِ قولان : أحدهما : - وهو المشهور عن أحمد – أنَّه يَبطُلُ صيامُه بذلك وعليه القضاء ، وفي الكفارة عنه روايتان. والثاني : لا يبطل صومه بذلك ، كالأكل ، وهو مذهب الشافعي، وحُكي رواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الجماع في الإحرام ناسياً : هل يبطُل به النُّسُكُ أم لا ؟
ولو حلف لا يفعل شيئاً ، ففعله ناسياً ليمينه ، أو مخطئاً ظانّاً أنّه غير المحلوف عليه ، فهل يحنث في يمينه أم لا ؟ فيه ثلاثةُ أقوالٍ هي ثلاث روايات عن أحمد:
أحدها : لا يحنث بكلِّ حال ، ولو كانت اليمينُ بالطَّلاق والعتاق ، وأنكر هذه الرواية عن أحمد الخلالُ ، وقال : هي سهو من ناقلها ، وهو قولُ الشافعي في أحد قوليه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وابن أبي شيبة ، ورُوي عن عطاء ، قال إسحاق : ويُستحلف أنَّه كان ناسياً ليمينه.
والثاني : يحنث بكلِّ حال ، وهو قولُ جماعة مِنَ السَّلف ومالك.
والثالث : يفرَّق بين أنْ يكونَ يمينُه بطلاقٍ أو عتاقٍ ، أو بغيرهما ، وهو المشهورُ عن أحمد ، وقول أبي عُبيدٍ ، وكذا قال الأوزاعيُّ في الطلاق ، وقال : إنَّما الحديثُ الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسياً ، وأقام على امرأته ، فلا إثم عليه ، فإذا ذكر ، فعليه اعتزالُ امرأته ، فإنَّ نسيانَه قد زال . وحكى إبراهيم الحربي إجماعَ التابعين على وقوع الطلاق بالناسي .
ولو قتل مؤمناً خطأً ، فإنَّ عليه الكفَّارةَ والدِّيَة بنصِّ الكتاب ، وكذا لو أتلف مالَ غيره خطأً يظنُّه أنَّه مالُ نفسه.
وكذا قال الجمهورُ في المُحرِم يقتل الصَّيدَ خطأً ، أو ناسياً لإحرامه أنَّ عليه جزاءه، ومنهم من قال : لا جزاءَ عليه إلاَّ أنْ يكونَ متعمداً لقتله تمسُّكاً بظاهر قوله - عز وجل - : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } الآية ، وهو رواية عن أحمد ، وأجاب الجمهورُ عن الآية بأنَّه رتَّب على قتله متعمداً الجزاء وانتقامَ الله تعالى ، ومجموعُهما يختصُّ بالعامد ، وإذا انتفى العمدُ ، انتفى الانتقامُ ، وبقي الجزاءُ ثابتاً بدليل آخر.
والأظهر - والله أعلم - أنَّ الناسي والمخطئ إنَّما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما ؛ لأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد والنيَّات ، والناسي والمخطئ لا قصدَ لهما ، فلا إثم عليهما ، وأمَّا رفعُ الأحكام عنهما ، فليس مراداً منْ هذه النصوص ، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليلٍ آخر.

● [ الفصل الثاني ] ●
في حكم المكره

وهو نوعان :
● أحدهما : من لا اختيارَ له بالكلِّيَّة ، ولا قُدرةَ له على الامتناع ، كمن حُمِلَ كَرْهاً وأدخل إلى مكانٍ حلف على الامتناع من دخوله ، أو حُمِل كَرْهاً ، وضُرب به غيرُه حتّى مات ذلك الغيرُ ، ولا قُدرة له على الامتناع ، أو أُضْجعت ، ثم زُنِي بها من غيرِ قُدرةٍ لها على الامتناع ، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق ، ولا يترتَّب عليه حِنْثٌ
في يمينه عند جمهور العلماء . وقد حُكي عن بعض السَّلف - كالنَّخعي - فيه خلاف ، ووقع مثلُه في كلام بعض أصحاب الشَّافعي وأحمد ، والصحيح عندهم أنَّه لا يحنث بحال.
وروي عن الأوزاعي في امرأة حلفت على شيء ، وأحنثها زوجُها كُرهاً أنَّ كفارَتها عليه ، وعن أحمد روايةٌ كذلك ، فيما إذا وطئ امرأتهُ مُكرهةً في صِيامها أو إحرامها أنَّ كفارتها عليه . والمشهور عنه أنَّه يفسدُ بذلك صومها وحجُّها.
