من ذكر ميزاب الكعبة الى المجاورين بمكة

شاطر

اسرة التحرير
Admin

عدد المساهمات : 3011
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

من ذكر ميزاب الكعبة الى المجاورين بمكة

مُساهمة من طرف اسرة التحرير في الجمعة ديسمبر 28, 2018 3:11 pm


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
رحلات إبن بطوطة
الجزء الأول
من ذكر ميزاب الكعبة الى المجاورين بمكة

● [ ذكر الميزاب المبارك ] ●

والميزاب في اعلى الصفح الذي على الحجر، وهو من الذهب، وسعته شبر واحد، وهو بارز بمقدار ذراعين. والموضع الذي تحت الميزاب مظنة استجابة الدعاء. وتحت الميزاب في الحجر هو قبر إسيماعيل عليه السلام، وعليه رخامة خضراء مستطيلة على شكل محراب، متصلة برخامة خضراء مستديرة، وكلتاهما سعتها مقدار شبر، وكلتاهما غريبة الشكل رائقة المنظر. وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر عليها السلام، وعلامته رخامة خضراء مستديرة سعتها مقدار شبر ونصف وبين القبرين سبعة أشبار.
● [ ذكر الحجر الأسود ] ●

وأما الحجر الأسود فارتفاعه عن الأرض ستة أشبار ، فالطويل من الناس يتطامن لتقبيله، والصغير يتطاول إليه. وهو ملصق في الركن الذي إلى جهة المشرق، وسعته ثلثا شبر، وطوله شبر وعقد، ولا يعلم قدر ما دخل منه في الركن وفيه أربع قطع ملصقة ويقال: إن القرمطي لعنه الله كسره وقيل: إن الذي كسره سواه، ضربه بدبوس فكسره، وتبادر الناس إلى قتله ، وقتل بسببه جماعة من المغاربة. وجوانب الحجر مشدودة بصفيحة من فضة، يلوح بياضها على سواد الحجر الكريم، فتنجلي منه العيون حسناً باهراً، ولتقبيله لذة يتنعم بها الفم، ويود لاثمه أن لا يفارق لثمه، خاصية مودعة فيه، وعناية ربانية به وكفى قول النبي صلى الله عليه وسلم إنه يمين الله في أرضه ، نفعنا الله باستلامه ومصافحته، وأوفد عليه كل شيق إليه. وفي القطعة الصحيحة من الحجر الأسود، مما يلي جانبه الموالي ليمين مستلمه، نقطة بيضاء صغيرة مشرقة، كأنها خال في تلك الصحيفة البهية وترى الناس إذا طافوا بها يتساقط بعضهم على بعض ازدحاماً على تقبيله فقلما يتمكن أحد من ذلك إلا بعد المزاحمة الشديدة، وكذلك يصنعون عند دخول الحرم، ومن عند الحجر الأسود ابتداء الطواف وهو أول الأركان التي يلقاها الطائف، فإذا استلمه تقهقر عنه قليلاً وجعل الكعبة الشريفة عن يساره، ومضى في طوافه، ثم يلقى بعده الركن العراقي، وهو إلى جهة الشمال، ثم يلقى الركن الشامي، وهو إلى جهة الغرب، ثم يلقى الركن اليماني، وهو إلى جهة الجنوب، ثم يعود إلى الحجر الأسود، وهو إلى جهة الشرق.
● [ ذكر المقام الكريم ] ●

إعلم أن بين باب الكعبة شرفها الله وبين الركن العراقي موضعاً طوله اثنا عشر شبراً وعرضه نحو النصف من ذلك، وارتفاعه نحو شبرين وهو موضع المقام في مدة إبراهيم عليه السلام ثم صرفه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموضع الذي هو الآن مصلى، وبقي ذلك الموضع شبه الحوض، وإليه ينصب ماء البيت الحرام إذ غسل، وهو موضع مبارك يزدحم الناس للصلاة فيه. وموضع المقام الشريف يقابل ما بين الركن العراقي والباب الشريف، وهو إلى الباب أميل، وعليه قبة تحتها اشباك حديد، متجافٍ عن المقام الشريف قدر ما تصل أصابع الإنسان إذا أدخل يده من ذلك الشباك إلى الصندوق، والشباك مقفل ومن ورائه موضع محوز قد جعل مصلى لركعتي الطواف. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد أتى البيت فطاف به سبعاً، ثم أتى المقام فقرأ: ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وركع خلفه ركعتين وخلف المقام مصلى إمام الشافعية في الحطيم الذي هنالك.
● [ ذكر الحجر والمطاف ] ●

دور جدار الحجر تسع وعشرون خطوة، وهي أربعة وتسعون شبراً من داخل الدائرة، وهو بالرخام البديع المجزع المحكم الإلصاق، وارتفاعه خمسة أشبار ونصف شبر، وسعته أربعة أشبار ونصف شبر. وداخل الحجر بلاط واسع مفروش بالرخام المنظم المعجز الصنعة البديع الإتقان. وبين جدار الكعبة الشريفة الذي تحت الميزاب وبين ما يقابله من جدار الحجر على خط استواء أربعون شبراً، وللحجر مدخلان أحدهما بينه وبين الركن العراقي، وسعته ستة أذرع، وهذا الموضع هو الذي تركته قريش من البيت حين بنته، كما جاءت الآثار الصحاح، والمدخل الآخر عند الركن الشامي، وسعته أيضاً ستة أذرع وبين المدخلين ثمانية وأبعون شبراً وموضع الطواف مفروش بالحجارة السود محكمة الإلصاق، وقد اتسعت عن البيت بمقدار تسع خطاً إلا في الجهة التي تقابل المقام الشريف، فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به وسائر الحرم مع البلاطات مفروش برمل أبيض وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة.
● [ ذكر زمزم ] ●

