الحديث السادس والعشرون

شاطر

اسرة التحرير
Admin

عدد المساهمات : 3011
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الحديث السادس والعشرون

مُساهمة من طرف اسرة التحرير في الجمعة يناير 11, 2019 2:34 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث السادس والعشرون ] ●

عَنْ أَبي هُرَيرةَ - رضي الله عنه - ، قال : قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( كُلُّ سُلامَى(1) مِنَ النَّاسِ عليهِ صَدَقةٌ ، كُلَّ يَوْمٍ تَطلُعُ فيه الشَّمْسِ : تَعدِلُ بَينَ الاثنينِ صدَقَةٌ ، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فتحمِلُهُ عليها ، أو تَرْفَعُ لهُ عليها متاعَهُ صَدَقةٌ ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ ، وبِكُلِّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ ، وتُميطُ الأذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ ).
رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ .

الشرح
هذا الحديث خرَّجاه من رواية همَّام بن مُنَبِّه ، عن أبي هريرة(2)
__________
(1) السلامى : جمع سلامية ، وهي الأنملة من أنامل الأصابع ، وقيل : واحده وجمعه سواء ، ويجمع على سلاميات : وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان ، وقيل : السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام ، ومعنى الحديث : على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة . انظر : النهاية 52/396 .
(2) أخرجه : البخاري 3/245 ( 2707 ) و4/42 ( 2891 ) و4/68 ( 2989 ) ، ومسلم 3/83 ( 1009 ) ( 56 ) .
وأخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 403 ) ، وأحمد 2/312 و316 و374 ، وابن أبي عاصم في " الزهد " ( 37 ) ، وابن خزيمة ( 1493 ) و( 1494 ) ، وابن حبان ( 472 ) ، والطبراني في " مكارم الأخلاق " ( 117 ) ، والبيهقي 3/229 و4/ 187 – 188 ، والبغوي ( 1645 ) . والروايات مطولة ومختصرة .
● [ الصفحة التالية ] ●
، وخرَّجه البزار(1) من رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الإنسان ثلاث مئة وستون عظماً ، أو ستة وثلاثون سلامى ، عليه في كلِّ يوم صدقةٌ ) قالوا : فمن لم يجد ؟ قالَ : ( يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ) قالوا : فمن لم يستطع ؟ قال : ( يرفع عَظْماً عن الطَّريقِ ) قالوا : فمن لم يستطع ؟ قال : ( فليُعن ضعيفاً ) قالوا : فمن لم يستطع ذلك ؟ قال : ( فليدع النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ) .
وخرَّج مسلم(2) من حديث عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خُلِقَ ابنُ آدم على ستين وثلاث مئة مَفْصِلٍ ، فمن ذكر الله ، وحَمِدَ الله ، وهلَّل الله ، وسبَّح الله ، وعزل حجراً عن طريق المسلمين ، أو عزل شوكةً ، أو عزل عظماً ، أو أمر بمعروفٍ ، أو نهى عن منكرٍ عددَ تلك الستين والثلاث مئة السُّلامى أمسى من يومه وقد زَحْزَحَ نفسه عن النَّارِ ) .
وخرَّج مسلم(3) أيضاً من رواية أبي الأسود الدَّيلي، عن أبي ذرٍّ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يُصبح على كلِّ سُلامى مِن أحدكم صدقةٌ ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ ، ونهيٌ عَنِ المُنكرِ صدقةٌ ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما منَ الضُّحى ) .
__________
(1) كما في " كشف الأستار " ( 928 ) ، وقال البزار : ( لا نعلم رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا أبو عوانة ) .
(2) في " صحيحه " 3/81 - 82 ( 1007 ) ( 54 ) .
(3) في " صحيحه 2/158 ( 720 ) ( 84 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج الإمام أحمد(1) ، وأبو داود(2) من حديث بُريدة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( في الإنسان ثلاث مئة وستونَ مَفْصِلاً ، فعليه أنْ يتصدَّقَ عن كلِّ مَفصِلٍ منه بصدقة ) قالوا : ومَن يُطيق ذلك يا نبيَّ الله ؟ قال : ( النُّخَاعَةُ في المسجد تَدفنها ، والشَّيء تُنَحِّيه عن الطريق ، فإنْ لم تجد ، فركعتا الضحى تجزئُك ) .
