بداية سنة ثلاثين ومائتين والف

شاطر

اسرة التحرير
Admin

عدد المساهمات : 2816
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

بداية سنة ثلاثين ومائتين والف

مُساهمة من طرف اسرة التحرير في الجمعة يونيو 22, 2018 11:31 am


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ احداث شهر المحرم سنة 1230 }

استهل المحرم بيوم الثلاثاء
وفي خامسه وصل نجاب من الحجاز وعلى يده مكاتبات بالاخبار عن الباشا والحجاج بأنهم حجوا ووقفوا بعرفة وقضوا المناسك
وفي تاسعه حضر ابراهيم باشا من الجهة القبلية الى داره بالجمالية
وفي عاشره يوم الخميس وصل في ليلته قابجي وعلى يده تقرير للباشا من الحجاز الى ساحل القصير فضربوا لذلك مدافع من القلعة
وفي صبحها خرج ابن الباشا واخوه وكذلك اكابر دولتهم الى ناحية البساتين ومنهم من عدى النيل الى البر الغربي لملاقاته على مقتضى عادته في عجلته في الحضور وعلى حساب مضي الايام من يوم وصوله الىر القصير فغابوا في انتظاره حتى انقضى النهار ثم رجعوا
وفي صبح اليوم الثاني خرجوا ثم عادوا الى دورهم اخر النهار واستمروا على الخروج والرجوع ثلاثة ايام ولم يحضر زكثر لغط الناس عند ذلك واختلفت رواياتهم واقاويلهم مدة ايام وليلا ونهارا ثم ظهر كذب هذا الخبر وان الباشا لم يزل بأرض الحجاز وقيل أن سبب اشاعة خبر مجيئه انه وصل الى ساحل القصير سفينة بها سبعة عشر شخصا من العسكر فسألهم الوكيل الكائن بالقصير عن مجيئهم فأجابوه انهم مقدمة الباشا وانه واصل في اثرهم فعندما سمع جوابهم ارسل خطابا الى كاتب من الاقباط بقنا يعرفه بقدوم الباشا فكتب ذلك القبطي خطابا الى وكيل شخص من اعيان كتبة الاقباط بأسيوط يسمى المعلم بشارة فعندما وصله الجواب ارسل جوابا الى موكله بشارة المذكور بمصر ذلك الخبر وفي الحال طلع به الى القلعة واعطاه لابراهيم باشا فانتقل به ابراهيم باشا الى مجلس كتخدا بك فخلع كتخدا بك على بشارة خلعة وامر بضرب المدافع ونزلت المبشرون وانتشروا بالبشائر الى بيوت الاعيان واخذ البقاشيش ولما حصل التراخي والتباطؤ والتأخر في الحضور بعد الاشاعة اخذ الناس في اختلاف الروايات والاقاويل كعادتهم فمنهم من يقول انه حضر مهزوما ومنهم من يقول مجروحا ومنهم من يثبت موته والشىء الذي اوجب في الناس هذه التخليطات وما شاهدوه من حركات اهل الدولة وانتقال نسائهم من المدينة وطلوعهم الى القلعة بمتاعهم واخلاء الكثير منهم البيوت وانتقال طائفة الارنؤد من الدور المتباعدة واجتماعهم وسكناهم بناحية خطة عابدين وكذلك انتقل ابراهيم باشا الى القلعة ونقل اليها الكثير من متاعه واغرب من هذا كله اشاعة اتفاق عظماء الدولة على ولاية ابراهيم باشا على الاحكام عوضا عن ابيه في يوم الخميس ويرتبوا له موكبا يركب فيه ذلك اليوم ويشق من وسط المدينة واجتمع الناس للفرجة عليه واصطفوا على المساطب والدكاكين فلم يحصل وظهر كذب ذلك كله وبطلانه واتفق في اثناء ذلك من زيادة الأهموم والتخيلات أن رضوان كاشف المعروف بالشعراوي سد باب داره التى بالشارع بخط باب الشعرية وفتح له بابا صغيرا من داخل العطفة التى بظاهره فأوشى بعض مبغضيه الى كتخدا بك فعلته في هذا الوقت والناس يزداد بهم الوهم ويعتقدون صحة ما دار بينهم من الاكاذيب وخصوصا كونه من الاعيان المعروفين فطلبه كتخدا بك وقال له لاي شىء سددت باب دارك وما الذي قاله المنجم لك فقال أن طائفة من العسكر تشاجروا بالخطة ودخلوا الى الدار وازعجونا فسددتها من ناحية الشارع بعدا من الشر وخوفا مما جرى على داري سابقا من النهب فلم يلتفت لكلامه وامر بقتله فشفع فيه صالح بك السلحدار وحسن أغا مستحفظان فعفا عنه من القتل وامر بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي ثم نزل بصحبته الاغا الى داره وفتح الباب كما كان
وفي رابع وعشرينه وصلت مكاتبات من الديار الحجازية من عند الباشا وخلافه مؤرخة في ثالث عشر ذي الحجة يذكرون فيها أن الباشا بمكة وطوسون باشا ابنه بالمدينة وحسن باشا واخاه عابدين بك وخلافهم بالكلخة ما بين الطائف وتربة

