الحديث الرابع والأربعون والحديث الخامس والأربعون

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2556
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث الرابع والأربعون والحديث الخامس والأربعون

مُساهمة من طرف الإدارة في الإثنين مايو 22, 2017 9:23 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم
الحديث الرابع والأربعون والحديث الخامس والأربعون

● [ الحديث الرابع والأربعون ] ●

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ( الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ ) خرَّجه البُخاريُّ ومُسلمٌ.
هذا الحديث خرَّجاه في ( الصحيحين ) من رواية عمرة عن عائشة ، وخرّج مسلم أيضاً من رِواية عروة ، عن عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يَحرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّسبِ ) ، وخرَّجاه أيضاً من رواية عروة عن عائشة من قولها ، وخرَّجاه من حديث ابنِ عباس عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وخرَّجه الترمذي من حديث عليٍّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة ، وإنَّ الرضاع يُحرِّمُ ما يُحرِّمه النَّسب، ولنذكرِ المحرَّماتِ مِنَ النَّسب كلهن حتّى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع ، فنقول : الولادة والنَّسب قد يؤثِّران التحريمَ في النكاح ، وهو على قسمين:
أحدُهما : تحريمٌ مؤبَّدٌ على الانفراد ، وهو نوعان:
أحدهما : ما يحرم بمجرَّد النَّسب ، فيحرم على الرجل أصولُه وإنْ عَلَون ، وفروعه وإنْ سَفَلْنَ ، وفروعُ أصله الأدنى وإنْ سفَلْن ، وفروع أصوله البعيدة دون فروعهن ، فيدخل في أصوله أمهاتُه وإنْ عَلَوْنَ من جهة أبيه وأمه ، وفي فروعه بناتُه وبناتُ أولاده وإنْ سَفَلْنَ ، وفي فروع أصله الأدنى أخواتُه من الأبوين ، أو من أحدهما ، وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإنْ سَفَلْنَ ، ودخل في فروع أصوله البعيدة العماتُ والخالاتُ وعماتُ الأبوين وخالاتهما وإنْ عَلَوْنَ ، فلم يبق من الأقارب حلالاً للرجل سوي فروع أصوله البعيدة ، وهُنَّ بناتُ العم وبناتُ العمات ، وبنات الخال ، وبناتُ الخالات.
والنوع الثاني : ما يحْرُمُ بالنسب مع سبب آخر ، وهو المصاهرة ؛ فيحرم على الرجل حلائل آبائه ، وحلائلُ أبنائه ، وأمهات نسائه ، وبناتُ نسائه المدخول بهنَّ ؛ فيحرم على الرجل أمُّ امرأته وأمهاتُها من جهة الأم والأب وإنْ عَلَونَ ، ويحرُم عليه بناتُ امرأته ، وهنَّ الرَّبائب وبناتهن وإنْ سفلن ، وكذلك بناتُ بني زوجته وهن بناتُ الربائب نصَّ عليه الشافعي وأحمد ، ولا يُعلم فيه خلافٌ.
ويحرم عليه أنْ يتزوَّج بامرأة أبيه ، وإنْ علا ، وامرأة ابنه وإن سَفَلَ ، ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهرٌ ؛ لأنَّ تحريمَهُنَّ من جهة نسبِ الرجل مع سبب المصاهرة.
وأما أمهات نسائه وبناتهن ، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسبِ المرأة ، فلم يخرجِ التحريمُ بذلك عن أنْ يكونَ بالنَّسبِ مع انضمامه إلى سبب المصاهرة ، فإنَّ التحريم بالنَّسب المجرد ، والنَّسب المضاف إلى المصاهرة يشترك فيه الرجال والنساءُ ؛ فيحرمُ على المرأة أنْ تتزوَّج أصولها وإنْ علَوا ، وفروعها وإنْ سفَلُوا ، وفروعَ أصلها الأدنى وإنْ سفَلُوا من أخوتها ، وأولادِ الإخوة وإنْ سفلوا ، وفروعَ أصولها البعيدة وهم الأعمامُ والأخوالُ وإنْ عَلوا دونَ أبنائهم ، فهذا كله بالنَّسب المجرَّد.
وأما بالنَّسب المضاف إلى المصاهرة ، فيحرم عليها نكاحُ أبي زوجها وإنْ علا ، ونكاحُ ابنه وإنْ سَفَل بمجرّد العقد ، ويحرم عليها زوجُ ابنتها وإنْ سَفَلَتْ بالعقد ، وزوجُ أمها وإنْ علت ، لكن بشرط الدخول بها.