● والنوع الثاني : من أُكره بضربٍ أو غيره حتَّى فعل ، فهذا الفعلُ يتعلق به التَّكليفُ ، فإنَّه يمكنه أنْ لا يفعل فهو مختارٌ للفعل ، لكن ليس غرضُه نفسَ الفعل ، بل دفع الضَّرر عنه ، فهو مختارٌ مِنْ وجه ، غيرُ مختارٍ من وجهٍ ، ولهذا اختلف الناسُ : هل هو مكلَّفٌ أم لا ؟ واتفق العلماءُ على أنّه لو أُكرِه على قتل معصومٍ لم يُبَحْ لهُ أن يقتُله ، فإنَّه إنَّما يقتُله باختياره افتداءً لنفسه من القتل، هذا إجماعٌ مِنَ العلماء المعتدِّ بهم ، وكان في زمن الإمام أحمد يُخالِف فيهِ مَنْ لا يُعتدُّ به ، فإذا قتله في هذه الحال ، فالجمهور على أنَّهما يشتركان في وجوب القَوَدِ : المكرهِ والمكرَه ؟ لاشتراكهما في القتل ، وهو قول مالك والشافعي في المشهور وأحمد ، وقيل : يجب على المكرِه وحده ؛ لأنَّ المكرَه صارَ كالآلة ، وهو قولُ أبي حنيفة وأحدُ قولي الشَّافعيِّ ، ورُوي عن زفرَ كالأوَّل ، ورُوي عنه أنَّه يجبُ على المكرَه لمباشرته ، وليس هو كالآلة ؛ لأنَّه آثمٌ بالاتِّفاق ، وقال أبو يوسف : لا قَودَ على واحدٍ منهما ، وخرَّجه بعضُ أصحابنا وجهاً لنا من الرِّواية لا توجب فيها قتل الجماعة بالواحد ، وأولى.
ولو أكره بالضَّرب ونحوه على إتلاف مالِ الغير المعصوم ، فهل يُباحُ له ذلك ؟ فيهِ وجهان لأصحابنا : فإنْ قلنا : يُباحُ لهُ ذَلِكَ ، فضمنه المالك ، رجع بما ضمنه على المكره ، وإنْ قلنا : لا يُباح له ذلك ، فالضمانُ عليهما معاً كالقود . وقيل : على المكره المباشر وحدَه وهو ضعيف.
ولو أُكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرّمة ، ففي إباحته بالإكراه قولان:
أحدُهما : يُباحُ له ذلك استدلالاً بقوله تعالى : { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وهذه نزلت في عبد الله بن أبيِّ بن سلول ، كانت له أمتانِ يُكرههما على الزنى ، وهما يأبيان ذلك، وهذا قول الجمهور كالشافعي ، وأبي حنيفة ، وهو المشهورُ عن أحمد ، ورُوي نحوه عن الحسن ، ومكحولٍ ، ومسروقٍ ، وعن عمر بن الخطاب ما يدلُّ عليه .
وأهلُ هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرَّجُلِ على الزِّنى ، فمنهم من قال : يصحُّ إكراهُه عليه ، ولا إثمَ عليه ، وهو قولُ الشافعي ، وابن عقيلٍ من أصحابنا ، ومنهم من قال : لا يصحُّ إكراهه عليه ، وعليه الإثمُ والحدُّ ، وهو قول أبي حنيفة ومنصوصُ أحمد ، ورُوي عن الحسن.
والقولُ الثاني : إنَّ التقية إنَّما تكون في الأقوال ، ولا تقية في الأفعال ، ولا إكراهَ عليها ، رُوي ذلك عن ابنِ عباس ، وأبي العالية ، وأبي الشَّعثاء ، والربيع بن أنس ، والضَّحَّاك ، وهو روايةٌ عن أحمد ، ورُوي عن سُحنون أيضاً .
وعلى هذا لو شرب الخمرَ ، أو سرق مكرهاً ، حُدَّ.
وعلى الأول لو شرب الخمر مكرهاً ، ثم طلَّق أو أعتق ، فهل يكون حكمُه حكمَ المختارِ لشُربِها أم لا ؟ بل يكونُ طلاقُه وعِتاقه لغواً ؟ فيه لأصحابنا وجهان، ورُوي عن الحسن فيمن قيل له : اسجُد لصنمٍ وإلاَّ قتلناك ، قال : إنْ كان الصَّنمُ تجاهَ القبلة ، فليسجُد ، ويجعل نيَّته لله ، وإنْ كان إلى غير القبلة ، فلا يفعل وإنْ
قتلوه ، قال ابنُ حبيب المالكي : وهذا قولٌ حسنٌ ، قال ابن عطية : وما يمنعه أنْ يجعلَ نيته لله ، وإن كان لغير القبلة، وفي كتاب الله : { فَأَيْنَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ }، وفي الشرع إباحةُ التنفُّل للمسافر إلى غير القبلة ؟
وأما الإكراه على الأقوال ، فاتَّفق العلماء على صحته ، وأنَّ من أُكره على قولٍ محرَّم إكراهاً معتبراً أنَّ لهُ أنْ يفتديَ نفسه به ، ولا إثمَ عليهِ ، وقد دلَّ عليهِ قولُ الله تعالى : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ }. وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعمار : ( إنْ عادوا فَعُدْ ). وكان المشركون قد عذَّبوه حتَّى يوافقهُم على ما يُريدونه
من الكفر ، ففعل.
وأما ما روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه وصَّى طائفةً من أصحابه ، وقال : ( لا تُشركوا بالله وإن قُطِّعتُم وحُرِّقتم )، فالمرادُ الشِّركُ بالقُلوب ، كما قال تعالى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا }، وقال تعالى : { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ }.