{ أحداث شهر صفر سنة 1230 }

واستهل شهر صفر الخير بيوم الخميس
وفي خامس عشرينه نودى بنقص مصارفة اصناف المعاملة وقد وصل صرف الريال الفرانسة من الفضة العددية الى ثلثمائة واربعين نصفا عنها ثمانية قروش ونصف فنودى عليه بنقص نصف قرش والمحبوب وصل الى عشرة قروش فنودى عليه بتسعة قروش وشددوا في هذه المناداة تشديدا زائدا وقتل كل من زاد على ذلك من غير معارضة وكتبوا مراسيم الى جميع البنادر وفيها التشديد والتهديد والانتقام ممن يزيد
وفي اواخره التزم المعلم غالي بمال الجزية التى تطلب من النصارى على خمسة وثمانين كيسا وسبب ذلك أن بعض اتباع المقيد لقبض الجوالي قبض على شخص من النصارى وكان من قسوسهم وشدد عليه في الطلب واهانه فأنهوا الامر الى المعلم غالي ففعل ذلك قصد المنع الايذاء عن ابناء جنسه ويكون الطلب منه عليهم ومنع المتظاهرين بالاسلام عنهم

{ أحداث شهر ربيع الاول سنة 1230 }

واستهل شهر ربيع الاول بيوم السبت
وفي تاسعه وصلت قافلة طياري من الحجاز قدم صحبتها السيد عبدالله القماعي ومعها هجانة من الحجاز وعلى يدهم مكاتبات وفيها الاخبار والبشرى بنصرة الباشا على العرب وانه استولى على تربة وغنم منها جمالا وغنائم واخذ منهم اسرى فلما وصلت الاخبار بذلك انطلق المشردون الى بيوت الاعيان لاخذ البقاشيش وضربوا في صبحها مدافع كثيرة من القلعة
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره كان المولد النبوي فنودى في صبحه بزينة المدينة ببولاق ومصر القديمة ووقود القناديل والسهر ثلاثة ايام بلياليها فلما اصبح يوم الاربعاء والزينة بحالها الى بعد اذان العصر نودى برفعها ففرح اهل الاسواق بإزالتها ورفعها لما يحصل لهم من التكاليف والسهر في البرد والهواء خصوصا وقد حصل في اخر ليلة رياح شديدة باردة
وفي هذه الايام سافر محمود بك والمعلم غالي ومن يصحبهما من النصارى الاقباط واخذوا معهم طائفة من الكتبة الافندية المختصين بالروزنامة ومنهم محمد افندي بن حسين افندي المنفصل عن الروزنامة ونزلوا لاعادة قياس الاراضي وتحرير الري والشراقي وسبقهم القياسون بالاقصاب نزلوا وسرحوا قبلهم بنحو عشرة ايام وشرع كشاف النواحي في قبض الترويجة من المزارعين وفرضوا على كل فدان الادنى تسعة ريالات الى خمسة عشر بحسب جودة الاراضي ورداءتها وهذا الطلب في غير وقته لانه لم يحصل حصاد للزرع وليس عند الفلاحين ما يقتاتون منه ومن العجب انه لم يقع مطر في هذه السنة ابدا ومضت ايام الشتاء ودخل فصل الربيع ولم يقع غيث ابدا سوى ما كان يحصل في بعض الايام من غيوم واهوية غربية ينزل مع هبوبها بعض رشاش قليل لا تبتل الارض منه ويجف بالهواء بمجرد نزوله
وفي اواخره ورد لحضرة الباشا هدية من بلاد الانكليز وفيها طيور مختلفة الاجناس والاشكال كبار وصغار وفيها ما يتكلم ويحاكي واله مصنوعة لنقل الماء يقال له الطلمبة وهي تنقل الماء الى المسافة البعيدة ومن الاسفل الى العلو ومرآة زجاج نجف كبيرة قطعة واحدة وساعة نضرب مقامات موسيقى في كل ربع يمضي من الساعة بأنغام مطربة وشمعدان به حركة غريبة كلما طالت فتيلة الشمعة غمز بحركة لطيفة فيخرج منه شخص لطيف من جانبه فيقط رأس الفتيلة بمقص لطيف بيده ويعود راجعا الى داخل الشمعدان هذا ما بلغني ممن ادعى انه شاهد ذلك
وفيه عملوا تسعيرة على المبيعات والمأكولات مثل اللحم والسمن والجبن والشمع ونادوا بنقص اسعارها نقصا فاحشا وشددوا في ذلك بالتنكيل والشنق والتعليق وحرم الآناف فارتفع السمن والزبد والزيت من الحوانيت واخفوه وطفقوا يبيعونه في العشيات بالسعر الذي ختارونه على الزبون واما السمن فلكثرة طلبه لاهل الدولة شح وجوده وذا ورد منه شىء خطفوه واخذوه من الطريق بالسعر الذي سعره الحاكم وانعدم وجود عند القبانية واذا بيع منه شىء بيع سرابا قصى الثمن واما السكر والصابون فبلغا الغاية في غلو الثمن وقلة الوجود لان ابراهيم باشا احتكر السكر بأجمعه الذي يأتي من الصعيد وليس بغير الجهة القبلية شىء منه فيبيعه على ذمته وهو في الحقيقة لابيه ثم صار نفس الباشا يعطي لاهل المطابخ بالثمن الذي يعينه عليهم ويشاركهم في ربحه فزاد غلو ثمنه على الناس وبيع الرطل من السكر الصعيدي الذي كان يباع بخمسة انصاف فضة بثمانين نصفا واما الصابون ففرضوا على تجاره غرامة فامتنع وجوده وبيع الرطل الواحد منه خفية بستين نصفا واكثر وفي هذه الايام غلا سعر الحنطة والفول وبيع الاردب بألف ومائتي نصف فضة خلاف الكلف والاجرة مع أن الاهراء والشون ببولاق ملانة بالغلال ويأكلها السوس ولايخرجون منها لبيع شيئا حتى قيل الكتخدا بك في اخراج شئ منها يباع في الناس فلم يأذن وكأنه لم يكن مأذونا من مخدومه