والقسم الثاني : التحريم المؤبَّد على الاجتماع دونَ الانفراد ، وتحريمُه يختصُّ الرجال لاستحالة إباحةِ جمع المرأة بينَ زوجين ، فكلُّ امرأتين بينهما رَحِمٌ محرم يحرِّم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكراً لم يجز له التزوُّج بالأخرى ، فإنَّه يحرم الجمعُ بينهما بعقد النكاح . قال الشعبي : كان أصحابُ محمد - صلى الله عليه وسلم - يقولون : لا يجمعُ الرجلُ بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلاً لم يصلح له أنْ يتزوَّجها . وهذا إذا كان التحريم لأجل النَّسب ، وبذلك فسَّره سفيان الثوري وأكثرُ العلماء ، فلو كان لغير النسب مثل أنْ يجمع بينَ زوجة رجل وابنته من غيرها ، فإنَّه يُباحُ عند الأكثرين ، وكرهه بعضُ السَّلف.
فإذا علم ما يحرم من النَّسب ، فكلّ ما يحرم منه ، فإنَّه يحرم من الرضاع نظيرُه ، فيحرم على الرجل أنْ يتزوَّج أمهاتِه من الرضاعة وإنْ عَلَونَ ، وبناته من الرضاعة وإنْ سَفَلن ، وأخواته من الرضاعة ، وبنات أخواته من الرضاعة وعماته وخالاته من الرضاعة ، وإنْ علون دون بناتهن.
ومعنى هذا أنَّ المرأة إذا أرضعت طفلاً الرَّضاع المعتبرَ في المدَّة المعتبرة ، صارت أمّاً له بنصِّ كتاب الله ، فتحرمُ عليه هي وأمَّهاتُها ، وإنْ علون من نسبٍ أو رضاعٍ ، وتصيرُ بناتُها كلُّهن أخواتٍ له من الرضاعة ، فيحرمن عليه بنصِّ القرآن؛ وبقيةُ التحريم من الرضاعة استفيدَ مِن السُّنَّةِ ، كما استفيدَ من السُّنَّة أنَّ تحريم الجمع لا يختصُّ بالأختين ، بل المرأةُ وعمَّتها ، والمرأة وخالتها كذلك، وإذا كانَ أولادُ المرضعة من نسب أو رضاعٍ إخوةً للمرتضع ، فيحرُم عليهِ بناتُ إخوته أيضاً ، وقدِ امتنع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من تزويج ابنة حمزة وابنة أبي سلمة ، وعلل بأنَّ أبويهما كانا أخوين له من الرَّضاعة.
ويحرمُ عليه أيضاً أخواتُ المرضعة ؛ لأنهنَّ خالاتُه ، ويَنتشِرُ التحريمُ أيضاً إلى الفحل صاحب اللبن الذي ارتضع منه الطفلُ ، فيصيرُ صاحبُ اللبن أباً للطِّفلِ ، وتصيرُ أولاده كلُّهم من المرضعة ، أو من غيرها من نسبٍ أو رضاع إخوة للمرتضع ويصير إخوته أعماماً للطفل المرتضع ، وهذا قولُ جمهور العلماء من السَّلف ، وأجمع عليه الأئمة الأربعة ومن بعدهم. وقد دلَّ على ذلك من السنَّة ما روت عائشة أنَّ أفلحَ أخا أبي القُعَيسِ استأذنَ عليها بعدَ ما أُنزل الحجابُ ، قالت عائشةُ : فقلتُ : والله لا آذنُ له حتّى أستأذنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ أبا القُعيس ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأته ، قالت : فلما دخلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ذكرتُ ذلك له ، فقال : ( ائذني له ؛ فإنَّه عَمُّك تَرِبَت يمينُك ) ، وكان أبو القعيس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشة . خرَّجاه في " الصحيحين " بمعناه .
وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان ، أرضعت إحداهما جاريةً والأُخرى غلاماً أيحلُّ للغلام أنْ يتزوَّج الجارية ، فقال : لا ، اللقاحُ واحد.
ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفلُ قد ثاب للمرأة من غير وطءِ فَحلٍ بأنْ تكون امرأة لا زوجَ لها قد ثاب لها لبن أو هي بكرٌ أو آيسةٌ ، فأكثرُ العلماء على أنّه يحرم الرضاعُ به ، وتصيرُ المرضعةُ أُمّاً للطفل ، وقد حكاه ابن المنذر إجماعاً عمن يُحفظ عنه من أهل العلم ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وغيرهم.
وذهب الإمامُ أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنَّه لا ينتشِرُ التَّحريمُ به بحالٍ حتى يكونَ له فحلٌ يدرُّ اللبن من رضاعه . وحُكي للشَّافعيِّ قولٌ مثله.