وقبة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود وبينهما أربع وعشرون خطوة والمقام الشريف عن يمين القبة. ومن ركنها إليه عشر خطاً. وداخل القبة مفروش بالرخام الأبيض، وتنور البئر المباركة في وسط القبة، مائلاً إلى الجدار المقابل للكعبة الشريفة. وهو من الرخام البديع الإلصاق مفروغ بالرصاص. ودوره أربعون شبراً، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف شبر، وعمق البئر إحدى عشرة قامة وهم يذكرون أن ماءها يتزايد في كل ليلة جمعة وباب القبة إلى جهة الشرق وقد استدارات بداخل سقاية سعتها شبر، وعمقها مثل لك، وارتفاعها عن الأرض نحو خمسة أشبار، تملأ ماء للوضوء، وحولها مسطبة يقعد الناس عليها للوضوء ويلي قبة زمزم قبة الشراب المنسوبة إلى العباس رضي الله عنه، وبابها إلى جهة الشمال. وهي الآن يجعل بها ماء زمزم في قلال يسمونها الدوارق، وكل دورق له مقبض واحد وتترك بها ليبرد فيها الماء، فيشربه الناس وبها اختزان المصاحف الشريفة، والكتب التي للحرم الشريف وبها خزان تحتوي على تابوت مبسوط متسع، فيه مصحف كريم بخط زيد بن ثابت رضي الله عنه، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً. وأهل مكة إذا أصابهم قحط أو شدة أخرجوا هذا المصحف الشريف، وفتحوا باب الكعبة، ووضعوه على العتبة الشريفة، ووضعوه في مقام إبراهيم عليه وسلم، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم، داعين متضرعين متوسلين بالمصحف العزيز والمقام الشريف، فلا ينفصلون إلا وقد تداركهم الله برحمته، وتغمدهم بلطفه. ويلي قبة العباس رضي الله تعالى عنه على انحراف منها القبة المعروفة بقبة اليهودية.
● [ ذكر أبواب المسجد الحرام ] ●

وأبواب المسجد الحرام شرفه الله تعالى تسعة عشر باباً، وأكثرها مفتحة على أبواب كثيرة، فمنها باب الصفا، وهو مفتح على خمسة أبواب، وكان قديماً يعرف بباب بني مخزوم، وهو أكبر أبواب المسجد، ومنه يخرج إلى المسعى، ويستحب للوافد على مكة أن يدخل المسجد الحرام شرفه الله من باب بني شيبة، ويخرج بعد طوافه من باب الصفا جاعلاً طريقه بين الأسطوانتين اللتين اقامهما أمير المؤمنين المهدي رحمه الله، علماً على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصفا، ومنها باب أجياد الأصغر مفتح على بابين ومنها باب الخياطين مفتح على بابين ومنها باب العباس رضي الله عنه مفتح على ثلاثة أبواب، ومنها باب النبي صلى الله عليه وسلم مفتح على بابين، ومنها باب بني شيبة، وهو في ركن الجدار الشرقي من جهة الشمال، أمام باب الكعبة الشريفة متياسراً، وهو مفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء، ومنها باب صغير إزاء باب بني شيبة لا اسم له، وقيل: يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط السدرة، ومنها باب الندوة ويسمى بذلك ثلاثة أبواب: اثنان منتظمان، والثالث في الركن الغربي من دار الندوة، ودار الندوة قد جعلت مسجداً شارعاً في الحرم مضافاً إليه، وهي تقابل الميزاب، ومنها باب صغير لدار العجلة محدث، ومنها باب السدرة واحد، وباب العمرة واحد، وهو من أجمل أبواب الحرم، وباب إبراهيم واحد، والناس مختلفون في نسبته، فبعضهم ينسبه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، والصحيح أنه منسوب إلى إبراهيم الخوزي من الأعاجم، وباب الحزورة مفتح على بابين، وباب ثالث ينسب إليه مفتح على بابين، ويتصل لباب الصفا ومن الناس من ينسب البابين من هذه الأربعة المنسوبة لأجياد إلى الدقاقين.
● [ صوامع المسجد الحرام ] ●

وصوامع المسجد الحرام خمس: إحداهن على ركن أبي قبيس عند باب الصفا، والأخرى على ركن باب بني شيبة، والثالثة على باب دار الندوة، والرابعة على ركن باب السدرة، والخامسة على ركن أجياد.
● [ ما دار بالمسجد الحرام من المشاهد ] ●

بمقربة من باب العمرة مدرسة عمرها السلطان المعظم يوسف بن رسول ملك اليمن المعروف بالملك المظفر التي تنسب إليه الدراهم المظفرية باليمن، وهو كان يكسو الكعبة، إلى أن غلبه على ذلك الملك المنصور قلاوون.
وبخارج باب إبراهيم زاوية كبيرة فيها دار إمام المالكية الصالح أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المدعو بخليل.
وعلى باب إبراهيم قبة عظيمة مفرطة السمو، قد صنع في داخلها من غرائب صنع الجص ما يعجز عنه الوصف. وبإزاء هذا الباب عن يمين الداخل إليه كان يقعد الشيخ العابد جلال الدين محمد بن أحمد الأفشهري، وخارج باب إبراهيم بئر تنسب كنسبته، وعنده أيضاً دار الشيخ الصالح دانيال العجمي الذي كانت صدقات العراق في أيام السلطان أبي سعيد تأتي على يديه. وبمقربة منه رباط الموفق، وهو من أحسن الرباطات، سكنته أيام مجاورتي بمكة المعظمة. وكان به في ذلك العهد الشيخ الصالح الطيار سعادة الجراني، ودخل يوماً إلى بيته بعد صلاة العصر فوجد ساجداً مستقبل الكعبة الشريفة ميتاً من غير مرض كان به رضي الله عنه وسكن به الشيخ الصالح شمس الدين محمد الشامي نحواً من أربعين سنة. وسكن به الشيخ الصالح شعيب المغربي من كبار الصالحين دخلت عليه يوماً فلم يقع بصري في بيته على شيء سوى حصير فقلت له في ذلك فقال لي: أستر على ما رأيت.
وحول الحرم الشريف دور كثيرة لها مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم، وأهلها في مشاهدة البيت الشريف على الدوام، ودور لها أبواب تفضي إلى الحرم، منها دار زبيدة زوجة الرشيد أمير المؤمنين، ومنها دار العجلة، ودار الشرابي وسواها. ومن المشاهد المقدسة بمقربة من المسجد الحرام قبة الوحي وهي في دار خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بمقربة من باب الرسول صلى الله عليه وسلم وفي البيت قبة صغيرة حيث ولدت فاطمة عليها السلام، وبمقربة منها دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويقابلها جدار مبارك فيه حجر مبارك بارز، طرفه من الحائط يستلمه الناس ويقال: إنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن رجل فنطق ذلك الحجر، وقال: يا رسول الله إنه ليس بحاضر.
● [ ذكر الصفا والمروة ] ●