{ أحداث شهر ربيع الثاني سنة 1230 }

واستهل شهر ربيع الثاني يوم الاثنين
وفي وثامنه عمل محرم بك الكورنتينه بالجيزة على نسق السنة الماضية من اخراج الناس وازاعاجهم تطيرا وخوفا من الطاعون
وفيه خوزفوا شيخ عرب بلى فيما بين العزب والهلايل بعد حبسه اربعة اشهر
وفي يوم الجمعة ثامن عشرينه ضربت مدافع واشيع الخبر بوصول شخص عسكري بمكاتبات من الباشا وخلافه والخبر بقدوم الباشا وانتشرت المبشرون الى بيوت الاعيان واصحاب المظاهر على عادتهم لاخذ البقاشيش فمن قائل انه وصل الى القصير من قائل انه نزل الى السفينه بالبحر ومنهم من يقول انه حضر الى السويس ثم اختلفت الروايات وقالوا أن الذي وصل الى السويس حريم الباشا فقط ثم تبين كذب هذه الاقاويل وانها مكاتبات فقط مؤرخة اواخر شهر صفر يذكرون فيها أن الباشا حصل له نصر واستولى على ناحية يقال لها بيشة ورينة وقتل الكثير من الوهابين وانه عازم على الذهاب الى ناحية قنفدة ثم ينزل مد ذلك الى البحر ويأتي الى مصر ووصل الخبر بوفاة الشيخ ابراهيم كاتب الصرة