وفي " الصحيحين "(3) عن أبي موسى ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( على كلِّ مسلمٍ صدقةٌ ) قالوا : فإنْ لم يجد ؟ قالَ : ( فيعملُ بيده ، فينفع نفسَه ويتصدَّقُ ) قالوا : فإنْ لم يستطع ، أو لم يفعل ؟ قال : ( يُعينُ ذا الحاجة الملهوف ) ، قالوا : فإنْ لم يفعل ؟ قال : ( فليأمر بالخير أو قال : بالمعروف ) قالوا : فإنْ لم يفعل ؟ قال : ( فليُمسِكْ عَنِ الشَّرِّ ، فإنَّه له صدقة ) .
وخرَّج ابن حبان في " صحيحه "(4) من حديث ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( على كُل مَنْسِمٍ(5) من ابن آدم صدقة كُلَّ يوم ) فقال رجلٌ من القوم : ومن يُطِيق هذا ؟ قال : ( أمر بالمعروف صدقة ، ونهيٌّ عن المنكر صدقة ، والحملُ على الضَّعيف صدقة ، وكلُّ خطوةٍ يخطوها أحدُكم إلى الصَّلاة صدقةٌ ) . وخرَّجه البزار(6) وغيره .
__________
(1) في " مسنده " 5/354 و359 ، وهو حديث صحيح لغيره .
(2) في سننه ( 5242 ) .
(3) صحيح البخاري 3/143 ( 1445 ) و8/13 ( 6022 ) ، وصحيح مسلم 3/83
( 1008 ) ( 55 ) .
(4) الإحسان ( 299 ) ، وفي إسناده مقال ؛ لأنَّه من رواية سماك ، عن عكرمة وهي مضطربة ، إلا إنَّ للحديث ما يقويه .
(5) أي : كل مفصل .
(6) في " مسنده " ( 926 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي رواية : ( على كل مِيسَم(1) من الإنسان صدقةٌ كل يوم ، أو صلاة ) ، فقال رجل : هذا من أشدِّ ما أتيتنا به ، فقال : ( إنَّ أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر صلاةٌ أو صدقةٌ ، وحملك عن الضعيف صلاة ، وإنحاؤكَ القذرَ عَنِ الطَّريقِ صلاةٌ ، وكلُّ خطوةٍ تَخطوها إلى الصَّلاة صلاةٌ ) (2) . وفي رواية البزار : ( وإماطةُ الأذى عَنِ الطَّريق صدقةٌ ) أو قال : ( صلاةٌ ) .
وقال بعضهم : يريد بالمِيسم : كلَّ عضو على حِدة ، مأخوذ من الوسم : وهو العلامة ، إذ ما مِنْ عظم ولا عرق ولا عَصَبٍ إلا وعليه أثَرُ صنع الله ، فيجبُ على العبدِ الشكرُ على ذلك للهِ والحمد له على خلقه سوياً صحيحاً ، وهذا هو المراد بقوله : ( عليه صلاةٌ كلَّ يومٍ ) ؛ لأنَّ الصَّلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء .
وخرَّج الطبراني(3) من وجه آخر عن ابن عباس رفع الحديث إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ( على كلِّ سُلامَى ، أو على كلِّ عضوٍ من بني آدم في كلِّ يوم صدقة ، ويُجزئ من ذلك ركعتا الضحى ) .
ويُروى من حديث أبي الدرداء ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( على كلِّ نفسٍ في كلِّ يومٍ صدقة ) قيل : فإنْ كان لا يجد شيئاً ؟ قال : ( أليس بصيراً شهماً فصيحاً صحيحاً ؟ ) قال : بلى ، قال : ( يُعطي من قليله وكثيره ، وإنَّ بصرَك للمنقوصِ بصرُه صدقةٌ ، وإنَّ سمعكَ للمنقوص سمعُهُ صدقة )(4) .
__________
(1) قال ابن الأثير : ( المراد به أن على كل عضو موسوم بصنع الله صدقة ) . انظر : النهاية 5/186 .
(2) أخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 11791 ) ، وهو كذلك من رواية سماك ، عن عكرمة .
(3) في " الأوسط " ( 4449 ) وفي " الصغير " ، له ( 630 ) ، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/240 : ( رواه الطبراني في " الصغير " و" الأوسط " ، وفيه من لم أجد له ترجمة ) .