من باب الصفا الذي هو من أبواب المسجد الحرام إلى الصفا ست وسبعون خطوة، وسعة الصفا سبع عشرة خطوة، وله اربع عشرة درجة علياهن كأنها مسطبة، وبين الصفا والمروة أربعمائة وثلاث وتسعون خطوة، منها من الصفا إلى الميل الأخضر ثلاث وتسعون خطوة، ومن الميل الأخضر إلى الميلين الأخضرين خمس وسبعون خطوة، ومن الميلين الأخضرين إلى المروة ثلاثمائة وخمس وعشرون خطوة. وللمروة خمس درجات، وهي ذات قوس واحد كبير وسعة المروة سبع عشرة خطوة. والميل الأخضر هو سارية خضراء مثبتة مع ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم عن يسار الساعي إلى المروة، والميلان الأخضران هما ساريتان خضراوان إزاء باب علي من أبواب الحرم، أحدهما في جدار الحرم عن يسار الخارج من الباب، والأخرى تقابلها، وبين الميل الأخضر والميلين الأخضرين يكون الرمل ذاهباً وعائداً،
وبين الصفا والمروة مسيل فيه سوق عظيمة، يباع فيها الحبوب واللحم والتمر والسمن وسواها من الفواكه. والساعون بين الصفا والمروة لا يكادون يخلصون لازدحام الناس على حوانيت الباعة، وليس بمكة سوق منتظمة سوى هذه إلا البزازون والعطارون عند باب شيبة
وبين الصفا والمروة دار العباس رضي الله عنه. وهي الآن رباط يقطنه المجاورون عمره الملك الناصر رحمه الله، وبنى أيضاً دار وضوء فيما بين الصفا والمروة سنة ثمان وعشرين، وجعل لها بابين أحدهما في السوق المذكور والآخر في العطارين. وعليها ربع يسكنه خدامها، وتولى بناء ذلك الأمير علاء الدين بن هلال، وعن يمين المروة دار أمير مكة سيف الدين عطيفة بن أبي نمي وسنذكره.
● [ ذكر الجبانة ] ●

وجبانة مكة خارج باب المعلى، ويعرف ذلك الموضع بالحجون ، وبهذه الجبانة مدفن الجم الغفير من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين والأولياء، إلا أن مشاهدهم دثرت، وذهب عن أهل مكة علمها فلا يعرف منها إلا القليل، فمن المعروف منها قبر أم المرمنين، ووزير سيد المرسلين خديجة بنت خويلد أم أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم ما عدا إبراهيم، وجدة السبطين الكريمين صلوات الله وسلامه على النبي صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وبمقربة منه قبر الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه ، وفيها الموضع الذي صلب فيه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما. وكان به بنية هدمها أهل الطائف غيرة منهم لما كان يلحق حجاجهم المبير ، من اللعن وعن يمين مستقبل الجبانة مسجد خراب، يقال إنه المسجد الذي بايعت الجن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الجبانة طريق الصاعد إلى عرفات وطريق الذاهب إلى الطائف وإلى العراق.
● [ ذكر بعض المشاهد خارج مكة ] ●

● منها الحجون
وقد ذكرناه، ويقال أيضاً: إن الحجون هو الجبل المطل على الجبانة ومنها المحصب، وهو أيضاً الأبطح ، وهو يلي الجبانة المذكورة، وفيه خيف بني كنانة الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ذو الطوى وهو وادٍ يهبط على قبور المهاجرين التي بالحصحاص دون ثنية كداء، ويخرج منه إلى الأعلام الموضوعة حجزاً بين الحل والحرام. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه إذا قدم مكة شرفها الله تعالى يبيت بذي طوى ثم يغتسل منه ويغدو إلى مكة، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
● ومنها ثنية كدي " بضم الكاف "
وهي بأعلى مكة، ومنها دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إلى مكة.
● ومنها ثنية كداء " بفتح الكاف "
ويقال لها الثنية البيضاء، وهي بأسفل مكة، ومنها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الوداع، وهي بين جبيلين. وفي مضيقها كوم حجارة موضوع على الطريق، وكل من يمر به يرجمه بحجر. ويقال: إنه قبر أبي لهب وزوجه حمالة الحطب. وبين هذه الثنية وبين مكة بسيط سهل ينزله الركب إذا صدروا عن منى، وبمقربة من هذا الموضع على نحو ميل من مكة شرفها الله مسجد بإزائه حجر موضوع على الطريق كأنه مصطبة يعلوه حجر آخر، كان فيه نقش فدثر رسمه. يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قعد بذلك الموضع مستريحاً عند مجيئه من عمرته. فيتبرك الناس بتقبيله ويستندون إليه.
● ومنها التنعيم
وهو على فرسخ من مكة، ومنه يعتمر أهل مكة، وهو أدنى الحل إلى الحرام، ومنه اعتمرت أم المرمنين عائشة رضي الله عنها حين بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن رضي الله عنه، وأمره أن يعمرها من التنعيم. وبنيت هنالك مساجد ثلاثة على الطريق تنسب كلها إلى عائشة رضي الله عنها. وطريق التنعيم طريق فسيح، والناس يتحرون كنسه في كل يوم رغبة في الأجر والثواب. لأن من المعتمرين من يمشي فيه حافياً. وفي هذا الطريق الآبار العذبة التي تسمى الشبيكة،
● ومنها الزاهر
وهو على نحو ميلين من مكة، على طريق التنعيم، وهو موضع على جانبي الطريق فيه أثر دور وبساتين وأسواق.
وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيزان الشرب وأواني الوضوء، يملأها خديم ذلك الموضع من آبار الزاهر، وهي بعيدة القعر جداً. والخديم من الفقراء المجاورين وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من الغسل والشرب والوضوء، وذو طوى يتصل بالزاهر.
● [ ذكر الجبال المطيفة بمكة ] ●