{ أحداث شهر جمادي الاولى سنة 1230 }

واستهل شهر جمادي الاولى بيوم الثلاثاء
في سادسه يوم الاحد ضربت مدافع بعد الظهيرة لورود مكاتبة بان الباشا استولى على ناحية من النواحي جهة قنفذة
وفي يوم الجمعة ثامن عشره وصل المحمل الى بركة الحج وصحبته من بقي من رجال الركب مثل خطيب الجبل والصيرفي والمحملجية ووردت مكاتبات بالقبض على طامي الذي جرى منه ما جرى في وقائع قنفذة السابقة وقتله العساكر فلم يزل راجح الذي اصطلح مع الباشا ينصب له الحبائل حتى صاده وذلك انه عمل لابن اخيه مبلغا من المال أن هو اوقعه في شركه فعمل له وليمة ودعاه الى محلة فأتاه امنا فقبض عليه واغتاله طمعا في المال واتوا به الى عرضي الباشا فوجهه الى بندر جدة في الحال وانزلوه السفينة وحضروا به الى السويس وعجلوا بحضوره فلما وصل الى البركة والمحمل اذ ذاك بها خرجت جميع العساكر في ليلة الاثنين حادي عشرينه وانجروا في صبحها طوائف وخلفهم المحمل وبعد مرورهم دخلوا بطامي المذكور وهو راكب على هجين وفي رقبته الحديد والجنزير مربوط في عنق الهجين وصورته رجل شهم عظيم اللحية وهو لابس عباءة عبدانية ويقرا وهو راكب وعملوا في ذلك اليوم شنكا ومدافع وحضر أيضا عابدين بك وتوجه الى داره في ليلة الاثنين

{ أحداث شهر شهر جمادي الثانية سنة 1230 }

واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الخميس
في خامسه وصلت عساكر في داوات الى السويس وحضوروا الى مصر وعلى رؤوسهم شلنجات فضة اعلاما واشارة بأنهم مجاهدون وعائدون من غزو الكفار وانهم افتتحوا بلاد الحرمين وطردوا المخالفين لدينانتهم حتى أن طوسون باشا وحسن باشا كتبا في امضائهما على المراسلات بعد اسمهما لفظه المغازي والله اعلم بخلقه
وفي تاسعه اخرجوا عساكر كثيرة وجوههم الى الثغور ومحافظة الاساكل خوفا من طارق يطرق الثغور لانه اشيع أن بونابارته كبير الفرنساوية خرج من الجزيرة التي كان بها ورجع الى فرانسا وملكها واغار على بلاد الجورنه وخرج بعمارة كبيرة لايعلم قصده الى اي جهة يريد فربما طرق ثغر الاسكندرية او دمياط على حين غفلة وقيل غير ذلك وسئل كتخدا بك عن سبب خروجهم فقال خوفا عليهم من الطاعون ولئلا يوخموا المدينة لانه وقع في هذه السنة موثان بالطاعون وهلك الكثير من العسكر واهل البلدة والاطفال والجواري والعبيد خصوصا السودان فإنه لم يبق منهم الا القليل النادر وخلت منهم الدور
وفي منتصفه اخرج كتخدا بك صدقة تفرق على الاولاد الايتام الذين يقرؤون بالكتاتيب ويدعون برفع الطاعون فكانوا يجمعونهم ويأتي بهم فقهاؤهم الى بيت حسين كتخدا الكتخدا عند حيضان مصلى ويدفعون لكل صغير ورقة بها ستون نصفا فضة يأخذ منها جزا الذي يجمع الطائفة منهم ويدعي انه معلمهم زيادة عن حصته لان معظم المكاتب مغلوقة وليس بها احد بسبب تعطيل الاوقاف وقطع ايرادهم وصار لهذه الاطفال جلبه وغوغاء في ذهابهم ورجوعهم في الاسواق وعلى بيت الذي يقسم عليهم