(4) لم أقف عليه بما تيسر لي من مصادر .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي - حديث أبي ذرٍّ - الذي خرَّجه ابن حبان في " صحيحه "(1) : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لَيسَ مِنْ نفسِ ابن آدم إلا عليها صدقةٌ في كلِّ يومٍ طلعت فيه الشمس ) ، قيل : يا رسولَ الله ، ومن أين لنا صدقة نتصدَّقُ بها ؟ قال : ( إنَّ أبوابَ الخيرِ لكثيرةٌ : التَّسبيحُ ، والتَّحميدُ ، والتَّكبيرُ ، والتَّهليلُ ، والأمرُ بالمعروف ، والنَّهيُ عن المُنكر ، وتُميط الأذى عن الطَّريقِ ، وتُسمِعُ الأصمَّ ، وتهدي الأعمى ، وتَدُلُّ المستدلَّ على حاجته ، وتسعى بشدَّة ساقيك مع اللَّهفان المستغيث ، وتحمل بشِدَّة ذراعيك معَ الضَّعيف ، فهذا كلُّه صدقةٌ منكَ على نفسِكَ ) .
فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( على كلِّ سُلامى مِن النَّاس عليه صدقة ) . قال أبو عُبيد : السُّلامى في الأصل(2) عَظْمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير ، قال : فكأنَّ معنى الحديث : على كُلِّ عظم من عظام ابن آدم صدقةٌ(3) ، يُشير أبو عُبيد إلى أنَّ السُّلامى اسمٌ لبعض العظام الصغار التي في الإبل ، ثم عبَّرَ بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الآدمي وغيره .
فمعنى الحديث عنده : على كُلِّ عظمٍ من عظام ابن آدم صدقة .
وقال غيرُه : السُّلامى : عظمٌ في طرف اليد والرِّجلِ ، وكني بذلك عن جميع عظام الجسد ، والسُّلامى جمعٌ ، وقيل : هو مفرد .
__________
(1) الإحسان ( 3377 ) .
(2) عبارة : ( في الأصل ) سقطت من ( ص ) .
(3) انظر : غريب الحديث 3/10 – 11 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد ذكر علماء الطبِّ أنَّ جميعَ عظام البدن مئتان وثمانية وأربعون عظماً سوى السمسمانيات ، وبعضهم يقول : هي ثلاث مئة وستون عظماً ، يظهر منها للحسِّ مئتان وخمسة وستون عظماً ، والباقية صغارٌ لا تظهر تُسمى السمسمانية ، وهذه الأحاديث تُصدق هذا القول ، ولعلَّ السُّلامى عبر بها عن هذه العظام الصغار ، كما أنَّها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير من العظام ، ورواية البزار لحديث أبي هريرة يشهد لهذا ، حيث قال فيها : ( أو ستةٌ وثلاثون سُلامى ) وقد خرَّجه غيرُ البزار ، وقال فيه : ( إنَّ في ابنِ آدمَ ست مئة وستين عظماً ) وهذه الرواية غلطٌ . وفي حديث عائشة وبُريدة ذكر ثلاث مئة وستين مفصلاً .
ومعنى الحديث : أنَّ تركيب هذه العظام وسلامتها مِن أعظم نِعَمِ الله على عبده ، فيحتاج كلُّ عظم منها إلى صدقة يتصدق ابنُ آدم عنه ، ليكونَ ذلك شكراً لهذه النعمة . قال الله - عز وجل - : { يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } (1)، وقال - عز وجل - : { قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ } (2)، وقال
: { وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (3)، وقال : { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } (4) ، قال مجاهد : هذه نِعَمٌ من الله متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها كيما تَشكُر(5)
__________
(1) الانفطار : 6 – 8 .
(2) الملك : 23 .
(3) النحل : 78 .
(4) البلد : 8 – 9 .
(5) لم أقف على قول مجاهد وما وجدته عن قتادة .
أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 28891 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 19319 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
، وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية ، فبكى ، فسئل عن بكائِهِ ، فقال : هل بتَّ ليلة شاكراً لله أنْ جعل لك عينين تُبصر بهما ؟ هل بتَّ ليلةً شاكراً لله أنْ جعل لك لساناً تنطق به ؟ وجعل يعدِّد من هذا الضرب.
وروى ابنُ أبي الدُّنيا(1) بإسناده عن سلمانَ الفارسي ، قال : إنَّ رجُلاً بُسِطَ له مِنَ الدُّنيا ، فانتزع ما في يديه ، فجعل يحمَدُ الله - عز وجل - ، ويُثني عليه ، حتَّى لم يكن له فراش إلا بوري(2) ، فجعل يَحمد الله ، ويُثني عليه ، وبسط للآخر من الدنيا ، فقال لصاحب البُوري : أرأيتك أنتَ على ما تحمد الله - عز وجل - ؟ قال : أحْمَدُ اللهَ على ما لو أُعْطِيتُ به ما أُعْطِيَ الخَلقُ ، لم أُعْطِهِمْ إيَّاه ، قال : وما ذاك ؟ قال : أرأيتَ بصرَك ؟ أرأيت لسانَك ؟ أرأيت يديك ؟ أرأيت رجليك ؟
وبإسناده عن أبي الدرداء أنَّه كان يقول : الصِّحَّةُ غِنى الجسد(3) .