● فمنها جبل أبي قبيس
وهو في جهة الجنوب والشسرق من مكة حرسها الله، وهو أحد الأخشبين، وأدنى الجبال من مكة شرفها الله، ويقابل ركن الحجر الأسود. وبأعلاه مسجد وأثر رباط وعمارة. وكان الملك الظاهر رحمه الله أراد أن يعمره. وهو مطل على الحرم الشريف، وعلى جميع البلد. ومنه يظهر حسن مكة شرفها الله وجمال الحرم واتساعه والكعبة المعظمة. ويذكر أن جبل أبي قبيس هو أول جبل خلقه الله، وفيه استودع الحجر زمان الطوفان. وكانت قريش تسمية الأمين لأنه أدى الحجر الذي استودع فيه إلى الخليل إبراهيم عليه السلام. ويقال: إن قبر آدم عليه السلام به. وفي جبل أبي قبيس موضع موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين انشق له القمر.
● ومنها قعيقان
وهو أحد الأخشبين
● ومنها الجبل الأحمر
وهو في جهة الشمال من مكة شرفها الله،
● ومنها الخندمة
وهو جبل عند الشعبين المعروفين بأجياد الأكبر وأجياد الأصغر،
● ومنها جبل الطير
وهو على أربعة عن جهتي طريق التنعيم، يقال إنها الجبال التي وضع عليها الخليل عليه السلام أجزاء الطير ثم دعاها حسبما نص الله في كتابه العزيز، عليه أعلام من حجارة،
● ومنها جبل حراء
وهو في الشمال من مكة شرفها الله تعالى على نحو فرسخ منها، وهو مشرف على منى، ذاهب في الهواء عالي القنة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه كثيراً قبل المبعث، وفيه أتاه الحق من ربه وبدأ الوحي، وهو الذي اهتز تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: إثبت فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد ، واختلف فيكمن كان معه يومئذ. وروي أن العشرة كانوا معه.
وقد روي أيضاً أن جبل ثبير اهتز تحته أيضاً،
● ومنها جبل ثور
وهو على قدر فرسخ من مكة شرفها الله تعالى على طريق اليمن، وفيه الغار الذي أوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خروجه مهاجراً من مكة شرفها الله، ومعه الصديق رضي الله عنه، حسبما ورد في الكتاب العزيز. ذكر الأزرقي في كتابه: أن الجبل المذكور نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إليّ يا محمد إليّ إليّ، فقد أويت قبلك سبعين نبياً. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار واطمأن به وصاحبه الصديق معه، نسجت العنكبوت من حينها على باب الغار، وصنعت الحمامة عشاً وفرخت فيه بإذن الله تعالى، فانتهى المشركون ومعهم قصاص الأثر إلى الغار، فقالوا ها هنا انقطع الأثر ورأوا العنكبوت قد نسج على فم الغار والحمام مفرخة، فقالوا: ما دخل أحد هنا، وانصرفوا. فقال الصديق: يا رسول الله لو لجوا علينا منه، قال: كنا نخرج من هنا. وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه باب فانفتح فيه باب بقدرة الملك الوهاب .
والناس يقصدون زيارة هذا الغار المبارك، فيرومون دخوله من الباب الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم تبركاً بذلك. فمنهم من يتأتى له، ومنهم من لا يتأتى له وينشب فيه، حتى يتناول بالجذب العنيف، ومن الناس من يصلي أمامه ولا يدخله. وأهل تلك البلاد يقولون: إنه من كان لرشده دخله، ومن كان لزينة لم يقدر على دخوله. ولهذا يتحاماه كثير من الناس لأنه مخجل فاضح. قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخنا الحجاج الأكياس أن سبب صعوبة الدخول إليه هو أن بداخله مما يلي هذا الشق الذي يدخل منه حجراً كبيراً معترضاً. فمن دخل من ذلك الشق منبطحاً على وجهه وصل راسه إلى ذلك الحجر، فلم يمكنه التولج، ولا يمكنه أن ينطوي إلى العلو، ووجهه وصدره يليان الأرض. فذلك هو الذي ينشب ولا يخلص إلا بعد الجهد والجذب إلى خارج ومن دخل منه مستلقياً على ظهره أمكنه، لأنه إذا وصل رأسه إلى الحجر المعترض رفع رأسه، واستوى قاعداً، فكان ظهره مستنداً إلى الحجر المعترض وأوسطه في الشق ورجلاه من خارج الغار ثم يقوم قائماً بداخل الغار.
● [ ذكر أهل مكة وفضائلهم ] ●

ولأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء. ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم. وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران، حيث يطبخ الناس أخبازهم. فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من غير ضجر. ومن أفعالهم الحسنة أن الأيتام الصغار يقعدون بالسوق، ومع كل واحد منهم قفتان: كبرى وصغرى وهم يسمون القفة مكتلاً فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق، فيشتري الحبوب واللحم والخضر، ويعطي ذلك الصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه، واللحم والخضر في الأخرى، ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيأ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يذكر أن أحداً من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط، بل يؤدي ما حمل على ما أتم الوجوه. ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس. وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبداً ناصعة ساطعة. ويستعملون الطيب كثيراً ويكتحلون ويكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر. ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف. وهن يكثرن التطيب، حتى إن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيباً. وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة، فيأتين في أحسن زي وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقاً. ولأهل مكة عوائد حسنة وغيره سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغنا من ذكر فضائلها ومجاوريها.
● [ ذكر قاضي مكة وخطيبها ] ●
وإمام الموسم وعلمائها وصلحائها