{ أحداث شهر رجب سنة 1230 }

واستهل شهر رجب بيوم الجمعة
في سادسه يوم الاربعاء وصلت هجانة من ناحية قبلي واخبروا بوصول الباشا الى القصير فخلع عليهم كتخدا بك مساوي ولم يامر بعمل شنك ولا مدافع حتى يتحقق صحة الخبر
وفي ليلة الجمعة ثامنه احترق بيت طاهر باشا بالازبكية والبيت الذي بجواره أيضا
وفي يوم الجمعة المذكور قبل العصر ضربت مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وذلك عندما ثبت وتحقق ورود الباشا الى قنا وقوص ووصل أيضا حريم الباشا وطلعوا الى قصر شبرا وركب للسلام عليها جليع نساء الاكابر والاعيان بهداياهم وتقاديمهم ومنعوا المارين من المسافرين والفلاحين الواصلين من الارياف المرور من تحت القصر الذي هو الطريق المعتاد للمسافرين فكانوا يذهبون ويمرون من طريق استحدثوها منعطفة خلف تلك الطريق ومستبعدة بمسافة طويلة
وفي ليلة الخميس رابع عشره انخسف جرم القمر جمعيه بعد الساعة الثالثة وكان في اخر برج القوس
وفي ليلة الجمعة خامس عشرة وصل الباشا الى الجيزة ليلا فأقام بها الى آخر الليل ثم حضر الى داره بالازبكية فأقام بها يومين وحضر كتخدا بك واكابر دولته للسلام عليه فلم يأذن لاحد وكذلك مشايخ الوقت ذهبوا ورجعوا ولم يجتمع به احد سوى ثاني يوم وترادفت عليه التقادم والهدايا من كل نوع من اكابر الدولة والنصارى بأجناسهم خصوصا الارمن وخلافهم بكل صنف من التحف حتى السراري البيض بالحلي والجواهر وغير ذلك واشيع في الناس في المصر وفي القرى بأنه تاب عن الظلم وعزم على اقامة العدل وانه نذر على نفسه انه اذا رجع منصورا واستولى على ارض الحجاز افرج للناس عن حصصهم ورد الازراق الاحباسية الى اهلها وزادوا على هذه الاشاعة انه فعل ذلك في البلاد القبلية ورد كل شئ الى اصله وتناقلوا ذلك في جميع النواحي وباتوا يتخيلونه في احلامهم ولما مضى من وقت حضوره ثلاثة ايام كتبوا اوراقا لمشاهير الملتزمين مضمونها انه بلغ حضرة افندينا ما فعله الاقباط من ظلم الملتزمين والجور عليهم في فائظهم فلم يرض بذلك والحال انكم تحضرون بعد اربعة ايام وتحاسبون على فائظكم وتقبضونه فان افندينا لايرضى بالظلم وعلى الاوراق امضاء الدفتردار ففرح اكثر المغفلين بهذا الكلام واعتقدوا صحته واشاعوا أيضا انه نصب تجاه قصر شبرا خوازيق للمعلم غالي واكابر القبط
وفي رابع عشرينه حضر الكثير من اصحاب الارزاق الكائنين بالقرى والبلاد مشايخ واشرافا وفلاحين ومعهم بيارق واعلام مستبشرين وفرحين بما سمعوه واشاعوه وذهبوا الى الباشا وهو يعمل رماحة بناحية القبة برمي بنادق كثيرة وميدان تعليم فلما رآهم واخبروه عن سبب مجيئهم فأمر بضربهم وطردهم ففعلوا بهم ذلك ورجعوا خائبين
وفيه حضر محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما وقابلا الباشا وخلع عليهما وكساهما والبسهما فراوي سمور فركب المعلم غالي وعليه الخلعة وشق من وسط المدينة وخلفه عدة كثيرة من الاقباط ليراه الناس ويكمد الاعداء ويبطل ما قيل من التقولات ثم اقام هو ومحمود بك اياما قليلة ورجعا لاشغالهما وتتميم افعالهما من تحرير القياس وجبي الاموال وكانا ارسلا قبل حضورهما عدة كثيرة من الجمال الحاملة للاموال في كل يوم قطارات بعضها اثر بعض من الشرقية والغربية والمنوفية وباقي الاقاليم
وفيه حضر شيخ طرهونة بجهة قبلي ويسمى كريم بضم الكاف وفتح الراء وتشديد الياء وسكون الميم وكان عاصيا على الباشا ولم يقابله ابدا فلم يزل يحتال عليه ابراهيم باشا ويصالحه ويمنيه حتى اتى اليه وقابله وامنه فلما حضر الباشا ابوه من الحجاز اتاه على امان ابنه وقدم معه هدية واربعين من الابل فقبل هديته ثم امر برمي عنقه بالرميلة

