الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2592
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب

مُساهمة من طرف الإدارة في الإثنين مايو 22, 2017 9:32 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الخمسون ] ●

عَنْ عبدِ الله بن بُسْرٍ قال : أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجلٌ ، فقالَ : يا رَسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَتْ علينا ، فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ ؟ قال : ( لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكر الله - عز وجل - ) خرَّجه الإمامُ أحمدُ بهذا اللَّفظِ.
وخرَّجه الترمذي ، وابنُ ماجه ، وابنُ حبان في " صحيحه " بمعناه ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وكُلُّهم خرَّجه من رواية عمرو بن قيس الكندي ، عن عبد الله بن بُسر.
وخرَّج ابنُ حبان في " صحيحه " وغيره من حديث معاذ بن جبل ، قال : آخِرُ ما فارقتُ عليه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ قلتُ له : أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى الله ؟ قال : ( أنْ تموتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله - عز وجل - ).
وقد سبق في هذا الكتاب مفرقاً ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر ، ونذكر هاهنا فضل إدامته ، والإكثار منه.
قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأنْ يذكروه ذكراً كثيراً ، ومَدَحَ من ذكره كذلك ؛ قالَ تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }، وقال تعالى : { وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }، وقال تعالى : { وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }، وقال تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ }.
وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على جبلٍ يقالُ له : جُمْدَان ، فقال : ( سِيروا هذا جُمدان، قد سبق المُفرِّدونَ ) . قالوا : ومن المفرِّدون يا رسول الله ؟ قالَ : ( الذاكرون الله كثيرا والذَّاكرات ).
وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه : ( سبقَ المفَرِّدونَ ) قالوا : وما المفردون ؟ قال : ( الذينَ يُهْتَرونَ في ذكرِ اللهِ ).
وخرَّجه الترمذي، وعنده : قالوا : يا رسول الله ، وما المفرِّدون ؟ قالَ : ( المُستَهتَرونَ في ذِكرِ الله يَضعُ الذِّكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يومَ القيامة خِفافاً ).
وروى موسى بنُ عبيدة عن أبي عبد الله القَرَّاظ ، عن معاذ بن جبل قال : بينما نَحنُ مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَسيرُ بالدّفِّ من جُمْدان إذ استنبه ، فقال : ( يا مُعاذُ ، أينَ السابقون ؟ ) فقلت : قد مَضَوا ، وتخلَّف ناسٌ . فقال : ( يا معاذ إنَّ السابقين الذين يُستَهتَرون بذكر الله - عز وجل - ) خرّجه جعفر الفِرياني.
ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث ، فإنَّه لمَّا سبق الركب ، وتخلف بعضهم ، نبه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أنَّ السابقين على الحقيقة هم الذين يُديمون ذكرَ الله ، ويُولَعون به ، فإنَّ الاستهتار بالشيء : هو الولوعُ به ، والشغفُ ، حتى لا يكاد يُفارِق ذكره ، وهذا على رواية من رواه ( المستهترون ) ورواه بعضُهم ، فقال فيه : ( الذين أُهتِروا في ذكرِ الله ) وفسّر ابنُ قتيبة الهترَ بالسَّقْطِ في الكلام، كما في الحديث : ( المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتَران ).
قال : والمرادُ من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر الله وطاعته ، قال : والمراد بالمفرِّدين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القَرنِ الذي كان فيه ، وأما على الرواية الأولى ، فالمراد بالمفرِّدين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى ، كذا قال ، ويحتمل - وهو الأظهر - أنَّ المرادَ بالانفرادِ على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرةُ الذكرِ دونَ الانفراد الحسي ، إما عن القَرنِ أو عن المخالطة ، والله أعلم.
ومن هذا المعنى قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز ليلةَ عرفة بعرفة عندَ قرب الإفاضة : ليس السابقُ اليوم من سبق بعيرُه ، وإنَّما السابق من غُفر له.
وبهذا الإسناد عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من أحبَّ أنْ يرتع في رياض الجنَّة ، فليُكثر ذكرَ الله - عز وجل - ).
وخرَّج الإمام أحمد والنَّسائي ، وابنُ حبان في " صحيحه " من حديث أبي سعيد الخدري : أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( استكثروا منَ الباقياتِ الصَّالحات ) قيل : وما هُنَّ يا رسولَ الله ؟ قالَ : ( التكبيرُ والتسبيحُ والتَهليلُ والحمدُ لله ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله ).
وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " عن أبي سعيد الخدري أيضاً عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أكثروا ذِكرَ الله حتّى يقولوا : مجنون ).
وروى أبو نعيم في " الحلية " من حديث ابن عباس مرفوعاً : ( اذكروا الله ذكراً يقول المنافقون : إنَّكم تُراؤون ).