قاضي مكة العالم الصالح العابد نجم الدين محمد بن إمام العالم محيي الدين الطبري، وهو فاضل كثير الصدقات والمواساة للمجاورين، حسن الأخلاق كثير الطواف والمشاهدة للكعبة الشريفة، يطعم الطعام الكثير في المواسم المعظمة، وخصوصاً في مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يطعم فيه شرفاء مكة وكبراءها وفقراءها وخدام الحرم الشريف وجميع المجاورين. وكان سلطان مصر الملك الناصر رحمه الله يعظمه كثيراً، وجميع صدقاته وصدقات أمرائه تجرى على يديه. وولده شهاب الدين فاضل، وهو الآن قاضي مكة شرفها الله. وخطيب مكة الإمام بمقام إبراهيم عليه السلام الفصيح المصقع وحيد عصره بهاء الدين الطبري، وهو أحد الخطباء الذين ليس بالمعمورة مثلهم بلاغة وحسن بيان. وذكر لي أنه ينشئ لكل جمعة خطبة ثم لا يكررها فيما بعد. وإمام الموسم وإمام المالكية بالحرم الشريف هو الشيخ الفقيه العالم الصالح الخاشع الشهير أبو عبد الله محمد ابن الفقيه الإمام الصالح الورع أبي زيد عبد الرحمن، وهو المشتهر بخليل نفع الله به وأمتع ببقائه. وأهله من بلاد الجريد من إفريقية، ويعرفون بها ببني حيون من كبارها، ومولده ومولد أبيه بمكة شرفها الله، وهو أحد الكبار من أهل مكة، بل واحدها وقطبها بإجماع الطوائف على ذلك. مستغرق العبادة في جميع أوقاته، حيي كريم النفس حسن الأخلاق كثير الشفقة، لا يرد من سأله خائباً.
حكاية مباركة
رأيت أيام مجاورتي بمكة شرفها الله، وأنا إذ ذاك ساكن منها بالمدرسة المظفرية، والنبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وهو قاعد بمجلس التدريس في المدرسة المذكورة بجانب الشباك الذي تشاهد منه الكعبة الشريفة، والناس يبايعونه، فكنت أرى الشيخ أبا عبد الله المدعو بخليل قد دخل وقعد القرفصاء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أبايعك على كذا وكذا، وعدد أشياء منها، وأن لا أرد من بيتي مسكيناً خائباً، وكان ذلك آخر كلامه، فكنت أعجب من قوله، وأقول في نفسي كيف يقول هذا ويقدر عليه، مع كثرة فقراء مكة واليمن والزيالعة والعراق والعجم ومصر والشام. وكنت أراه حين ذلك لابساً جبة بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوة بالقفطان. كان يلبسها في بعض الأوقات، فلما صليت الصبح غدوت عليه وأعلمته برؤياي فسر بها وبكى، وقال لي تلك الجبة أهداها بعض الصالحين لجدي، فأنا ألبسها تبركاً. وما رأيته بعد ذلك يرد سائلاً خائباً. وكان يأمر خدامه يخبزون الخبز ويطبخون الطعام ويأتون به إلي بعد صلاة العصر من كل يوم. وأهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرة واحدة بعد العصر، ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت. ومن أراد الأكل في سائر النهار أكل التمر. ولذلك صحت أبدانهم، وقلت فيهم الأمراض والعاهات. وكان الشيخ خليل متزوجاً بنت القاضي نجم الدين الطبري، فشك في طلاقها وفارقها. وتزوجها بعده الفقيه شهاب الدين النويري من كبار المجاورين، وهو من صعيد مصر. وأقامت عنده أعواماً وسافر بها إلى المدينة الشريفة ومعها أخوها شهاب الدين فحنث في يمين بالطلاق، ففارقها على ضنانته بها، وراجعها الفقيه خليل بعد سنين عدة. ومن أعلام مكة إمام الشافعية شهاب الدين بن البرهان، ومنهم إمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن علي من كبار أئمة مكة وفضلائها، يطعم المجاورين وأبناء السبيل. وهو أكرم فقهاء مكة. ويدان في كل سنة أربعين ألف درهم وخمسين ألفاً، فيؤديها الله عنه. وأمراء الأتراك يعظمونه ويحسنون الظن به، لأنه إمامهم. ومنهم إمام الحنابلة المحدث الفاضل محمد بن عثمان البغدادي الأصل المكي المولد. وهو نائب القاضي نجم الدين، والمحتسب بعد قتل تقي الدين المصري، والناس يهابونه لسطوته.
حكاية
كان تقي الدين المصري محتسباً بمكة، وكان له دخول فيما يعنيه وفيما لا يعنيه. فاتفق في بعض السنين أن أتى أمير الحاج بصبي من ذوي الدعارة بمكة قد سرق بعض الحجاج. فأمر بقطع يده فقال له تقي الدين: إن لم تقطعها بحضرتك، وإلا غلب أهل مكة خدامك عليه. فاستنقذوه منهم وخلصوه، فأمر بقطع يده في حضرته فقطعت. وحقدها لتقي الدين. ولم يزل يتربص به الدوائر، ولا قدرة له عليه لأن له حسباً من الأميرين رميثة وعطيفة والحسب عندهم أن يعطي أحدهم هدية من عمامة أو شاشية بمحضر الناس تكون جواراً لمن أعطيته، ولا تزول حرمتها، معه حتى يريد الرحلة والتحول عن مكة. فأقام تقي الدين بمكة أعواماً، ثم عزم على الرحلة، وودع الأميرين، وطاف طواف الوداع، وخرج من باب الصفا. فلقيه صاحبه الأقطع وتشكى له ضعف حاله، وطلب منه ما يستعين به على حاجته. فانتهره تقي الدين وزجره، فاستل خنجراً له يعرف عندهم بالجنبية، وضربه ضربة واحدة كان فيها حتفه. ومنهم الفقيه الصالح زين الدين الطبري، شقيق نجم الدين المذكور من أهل الفضل والإحسان للمجاورين ومنهم الفقيه المبارك محمد بن فهد القرشي، من فضلاء مكة. وكان ينوب عن القاضي نجم الدين بعد وفاة الفقيه محمد بن عثمان الحنبلي، ومنهم العدل الصالح محمد بن البرهان زاهد ورع مبتلى بالوسواس. رأيته يوماً يتوضأ من بركة المدرسة المظفرية، فيغسل ويكرر، ولما مسح رأسه أعاد مسحه مرات، ثم لم يقنعه ذلك فغطس رأسه في البركة. وكان إذا أراد الصلاة ربما صلى الإمام الشافعي، وهو يقول: نويت نويت، فيصلي من غيره وكان كثير الطواف والاعتمار والذكر.
● [ ذكر المجاورين بمكة ] ●