{ أحداث شهر شعبان سنة 1230 }

واستهل شهر شعبان والناس في امر مريج من قطع ارزاقهم وارباب الالتزامات والحصص التي ضبطها الباشا ورفع ايديهم عن التصرف في شئ منها خلاطين الاوسية فإنه سامحهم فيه سوى ما زاد عن الروك الذي قاسوه فإنه لديوانية ووعدهم بصرف المال الحر المعين بالسند الديواني فقط بعد التحرير والمحاققة ومناقضة الكتبة الاقباط في القوائم واقاموا منتظرين انجاز وعده اياما يغدون ويروحون ويسالون الكتبة ومن له وصلة بهم وقد ضاق خناقهم من التفليس وقطع الايراد ورضوا بالاقل وتشوقوا لحصوله وكل قليل يعدون بعد اربعة ايام او ثلاثة ايام حتى تحرر الدفاتر فإذا تحررت قيل أن الباشا امر بتغييرها وتحريرها على نسق آخر ويكرر ذلك ثانيا وثالثا على حسب تفاوت المتحصل في السنين وما يتوفرا في الخزينة قليلا او كثيرا
وفيه وصل رجل تركي على طريق دمياط يزعم انه عاش من العمر زمنا طويلا وانه ادرك اوائل القرن العاشر ويذكر انه حضر الى مصر مع السلطان سليم وادرك وقته وواقعته مع السلطان الغوري وكان في ذلك الوقت تابعا لبعض البيرقدارية وشاع ذكره وحكي من راه أن ذاته نخالف دعواه وامتحنه البعض في مذاكرة الاخبار والوقائع فحصل منه تخليط ثم امر الباشا بنفيه وابعاده فأنزلوه في مركب وغاب خبره فيقال انهم اغرقوه والله اعلم
وفي خامس عشرينه عملوا الديوان ببيت الدفتردار ووفتحوا باب صرف الفائظ على ارباب حصص الالتزام فجعلوا يعطون منه جانبا واكثر ما يعطونه نصف القدر الذي قرروه واقل وازيد قليلا
وفيه امر الباشا لجميع العساكر بالخروج الى الميدان لعمل التعليم والرماحة خارج باب النصر حيث قبة العزب فخرجوا من ثلث الليل الاخير واخذوا في الرماحة والبندقة المتواصلة المتتابعة مثل الرعود على طريقة الافرنج وذلك من قبيل الفجر الى الضحوة ولما انقضى ذلك رجعوا داخلين الى المدينة في كبكة عظيمة حتى زحموا الطرق بخيولهم من كل ناحية وداسوا اشخاصا من الناس بخيولهم بل وحميرا أيضا واشيع أن الباشا قصده احصاء العسكر وترتيبهم على النظام الجديد واوضاع الافرنج ويلبسهم الملابس المقمطة ويغير شكلهم وركب في ثاني يوم الى بولاق وجمع عساكر ابنه اسمعيل باشا وصنفهم على الطريقة المعروفة بالنظام الجديد وعرفهم قصده فعل ذلك بجميع العساكر ومن أبي ذلك قابله بالضرب والطرد والنفي بعد سلبه حتى من ثيابه ثم ركب من بولاق وذهب الى شبرا وحصل في العسكر قلقلة ولغط وتناجوا فيما بينهم وتفرق الكثير منهم عن مخاديمهم واكابرهم ووافقهم على النفور بعض اعيانهم واتفقوا على غدر الباشا ثم أن الباشا ركب من قصر شبرا وحضر الى بيت الازبكية ليلة الجمعة ثامن عشرينه وقد اجتمع عند عابدين بك بداره جماعة من اكابرهم في وليمة وفيهم حجو بك وعبد الله أغا صاري جلة وحسن أغا الازرنجلي فتفاوضوا بينهم امر الباشا وما هو شارع فيه واتفقوا على الهجوم عليه في داره بالازبكية في الفجرية ثم أن عابدين بك غافلهم وتركهم في انسهم وخرج متنكرا مسرعا الى الباشا واخبره ورجع الى اصحابه فاسرع الباشا في الحال الركوب في سادس ساعة من الليل وطلب عساكر طاهر باشا فركبوا معه وحوط المنزل بالعساكر ثم اخلف الطريق وذهب على ناحية الناصرية ومرمى النشاب وصعد الى القلعة وتبعه من يثق به من العساكر وانخرم امر المتوافقين ولم يسعهم الرجوع عن عزيمتهم فساروا الى بيت الباشا يريدون نهبه فمانعهم المرابطون وتضاربوا بالرصاص والبنادق وقتل بينهم اشخاص ولم ينالوا غرضا فساروا على ناحية القلعة واجتمعوا بالرميلة وقراميدان وتحيروا في امرهم واشتد غيظهم وعلموا أن وقوفهم بالرميلة لايجدي شيئا وقد اظهروا المخاصمة ولاثمرة تعود عليهم في رجوعهم وسكنوهم بل ينكسف بالهم وتنذل انفسهم ويلحقهم اللوم من اقرانهم الذين لم