ولو انقطع نسبه من جهة صاحبِ اللبن ، كولد الزِّنى ، فهل تَنْتَشر الحرمة إلى الزاني صاحب اللبن ؟ هذا ينبني على أنَّ البنتَ من الزنى هل تحرم على الزَّاني ؟ ومذهبُ أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافاً للشافعي ، وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك ، فعلى قولهم : هل ينتشر التَّحريمُ إلى الزاني صاحب اللبن ، فيكون أباً للمرتضع أم لا ؟ فيه قولان هما وجهان لأصحابنا، واختار ابنُ حامد أنَّ التحريمَ لا ينتشرُ إليه ، واختار أبو بكر ، والقاضي أبو يعلى أنَّ التَّحريم ينتشر إلى الزاني ، وهو نصُّ أحمد ، وحكاه عن ابنِ عباس ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، نقله عنه حرب.
وينتشرُ التحريمُ بالرضاع إلى ما حَرُمَ بالنَّسب مع الصهر : إمّا من جهة نسب الرجل ، كامرأة أبية وابنه ، أو من جهة نسب الزوجة ، كأمها وابنتها ، وإلى ما حرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضاً ، كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو خالتها ، فيحرم ذلك كلُّه من الرضاع كما يحرم من النَّسب، لدخوله في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يَحرُمُ مِن الرضاع ما يَحرُمُ من النَّسب ). وتحريم هذا كلِّه للنسب ، فبعضه لنسب الزوج ، وبعضه لنسب الزوجة ، وقد نصَّ على ذلك أئمة السَّلف ، ولا يُعلم بينهم فيه اختلافٌ، ونصَّ عليه الإمام أحمد ، واستدلَّ بعموم قوله :
( يَحرُمُ من الرضاعِ ما يَحرمُ مِن النَّسب ).
وأما قوله - عز وجل - : { وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ }، فقالوا : لم يُردْ بذلك أنّه لا يحرم حلائل الأبناء من الرضاع ، إنَّما أراد إخراجَ حلائل الذين تُبُنُّوا ، ولم يكونوا أبناءً من النَّسب كما تزوَّج النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - زوجةَ زيد بن حارثة بعد أنْ كان قد تبنّاه.
وهذا التحريمُ بالرضاع يختصُّ بالمرتضع نفسه ، وينتشر إلى أولاده ، ولا ينتشر تحريمه إلى من في درجة المرتضع من إخوته وأخواته ، ولا إلى من هو أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته ، فتُباحُ المرضعة نفسها لأبي المرتضع مِنَ النَّسب ولأخيه ، وتباح أمُّ المرتضع من النَّسب وأخته منه لأبي المرتضع من الرضاع ولأخيه . هذا قولُ جمهور العلماء ، وقالوا : يُباح أنْ يتزوَّج أختَ أخيه من الرَّضاعة ، وأخت ابنته من الرضاعة، حتى قال الشعبي : هي أحلُّ من ماء قَدَس، وصرَّح بإباحتها حبيبُ بن أبي ثابت وأحمد.
وروى أشعث عن الحسن أنَّه كره أنْ يتزوَّج الرجل بنتَ ظِئر ابنه ، ويقول : أخت ابنه ، ولم ير بأساً أنْ يتزوّج أمها ، يعني : ظئر ابنه ، وروى سليمان التيمي عن الحسن : أنَّه سئل عن الرجل يتزوج أخت أخيه من الرضاعة ، فلم يقل فيه شيئاً ، وهذا يقتضي توقُّفَه فيه ، ولعلَّ الحسن إنَّما كان يكره ذلك تنْزيهاً ، لا تحريماً ، لمشابهته للمحرم بالنَّسب في الاسم ، وهذا بمجرَّده لا يُوجِبُ تحريماً.
وقد استثنى كثيرٌ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم مما يحرم من النسب صورتين ، فقالوا : لا يحرم نظيرُهما مِنَ الرَّضاع:
إحداهما : أمُّ الأخت ، فتحرم مِنَ النَّسب ، ولا تحرم من الرضاع.
والثانية : أخت الابن ، فتحرم من النَّسب دونَ الرضاع ، ولا حاجة إلى استثناء هذين ، ولا أحدهما.
أما أمُّ الأخت فإنَّما تحرم من النسب ، لكونها أماً أو زوجةَ أب ، لا لمجرَّد كونها أم أخت ، فلا يُعلق التحريم بما لم يُعلقه الله به ، وحينئذ ، فيوجد في الرضاع من هي أم أخت ليست أماً ولا زوجة أب ، فلا تحرم ؛ لأنَّها ليست نظيراً لذاتِ النسب ، وأما أخت الابن ، فإنَّ الله تعالى إنَّما حرَّم الربيبة المدخول بأمها ، فتحرم لكونها ربيبة دُخِلَ بأمها ، لا لكونها أخت ابنه ، والدخول في الرضاع منتفٍ فلا يحرم به أولادُ المرضعة.