وخرَّج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سئل : أيُّ العباد أفضلُ درجةً عندَ الله يوم القيامة ؟ قالَ : ( الذاكرون الله كثيراً ) ، قيل : يا رسول الله ، ومِنَ الغازي في سبيل الله ؟ قال : ( لو ضربَ بسيفه في الكفَّار والمشركين حتّى ينكسر ويتخضَّب دماً ، لكان الذاكرون للهِ أفضلَ منه درجةً ) .
وخرَّج الإمام أحمد من حديث سهلٍ بن معاذ ، عن أبيه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أنَّ رجلاً سأله فقال : أيُّ الجهاد أعظمُ أجراً يا رسول الله ؟ قال : ( أكثرُهم للهِ ذِكراً ) ، قال : فأيُّ الصَّائمين أعظمُ ؟ قال : ( أكثرهم لله ذِكراً ) ، ثم ذكر لنا الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ والصدقة كلٌّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أكثرهم لله ذكراً ) ، فقال أبو بكر : يا أبا حفص ، ذهب الذاكرون بكلِّ خيرٍ ، فقال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( أجل ).
وقد خرَّجه ابنُ المبارك، وابنُ أبي الدنيا من وجوه أُخَر مرسلة بمعناه.
وفي " صحيح مسلم " عن عائشة ، قالت : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كلِّ أحيانِهِ .
وقال أبو الدرداء : الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر الله ، يدخل أحدهم الجنَّةَ وهو يضحك، وقيل له : إنَّ رجلاً أعتق مئة نسمة ، فقال : إنَّ مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار ، وأنْ لا يزالَ لسانُ أحدكم رطباً مِنْ ذِكر الله - عز وجل -.
وقال معاذ : لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إليَّ من أنْ أحملَ على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل.
وقال ابن مسعود في قوله تعالى : { اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال : أنْ يُطاعَ فلا يُعصى ، ويُذكر فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يكفر، وخرَّجه الحاكم مرفوعاً وصحَّحه ، والمشهورُ وقفُه.
وقال زيدُ بنُ أسلم : قال موسى - عليه السلام - : يا ربِّ قد أنعمتَ عليَّ كثيراً ، فدُلني على أنْ أشكرك كثيراً ، قال : اذكُرني كثيراً ، فإذا ذكرتني كثيراً ، فقد شكرتني ، وإذا نسيتني فقد كفرتني.
وقال الحسن : أحبُّ عبادِ الله إلى اللهِ أكثرهم له ذكراً وأتقاهم قلباً.
وقال أحمد بنُ أبي الحواري : حدَّثني أبو المخارق ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مررتُ ليلة أُسري بي برجل مُغيَّبٍ في نور العرش ، فقلتُ : من هذا ؟ مَلَكٌ ؟ قيل : لا ، قلت : نبيٌّ ؟ قيل : لا ، قلتُ : من هو ؟ قال : هذا رجل كان لسانه رطباً من ذكر الله ، وقلبُه معلَّق بالمساجد ، ولم يستسبَّ لوالديه قطّ ).
وقال ابن مسعود : قال موسى - عليه السلام - : ربِّ أيُّ الأعمال أحبُّ إليك أنْ أعملَ به ؟ قالَ : تذكرني فلا تنساني.
وقال أبو إسحاق عن ميثم : بلغني أنَّ موسى - عليه السلام - ، قالَ : ربِّ أيُّ عبادكَ أحبُّ إليكَ ؟ قال : أكثرُهم لي ذكراً.
وقال كعب : من أكثر ذكر الله ، برئ من النفاق، ورواه مؤمَّل ، عن حماد بن سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعاً.
وخرَّج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعاً : ( مَنْ لَمْ يُكثِرْ ذِكْرَ الله فقد برئ من الإيمان ) . ويشهد لهذا المعنى أنَّ الله تعالى وصف المنافقين بأنَّهم لا يذكرون الله إلا قليلاً ، فمن أكثر ذكرَ الله ، فقد بايَنَهُم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأنْ لا يُلهي المؤمنَ عن ذلك مالٌ ولا ولدٌ ، وأنَّ من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين.
قال الربيعُ بنُ أنس ، عن بعض أصحابه : علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره ، فإنَّك لنْ تحبَّ شيئاً إلا أكثرت ذكره.
قال فتح الموصِلي : المحبُّ لله لا يَغفُلُ عن ذكر الله طرفةَ عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر ، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه.
قال إبراهيم بن الجنيد : كان يُقال : من علامة المحبِّ للهِ دوامُ الذكر بالقلب واللسان ، وقلَّما وَلعَ المرءُ بذكر الله - عز وجل - إلا أفاد منه حبَّ الله . وكان بعضُ السَّلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلنْ يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك.
قال أبو جعفر المحَوَّلي : وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه ، ولا يسأمُ من خدمته. وقد ذكرنا قولَ عائشة : كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كلِّ أحيانه، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على طهارةٍ أو على حدث.
وقال مِسعر : كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ ، ويوسفُ - عليه السلام - في السجن لا يسكن عن ذكر الله - عز وجل -.
وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة ، فلا يُنام حتّى يُسبِّحَ به.
وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها بالتسبيح.