وعن يونس بن عبيد : أنَّ رجلاً شكا إليه ضِيقَ حاله ، فقال له يونس : أيسُرُّك أنَّ لك ببصرك هذا الذي تُبصِرُ به مئة ألف درهم ؟ قال الرجل : لا ، قال : فبيدك مئة ألف درهم ؟ قال : لا ، قال : فبرجليك ؟ قال : لا ، قال : فذكَّره نِعَمَ الله عليه ، فقال يونس : أرى عندك مئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجة(4) .
وعن وهب بن مُنَبِّهٍ ، قال : مكتوبٌ في حكمة آل داود : العافية المُلك الخفيُّ(5) .
__________
(1) في " الشكر " ( 100 ) ، ومن طريقه البيهقي في " شعب الإيمان " ( 4462 ).
(2) فارسي معرب وهو الحصير المعمول من القصب . لسان العرب 1/536 ( بور ).
(3) الشكر ( 102 ) .
وأخرجه : ابن عساكر في " تاريخ دمشق " 25/125 .
(4) ذكره ابن الجوزي في " صفة الصفوة " 3/177 ، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " 6/292.
(5) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 122 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وعن بكر المزني قال : يا ابن آدم ، إنْ أردتَ أنْ تعلمَ قدرَ ما أنعمَ اللهُ عليك ، فغمِّضْ عينيك(1) . وفي بعض الآثار : كم مِنْ نِعمَةٍ لله في عرقٍ ساكن(2) .
وفي " صحيح البخاري "(3) عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( نِعْمَتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصِّحَّةُ والفراغ ) .
فهذه النِّعم مما يُسألُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة ، ويُطالب بها كما قال تعالى : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } (4) . وخرَّج الترمذيُّ(5) وابنُ حبَّانَ(6) من حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ أوَّلَ ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة مِن النعيم ، فيقول له : ألم نصحَّ لك جسمَك ، ونُرْويكَ من الماء البارد ؟ ) .
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - : النعيمُ : الأمنُ والصحة(7). وروي عنه مرفوعاً(8) .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 182 ) ، ومن طريقه البيهقي في " شعب الإيمان " ( 4465 ) و( 4466 ) .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 1/210 عن أبي الدرداء .
وأخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 7/211 عن سفيان الثوري ، وقال : فيه بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(3) الصحيح 8/109 ( 6412 ).
(4) التكاثر : 8 .
(5) في " جامعه " ( 3358 ) ، وقال : ( غريب ) على أنَّ إسناده لا ينْزل عن رتبة الحسن ؛ لذا أورده العلامة الألباني في صحيحته ( 539 ) .
(6) في " الإحسان "( 7364 ) .
(7) أخرجه : هناد بن السري في " الزهد " ( 694 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 29318 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4615 ) .
(8) ذكره ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 19461 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال عليُّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } (1)، قال : النعيم : صحَّةُ الأبدان والأسماع والأبصار ، يسأَلُ الله العبادَ : فيما استعملوها ؟ وهو أعلمُ بذلك منهم(2) ، وهو قوله تعالى : { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (3) .
وخرَّج الطبراني(4) من رواية أيوب بن عُتبة - وفيه ضعف(5) - ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( من قال : لا إله إلا الله ، كان لهُ بها عهدٌ عند الله ، ومن قال : سبحان الله وبحمده ، كتب له بها مئة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة ) ، فقال رجل : كيف نَهلكُ بعدَ هذا يا رسول الله ؟ قال : ( إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ القيامة بالعملِ ، لو وُضِعَ على جبل لأثقله ، فتقوم النِّعمَةُ مِن نعمِ اللهِ ، فتكاد أنْ تستنفد ذلك كلَّه ، إلاَّ أنْ يتطاول الله برحمته ) .
وروى ابن أبي الدنيا(6)
__________
(1) التكاثر : 8 .
(2) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 29322 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4613 ) .
(3) الإسراء : 36 .
(4) في " الكبير " ( 13595 ) وفي " الأوسط " ، له ( 1604 ) . انظر : مجمع الزوائد 10/420 .