ومما قد يدخُلُ في عموم قوله : ( يحرُم من الرضاع ما يحرمُ من النَّسب ) : لو ظَاهَرَ مِن امرأته فشبَّهها بمحرمة من الرَّضاع ، فقال لها : أنت عليَّ كأمي من الرضاع ، فهل يثبتُ بذلك تحريمُ الظِّهار أم لا ؟ فيهِ قولان:
أحدُهما : أنَّه يثبت به تحريم الظهار ، وهو قول الجمهور ، منهم مالك، والثوري ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح ، وعثمان البتِّي ، وهو المشهور عن أحمد.
والثاني : لا يثبت به التَّحريمُ ، وهو قول الشافعيِّ، وتوقف أحمد فيهِ في رواية ابن منصور.



● [ الحديث الخامس والأربعون ] ●

عَنْ جابر بن عبد الله أنَّه سَمِعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَامَ الفَتحِ وهُوَ بمكَّةَ يَقُولُ : ( إنَّ الله ورَسُولَهُ حرَّمَ بَيعَ الخَمْرِ والمَيتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنامِ ) فقيلَ : يا رَسولَ الله أرأيتَ شُحومَ المَيتَةِ ، فإنَّهُ يُطلَى بِها السُّفُنُ ، ويُدهَنُ بِها الجُلُودُ ، ويَستَصبِحَ بِها النَّاسُ ؟ قَالَ : ( لا ، هُوَ حَرامٌ ) ، ثمَّ قالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذلك : ( قَاتَل الله اليَهودَ ، إنَّ الله حَرَّمَ عليهِمُ الشُّحومَ ، فأَجْمَلوهُ ، ثمَّ باعُوه ، فأَكَلوا ثَمَنَه ) خرَّجه البُخاريُّ ومُسلمٌ.
● هامش " قال ابن حجر : ( قوله : ( إنّ الله ورسوله حرم ) هكذا وقع في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد وكان الأصل ( حرما ) فقال القرطبي : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - تأدب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين ؛ لأنَّه من نوع مارد به على الخطيب الذي قال : ( ومن يعصهما ) كذا قال ، ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك فإن في بعض طرقه في الصحيح ( إن الله حرم ) ليس فيه و( رسوله ) ، وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر عن الليث ( إن الله ورسوله حرما ) ، وقد صح حديث أنس في النهي عن أكل الحُمر الأهلية ( إن الله ورسوله ينهيانكم ) ووقع في رواية النسائي في هذا الحديث ( ينهاكم ) والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا ، ووجه الإشارة إلى أنّ أمر النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ناشيء عن أمر الله ، وهو نحو قوله : { وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه } والمختار في هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها ، والتقدير عند سيبويه : والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن يرضوه وهو كقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ● ـدك راض والرأي مختلف
وقيل : أحق أن يرضوه خبر عن الاسمين ؛ لأنَّ الرسول تابع لأمر الله ). إنتهى ".
هذا الحديث خرّجاه في " الصحيحين " من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء ، عن جابر . وفي رواية لمسلم أنْ يزيد قال : كتب إليَّ عطاء ، فذكره ، ولهذا قال أبو حاتم الرازي: لا أعلم يزيدَ بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئاً ، يعني أنَّه إنَّما يروي عنه كتابَه ، وقد رواه أيضاً يزيدُ بنُ أبي حبيب ، عن عمرو بن الوليد بن عبدة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بنحوه.
وفي " الصحيحين " عن ابن عباس قال : بلغ عمرَ أنَّ رجلاً باع خمراً ، فقال : قاتله الله ، ألم يعلم أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( قاتلَ الله اليهودَ ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحومُ ، فجَمَلوها فباعُوها ) ، وفي رواية : ( وأكلُوا أثمانها ).
وخرَّج أبو داود من حديث ابن عباسٍ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوه ، وزاد فيه : ( وإنَّ الله إذا حرَّم أكلَ شيءٍ ، حرَّم عليهم ثمنه ) ، وخرَّجه ابن أبي شيبة، ولفظه : ( إنَّ الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه ).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( قاتَلَ الله يهوداً، حُرِّمَت عليهمُ الشُّحومُ ، فباعُوها وأكلوا أثمانها ).