وقيل لعمير بن هانئ : ما نرى لسانَك يَفتُرُ ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم ؟ قال : مئة ألف تسبيحة ، إلا أنْ تُخطئ الأصابع ، يعني أنَّه يَعُدُّ ذلك بأصابعه.
وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد : كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشرة ألف تسبيحة ، فماتت ، فلما بلغت القبر ، اختُلِست من بين أيدي الرجال.
كان الحسن البصري كثيراً ما يقول إذا لم يُحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إنَّ صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلاّ بُني له بيتٌ في الجنَّة.
وكان عامةُ كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده.
وكان المغيرة بنُ حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام في الماء يذكر الله مع دوابِّ البحر.
نام بعضُهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنتُ كلَّما استيقظتُ من الليل ، وجدتُه يذكر الله ، فأغتمّ ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية : { ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ }.
المحبُّ اسم محبوبه لا يغيبُ عن قلبه ، فلو كُلّف أنْ ينسى تذكُّره لما قدر ، ولو كلف أنْ يكفّ عن ذكره بلسانه لما صبر.
كَيْفَ يَنسى المُحبُّ ذِكرَ حَبيبٍ ● اسمُه في فُؤاده مَكتوبُ
كان بلالٌ كلَّما عذَّبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول : أحدٌ أحدٌ ، فإذا قالوا له قل : اللات والعُزَّى ، قال : لا أحسنه. يُراد مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم ● وتَأْبَى الطِّباعُ على النَّاقِلِ
كلَّما قويت المعرفةُ ، صار الذكرُ يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة ، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه : الله الله ، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح ، كما يُلهمون النفسَ ، وتصيرُ ( لا إله إلا الله ) لهم ، كالماء البارد لأهل الدنيا ، كان الثوري ينشد :
لا لأَنِّي أَنساكَ أُكثرُ ذِكرا ● ك ولكنْ بِذاكَ يَجري لِساني
إذا سمِعَ المحبُّ ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه ، وتضاعف قَلَقُه ، قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعودٍ : ( اقرأ عليَّ القرآن ) ، قال : أقرأ عليكَ وعَلَيكَ أُنزل ؟ قال : ( إنِّي أُحبُّ أنْ أسمعه من غيري )، فقرأ عليه ، ففاضت عيناه.
سمع الشبلي قائلاً يقولُ : يا الله يا جَوادُ ، فاضطرب:
وداعٍ دعا إذ نَحْنُ بالخَيفِ مِن منى ● فهَيَّجَ أشجانَ الفُؤادِ وما يَدري
دَعا بِاسم لَيلَى غَيرَها فكأَنَّما ● أطارَ بِليلى طائراً كان في صدري
النبض ينْزعج عند ذكر المحبوب :
إذا ذُكِر المحبوب عندَ حبيبه ● تَرنَّحَ نَشوانٌ وحَنَّ طرُوبُ
ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }.
وإنِّي لَتَعْروِني لِذكْرَاكِ هِزَّةٌ ● كَما انتفضَ العُصفورُ بَلَّلهُ القطْرُ
أحد السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله : ( رجلٌ ذكرَ الله خالياً ، ففاضت عيناه ).
قال أبو الجلد : أوحى الله - عز وجل - إلى موسى - عليه السلام - : إذا ذكرتني ، فاذكرني ، وأنت تنتفض أعضاؤُك ، وكُن عندَ ذكري خاشعاً مطمئناً ، وإذا ذكرتني ، فاجعل لِسانك من وراء قلبك.
وصف عليٌّ يوماً الصحابة ، فقال : كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح ، وجرت دموعهم على ثيابهم.
قال زهير البابي : إنَّ لله عباداً ذكروه ، فخرجت نفوسُهم إعظاماً واشتياقاً ، وقوم ذكروه ، فوجِلَتْ قلوبهم فرقاً وهيبة ، فلو حُرِّقوا بالنَّار ، لم يجدوا مَسَّ النار ، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده ، فارفضّوا عرقاً من خوفه ، وقومٌ ذكروه ، فحالت ألوانهم غبراً ، وقومٌ ذكروه ، فجَفَّتْ أعينُهم سهراً.
صلَّى أبو يزيد الظهر ، فلما أراد أنْ يُكبِّر ، لم يقدر إجلالاً لاسم الله ، وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعةُ عظامه.
كان أبو حفص النَّيْسابوري إذا ذكر الله تغيَّرت عليه حالُه حتى يرى ذلك جميع من عنده ، وكان يقولُ : ما أظن محقاً يذكر الله عن غير غفلة ، ثم يبقى حياً إلا الأنبياء ، فإنَّهم أيدوا بقوَّة النبوَّة وخواصِّ الأولياء بقوَّة ولايتهم.
إذا سمِعَتْ باسمِ الحَبيبِ تَقعقعت ● مَفاصِلُها مِنْ هَولِ ما تَتذَكَّرُ
وقف أبو يزيد ليلةً إلى الصباحِ يجتهد أنْ يقول : لا إله إلا الله ، فما قدر إجلالاً وهيبةً ، فلما كان عند الصباح ، نزل ، فبال الدَّم.