ينضموا اليهم فأجمع رأيهم لسوء طباعهم وخبث عقيدتهم وطرائقهم انهم يتفرقون في شوارع المدينة وينهبون متاع الرعية واموالهم فإذا فعلوا ذلك فيكثر جمعهم وتقوى شوكتهم ويشاركهم المخلفون عنهم لرغبة الجميع في القبائح الذميمة ويعودون بالغنيمة ويحوصلون من الحواصل ولايضيع سعيهم في الباطل كما يقال في المثل ما قدر على ضرب الحمار فضرب البرذعة ونزلوا على وسط قصبة المدينة على الصليبة على السروجية وهم يكسرون ويهشمون ابواب الحوانيت المغلوقة وينهبون ما فيها لان الناس لما تسامعوا بالحركة اغلقوا حوانيتهم وابوابهم وتركوا اسبابهم طلبا للسلامة وعندما شاهد باقيهم ذلك اسرعوا للحوق وبادروا معهم للنهب والخطف بل وشاركهم الكثير من الشطار والزعر والعامة المقلين والجياع ومن لادين له وعند ذلك كثر جمعهم ومضوا على طريقهم الى قصبة رضوان الى داخل باب زويلة وكسروا حوانيت السكرية واخذوا ما وجدوه من الدراهم وما احبوه من اصناف السكر فجعلوا يأكلون ويحملون ويبددون الذي لم ياخذوه ويلقونه تحت الارجل في الطريق وكسروا اواني الحلو وقدور المربيات وفيها ماهو من الصيني والبياغوري والافرنجي ومجامع الاشربة واقراص الحلو الملونة والرشال والملبس والفانيد والحماض والبنفسج وبعد أن ياكلوا ويحملواهم واتباعهم ومن انضاف لهم من الاوباش البلدية والحرافيش والجعيدية يلقون ما فضل عنهم على قارعة الطريق بحيث صار السوق من حد باب زويلة الى المناخلية مع اتساعه وطوله مرسوما ومنقوشا بألوان السكاكر واقراص الاشربة الملونه واعسال المربيات سائلة على الارفن وكان اهل ذلك السوق المتسببون جدودا وطبخوا انواع المربيات والاشربة عند وفور الفواكه وكثرتها في اوانها وهو هذا الشهر المبارك مثل الخوخ والتفاح والبرقوق والتوت والقرع المسير والحصرم والسفرجل وملؤا الاوعية وصففوها في حوانيتهم للمبيع وخصوصا على موسم شهر رمضان ومضوا في سيرهم الى العقادين الرومي والغورية والاشرفية وسوق الصاغة ووصلت طائفة الى سوق مرجوش فكسروا ابواب الحوانيت والوكائل والخانات ونهبوا ما في حواصل التجار من الاقمشة المحلاوي والبز والحرير والزردخان ولما وصلت طائفة الى رأس خان الخليلي وارادوا العبور والنهب فزعت منهم الاتراك والارنؤد الذين يتعاطون التجارة الساكنون بخان اللبن والنحاس وغيرهما وضربوا عليهم بالرصاص وكذلك سوق الصرماتية والاتراك الخردجية الساكنون بالرباع بباب الزهومة جعلوا يرمون عليهم من القيطان بالرصاص حتى ردوهم ومنعوهم وكذلك تعصبت طائفة المغاربة الكائنون بالفحامين وحارة الكعكيين روموا عليهم بالرصاص وطردوهم عن تلك الناحية واغلقوا البوابات التى على رؤوس العطف وجلس عند كل درب اناس ومن فوقهم اناس من اهل الخطة بالرصاص تمنع الواصل اليهم ووصلت طائفة الى خان الحمزاوي فعالجوا في بابه حتى كسروا الخوخة التى في الباب وعبروا الخان وكسروا حواصل التجار من نصارى الشوام وغيرهم ونهبوا ما وجدوه من النقود وانواع الاقمشة الهندية والشامية والمقصبات وبالات الجوخ والقطيفة والاسطوافة وانواع الاطلس والالاجات والسلاوي والجنفس والصندل والحبر وانواع الشيت والحرير والخام والابريسم وغير ذلك وتبعهم الخدم والعامة في النهب واخرجوا في الدكاكين والحواصل من انواع الاقمشة واخذوا ما اعجبهم واختاروه وانتقوه وتركوا ما تركوه ولم يقدروا على حمله مطروحا على الارض ودهليز الخان وخارج السوق يطؤن عليه بالارجل والنعالات ويعدو القوى على الضعيف فيأخذ ما معه من الاشياء الثمينة وقتل بعضهم البعض وكسروا ابواب الدكاكين التى خارج الخان بالخطة واخرجوا ما فيها من التحف والاواني الصيني والزجاج المذهب والكاسات البلور والصحون والاطباق والفناجين البيشة وانواع الخردة واخذوا ما اعجبهم وما