وفي " الصحيحين " عن عائشة ، قالت : لما أُنزِلَت الآياتُ من آخر سورة البقرة ، خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاقترأهُنَّ على الناس ، ثم نهى عن التِّجارة في الخمر ، وفي رواية لمسلم: لمَّا نزلتِ الآياتُ من آخر سورة البقرة في الرِّبا ، خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد ، فحرَّم التجارة في الخمر.
وخرَّج مسلم من حديث أبي سعيد ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله حرَّم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيءٌ ، فلا يشرب ولا يبع ) . قال : فاستقبل الناسُ بما كان عندهم منها في طريق المدينة ، فسفكوها.
وخرَّج أيضاً من حديث ابن عباس أنَّ رجلاً أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - راوية خمر ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل عَلِمْت أنَّ الله قد حرَّمها ؟ ) قال : لا ، قال : فسارَّ إنساناً ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( بِما سَارَرْتَه ؟ ) قال : أمرتُه ببيعها ، قال : ( إنَّ الذي حَرَّمَ شُربها حَرَّمَ بيعها ) ، قال : ففتح المزاد حتّى ذهب ما فيها.
فالحاصل من هذه الأحاديث كُلِّها أنَّ ما حرَّم الله الانتفاعَ به ، فإنَّه يحرم بيعُه وأكلُ ثمنه ، كما جاء مصرحاً به في الراوية المتقدمة : ( إنَّ الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه )، وهذه كلمةٌ عامَّةٌ جامعة تَطَّرِدُ في كُلِّ ما كان المقصودُ من الانتفاع به حراماً ، وهو قسمان:
أحدهما : ما كان الانتفاعُ به حاصلاً مع بقاء عَينِه ، كالأصنامِ ، فإنَّ منفعتها المقصودة منها هوَ الشرك بالله ، وهو أعظمُ المعاصي على الإطلاق، ويلتحِقُ بذلك ما كانت منفعته محرَّمة ، ككتب الشِّركِ والسِّحر والبِدعِ والضَّلالِ ، وكذلك الصورُ المحرمةُ ، وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور ، وكذلك شراءُ الجواري للغناء.
وفي " المسند " عن أبي أُمامة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الله بعثني رحمةً وهُدى للعالمين ، وأمرني أنْ أمحق المزاميرَ والكنَّارات - يعني : البرابط والمعازف - والأوثان التي كانت تُعبد في الجاهلية ، وأقسم ربي بعزَّته لا يشرب عبدٌ من عبيدي جرعةً من خمر إلا سقيته مكانَها من حميم جهنم ، معذباً أو مغفوراً له ، ولا يسقيها صبياً صغيراً إلا سقيته مكانَها من حميم جهنم ، معذباً أو مغفوراً له ، ولا يدعها عبدٌ من عبيدي من مخافتي إلاَّ سقيتها إيَّاه في حظيرةِ القُدُس ، ولا يحلُّ بيعُهُنَّ ولا شراؤُهُنَّ ، ولا تعليمُهُنَّ ، ولا تجارة فيهن ، وأثمانهم حرام ) يعني : المغنِّيات.
وخرَّجه الترمذي، ولفظه : لا تبيعوا القيناتِ ولا تشتروهن ، ولا تُعلِّموهُنَّ ، ولا خَيرَ في تِجارةٍ فيهن ، وثمنُهُنَّ حرام ، في مثل ذلك أنزل الله : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } الآية ، وخرَّجه ابنُ ماجه أيضاً ، وفي إسناد الحديث مقال ، وقد رُوي نحوه من حديث عمر وعليٍّ بإسنادين فيهما ضعفٌ أيضاً.
ومن يحرم الغناءَ كأحمد ومالك ، فإنَّهما يقولان : إذا بيعت الأمةُ المغنية ، تُباع على أنَّها ساذجةٌ ، ولا يُؤخذُ لغنائها ثمنٌ ، ولو كانت الجاريةُ ليتيمٍ ، ونصَّ على ذلك أحمد ، ولا يمنعُ الغناءُ من أصل بيع العبد والأمة ؛ لأنَّ الانتفاع به في غير الغناء حاصلٌ بالخدمة وغيرها ، وهو من أعظم مقاصدِ الرَّقيق. نعم ، لو علم أنَّ المشتري لا يشتريه إلاّ للمنفعة المحرمة منه ، لم يجز بيعُه لهُ عندَ الإمام أحمد وغيره من العلماء ، كما لا يجوزُ عندهم بيعُ العصير ممن يتخذه خمراً ، ولا بيعُ السِّلاح في الفتنة ، ولا بيع الرَّياحين والأقداح لمن يعلم أنَّه يشربُ عليها الخمر ، أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة.