وما ذكرتُكُمُ إلاّ نَسيتُكُم ● نسيانَ إجلال لا نِسيانَ إهمالِ
إذا تَذكَّرتُ مَنْ أنتُم وكيف أنَا ● أَجْلَلتُ مِثلَكُم يَخطُرْ على بالي
الذكر لذَّة قلوب العارفين . قال - عز وجل - : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }. قال مالك بنُ دينار : ما تلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله - عز وجل -.
وفي بعض الكتب السالفة : يقول الله - عز وجل - : معشر الصدِّيقين بي فافرحوا ، وبذكري فتنعَّموا. وفي أثرٍ آخر سَبَق ذكره : ويُنيبون إلى الذِّكر كما تُنيب النسورُ إلى وُكورها.
وعن ابن عمر قال : أخبرني أهلُ الكتاب أنَّ هذه الأمة تُحبُّ الذِّكْرَ كما تُحبُّ الحمامةُ وكرَها ، ولهُم أسرعُ إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظِمئِها.
قلوبُ المحبين لا تطمئنُّ إلاّ بذكره ، وأرواحُ المشتاقين لا تَسكُنُ إلاّ برؤيته ، قال ذو النون : ما طابتِ الدنيا إلا بذكره ، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه ، ولا طابت الجنَّة إلاّ برؤيته.
أبداً نُفوس الطَّالبيـ ● ـن إلى طلُولكم تَحِنُّ
وكَذَا القُلُوبُ بِذكركُم ● بَعْدَ المَخافةِ تَطمئنُّ
جُنَّتْ بحُبِّكُمُ ومَنْ ● يَهوى الحَبيبَ ولا يُجَنُّ
بِحياتِكُم يا سادتي ● جُودُوا بِوصْلِكُم ومُنُّوا
قد سبق حديث : ( اذكروا الله حتى يقولوا : مجنون ) ولبعضهم :
لقد أكثرتُ من ذِكرا ● كَ حتَّى قِيلَ وَسْوَاسُ
كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذِّكر ، فرآه بعضُ الناس ، فأنكر حالَه ، فقال لأصحابه : أمجنون صاحبُكم ؟ فسمعه أبو مسلم ، فقال : لا يا أخي ، ولكن هذا دواءُ الجنون.
وحُرمَة الودِّ مالي مِنكُم عِوَضٌ ● ولَيسَ لي في سِواكُم سَادتِي غَرَضُ
وقَدْ شَرَطْتُ على قومٍ صَحِبتُهُم ● بأنَّ قلبي لَكُمْ مِن دونِهم فرضُوا
ومِنْ حديثي بكُم قالوا : به مَرَضٌ ● فقُلْتُ : لا زالَ عنِّي ذلك المَرَضُ
المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر ، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم.
قال عيسى - عليه السلام - : يا معشر الحواريين كلِّموا الله كثيراً ، وكلموا الناس قليلاً ، قالوا : كيف نكلِّم الله كثيراً ؟ قال : اخلوا بمناجاته ، اخلوا بدُعائه.
وكان بعضُ السَّلف يُصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة حتى أُقعِدَ من رجليه ، فكان يُصلي جالساً ألف ركعة ، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ، ويقول : عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك ، بل عَجِبْتُ للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكر سِواك.
وكان بعضُهم يَصومُ الدَّهرَ ، فإذا كان وقتُ الفطور ، قال : أحسُّ نفسي تخرُج لاشتغالي عن الذكر بالأكل.
قيل لمحمد بن النضر : أما تستوحِشُ وحدَك ؟ قال : كيف أستوحِشُ وهو يقول : أنا جليسُ من ذكرني.
كَتمتُ اسم الحبيب من العبادِ ● ورَدَّدتُ الصَّبابةَ في فُؤادي
فَوَاشَوقاً إلى بَلدٍ خَلِيٍّ ● لعلِّي باسم مَنْ أَهوى أُنادي
فإذا قَوِي حالُ المحبِّ ومعرفته ، لم يشغَلْهُ عن الذكر بالقلب واللسان شاغل ، فهو بَينَ الخلق بجسمه ، وقلبه معلق بالمحلِّ الأعلى ، كما قال عليٌّ - رضي الله عنه - في وصفهم : صَحِبوا الدُّنيا بأجسادٍ أرواحُها معلقة بالمحلِّ الأعلى، وفي هذا المعنى قيل:
جِسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكم ● فالجِسمُ في غُربةٍ والرُّوحُ في وطن
وقال غيره :
ولقَد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدِّثي ● وأَبحْتُ جِسمي من أراد جُلوسي
فالجِسمُ منِّي للجَليس مُؤَانسٌ ● وحَبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي
وهذه كانت حالة الرسل والصدِّيقين ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً }.
وفي " الترمذي " مرفوعاً : ( يقول الله - عز وجل - : إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرنَهُ ).