وسائر الأقوال يُتصوَّر عليها الإكراه ، فإذا أكره بغيرِ حقٍّ على قولٍ من الأقوال ، لم يترتب عليه حكمٌ مِنَ الأحكام ، وكانَ لغواً ، فإنَّ كلامَ المكرَه صدرَ منه وهو غيرُ راضٍ به ، فلذلك عُفيَ عنه ، ولم يُؤاخَذْ به في أحكام الدُّنيا والآخرة . وبهذا فارق النَّاسي والجاهل ، وسواء في ذلك العقود : كالبيع ، والنكاح ، أو الفسوخ : كالخُلع والطَّلاق والعتاق ، وكذلك الأيمان والنُّذور ، وهذا قولُ جمهور العلماء ، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد . وفرَّق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ عندَه ، ويثبت فيه الخيارُ كالبيع ونحوه ، فقال : لا يلزمُ مع الإكراه ، وما ليس كذلك ، كالنِّكاح والطلاق والعتاق والأيمان ، فألزم بها مع الإكراه.
ولو حلف : لا يفعلُ شيئاً ، ففعله مكرهاً ، فعلى قول أبي حنيفة يَحنَثُ، وأمَّا على قول الجمهور ، ففيه قولان:
أحدُهما : لا يحنَثُ ، كما لا يَحنَثُ إذا فُعِلَ به ذلك كرهاً ، ولم يقدر على الامتناع كما سبق ، وهذا قولُ الأكثرين منهم.
والثاني : يَحنَثُ هاهنا ؛ لأنَّه فعله باختياره بخلافِ ما إذا حُمِلَ ، ولم يُمكنه الامتناعُ ، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي ، ومن أصحابه - وهو القفَّال - من فرَّق بين اليمين بالطَّلاق والعَتاق وغيرهما كما قلنا نحن في النَّاسي ، وخرَّجه بعض أصحابنا وجهاً لنا.
ولو أُكره على أداءِ ماله بغيرِ حقٍّ ، فباع عقارَه ليؤدِّي ثمنه ، فهل يصِحُّ الشِّراءُ منه أم لا ؟ فيهِ روايتان عن أحمد ، وعنه رواية ثالثة : إنْ باعه بثمن المثل ، اشتُري منه ، وإنْ باعه بدُونه ، لم يشتر منه ، ومتى رضي المكرَهُ بما أُكْرِهَ عليهِ لحُدوثِ رغبةٍ لهُ فيهِ بعدَ الإكراه ، والإكراه قائمٌ ، صحَّ ما صدرَ منه من العقود وغيرها بهذا القصد . هذا هو المشهورُ عند أصحابنا ، وفيه وجهٌ آخر : أنَّه لا يَصِحُّ أيضاً ، وفيه بُعد.
وأما الإكراه بحقٍّ ، فهو غيرُ مانعٍ مِنْ لُزوم ما أكره عليه ، فلو أُكره الحربيُّ على الإسلام فأسلم ، صحَّ إسلامه ، وكذا لو أكرهَ الحاكم أحداً على بيع ماله ليوفي دينه ، أو أُكره المؤلي بعد مدَّة الإيلاء وامتناعه مِنَ الفيئة على الطلاق ، ولو حلف لا يُوفِّي دينَه ، فأكرهه الحاكمُ على وفائه ، فإنَّه يَحنَثُ بذلك ؛ لأنَّه فعل ما حلف عليه حقيقةً على وجهٍ لا يُعذَرُ فيه . ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا امتنع من الوفاء ، فأدَّى عنه الحاكمُ ، فإنَّه لا يحنَثُ ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فعلُ المحلوف عليه.



● [ الحديث الأربعون ] ●

عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ : أَخَذَ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَنكِبي ، فقال : ( كُنْ فِي الدُّنيا كأَنَّكَ غَريبٌ ، أو عَابِرُ سَبيلٍ ) وكانَ ابنُ عَمَر يَقولُ : إذا أَمسيتَ ، فَلا تَنتَطِر الصَّباح ، وإذا أَصْبَحْتَ فلا تَنتَظِرِ المساءَ ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرضِكَ ، ومنْ حَياتِكَ لِمَوتِكَ . رواهُ البُخاريُّ.
هذا الحديث خرَّجه البخاري عن عليِّ بن المديني ، حدَّثنا محمدُ ابنُ عبد الرحمان الطفاوي ، حدثنا الأعمش ، حدثني مجاهد ، عن ابن عمر ، فذكره ، وقد تكلم غيرُ واحد من الحفّاظ في لفظة : ( حدثنا مجاهد ) وقالوا : هي غيرُ ثابتة ، وأنكروها على ابن المديني وقالوا : لم يسمع الأعمش هذا الحديث من مجاهد ، إنما سمعه من ليث بن أبي سُليم عنه ، وقد ذكر ذلك العقيليُّ وغيره ، وخرَّجه الترمذي من حديث ليثٍ عن مجاهد ، وزاد فيه : ( وعُدَّ نفسك من أهل القبور ) وزاد في كلام ابن عمر : فإنَّك لا تدري يا عبد الله ما اسمُك غداً . وخرَّجه ابنُ ماجه ولم يذكر قولَ ابن عمر . وخرَّج الإمام أحمد والنَّسائي من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لُبابة ، عن ابن عمر ، قال : أخذ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي ، فقال : ( اعبدِ الله كأنَّك تراه ، وكُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ ، أو عابرُ سبيل ) . وعبدة بن أبي لُبابة أدرك ابنَ عمر ، واختلف في سماعه منه.
وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا ، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً ، فيطمئنّ فيها ، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر : يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل.
وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم ، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال : { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ }.
وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثم راحَ وتركها ).
ومن وصايا المسيح - عليه السلام - لأصحابه أنَّه قال لهم : اعبُروها ولا تَعمُرُوها، ورُوي عنه أنَّه قال : من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً ، تلكُمُ الدُّنيا ، فلا تتَّخذوها قراراً.
ودخل رجلٌ على أبي ذرٍّ ، فجعل يُقلِّب بصره في بيته ، فقال : يا أبا ذرٍّ ، أين متاعُكم ؟ قالَ : إنَّ لنا بيتاً نوجه إليه ، قالَ : إنَّه لابدَّ لك من مَتاع مادمت هاهنا ، قالَ : إنَّ صاحب المنْزل لا يدعُنا فيه.
ودخلوا على بعض الصالحين ، فقلبوا بصرهم في بيته ، فقالوا له : إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ ، فقال : أمرتحلٌ ؟ لا ، ولكن أُطْرَدُ طرداً.
وكان عليُّ بنُ أبي طالب - رضي الله عنه - يقول : إنَّ الدُّنيا قدِ ارتحلت مدبرةً ، وإنَّ الآخرة قدِ ارتحلت مقبلةً ، ولكُلٍّ منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب ، وغداً حسابٌ ولا عمل.
قال بعضُ الحكماء : عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه ، والآخرة مقبلةٌ إليه يشغتلُ بالمدبرة ، ويُعرِض عن المقبلة.
وقال عُمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته : إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم ، كتب الله عليها الفناء ، وكتب على أهلها منها الظَّعَن ، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَبُ ، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَنُ ، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِن النقلة ، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى.
وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ، ولا وطناً ، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين : إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه ، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة ، بل هو ليله ونهارَه ، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة ، فلهذا وصّى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين.
فأحدهما : أنْ ينْزِل المؤمن نفسه كأنَّه غريبٌ في الدنيا يتخيَّلُ الإقامةَ ، لكن في بلد غُربةٍ ، فهوَ غيرُ متعلِّقِ القلب ببلد الغربة ، بل قلبُه متعلِّقٌ بوطنه الذي يَرجِعُ إليه ، وإنّما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مَرَمَّةَ جهازه إلى الرجوع إلى وطنه ، قال الفضيلُ بن عياض : المؤمن في الدنيا مهمومٌ حزين ، همُّه مَرَمَّةُ جهازه.
ومن كان في الدنيا كذلك ، فلا همَّ له إلا في التزوُّد بما ينفعُه عندَ عودِه إلى وطنه ، فلا يُنافِسُ أهلَ البلدِ الذي هو غريبٌ بينهم في عزِّهم ، ولا يَجْزَعُ من الذلِّ عندهم ، قال الحسن : المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذُلها ، ولا يُنافِسُ في عِزِّها ، له شأنٌ ، وللناس شأن.
لما خُلِق آدم أُسكِنَ هو وزوجتُه الجنّة ، ثم أُهبطا منها ، ووعُدا الرجوع إليها ، وصالح ذرِّيَّتهما ، فالمؤمن أبداً يَحِنُّ إلى وطنه الأوَّل، وكما قيل:
كمْ مَنْزِلٍ للمَرءِ يَألفُهُ الفتى ● وحنينُه أبداً لأوَّل مَنْزِل
ولبعض شيوخنا :
فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها ● منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيَّ
ولكنَّنا سَبيُ العدوِّ فَهلْ تَرَى ● نَعودُ إلى أوطاننا ونُسلِّمُ
وقَدْ زَعَموا أنَّ الغَريبَ إذا نَأى ● وشَطَّتْ به أوطانُه فهو مُغرَمُ
وأيُّ اغْترابٍ فوق غُربتنا التي ● لها أضحَت الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ
كان عطاء السَّلِيمي يقول في دعائه : اللهمَّ ارحم في الدُّنيا غُربتي ، وارحم في القبر وحشتي ، وارحم موقفي غداً بين يديك.