القسم الثاني : ما ينتفع به مع إتلاف عينه ، فإذا كان المقصود الأعظم منه محرماً ، فإنَّه يحرم بيعُه ، كما يحرمُ بيعُ الخنزير والخمر والميتة ، مع أنَّ في بعضها منافع غيرَ محرمة ، كأكل الميتة للمضطرِّ ، ودفع الغصَّة بالخمر ، وإطفاءِ الحريق به . والخرْز بشعر الخنْزير عند قوم ، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك ، ولكن لمَّا كانت هذه المنافعُ غيرَ مقصودة ، لم يعبأ بها ، وحرم البيعُ بكون المقصودِ الأعظم من الخنزير والميتة أكلَهما ، ومن الخمر شربَها ، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك ، وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى لمَّا قيل له : أرأيتَ شحومَ الميتةِ ، فإنَّه يُطلى بها السُّفُن ، ويُدهن بها الجُلودُ ، ويَستصبِحُ بها الناسُ ، فقال : ( لا ، هو حرام ).
وقد اختلفَ الناسُ في تأويلِ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هو حرامٌ ) فقالت طائفة : أراد أنَّ هذا الانتفاعَ المذكور بشحوم الميتة حرام ، وحينئذٍ فيكونُ ذلك تأكيداً للمنع من بيع الميتة ، حيث لم يجعل شيئاً من الانتفاع بها مباحاً.
وقالت طائفة : بل أرادَ أنَّ بيعها حرامٌ ، وإنْ كان قد ينتفع بها بهذه الوجوه ، لكن المقصود الأعظم من الشحوم هو الأكل ، فلا يُباحُ بيعُها لذلك.
وقد اختلفَ العلماءُ في الانتفاع بشحوم الميتة ، فرخَّص فيه عطاءٌ ، وكذلك نقل ابنُ منصورٍ عن أحمد وإسحاق ، إلاّ أنَّ إسحاقَ قال : إذا احتيجَ إليه ، وأمَّا إذا وُجِدَ عنه مندوحةٌ ، فلا ، وقال أحمد : يجوزُ إذا لم يمسه بيده ، وقالت طائفة : لا يجوزُ ذلك ، وهو قولُ مالك والشافعي وأبي حنيفة ، وحكاه ابن عبد البرّ إجماعاً عن غير عطاء .
وأمَّا الأدْهانُ الطاهرة إذا تنجَّست بما وقع فيها من النجاسات ، ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلافٌ مشهور في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ، وفيه روايتان عن أحمد.
وأما بيعُها ، فالأكثرون على أنَّه لا يجوزُ بيعُها ، وعن أحمد رواية : يجوز بيعُها من كافرٍ ، ويُعلم بنجاستها ، وهو مروىٌّ عن أبي موسى الأشعري ، ومن أصحابنا من خرَّج جوازَ بيعها على جواز الاستصباح بها وهو ضعيفٌ مخالفٌ لنصِّ أحمد بالتفرقة ، فإنَّ شحومَ الميتة لا يجوزُ بيعُها وإنْ قيل بجواز الانتفاع بها ، ومنهم من خرَّجه على القول بطهارتها بالغسل ، فيكون - حينئذٍ - كالثوب المتمضّخ بنجاسة . وظاهر كلام أحمد منعُ بيعها مطلقاً ؛ لأنَّه علل بأنَّ الدُّهنَ المتنجس فيهِ ميتة ، والميتة لا يُؤكل ثمنها.
وأما بقية أجزاءِ الميتة ، فما حُكِمَ بطهارته منها ، جاز بيعُه ، لجواز الانتفاع به ، وهذا كالشَّعر والقَرنِ عندَ من يقول بطهارتهما ، وكذلك الجلدُ عندَ من يرى أنَّه طاهر بغيرِ دباغ ، كما حُكي عن الزهري ، وتبويبُ البخاري يدلُّ عليهِ، واستدلَّ بقولِهِ : ( إنَّما حَرُم من الميتة أكلُها ). وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلدِ قبل الدباغ ، فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذٍ ؛ لأنَّه جزءٌ من الميتة، وشذَّ بعضهم ، فأجاز بيعه كالثوب النجس ، ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسةُ ، وجلد الميتة جزءٌ منها ، وهو نجسُ العين . وقال سالمُ بنُ عبد الله بن عمر : هل بيعُ جلودِ الميتة إلاَّ كأكل لحمها ؟ وكرهه طاووس وعكرمة ، وقال النخعي : كانوا يكرهون أنْ يبيعوها ، فيأكلوا أثمانها.