وقال تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } يعني : الصلاة في حال الخوف ، ولهذا قال : { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ }، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله ، وكثرة ذكره.
ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في " المسند " و" الترمذى " و" سنن ابن ماجه " عن عمرَ مرفوعاً : ( مَنْ دخلَ سوقاً يُصاحُ فيه ويُباع ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له المُلك وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموتُ بيده الخير وهُو على كلِّ شيءٍ قدير ، كتب الله له ألفَ ألفَ حسنة ، ومحا عنه ألفَ ألفَ سيئة ، ورفع له ألف ألفِ درجة ).
وفي حديث آخر : ( ذاكِرُ الله في الغافلين كمثلِ المقاتل عن الفارين ، وذاكرُ الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر يابس ).
قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود : ما دام قلبُ الرجل يذكر الله ، فهو في صلاة ، وإنْ كان في السوق وإن حرّك به شفتيه فهو أفضل.
وكان بعضُ السَّلف يقصِدُ السُّوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة.
والتقى رجلان منهم في السوق ، فقال أحدهما لصاحبه : تعالَ حتّى نذكر الله في غفلة الناس ، فخلَوا في موضع ، فذكرا الله ، ثم تفرَّقا ، ثم ماتَ أحدهما ، فلقيه الآخر في منامه ، فقال له : أشعرت أنَّ الله غفر لنا عشية التقينا في السُّوق ؟.

● [ فصل ] ●
في وظائف الذكر الموظفة في اليوم والليلة

معلومٌ أنَّ الله - عز وجل - فرض على المسلمين أنْ يذكروهُ كلَّ يوم وليلة خمس مرَّات ، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها الموقتة ، وشَرَعَ لهم مع هذه الفرائض الخمس أنْ يذكروه ذكراً يكونُ لهم نافلةً ، والنافلةُ : الزِّيادة ، فيكونُ ذلك زيادةً على الصلوات الخمس ، وهو نوعان:
أحدهما : ما هو من جِنس الصلاة ، فشرع لهم أنْ يُصلُّوا مع الصَّلوات الخمس قبلها ، أو بعدها أو قبلها وبعدها سنناً ، فتكون زيادةً على الفريضة ، فإنْ كان في الفريضة نقصٌ ، جَبَر نقصها بهذه النوافل ، وإلاَّ كانت النَّوافلُ زيادةً على الفرائض.
وأطولُ ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بَينَ صلاة العشاء وصلاة الفجر ، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ، فشرع كلِّ واحدة من هاتين الصَّلاتين صلاة تكون نافلةً ؛ لئلاَّ يطولَ وقتُ الغفلة عن الذِّكر ، فشرع ما بَين صلاةِ العشاء ، وصلاة الفجر صلاةَ الوتر وقيامَ الليل ، وشرع ما بين صلاة الفجرِ ، وصلاة الظهر صلاة الضحى.
وبعضُ هذه الصلوات آكدُ من بعض ، فآكدُها الوتر ، ولذلك اختلفَ العلماءُ في وجوبه ، ثمَّ قيامُ الليل ، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُداومُ عليه حضراً وسفراً ، ثمّ صلاة الضحى ، وقد اختلف الناسُ فيها ، وفي استحباب المدوامة عليها ، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة، وورد التَّرغيبُ أيضاً في الصَّلاة عقيبَ زوالِ الشَّمس.
وأما الذكرُ باللسان ، فمشروعٌ في جميع الأوقات ، ويتأكَّدُ في بعضها.
فممَّا يتأكَّد فيه الذكرُ عقيبَ الصَّلوات المفروضات ، وأنْ يُذكر الله عقيبَ كلِّ صلاة منها مئة مرة ما بين تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ.
ويُستحبُّ - أيضاً - الذِّكرُ بعدَ الصّلاتين اللتين لا تَطوُّعَ بعدهما ، وهما : الفَجرُ والعصرُ ، فيُشرع الذكرُ بعد صلاة الفجر إلى أنْ تطلُع الشَّمسُ ، وبعدَ العصر حتى تغرَب الشمس ، وهذان الوقتان - أعني : وقت الفجر ووقت العصر - هما أفضلُ أوقات النَّهار للذِّكر ، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله : { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }، وقوله : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }، وقوله : { وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ }، وقوله : { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً }، وقوله : { فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }، وقوله : { وَاسْتَغْفرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ }، وقوله : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ }، وقوله : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا }، وقوله : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ }.
وأفضل ما فعل في هذين الوقتين من الذكر : صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر ، وهما أفضلُ الصلوات . وقد قيل في كلٍّ منهما : إنَّها الصلاةُ الوسطى، وهما البَردَانِ اللذان من حَافَظَ عليهما ، دخلَ الجنة، ويليهما من أوقات الذكر : الليلُ . ولهذا يُذكر بعد ذكر هذين الوقتين في القرآن تسبيحُ اللَّيلِ وصلاته.