وجدوه من نقود ودراهم وهشموا البواقي وكسروه والقوه على الارض تحت الارجل شقاقا وما به من حوانيت العطارين وطرحوا انواع الاشياء العطرية بوسط الشارع تداس بالارجل أيضا وفعلوا مالا خير فيه من نهب اموال الناس والاتلاف ولولا الذين تصدوا لدفعهم ومنعهم بالبنادق والكرانك وغلق البوابات لكان الوقع افظع من ذلك ولنهبوا أيضا البيوت وفجروا بالنساء والعياذ بالله ولكن الله سلم وشاركهم في فعلهم الكثير من الاوباش والمغاربة المدافعين أيضا فإنهم اخذوا اشياء كثيرة وكانوا يقبضون على من يمر بهم ممن يقدرون عليه من النهابين ويأخذون ما معهم لانفسهم واذا هشمت العساكر حانوتا وخطفوا منها شيئا ولحقهم من يطردهم عنها استأصل اللاحقون ما فيها واستبااح الناس اموال بعضهم البعض وكان هذا الحادث الذي لم نسمع بنظيره في دولة من الدول في ظرف خمس ساعات وذلك من قبيل صلاة الجمعة الى قبيل العصر حصل للناس هذه المدة اليسيرة من الانزعاج والخوف الشديد ونهب الاموال واتلاف الاسباب والبضائع ما لا يوصف ولم تصل الجمعة في ذلك اليوم واغلقت المساجد الكائنة بداخل المدينة واخذ الناس حذرهم ولبسوا اسلحتهم واغلقوا البوابات وقعدوا على الكرانك والمرابط والمتاريس وسهروا الليالي واقاموا على التحذر والتحفظ والتخوف اياما وليالي
وفي يوم السبت تاسع عشرينه الموافق لآخر يوم من شهر ابيب القبطي اوفى النيل المبارك اذرعه وكان ذلك اليوم أيضا ليلة رؤية هلال رمضان فصادف حصول الموسمين في أن واحد فلم يعمل فيها موسم ولا شنك على العادة ولم يركب المحتسب ولا ارباب الحرف بموكبهم وطبولهم وزمورهم وكذلك شنك قطع الخليج وما كان يعمل في ليلته من المهرجان في النيل وسواحله وعند السد وكذلك في صبحه وفي البيوت المطلة على الخليج فبطل ذلك جليعه ولم يشعر بهما احد وصام الناس باجتهادهم وكان وفاء النيل في هذه السنة من النوادر فان النيل لم تحصل فيه الزيادة بطول الايام التى مضت من شهر ابيب الا شيئا يسيرا حتى حصل في الناس وهم زائد وغلا سعر الغلة ورفعوها من السواحل والعرصات فافاض المولى في النيل واندفعت فيه الزيادة العظيمة وفي ليلتين اوفى اذرعه قبل مظنته فإن الوفاء لا يقع في الغالب الا في شهر مسرى ولم يحصل في اواخر ابيب الا في النادر وانى لم ادركه في سنين عمري او في ابيب الا مرة واحدة وذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائة والف فتكون المدة بين تلك وهذه المدة سبعا واربعين سنة
وفيه ارسل الباشا بطلب السيد محمد المحروقي فطلع اليه وصحبته عدة كبيرة من عسكر المغاربة لخفارته فلما واجهه قال له هذا الذي حصل للناس من نهب اموالهم في صحائفي والقصد انكم تتقدمون لارباب المنهوبات وتجمعونهم بديوان خاص طائفة بعد اخرى وتكتبون قوائم لكل طائفة بما ضاع لها على وجه التحرير والصحة وانا اقوم لهم بدفعه بالغا ما بلغ فشكر له ودعا له ونزل الى داره وعرف الناس بذلك وشاع بينهم فحصل لاربابه بعض الاطمئنان وطلع الى الباشا كبار العسكر مثل عابدين بك ودبوس اوغلي وحجو بك ومحو بك واعتذروا وتنصلوا وذكروا واقروا أن هذا الواقع اشتركت فيه طوائف العسكر وفيهم من طوائفهم وعساكرهم ولا يخفاه خبث طباعهم فتقدم إليهم بأن يتفقدوا بالفحص وإحصاء ما حازه وأخذه كل من طوائفهم وعساكرهم وشدد عليهم في الامر بذلك فاجابوه بالسمع والطاعة وامتثلوا لامره واخذوا في جمع ما يمكنهم وارساله الى القلعة وركبوا وشقوا بشوارع المدينة وامامهم المناداة بالامان واحضر الباشا المعمار وامره بجمع النجارين والمعمرين واشغالهم في تعمير ما تكسر من اخشاب الدكاكين والاسواق ويدفع لهم اجرتهم وكذلك الاخشاب على طرف الميري


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 20, 2018 5:09 pm