وأما إذا دبغت ، فمن قال بطهارتها بالدبغ ، أجاز بيعها ، ومن لم ير طهارتها بذلك ، لم يُجِزْ بيعها . ونصَّ أحمد على منع بيعِ القمح إذا كان فيه بولُ الحمار حتى يُغسل ، ولعلَّه أراد بيعه ممَّن لا يعلم بحاله ، خشية أنْ يأكله ولا يعلم نجاسته.
وأما الكلب ، فقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي مسعود الأنصاري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب.
وفي " صحيح مسلم " عن رافع بن خديج سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( شرُّ الكسب مَهْرُ البغيّ ، وثمن الكلب ، وكسب الحجام ).
وفيه عن معقل الجزري عن أبي الزبير ، قال : سألت جابراً عن ثمن الكلب والسِّنور ، فقال : زجر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. وهذا إنّما يُعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير . وقد استنكر الإمامُ أحمد رواياتِ مَعْقِلٍ عن أبي الزبير ، وقال : هي تشبه أحاديثَ ابنِ لهيعة ، وقد تُتُبِّعِ ذلك ، فوُجِدَ كما قاله أحمد رحمه الله.
وقد اختلف العلماءُ في بيع الكلب ، فأكثرهم حرَّموه ، منهم الأوزاعي ، ومالك في المشهور عنه ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، وغيرهم، وقال أبو هريرة : هو سحت، وقال ابن سيرين : هو أخبثُ الكسب. وقال عبدُ الرحمان بنُ أبي ليلى : ما أُبالي ثمن كلب أكلت أو ثمنَ خنْزير. وهؤلاء لهم مآخذ:
أحدها : أنَّه إنّما نُهي عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريمَ بيع كلِّ نجسِ العين ، وهذا قولُ الشافعي ، وابن جرير ، ووافقهم جماعةٌ من أصحابنا ، كابنِ عقيل في " نظرياته " وغيره ، والتزموا أنَّ البغلَ والحمارَ إنَّما نجيز بيعهما إذا لم نقل بنجاستهما ، وهذا مخالفٌ للإجماع.
والثاني : أنَّ الكلبَ لم يُبح الانتفاعُ به واقتناؤه مطلقاً كالبغل والحمار ، وإنَّما أُبيحَ اقتناؤُه لحاجاتٍ مخصوصةٍ ، وذلك لا يُبيح بيعه كما لا تبيحُ الضرورةُ إلى الميتة والدم بَيعَهُما ، وهذا مأخذُ طائفةٍ من أصحابنا وغيرهم.
والثالث : أنَّه إنَّما نُهي عن بيعه لخسَّته ومهانته ، فإنَّه لا قيمةَ له إلاَّ عند ذوي الشُّحِّ والمهانَةِ ، وهو متيسِّرُ الوجودِ ، فنُهي عن أخذ ثمنِه ترغيباً في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة ، وهذا مأخذُ الحسن البصري وغيره من السَّلف ، وكذا قال بعضُ أصحابنا في النَّهي عن بيع السِّنَّورِ.
ورخَّصت طائفةٌ في بيع ما يُباح اقتناؤُه مِنَ الكلاب ، ككلب الصَّيد ، وهو قولُ عطاء والنَّخعي وأبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن مالك ، وقالوا : إنَّما نهي عن بيع ما يحرُمُ اقتناؤُه منها. وروى حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب والسنور ، إلا كلب صيد ، خرَّجه النَّسائي، وقال : هو حديثٌ منكر ، وقال أيضاً : ليس بصحيح ، وذكر الدارقطني أنَّ الصحيحَ وقفُه على جابر ، وقال أحمد : لم يصحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رخصةٌ في كلب الصيد ، وأشار البيهقي وغيره إلى أنَّه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء ، فظنه من البيع، وإنَّما هو مِنَ الاقتناء ، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي، ومن قال : إنَّ هذا الحديث على شرط مسلم - كما ظنَّه طائفةٌ من المتأخرين - فقد أخطأ ؛ لأنَّ مسلماً لم يخرِّج لحمَّاد بن سلمة ، عن أبي الزبير شيئاً ، وقد بيَّن في كتاب " التمييز " أنَّ رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غيرُ قوية.
فأمَّا بيعُ الهرِّ ، فقد اختلف العلماءُ في كراهته ، فمنهم من كرهه ، ورُوي ذلك عن أبي هريرة وجابر وعطاء وطاووس ومجاهد ، وجابر بن زيد ، والأوزاعي ، وأحمد في رواية عنه ، وقال : هو أهونُ من جلود السِّباع ، وهذا اختيارُ أبي بكر من أصحابنا ، ورخص في بيع الهرِّ ابن عباس وعطاء في رواية والحسن وابن سيرين والحكم وحماد ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن إسحاق روايتان ، وعن الحسن أنَّه كره بيعها ، ورخَّصَ في شرائها للانتفاع بها.