قالَ الحسنُ : بلغني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه : ( إنَّما مثلي ومثلُكم ومَثلُ الدُّنيا ، كقوم سلكوا مفازةً غبراءَ ، حتّى إذا لم يَدْرُوا ما سلكوا منها أكثر ، أو ما بقي ، أنفدوا الزَّادَ ، وحَسَروا الظَّهر ، وبقُوا بين ظهراني المفازة لا زادَ ولا حَمُولة ، فأيقنوا بالهَلَكة ، فبينما هم كذلك ، إذ خرج عليهم رجلٌ في حُلَّةٍ يقطُرُ رأسُه ، فقالوا : إن هذا قريبُ عهدٍ بريفٍ ، وما جاءكم هذا إلاّ من قريبٍ ، فلما انتهى إليهم ، قال : علام أنتم ؟ قالوا : على ما ترى ، قالَ : أرأيتُكم إنْ هديتُكم إلى ماءٍ رواء ، ورياضٍ خُضر ، ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك شيئاً ، قال : عُهودَكم ومواثيقكم بالله ، قال : فأَعْطَوهُ عهودَهُم ومواثيقهُم بالله لا يَعصُونَه شيئاً ، قال : فأوردهم ماءً ، ورياضاً خُضراً ، فمكث فيهم ما شاء الله ، ثم قال : يا هؤلاء الرحيلَ ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماءٍ ليس كمائكم ، وإلى رياضٍ ليست كرياضِكُم ، فقال جُلُّ القوم - وهم أكثرهم - : والله ما وجدنا هذا حتّى ظننّا أنْ لن نَجِدَهُ ، وما نصنع بعيشٍ خيرٍ من هذا ؟ وقالت طائفة - وهم أقلهم - : ألم تُعطوا هذا الرَّجُلَ عهودكم ومواثيقكم بالله لا تَعصونه شيئاً وقد صدقكم في أوّل حديثه ، فوالله ليصدقنَّكم في آخره ، قال : فراح فيمن اتبعه ، وتخلَّف بقيتهم ، فنذر بهم عدوٌّ ، فأصبحوا من بين أسيرٍ وقتيل ) خرَّجه ابنُ أبي الدنيا، وخرجه الإمام أحمد من حديث عليّ بنِ زيد بن جُدْعان ، عن يوسف بن مِهران ، عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمعناه مختصراً.
فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع أمته ، فإنّه أتاهم والعرب حينئذٍ أذلُّ الناس ، وأقلُّهم ، وأسوؤهم عيشاً في الدنيا وحالاً في الآخرة ، فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة ، وظهر لهم من براهين صدقِه ، كما ظهر من صدق الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة ، وقد نَفِدَ ماؤهم ، وهَلَك ظهرهم برؤيته في حُلة مترجلاً يقطر رأسه ماءً ، ودلهم على الماء والرياضِ المُعشِبة ، فاستدلُّوا بهيئته وحاله على صدق مقاله ، فاتبعوه ، ووعدَ من اتَّبعه بفتح بلاد فارس والروم ، وأخذِ كنوزهما ، وحذَّرهم من الاغترار بذلك ، والوقوف معه ، وأمرهم بالتجزي من الدُّنيا بالبلاغ ، وبالجدِّ والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد لها ، فوجدُوا ما وعدهم به كلَّه حقاً ، فلما فُتِحتْ عليهم الدُّنيا - كما وعدهم - اشتغل أكثرُ الناسِ بجمعها واكتنازها ، والمنافسة فيها ، ورَضُوا بالإقامة فيها ، والتمتُّع بشهواتها ، وتركوا الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجدِّ والاجتهاد في طلبها ، وقبلَ قليلٌ من الناس وصيَّته في الجدِّ في طلب الآخرةِ والاستعداد لها . فهذه الطائفةُ القليلة نجت ، ولحقت نبيَّها في الآخرة حيث سلكت طريقه في الدُّنيا ، وقبلت وصيتهُ ، وامتثلت ما أمر به . وأما أكثر الناس ، فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها ، فشغلهم ذلك عن الآخرة حتّى فاجأهم الموتُ بغتةً على هذه الغِرة ، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير.
وما أحسن قولَ يحيى بن معاذ الرازي : الدنيا خمرُ الشيطان ، من سَكِرَ منها لم يُفِقْ إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين.
الحال الثاني : أن يُنْزِلَ المؤمنُ نفسَه في الدنيا كأنَّه مسافرٌ غيرُ مقيم البتة ، وإنَّما هو سائرٌ في قطعِ منازل السَّفر حتّى ينتهي به السفرُ إلى آخره ، وهو الموت . ومن كانت هذه حالَه في الدنيا ، فهمَّتُه تحصيلُ الزاد للسفر ، وليس له هِمَّةٌ في الاستكثار من متاع الدنيا ، ولهذا أوصى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جماعةً من أصحابه أن يكونَ بلاغُهم من الدُّنيا كزادِ الرَّاكب.
قيل لمحمد بن واسع : كيف أصبحتَ ؟ قال : ما ظَنُّك برجل يرتَحِلُ كلَّ يومٍ مرحلةً إلى الآخرة ؟
وقال الحسن : إنَّما أنت أيامٌ مجموعة ، كلّما مضى يومٌ مضى بعضُك. وقال : ابنَ آدم إنَّما أنت بين مطيتين يُوضعانِكَ ، يُوضِعُك النهار إلى الليل ، والليل إلى النهار ، حتى يُسلِمَانِك إلى الآخرة ، فمن أعظم منك يا ابنَ آدم خطراً، وقال : الموتُ معقود في نواصيكم والدنيا تُطوى مِن ورائكم.
قال داود الطائي : إنَّما الليلُ والنهارُ مراحلُ يَنْزِلُها الناسُ مرحلةً مرحلةً حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم ، فإنِ استطعت أن تُقدِّم في كلِّ مرحلة زاداً لِما بَينَ يديها ، فافعل ، فإنَّ انقطاع السَّفر عن قريب ما هو ، والأمر أعجلُ من ذلك ، فتزوَّد لسفرك ، واقض ما أنتَ قاضٍ من أمرك ، فكأنَّك بالأمر قد بَغَتك.