والذكرُ المطلقُ يدخل فيه الصَّلاةُ ، وتلاوة القرآن ، وتعلُّمه ، وتعليمُه ، والعلمُ النافع ، كما يدخلُ فيه التَّسبيحُ والتَّكبير والتَّهليل ، ومِن أصحابنا من رجَّح التلاوة على التَّسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر . وسُئلَ الأوزاعيُّ عن ذلك ، فقال : كان هديهُم ذكرَ الله ، فإنْ قرأ ، فحسن . وظاهر هذا أنَّ الذكر في هذا الوقت أفضلُ من التلاوة ، وكذا قال إسحاق في التَّسبيح عقيبَ المكتوبات مئة مرة : إنَّه أفضلُ من التلاوة حينئذٍ . والأذكارُ والأدعيةُ المأثورةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الصَّباح والمساء كثيرة جداً.
ويستحبُّ أيضاً إحياءُ ما بين العشاءين بالصلاة والذِّكر ، وقد تقدَّم حديثُ أنس أنَّه نزل في ذلك قولُه تعالى : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ }.
ويستحبُّ تأخيرُ صلاة العشاء إلى ثُلث الليلِ ، كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة - وهو مذهبُ الإمام أحمد وغيره - حتى يفعل هذه الصَّلاة في أفضل وقتها ، وهو آخرُه ، ويشتغل منتظرُ هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول مِنَ اللَّيل بالصَّلاة ، أو بالذِّكر وانتظار الصَّلاة في المسجد ، ثمَّ إذا صلّى العشاءَ ، وصلَّى بعدَها ما يتبعُها من سننها الراتبة ، أو أوتَرَ بعدَ ذلك إنْ كان يُريد أنْ يُوتِرَ قبلَ النوم.
فإذا أوى إلى فراشه بعدَ ذلك للنوم ، فإنَّه يُستحبُّ له أنْ لا ينامَ إلا على طهارةٍ وذكرٍ ، فيُسبِّح ويحمد ويكبِّر تمام مئة ، كما علَّم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فاطمةَ وعلياً أنْ يفعلاه عندَ منامهما ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ النوم ، وهي أنواع متعدِّدةٌ من تلاوة القرآن وذكر الله ، ثم ينام على ذلك.
فإذا استيقظ من الليل ، وتقلَّب على فِراشه ، فليذكر الله كلَّما تقلَّب ، وفي " صحيح البخاري " عن عُبادة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ تعارَّ مِنَ الليلِ، فقال : لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريك له ، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، سبحانَ الله ، والحمدُ لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، ثم قال : ربِّ اغفر لي - أو قال : ( ثم دعا - استجيب له ، فإن عزم ، فتوضأ ثم صلى قُبِلت صلاته ).
وفي " الترمذي " عن أبي أُمامة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من أوى إلى فراشه طاهراً يذكرُ الله حتى يُدرِكَه النُّعاس ، لم يتقلَّبْ ساعةً من الليل يسألُ الله شيئاً من خيرِ الدُّنيا والآخرة ، إلا أعطاه إيَّاه ) .
وخرَّجه أبو داود بمعناه من حديث معاذ ، وخرَّجه النَّسائي من حديث عمرو بن عبسة.
وللإمام أحمد من حديث عمرو بن عبسة في هذا الحديث : ( وكان أوَّل ما يقول إذا استيقظ : سبحانك لا إله إلاّ أنت اغفر لي ، إلا انسلخَ من خطاياه كما تنسلخُ الحية من جلدها ).
وثبت أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استيقظ من منامه يقول : ( الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النُّشور ).
ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد ، أتى بذلك كلِّه على ما ورد عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويَختِمُ تهجُّده بالاستغفار في السحر ، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار ، وإذا طلع الفجر ، صلَّى ركعتي الفجر ، ثمّ صلَّى الفجر ، ويشتغل بعد صلاة الفجر بالذِّكر المأثور إلى أنْ تطلع الشَّمسُ على ما تقدَّم ذكره ، فمن كان حالُه على ما ذكرنا ، لم يزل لسانُه رطباً بذكر الله ، فيستصحبُ الذكر في يقظته حتى ينامَ عليه ، ثم يبدأُ به عندَ استيقاظه ، وذلك من دلائل صدقِ المحبة ، كما قال بعضهم:
وآخِرُ شيءٍ أنت في كلِّ هَجعةٍ ● وأوَّل شيءٍ أنتَ وقتَ هُبُوبي
وذكرك في قلبي بنومٍ ويقظةٍ ● تجافى من اللّين اللبيب جنوب
وأول ما يفعله الإنسان في آناء الليل والنهار من مصالح دينه ودنياه ، فعامَّةُ ذلك يشرع ذكرُ اسم الله عليه ، فيُشرَعُ له ذكرُ اسم الله وحمده على أكلِه وشُربه ولباسه وجماعه لأهله ودخوله منْزله ، وخروجه منه ، ودخوله الخلاء ، وخروجه منه ، وركوبه دابته ، ويُسمِّي على ما يذبحه من نُسكٍ وغيره.