(5) قال عنه أحمد بن حنبل : مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير وفي غير يحيى على ذاك ، وقال عنه أبو حاتم : ( فيه لين ، قدم بغداد ولم يكن معه كتب فكان يحدّث من حفظه على التوهم فيغلط ) ، وقال عنه أبو زرعة : ( ضعيف ) ، وقال عنه مسلم بن الحجاج: ( ضعيف ) ، وقال عنه يحيى بن معين : ( ليس بالقوي ) ، وقال عنه ابن حجر: ( ضعيف ) . انظر : الجرح والتعديل 2/182 ( 907 ) ، وتهذيب الكمال 1/320
( 610 ) ، والتقريب ( 619 ) .
(6) في " الشكر " ( 24 ) .
وذكره الديلمي في " مسند الفردوس " ( 8763 ) .
وفيه صالح بن موسى قال عنه يحيى بن معين : ( ليس بشيء ) ، وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم : ( سألت أبي عنه ) ، فقال : ( ضعيف الحديث ، منكر الحديث جداً كثير المناكير عن الثقات ) ، قلت : ( يكتب حديثه ) ؟ قال : ( ليس يعجبني حديثه ) ، وقال عنه النَّسائي: ( لا يكتب حديثه ، ضعيف ) . انظر : الجرح والتعديل 4/380 – 381 ( 1825 ) ، وتهذيب الكمال 3/437 - 438 ( 2827 ) .
وفيه أيضاً ليث بن أبي سليم سُئل عنه يحيى بن معين فقال : ( ليس حديثه بذاك ضعيف ) ، وقال عنه أبو حاتم وأبو زرعة : ( ليث لا يشتغل به ، هو مضطرب الحديث ) ، وقال عنه ابن حجر : ( صدوق اختلط جداً ولم يتميز حديثه فترك ) .
انظر : الجرح والتعديل 7/242 ( 1014 ) ، والتقريب ( 5685 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
بإسنادٍ فيه ضعف أيضاً عن أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يُؤتى بالنِّعم يومَ القيامة ، وبالحسنات والسيئات ، فيقول الله لنعمةٍ مِنْ نِعَمِهِ : خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنةً إلا ذهبت بها ) .
وبإسناده عن وهب بن مُنَبِّه قال : عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عاماً ، فأوحى الله - عز وجل - إليه : إني قد غفرتُ لك ، قال : يا ربِّ ، وما تغفر لي ولم أذنبْ ؟ فأذِنَ الله - عز وجل - لِعِرْقٍ في عنقه ، فضرب عليه ، فلم ينم ، ولم يُصلِّ(1) ، ثم سكن وقام ، فأتاه مَلَكٌ ، فشكا إليه ما لقي من ضربان العرق ، فقال الملك : إنَّ ربَّك - عز وجل - يقول : عبادتُك خمسين سنة تعدل سكون ذا العرق(2) .
وخرَّج الحاكم(3)
__________
(1) عبارة : ( فلم ينم ولم يصل ) لم ترد في ( ص ) .
(2) في " الشكر " ( 148 ) ، ومن طريقه أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/68 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4622 ) .
(3) في " المستدرك " 4/250 .
وأخرجه: العقيلي في "الضعفاء" 2/144 – 145 ، والبيهقي في " شعب الإيمان "( 4620 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
هذا المعنى مرفوعاً من رواية سليمان بن هرم القرشي ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أنَّ جبريل أخبره أنَّ عابداً عبد الله على رأس جبلٍ في البحر خمس مئة سنة ، ثم سأل ربَّه أنْ يَقبِضَهُ وهو ساجدٌ ، قال : فنحن نمُرُّ عليه إذا هبطنا وإذا عرَجنا ، ونجد في العلم أنَّه يُبعث يَوْمَ القيامةِ ، فيوقف بَيْنَ يدي الله - عز وجل - ، فيقول الربُّ - عز وجل - : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي ، فيقولُ العبدُ : يا ربِّ ، بعملي ، ثلاثَ مرَّات ، ثم يقول الله للملائكة : قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله ، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادةِ خمس مئة سنة ، وبقيت نِعَمُ الجسد له ، فيقول : أدخلوا عَبْديَ النار ، فيجرُّ إلى النار ، فينادي ربه : برحمتك أدخلني الجنَّة ، برحمتك ، فيدخله الجنَّة ، قال جبريل : إنَّما الأشياءُ برحمة الله يا محمد . وسُليمان بن هرم ، قال العقيلي : هو مجهول وحديثُه غيرُ محفوظ(1) .