وكتب بعضُ السَّلف إلى أخٍ له : يا أخي يُخيَّلُ لك أنَّك مقيم ، بل أنتَ دائبُ السَّيرِ ، تُساق مع ذلك سوقاً حثيثاً ، الموت موجَّهٌ إليك ، والدنيا تُطوى من ورائك ، وما مضى من عمرك ، فليس بكارٍّ عليك حتى يَكُرَّ عليك يوم التغابن.
سبيلُكَ في الدُّنيا سبِيلُ مُسافرٍ ● ولابُدَّ من زادٍ لكلِّ مسافِر
ولابدَّ للإنسان من حملِ عُدَّةٍ ● ولاسيما إنْ خافَ صولَة قاهِر
قال بعضُ الحكماء : كيف يفرحُ بالدنيا من يومُه يَهدِمُ شهرَه ، وشهرُه يهدِمُ سنَتَه ، وسنته تَهدِمُ عُمُرَه ، وكيف يفرح من يقوده عمرُه إلى أجله ، وتقودُه حياتُه إلى موته.
وقال الفضيلُ بنُ عياض لرجلٍ : كم أتت عليك ؟ قال : ستون سنة ، قال فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك يُوشِكُ أنْ تَبلُغَ ، فقال الرجل : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فقال الفضيلُ : أتعرف تفسيرَه تقول : أنا لله عبد وإليه راجع ، فمن عَلِمَ أنَّه لله عبد ، وأنَّه إليه راجع ، فليعلم أنَّه موقوفٌ ، ومن علم أنَّه موقوف ، فليعلم أنَّه مسؤول ، ومن عَلِمَ أنَّه مسؤولٌ ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً ، فقال الرجل : فما الحيلةُ ؟ قال : يسيرة ، قال : ما هي ؟ قال : تُحسِنُ فيما بقي يُغفَرُ لك ما مضى فإنّك إنْ أسأتَ فيما بقي ، أُخِذْتَ بما مضى وبما بقي، وفي هذا يقول بعضُهم:
وإنَّ امرءاً قد سارَ سِتِّينَ حِجَّةٍ ● إلى مَنهَلٍ من وِرده لقَريبُ
قال بعضُ الحكماء : من كانت الليالي والأيام مطاياه ، سارت به وإنْ لم يسر، وفي هذا قال بعضهم:
وما هذه الأيامُ إلاَّ مراحِلُ ● يحثُّ بها داعٍ إلى الموتِ قاصدُ
وأعجَبُ شَيءٍ - لو تأمَّلت - أنَّها ● مَنازِلُ تُطوى والمُسافِرُ قَاعِدُ
وقال آخر :
أيا ويحَ نفسي من نهارٍ يقودُها ● إلى عسكر الموتى ولَيلٍ يذودُها
قال الحسن : لم يزل الليلُ والنهار سريعين في نقص الأعمار ، وتقريبِ الآجال ، هيهات قد صحبا نوحاً وعاداً وثمودَ وقروناً بين ذلك كثيراً ، فأصبحوا قَدِموا على ربِّهم ، ووردوا على أعمالهم ، وأصبح اللَّيلُ والنَّهارُ غضَّيْنِ جديدين ، لم يُبلِهُما ما مرَّا به ، مستعدِّين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى.
وكتب الأوزاعيُّ إلى أخٍ له : أما بعد ، فقد أُحيطَ بك من كلّ جانب ، واعلم أنَّه يُسارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ ، فاحذرِ الله ، والمقام بين يديه ، وأنْ يكونَ آخر عهدك به ، والسَّلام.
نَسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ ● وأيّامُنا تُطوى وهُنَّ مَراحِلُ
ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنَّه ● إذا ما تخطَّتْهٌ الأمانيُّ باطِلُ
وما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا ● فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ
ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى ● فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ
وأما وصيةُ ابن عمر رضي الله عنهما ، فهي مأخوذةٌ مِنْ هذا الحديث الذي رواه ، وهي متضمنة لنهاية قِصَرِ الأمل ، وأنَّ الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصّباحَ ، وإذا أصبح ، لم ينتظر المساء ، بل يظنُّ أنَّ أجلَهُ يُدركُه قبل ذلك ، وبهذا فسّر غيرُ واحدٍ مِنَ العُلماء الزُّهدَ في الدنيا ، قال المروذي : قلتُ لأبي عبد الله - يعني : أحمد - أيُّ شيءٍ الزُّهد في الدنيا ؟ قال : قِصَرُ الأمل، من إذا أصبحَ ، قال : لا أُمسي ، قال : وهكذا قال سفيان. قيل لأبي عبد الله : بأيِّ شيء نستعين على قِصَرِ الأمل ؟ قال : ما ندري إنَّما هو توفيق.