ويُشرع له حمدُ الله تعالى على عُطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدِّين أو الدُّنيا، وعندَ التقاء الإخوان ، وسؤال بعضهم بعضاً عن حاله ، وعندَ تجدُّد ما يحبه الإنسانُ من النِّعَمِ ، واندفاع ما يكرهه من النِّقَمِ ، وأكملُ مِنْ ذلك أنْ يحمد الله على السَّراء والضَّرَّاء والشدَّة والرَّخاء ، ويحمدُه على كلِّ حال.
ويُشرع له دعاءُ الله تعالى عندَ دخولِ السوق ، وعندَ سماعِ أصواتِ الدِّيَكةِ باللَّيل، وعندَ سماعِ الرَّعد ، وعند نزولِ المطر، وعند اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلّة، وعند رؤية باكورة الثِّمار.
ويشرع أيضاً ذكرُ الله ودعاؤه عند نزول الكَرْبِ، وحدوثِ المصائب الدنيوية ، وعندَ الخروج للسَّفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر.
ويُشرع التعوُّذ بالله عند الغضب ، وعندَ رؤية ما يكره في منامه ، وعند سماع أصواتِ الكلاب والحمير بالليل.
وتُشرع استخارة الله عند العزم على مالا يظهر الخيرة فيه.
وتجب التَّوبة إلى الله والاستغفارُ من الذنوب كلِّها صغيرها وكبيرِها ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ }، فمن حافظ على ذلك ، لم يزل لسانه رطباً بذكر الله في كلِّ أحواله.

● [ فصل ] ●

قد ذكرنا في أوَّل الكتاب أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ بجوامع الكلم ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يُعجِبُه جوامع الذكر ، ويختاره على غيره من الذكر ، كما في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ، عن جُويرية بنت الحارث أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بُكرةً حين صلَّى الصبحَ وهي في مسجدها ، ثمَّ رجع بعد أنْ أضحى وهي جالسةٌ ، فقال : ( مازلتِ على الحال التي فارقتك عليها ؟ ) قالت : نعم ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد قلتُ بعدَك أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرات ، لو وُزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوزَنتهُنَّ : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزِنَةَ عرشه ، ومداد كلماته ).
وخرَّجه النَّسائي، ولفظه : ( سبحانَ الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومِداد كلماته ).
وخرّج أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من حديث سعد بن أبي وقّاص أنَّه دخل مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على امرأةٍ وبَين يديها نوى ، أو قال : حَصى تسبِّح به ، فقال : ( ألا أُخبِرُك بما هو أيسرُ من هذا وأفضل ؟ سبحانَ الله عددَ ما خلق في السماء ، وسبحانَ الله عدد ما خلَق في الأرض ، وسُبحان الله عدد ما بينَ ذلك ، وسبحانَ الله عددَ ما هو خالق ، والله أكبر مثلُ ذلك ، والحمد لله مثلُ ذلك ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله مثل ذلك ).
وخرَّج الترمذي من حديث صَفيَّة ، قالت : دخل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وبَينَ يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها فقُلتُ : لقد سبَّحت بهذه ، فقال : ( ألا أعلمك بأكثر ممَّا سبَّحت به ؟ ) فقلت : علمني ، فقالَ : ( قولي : سبحان الله عددَ خلقه ).
وخرَّج النسائي ، وابنُ حبان في " صحيحه " من حديث أبي أُمامة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مرَّ به وهو يحرِّك شفتيه ، فقال : ( ماذا تقولُ يا أبا أمامة ؟ ) قال : أذكر ربي ، قال : ( ألا أخبرك بأكثرَ وأفضلَ من ذكرك اللَّيل مع النَّهار والنهار مع الليل ؟ أنْ تقولَ : سبحان الله عدد ما خلقَ ، وسبحان الله ملءَ ما خلق ، وسُبحان الله عددَ ما في الأرض والسَّماء ، وسُبحان الله ملء ما في الأرض والسماء ، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابُه ، وسبحان الله ملءَ ما أحصى كتابه ، وسبحان الله عدد كلّ شيءٍ ، وسبحان الله ملء كلِّ شيء ، وتقولَ : الحمد لله مثل ذلك ).
وخرَّج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء.
وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناد له أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ : ( يا معاذ ، كم تذكرُ ربَّك كلَّ يوم ؟ تذكره كلَّ يوم عشرة آلاف مرة ؟ ) قال : كلُّ ذلك أفعل ، قال : ( أفلا أدلُّك على كلمات هُنَّ أهونُ عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول : لا إله إلا الله عدد ما أحصاه ، لا إله إلا الله عدد كلماتِه ، لا إله إلا الله عدد خلقه ، لا إله إلا الله زِنة عرشه ، لا إله إلا الله مِلء سماواته ، لا إله إلا الله ملء أرضه ، لا إله إلا الله مثل ذلك معه ، والله أكبر مثل ذلك معه ، والحمد لله مثل ذلك معه ).