وهؤلاء منهم من لم يصحِّح النهي عن بيعها ، قال أحمد : ما أعلم فيه شيئاً يثبت أو يصحُّ ، وقال أيضاً : الأحاديث فيه مضطربةٌ.
ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه كالبرِّيِّ ونحوه.
ومنهم من قال : إنَّما نهى عن بيعها ؛ لأنَّه دناءة وقلة مروءة ، لأنَّها متيسرة الوجود والحاجة إليها داعية ، فهي من مرافِق الناس التي لا ضررَ عليهم في بذل فضلها ، فالشُّحُّ بذلك مِنْ أقبحِ الأخلاق الذميمة ، فلذلك زجر عن أخذ ثمنها.
وأما بقية الحيوانات التي لا تُؤكل ، فما لا نفع فيه كالحشرات ونحوه لا يجوزُ بيعُه، وما يُذكر من نفع في بعضها ، فهو قليلٌ ، فلا يكون مبيحاً للبيع ، كما لم يبح النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيعَ الميتة لما ذكر له ما فيها من الانتفاع ، ولهذا كان الصحيحُ أنَّه لا يُباحُ بيعُ العلق لِمَصِّ الدم ، ولا الدِّيدان للاصطياد ونحو ذلك.
وأما ما فيه نفعٌ للاصطياد منها ، كالفهد والبازيِّ والصَّقر ، فحكى أكثرُ الأصحاب في جواز بيعها روايتين عن أحمد ، ومنهم من أجازَ بيعَها ، وذكر الإجماعَ عليه، وتأوَّل رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلى في " المجرد "، ومنهم من قال : لا يجوزُ بيع الفهد والنّسر ، وحكى فيه وجهاً آخر بالجواز ، وأجاز بيع البُزاة والصُّقور ، ولم يحكِ فيه خلافاً ، وهو قولُ ابن أبي موسى.
وأجاز بيع الصقر والبازي والعُقاب ونحوه أكثرُ العلماء ، منهم : الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق ، والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جوازُ بيعها ، وتوقف في رواية عنه في جوازه إذا لم تكن معلَّمة ، قال الخلاَّل : العمل على ما رواه الجماعة أنَّه يجوزُ بيعُها بكلِّ حالٍ.
وجعل بعضُ أصحابنا الفيلَ حكمه حكم الفهد ونحوه، وفيه نظر ، والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنَّه لا يحِلُّ بيعه ولا شراؤه ، وجعله كالسَّبُع ، وحُكي عن الحسن أنَّه قال : لا يُركب ظهره ، وقال : هو مسخ ، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّه لا منفعةَ فيه.
ولا يجوزُ بيعُ الدُّبِّ ، قاله القاضي في " المجرد " ، وقال ابن أبي موسى : لا يجوزُ بيعُ القردِ، قال ابن عبد البرِّ : لا أعلمُ في ذلك خلافاً بين العلماء ، وقال القاضي في " المجرد " : إنْ كان ينتفع به في موضع ، لحفظ المتاع ، فهو كالصَّقر والبازيِّ، وإلا ، فهو كالأسد لا يجوزُ بيعه ، والصحيح المنعُ مطلقاً ، وهذه المنفعة يسيرةٌ ، وليست هي المقصودة منه ، فلا تُبيح البيعَ كمنافعِ الميتة.
ومما نُهي عن بيعه جيفُ الكفار إذا قُتِلوا ، خرّج الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال : قتل المسلمون يوم الخندق رجلاً من المشركين ، فأعطوا بجيفته مالاً ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ادفعوا إليهم جيفَته ، فإنَّه خبيثُ الجيفة ، خبيثُ الدِّيةِ ) ، فلم يقبل منهم شيئاً . وخرَّجه الترمذي، ولفظه : إنَّ المشركين أرادوا أنْ يشتروا جَسَد رجلٍ من المشركين فأبى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يبيعهم . وخرَّجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلاً ، ثم قال وكيع : الجيفة لا تُباع.
وقال حرب : قلت لإسحاق ، ما تقول في بيع جيف المشركين من المشركين ؟ قال : لا . وروى أبو عمرو الشيباني أنَّ علياً أتي بالمستورد العجلي وقد تنصّر ، فاستتابه فأبى أنْ يتوبَ ، فقتله ، فطلبت النصارى جيفته بثلاثين ألفاً ، فأبى عليٌّ فأحرقه.


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 10:51 am