قال الحسن : اجتمع ثلاثةٌ من العلماء ، فقالوا لأحدهم : ما أَمَلُكَ ؟ قال : ما أتى عليَّ شهرٌ إلا ظننتُ أنِّي سأموتُ فيه ، قال : فقال صاحباه : إنَّ هذا لأمل ، فقالا لأحدهم : فما أَمَلُكَ ؟ قال : ما أتت عليَّ جمعة إلا ظننتُ أنِّي سأموتُ فيها ، قال : فقال صاحباه : إنَّ هذا لأمل ، فقالا للآخر : فما أملُك ؟ قال : ما أَمَلُ من نفسُه في يد غيره ؟
قال داود الطائي : سألتُ عطوان بنَ عمر التميمي ، قلتُ : ما قِصَرُ الأمل ؟ قال : ما بين تردُّدِ النَّفَسِ ، فحدِّث بذلك الفضيل بن عياض ، فبكى ، وقال : يقول : يتنفس فيخاف أنْ يموتَ قبل أنْ ينقطعِ نفسُه ، لقد كان عطوان مِنَ الموت على حذرٍ.
وقال بعضُ السَّلف : ما نمتُ نوماً قط ، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه.
وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه ، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى ، فسُئِلَت امرأته عن بكائه ، فقالت : يخاف - والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح ، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.
وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله : أستودعكم الله ، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.
وقال بكر المزني : إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ ، فليفعل ، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا ، ويُصبح في أهلِ الآخرة.
وكان أويسٌ إذا قيل له : كيف الزمانُ عليك ؟ قال : كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار ؟
وقال عونُ بنُ عبد الله : ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غداً من أجله . كم من مستقبل يوماً لا يستكمِلُه ، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه ، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه ، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه، وكان يقولُ : إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه لا يدرك آخره.
وكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت : يا نفسُ ، الليلةُ ليلتُك ، لا ليلةَ لكِ غيرها ، فاجتهدت ، فإذا أصبحت ، قالت : يا نفس اليومُ يومك ، لا يومَ لك غيره فاجتهدت.
وقال بكرٌ المزنيُّ : إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل : لعلِّي لا أُصلِّي غيرها ، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( صلِّ صلاة مودِّع ).
وأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ ، ثم قال لرجل : تقدَّم فصلِّ بنا ، فقال الرجل : إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة ، لم أُصلِّ بكم غيرَها ، فقال معروف : وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى ؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل ، فإنَّه يمنع خيرَ العمل.
وطرق بعضُهم بابَ أخٍ له ، فسأل عنه ، فقيل له : ليس هو في البيت ، فقال : متى يرجع ؟ فقالت له جارية من البيت : من كانت نفسُه في يد غيره ، من يعلم متى يرجِعُ ، ولأبي العتاهية من جملة أبيات:
وما أدري وإن أَمَّلْتُ عُمراً ● لَعَلِّي حِينَ أُصبحُ لَستُ أُمسِي
ألم تَرَ أنَّ كلَّ صباحِ يومٍ ● وعُمرُكَ فيه أَقصَرُ مِنهُ أَمسِ
وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنَّهما قالا : ابنَ آدم ، إنَّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطتَ من بطن أمك ، ومما أنشد بعضُ السَّلف:
إنَّا لنفرحُ بالأيَّامِ نقطعُها ● وكُلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجل
فاعمَلْ لِنَفسِكَ قبلَ الموتِ مُجتهداً ● فإنَّما الرِّبْحُ والخُسرانُ في العَمَلِ
قوله : ( وخُذْ من صحتك لسقمك ، ومن حياتك لموتك ) ، يعني : اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أنْ يحولَ بينك وبينها السقمُ ، وفي الحياة قبل أنْ يحول بينك وبينها الموتُ ، وفي رواية : ( فإنَّك يا عبدَ الله لا تدري ما اسمُك غداً ) يعني : لعلّك غداً مِنَ الأموات دونَ الأحياء.
وقد رُوي معنى هذه الوصيةِ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، ففي "صحيح البخاري" عن ابن عباسٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( نِعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس : الصِّحَّةُ والفراغ ).
وفي " صحيح الحاكم " عن ابن عباس : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل وهو يَعِظُه : ( اغتنم خمساً قبلَ خمسٍ : شبابّك قبل هَرَمِك ، وصحَّتَك قبل سَقَمك ، وغِناك قبل فقرِك ، وفراغَكَ قبل شغلك ، وحياتَك قبل موتك ).
وقال غنيم بن قيس : كنا نتواعظُ في أوَّل الإسلام : ابنَ آدم ، اعمل في فراغك قبل شُغلك ، وفي شبابك لكبرك ، وفي صحتك لمرضك ، وفي دنياك لآخرتك . وفي حياتك لموتك.
وفي " صحيح مسلم " عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( بادِروا بالأعمال ستاً : طلوع الشمس من مغربها ، أو الدخان ، أو الدجال ، أو الدابة ، أو خاصَّةَ أحدكم ، أو أمر العامة ).