وبإسناده أنَّ ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقَّدة ، فقال : ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه ؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر ، سبحان الله ملء السماوات والأرض ، سبحان الله عدد خلقه ، ورضا نفسه ، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض.
وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال : كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول : امهِلوا ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبرُ ، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما هو خالق ، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق ، وملء ما خلق ، وملء ما هو خالق ، وملء سماواته ، وملءَ أرضه ، ومثل ذلك وأضعاف ذلك ، وعدد خلقه ، وزنة عرشه ، ومنتهى رحمته ، ومداد كلماته ، ومبلغ رضاه وحتى يرضى وإذا رضي ، وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى ، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي ، في كلِّ سنة وشهر وجمعة ويومٍ وليلة وساعة من الساعات ، وتنسم وتنفس من أبدٍ إلى الأبد أبد الدُّنيا والآخرة أمد من ذلك لا ينقطع أولاه ، ولا ينفد أخراه.
وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال : رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته ، فقلت : ما صنعتَ ؟ قال : خيراً ، فقلت : ترجو للخاطئ شيئاً ؟ قال : يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء.
قال ابن أبي الدنيا : وحدثني محمد بن الحسين ، حدثني بعض البصريين أنَّ يونسَ بن عبيد رأى رجلاً فيما يرى النَّائم كان قد أصيب ببلادِ الرُّوم ، فقال : ما أفضل ما رأيت ثمَّ من الأعمال ؟ قالَ : رأيتُ تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان.
وكذلك كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه من الدعاء جوامعه ، ففي " سنن أبي داود " عن عائشة ، قالت : كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه الجوامع من الدعاء ، ويدع ما بين ذلك.
وخرّج الفريابي وغيره من حديث عائشة أيضاً أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( يا عائشة ، عليك بجوامع الدُّعاء : اللهمَّ إنِّي أسألك من الخير كلِّه عاجلهِ وآجله ، ما علمتُ منه وما لم أعلم ، وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجِلِه وآجله ، ما علمت منه وما لم أعلم . اللهمَّ إنِّي أسألك مِنْ خير ما سألك منه محمد عبدك ونبيك ، وأعوذُ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدك ونبيك ، اللهمَّ إني أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل ، وأعوذ بك من النار ، وما قرَّب إليها من قول وعمل ، وأسألُك ما قضيتَ لي من قضاءٍ ، أنْ تجعل عاقبته رشداً ) وخرَّجه الإمام أحمد، وابنُ ماجه، وابن حبان في " صحيحه " والحاكم، وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء ، وعند الحاكم ( عليك بالكوامل ) وذكره . وخرَّجه أبو بكر الأثرم وعنده أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( ما منعك أنْ تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه ؟ ) وذكر هذا الدعاء.
وخرّج الترمذي من حديث أبي أمامة قال : دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئاً ، فقلنا : يا رسول الله ، دعوتَ بدعاءٍ كثيرٍ لم نحفظ منه شيئاً ، فقال : ( ألا أدلُّكم على ما يجمعُ ذلك كلَّه ؟ تقولون : اللهمَّ إنّا نسألكَ من خير ما سألك منه نبيُّك محمد ، ونعوذُ بك من شرِّ ما استعاذ منه نبيُّك محمد ، وأنت المستعانُ ، وعليك البلاغ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ).
وخرَّجه الطبراني وغيره من حديث أم سلمة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعاء له طويل : ( اللهم إنِّي أسألك فواتحَ الخير ، وخواتِمه ، وجوامعَه ، وأوَّله وآخره ، وظاهره ، وباطنه ).
وفي " المسند " أنَّ سعد بن أبي وقاص سمع ابناً له يدعو ، ويقول : اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمها وإستَبرقَها ونحواً من هذا ، وأعوذ بك من النار وسلاسِلها وأغلالها ، فقال : لقد سألتَ الله خيراً كثيراً ، وتعوَّذت بالله من شرٍّ كثير ، وإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إنَّه سيكونُ قومٌ يعتدون في الدُّعاء ، وقرأ هذه الآية : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } وإنَّ بِحسبكَ أنْ تقول : اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ ، وأعوذُ بك من النَّار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ ).
وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود ، قال : كنا نقول في الصَّلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : السلام على الله ، السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم : ( إنَّ الله هو السلامُ ، فإذا قعدَ أحدُكم في الصَّلاة ، فليقل : التحيَّات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته ، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين ، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض ، أشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله ، ثم يَتخيَّرُ من المسألة ما شاء ).
وفي " المسند " عن ابن مسعود قال : إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عُلِّمَ فواتحَ الخيروجوامعه ، أو جوامعَ الخير وفواتحه وخواتمه ، وإنّا كنَّا لا ندري ما نقولُ في صلاتنا حتّى علَّمنا ، فقال : ( قولوا : التحيات لله ) فذكره إلى آخره ، والله أعلم.
آخر الكتاب والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

تم جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي


والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله
منتدى ميراث الرسول . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 9:50 am