فمنهم الإمام العالم الصالح الصوفي المحقق العابد عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليمني الشافعي الشهير باليافعي، كثير الطواف آناء الليل وأطراف النهار وكان إذا طاف من الليل يصعد إلى سطح المدرسة المظفرية فيقعد مشاهداً للكعبة الشريفة، إلى أن يغلبه النوم فيجعل تحت رأسه حجراً، أو ينام يسيراً، ثم يجدد الوضوء ويعود لحاله من الطواف حتى يصلي الصبح. وكان متزوجاً ببنت الفقيه العابد شهاب الدين بن برهان، وكانت صغيرة السن. فلا تزال تشكو إلى أبيها حالها فيأمرها بالصبر، فأقامت معه على ذلك سنين ثم فارقته. ومنهم الصالح العابد نجم الدين الأصفوني. كان قاضياً ببلاد الصعيد فانقطع إلى الله تعالى، وجاور بالحرم الشريف. وكان يعتمر في كل يوم من التنعيم، ويعتمر في رمضان: مرتين في اليوم اعتماداً على ما في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" عمرة في رمضان تعدل حجة معي " . ومنهم الشيخ الصالح العابد شمس الدين محمد الحلبي، كثير الطواف والتلاوة من قدماء المجاورين، توفي بمكة، ومنهم الصالح أبو بكر الشيرازي المعروف بالصامت، كثير الطواف، أقام بمكة أعواماً لا يتكلم فيها. ومنهم الصالح خضر العجمي، كثير الصوم والتلاوة والطواف. والشيخ الصالح برهان الدين العجمي الواعظ، كان ينصب له كرسي تجاه الكعبة الشريفة فيعظ الناس ويذكرهم بلسان فصيح وقلب خاشع يأخذ بمجامع القلوب. والصالح المجود برهان الدين إبراهيم المصري مقرىء مجيد ساكن رباط السدرة، ويقصده أهل مصر والشام بصدقاتهم، ويعلم الأيتام كتاب الله تعالى، ويقوم بمؤنهم ويكسوهم. والصالح العابد عز الدين الواسطي من أصحاب الأموال الطائلة، يحمل إليه من بلده المال الكثير في كل سنة، فيبتاع الحبوب والتمر، ويفرقها على الضعفاء والمساكين، ويتولى حملها إلى بيوتهم بنفسه، ولم يزل ذلك دأبه إلى أن توفي. والفقيه الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن رزق الله الأنجري من أهل قطر طنجة من كبار الصالحين جاور بمكة سنين وبها وفاته. كانت بينه وبين والدي صحبة قديمة. ومتى أتى إلى بلدنا طنجة نزل عندنا. وكان له بيت بالمدرسة المظفرية يعلم العلم فيها نهاراً ويأوي بالليل إلى مسكنه برباط ربيع، وهو من أحسن الرباطات بمكة، بداخله بئر عذبة لا تماثلها بئر بمكة، وسكانها الصالحون وأهل ديار الحجاز يعظمون هذا الرباط تعظيماً شديداً وينذرون له النذور، وأهل الطائف يأتونه بالفواكه. ومن عاداتهم أن كل من له بستان من النخيل والعنب والفرسك وهو الخوخ والتين وهو يسمونه الخمط يخرج منه العشر لهذا الرباط. ويوصلون ذلك إليه على جمالهم ومسيرة ما بين مكة والطائف يومان. ومن لم يف بذلك نقصت فواكهه في السنة الآتية وأصابتها الجوائح.
حكاية في فضيلة
أتي يوماً غلمان الأمير أبي نمي صاحب مكة إلى هذا الرباط ودخلوا بخيل الأمير وسقوها من تلك البئر، فلما عادوا بالخيل إلى مرابطها أصابتها الأوجاع وضربت بأنفسها الأرض برؤوسها وأرجلها. واتصل الخبر بالأمير أبي نمي، فأتى باب الرباط بنفسه، واعتذر إلى المساكين الساكنين به، واستصحب واحداً منهم فمسح على بطون الدواب بيده فأراقت ما كان في أجوافها من ذلك الماء وبرئت مما أصابها، ولم يتعرضوا بعدها للرباط إلا بالخير. ومنهم الصالح المبارك أبو العباس الغماري من أصحاب أبي الحسن بن رزق الله. وسكن رباط ربيع، ووفاته بمكة. ومنهم الصالح أبو يعقوب يوسف بن بادية سبتة، كان خديماً للشيخين المذكورين، فلما توفيا صار شيخ الرباط بعدهما. ومنهم الصالح السابح السالك أبو الحسن علي بن فرغوس التلمساني. ومنهم الشيخ سعيد الهندي شيخ رباط كلالة.
حكاية
كان الشيخ سعيد قد قصد ملك الهند محمد شاه، فأعطاه مالاً عظيماً قدم به مكة. فسجنه الأمير عطيفة، وطلبه بأداء المال، فامتنع فعذّب بعصر رجليه، فأعطى خمسة وعشرين ألف درهم نقرة، وعاد إلى بلاد الهند. ورأيته بها، ونزل بدار الأمير سيف الدين غدا ابن هبة الله بن عيسى بن مهنا أمير عرب الشام. وكان غدا ساكناً ببلاد الهند متزوجاً بأخت ملكها، وسيذكر أمره. فأعطى ملك الهند للشيخ سعيد جملة مال، وتوجه صحبة حاج يعرف بوشل من ناس الأمير غدا، وجّهه الأمير المذكور ليأتيه ببعض ناسه، ووجه معه أموالاً وتحفاً منها الخلعة التي خلعها عليه ملك الهند ليلة زفافه