وفي " الترمذي " (عنه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( قال بادِروا بالأعمال سبعاً : هل تنظُرون إلا إلى فقرٍ مُنْسٍ ، أو غِنًى مُطغٍ ، أو مرض مُفْسدٍ ، أو هَرَمٍ مُفنِّدٍ ، أو موتٍ مُجهِزٍ ، أو الدجَّال ، فشرُّ غائبٍ ينتظر ، أو الساعة فالسَّاعة أدهى وأمرُّ ؟ ) والمرادُ من هذا أنَّ هذه الأشياء كلَّها تعوقُ عن الأعمال ، فبعضُها يشغل عنه ، إمَّا في خاصّة الإنسان ، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته ، وبعضُها عامٌّ ، كقيام الساعة ، وخروج الدجال ، وكذلك الفتنُ المزعجةُ ، كما جاء في حديث آخر : ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ).
وبعضُ هذه الأمور العامّة لا ينفع بعدها عملٌ ، كما قال تعالى : { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً }.
وفي " الصحيحين " عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تقومُ السَّاعةُ حتّى تطلع الشمسُ من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس ، آمنوا أجمعون ، فذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ).
وفي " صحيح مسلم " عنه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ثلاثٌ إذا خرجنَ ، لم ينفع نفساً إيمانُها لم تَكُن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيراً : طلوعُ الشمس من مغربها ، والدجالُ ، ودابةُ الأرض ) .
وفيه أيضاً عنه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ تابَ قبل أنْ تَطلُعَ الشمسُ من مغربها تابَ الله عليه ).
وعن أبي موسى ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله يبسُطُ يده بالليل ليتوبَ مسيءُ النَّهار ، ويبسُطُ يده بالنَّهار ليتوب مُسيءُ الليل حتى تَطلُعُ الشمس من مغربها ).
وخرّج الإمام أحمد، والنَّسائي، والترمذي، وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله فتح باباً قِبَلَ المغرب عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يُغلَقُ حتى تطلع الشمس منه ).
وفي " المسند " عن عبد الرحمان بن عوف وعبد الله بن عمرو ، ومعاوية ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتّى تطلُعَ الشمسُ من المغرب ، فإذا طَلَعَت طُبِعَ على كلِّ قلبٍ بما فيه ، وكُفِي الناسُ العمل ).
وروي عن عائشة قالت : إذا خرج أوَّلُ الآيات ، طُرِحَتِ الأقلامُ وحُبِسَت الحفظةُ ، وشهدت الأجساد على الأعمال . خرّجه ابن جرير الطبري، وكذا قال كثيرٌ ابن مرّة ، ويزيدُ بن شريح ، وغيرهما من السَّلف : إذا طلعت الشمس من مغربها طُبِع على القلوب بما فيها ، وتُرفع الحفظة والعمل ، وتؤمرُ الملائكة أنْ لا يكتبوا عملاً، وقال سفيان الثوري : إذا طلعت الشمسُ من مغربها ، طوت الملائكةُ صحائِفَها ووضعت أقلامَها.
فالواجبُ على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أنْ لا يقدِرَ عليها ويُحال بينه وبينها ، إمَّا بمرضٍ أو موت ، أو بأنْ يُدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل . قال أبو حازم : إنَّ بضاعةَ الآخرة كاسدة ويوشِكُ أنْ تَنفَقَ ، فلا يُوصل منها إلى قليلٍ ولا كثيرٍ . ومتى حِيلَ بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرةُ والأسفُ عليه ، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل ، فلا تنفعُهُ الأمنية.
قال تعالى : { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }.
وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }.
وقال - عز وجل - : { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
وفي " الترمذي " عن أبي هريرة مرفوعاً : ( ما مِنْ ميِّتٍ يموتُ إلا نَدِمَ ) ، قالوا : وما ندامتُه ؟ قال : ( إنْ كان محسناً ، ندِم أنْ لا يكون ازدادَ ، وإنْ كان مسيئاً ، ندم أنْ لا يكون استعتب ).
فإذا كان الأمرُ على هذا فيتعيَّنُ على المؤمن اغتنامُ ما بقي من عمره ، ولهذا قيل : إنَّ بقية عمر المؤمن لا قيمة له . وقال سعيدُ بن جُبير : كلّ يوم يعيشه المؤمن غنيمة، وقال بكر المزني : ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول : يا ابنَ آدم ، اغتنمني لعلَّه لا يومَ لك بعدي ، ولا ليلة إلا تنادي : ابنَ آدم ، اغتنمني لعلَّه لا ليلة لك بعدي، ولبعضهم:
اغتَنِمْ في الفراغ فَضْلَ رُكوعٍ ● فعسى أنْ يكونَ موتُك بَغتة
كم صَحيحٍ رأيتَ من غيرِ سُقم ● ذهَبتْ نفسُهُ الصحيحة فلتَة
وقال محمود الورّاق :
مَضَى أَمسُكَ الماضي شَهيداً مُعدّلاً ● وأَعْقَبَهُ يَومٌ عَليكَ جَديدُ
فإنْ كُنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً ● فَثَنِّ بإحسَانٍ وأنتَ حَميدُ
فيومُكَ إنْ أعتَبتَهُ عادَ نَفعُهُ ● عَليكَ وماضي الأمسِ لَيسَ يَعودُ
ولا تُرجِ فِعلَ الخيرِ يوماً إلى غَدٍ ● لَعلَّ غَداً يَأتِي وأَنْتَ فَقِيدُ.


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 9:45 am