بأخته، وهي من الحرير الأزرق مزركشة بالذهب، ومرصعة بالجوهر، بحيث لا يظهر لونها لغلبة الجوهر عليها، وبعث معها خمسين ألف درهم ليشتري له الخيل العتاق. فسافر الشيخ سعيد صحبة وشل، واشتريا سلعاً بما عندهما من الأموال. فلما وصلا جزيرة سقطرة المنسوب إليها الصبر السقطري، خرج عليهما لصوص الهند في مراكب كثيرة فقاتلوهم قتالاً شديداً، مات فيه من الفريقين جملة. وكان وشل رامياً فقتل منهم جماعة، ثم تغلب السراق عليهم وطعنوا وشلا طعنة مات منها بعد ذلك. وأخذوا ما كان عندهم، وتركوا لهم مركبهم بآلة سفره وزاده. فذهبوا إلى عدن، ومات بها وشل. وعادة هؤلاء السراق أنهم لا يقتلون أحداً إلا حين القتال ولا يغرقونه، وإنما يأخذون ماله وبتركونه يذهب بمركبه حيث شاء. ولا يأخذون المماليك لأنهم من جنسهم. وكان الحاج سعيد قد سمع من ملك الهند أنه يريد إظهار الدعوة العباسية ببلده، كمثل ما فعله ملوك الهند ممن تقدمه، مثل السلطان شمس الدين للمش واسمه " بفتح اللام الأولى وإسكان الثانية وكسر الميم وشين معجم"، وولده ناصر الدين. ومثل السلطان جلال الدين فيروز شاه، والسلطان غياث الدين بلين. وكانت الخلع تأتي إليهم من بغداد. فلما توفي وشل قصد الشيخ سعيد إلى الخليفة أبي العباس ابن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي بمصر، وأعلمه بالأمر. فكتب له كتاباً بخطه بالنيابة عنه ببلاد الهند. فاستصحب الشيخ سعيد الكتاب وذهب إلى اليمن واشترى بها ثلاث خلع سوداً، وركب البحر إلى الهند. فلما وصل كنبايت، وهي على مسيرة أربعين يوماً من دهلي حاضرة ملك الهند، كتب صاحب الخبر إلى الملك يعلمه بقدوم الشيخ سعيد، وأن معه أمر الخليفة وكتابه. فورد الأمر ببعثه إلى الحضرة مكرماً. فلما قرب من الحضرة بعث الأمراء والقضاة والفقهاء لتلقيه، ثم خرج هو بنفسه لتلقيه. فتلقاه وعانقه ودفع له الأمر، فقبله ووضعه على رأسه، ودفع له الصندوق الذي فيه الخلع فاحتمله الملك على كاهله خطوات ولبس إحدى الخلع وكسا الأخرى الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر بن يوسف بن عبد العزيز ابن الخليفة المنتصر العباسي، وكان مقيماً عنده، وسيذكر خبره.
وكسا الخلعة الثالثة الأمير قبوله الملقب بالملك الكبير، وهو الذي يقوم على رأسه ويشرد عنه الذباب. وأمر السلطان فخلع على الشيخ سعيد ومن معه، وأركبه على الفيل، ودخل المدينة كذلك، والسلطان أمامه على فرسه، وعن يمينه وشماله الأميران اللذان كساهما الخلعتين العباسيتين. والمدينة قد زينت بأنواع الزينة وصنع بها إحدى عشرة قبة من الخشب. كل قبة منها أربع طبقات، في كل طبقة طائفة من المغنين رجالاً ونساء، والراقصات، وكلهم مماليك السلطان. والقبة مزينة بثياب الحرير المذهب أعلاها وأسفلها وداخلها وخارجها، وفي وسطها ثلاثة أحواض من جلود الجواميس مملوءة ماء قد حلّ فيه الجلاب، يشربه كل وارد وصادر، لا يمنع منه أحد. وكل من يشرب منه يعطى بعد ذلك خمس عشرة ورقة من أوراق التنبول والفوفل والنورة، فيأكلها فتطيب نكهته وتزيد في حمرة وجهه ولثاته وتقمع عنه الصفراء وتهضم ما أكل من الطعام. ولما ركب الشيخ سعيد على الفيل فرشت له ثياب الحرير بين يدي الفيل يطأ عليها الفيل من باب المدينة إلى دار السلطان. وأنزل بدار تقرب من دار الملك. وبعث له أموالاً طائلة. وجميع الأثواب المعلقة المفروشة بالقباب والموضوعة بين يدي الفيل لا تعود إلى السلطان بل يأخذها أهل الطرب وأهل الصناعات الذين يصنعون القباب، وخدام الأحواض وغيرهم. وهكذا فعلهم من قدم السلطان من سفر. وأمر الملك بكتاب الخليفة أن يقرأ على المنبر بين الخطبتين في كل يوم جمعة، وأقام الشيخ سعيداً شهراً ثم بعث معه الملك هدايا إلى الخليفة. فوصل كنبايت، وأقام بها حتى تيسرت أسباب حركته في البحر. وكان ملك الهند قد بعث أيضاً من عنده رسولاً إلى الخليفة وهو الشيخ رجب البرقعي، أحد شيوخ الصوفية، وأصله من مدينة القرم من صحراء قفجق، وبعث معه هدايا للخليفة منها حجر ياقوت قيمته خمسون ألف دينار. وكتب له يطلب منه أن يعقد له النيابة عنه ببلاد الهند والسند، ويبعث له سواه من يظهر. هكذا نص عليه كتابه اعتقاداً منه في الخلافة وحسن نية. وكان للشيخ رجب أخ بديار مصر يدعى بالأمير سيف الدين الكاشف. فلما وصل رجب إلى الخليفة أبى أن يقرأ الكتاب ويقبل الهدية إلا بمحضر الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر. فأشار سيف الدين على أخيه رجب ببيع الحجر فباعه واشترى بثمنه، وهو ثلاثمائة ألف درهم، أربعة أحجار. وحضر بين يدي الملك الصالح، ودفع له الكتاب، وأحد الأحجار، ودفع سائرها لأمرائه. واتفقوا على أن يكتب لملك الهند بما طلب.
فوجهوا الشهود إلى الخليفة وأشهد على نفسه أنه قدمه نائباً عنه ببلاد الهند وما يليها، وبعث الملك الصالح رسولاً من قبله، وهو شيخ الشيوخ بمصر ركن الدين العجمي، ومعه الشيخ رجب وجماعة من الصوفية، وركبوا بحر فارس من الأبلة إلى هرمز، وسلطانها يومئذ قطب الدين تمتهن طوران شاه. فأكرم مثواهم، وجهز لهم مركباً إلى بلاد الهند فوصلوا مدينة كنبايت والشيخ سعيد بها وأميرها يومئذ مقبول التلتكي، أحد خواص ملك الهند فاجتمع الشيخ رجب بهذا الأمير وقال له أن الشيخ سعيد إنما جاءكم بالتزوير. والخلع التي ساقها إنما اشتراها بعدن، فينبغي أن تثقفوه وتبعثوه إلى خوند عالم وهو السلطان. فقال له الأمير: الشيخ سعيد معظم عند السلطان فما يفعل به هذا إلا بأمره. ولكني أبعثه معك ليرى فيه السلطان رأيه. وكتب الأمير بذلك كله إلى السلطان، وكتب به أيضاً صاحب الأخبار فوقع في نفس السلطان تغير، وانقبض عن الشيخ رجب لكونه تكلم بذلك على رؤوس الأشهاد، بعد ما صدر من السلطان للشيخ سعيد من الإكرام ما صدر، فمنع رجب من الدخول عليه، وزاد إكرام الشيخ سعيد، ولما دخل شيخ الشيوخ على السلطان قام إليه وعانقه وأكرمه وكان متى دخل عليه يقوم إليه. وبقي الشيخ سعيد المذكور بأرض الهند معظماً مكرماً. وبها تركته سنة ثمان وأربعين. وكان بمكة أيام مجاورتي بها حسن المغربي المجنون، وأمره غريب وشأنه عجيب. وكان قبل ذلك صحيح العقل خديماً لولي الله تعالى نجم الدين الأصبهاني أيام حياته.
حكاية
كان حسن المجنون كثير الطواف بالليل، وكان يرى في طوافه بالليل فقيراً، يكثر الطواف، ولا يراه بالنهار. فلقيه ذلك الفقير ليلة، وسأله عن حاله، وقال يا حسن: إن أمك تبكي عليك، وهي مشتاقة إلى رؤيتك، وكانت من إماء الله الصالحات، أفتحب أن تراها قال له: نعم، ولكني لا قدرة لي على ذلك. فقال له: نجتمع ها هنا في الليلة المقبلة إن شاء الله تعالى - فلما كانت الليلة المقبلة، وهي ليلة الجمعة، وجده حيث واعده - فطافا بالبيت ما شاء الله، ثم خرج، وهو في أثره، إلى باب المعلى. فأمره أن يسد عينيه ويمسك بثوبه ففعل ذلك. ثم قال: بعد ساعة: أتعرف بلدك ? قال نعم. قال: ها هو هذا. ففتح عينيه، فإذا به على دار أمه، فدخل عليها، ولم يعلمها بشيء مما جرى، وأقام عندها نصف شهر، وأظن أن بلده مدينة أسفي . ثم خرج إلى الجبانة، فوجد الفقير صاحبه، فقال له: كيف أنت ? فقال: يا سيدي، إني اشتقت إلى رؤية الشيخ نجم الدين؛ وكنت خرجت على عادتي، وغبت عنه هذه الأيام، وأحب أن تردني إليه. فقال له: نعم، وواعده الجبانة ليلاً. فلما وافاه بها، أمره أن يفعل كفعله في مكة شرفها الله، من تغميض عينيه والإمساك بذيله ففعل ذلك، فإذا به في مكة شرفها الله. وأوصاه أن لا يحدث نجم الدين بشيء مما جرى، ولا يحدث به غيره فلما دخل على نجم الدين، قال له: أين كنت يا حسن في غيبتك ? فأبى أن يخبره. فعزم عليه، فأخبره بالحكاية. فقال: أرني الرجل، فأتي معه ليلاً، وأتى الرجل على عادته. فلما مر بهما قال له: يا سيدي هو هذا. فسمعه الرجل فضربه بيده على فمه وقال اسكت اسكتك الله. فخرس لسانه، وذهب عقله، وبقي بالحرم مولهاً يطوف بالليل والنهار من غير وضوء ولا صلاة، والناس يتبركون به ويكسونه، وإذا جاع خرج إلى السوق التي بين الصفا والمروة، فيقصد حانوتاً من الحوانيت، فيأكل منها ما أحب، لا يصده أحد ولا يمنعه بل يسر كل من أكل له شيئاً، وتظهر له البركة والنماء في بيعه وربحه. ومتى أتى السوق تطاول أهلها بأعناقهم إليه، كل منهم يحرص على أن يأكل من عنده، لما جربوه من بركته. كذلك فعله مع السقائين، متى أحب أن يشرب. ولم يزل دأبه كذلك إلى سنة ثمانٍ وعشرين، فحج فيها الأمير سيف الدين يلملك، فاستصحبه معه إلى ديار مصر، فانقطع خبره نفع الله تعالى به.


رحلات إبن بطوطة
الجزء الأول
منتدى توتة وحدوتة - البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يناير 18, 2019 7:27 pm