وروى الخرائطي(2) بإسنادٍ فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : ( يُؤتى بالعبد يومَ القيامة ، فيُوقَفُ بين يدي الله - عز وجل - فيقول للملائكة : انظرُوا في عمل عبدي ونعمتي عليه ، فينظرون فيقولون : ولا بقدْرِ نعمةٍ واحدةٍ من نِعَمِكَ عليه ، فيقول : انظروا في عمله سيِّئه وصالحه ، فينظرون فيجدونه كَفافاً ، فيقول : عبدي ، قد قبلتُ حسناتِك ، وغفرت لك سيِّئاتِك ، وقد وهبتُ لك نعمتي فيما بين ذلك ) .
__________
(1) انظر : الضعفاء 2/144 ( 638 ) ، وهذه القصة مع ضعف سندها ونكارة متنها تخالف نص القرآن : { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ النحل : 32 ] ، وانظر : ميزان الاعتدال للذهبي 2/228 .
(2) في " فضيلة الشكر " ( 57 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
والمقصودُ : أنَّ الله تعالى أنعمَ على عباده بما لا يُحصونَه كما قال : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا } (1)، وطلب منهمُ الشُّكرَ ، ورضي به منهم . قال سليمان التيمي : إنَّ الله أنعم على العباد على قدره ، وكلَّفهم الشكر على قدرهم حتى رَضِيَ منهم مِنَ الشُّكرِ بالاعتراف بقلوبهم بنعمه(2) ، وبالحمد بألسنتهم عليها ، كما خرَّجه أبو داود(3) والنَّسائي(4)
__________
(1) إبراهيم : 34 ، والنحل : 18 .
(2) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 8 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4578 ) .
(3) في " سننه " ( 5073 ) .
(4) في " الكبرى " ( 9835 ) وفي " عمل اليوم والليلة " ، له ( 7 ) .
وأخرجه : ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " ( 2163 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4368 ) ، والبغوي ( 1328 ) ، وهذا الحديث حسنه ابن حجر في " نتائج الأفكار " 2/380 .
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديث عبد الله بن غَنَّام ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( من قال حينَ يُصبِحُ : اللهمَّ ما أَصبَحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك ، فمنك وحْدَكَ لا شريكَ لك ، فلكَ الحمدُ ولك الشُّكْرُ ، فقد أدَّى شُكْرَ ذلك اليومِ ، ومن قالها حين يُمسي أدَّى شكر ليلته ) . وفي روايةٍ للنَّسائي عن عبد الله بن عباس(1) .
وخرَّج الحاكم(2)
__________
(1) هذه الرواية ذكرها المزي في " تحفة الأشراف " 6/161 ( 8976 ) ، وقال : ( وهو خطأ ) وهذه الرواية أخرجها : ابن حبان ( 861 ) ، والطبراني في " الدعاء " ( 306 ) ، وقال الدكتور بشار في تعليقه على " التحفة " : ( وكذلك جزم ابن عساكر في " الأطراف " بأنه خطأ ثم قال : ( وقد وافق ابن وهب في رواية له الأكثر ) ، وقال أبو نعيم في " المعرفة "
: ( من قال فيه عن ابن عباس فقد صحَّف ) ، بل إنَّ الحافظ ابن حجر قال في " الإصابة " 2/349 في ترجمة عبد الله بن غنام : ( وله حديث في سنن أبي داود والنسائي في القول عند الصباح ، وقد صحَّفه بعضهم ، فقال : ابن عباس ، وأخرج النسائي الاختلاف فيه ) ، لكن في " النكت الظراف " يشير إلى أنَّ القول بخطأ من قال : ( ابن عباس ) فيه نظر ، وقوله في
" الإصابة " أجود ، وهو الموافق لما ذهب إليه المزي ) .
(2) في " المستدرك " 1/514 و4/253 .
وأخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 47 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4379 ) .
والحديث ضعفه الذهبي في " تلخيص المستدرك " 1/514 و4/253 على أنَّ الحاكم لم يصححه في الموضع الأول وصححه في الموضع الثاني ، والصواب ما ذهب إليه الذهبي من ضعف الحديث .
● [ الصفحة التالية ] ●
من حديث عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً ، فعلم أنَّها مِنْ عند الله إلا كتب الله له شُكرها قبل أنْ يَشكُرَها ، وما أذنَبَ عبدٌ ذنباً ، فندم عليه إلا كتب الله له مغفرته قبل أنْ يستغفره ) .
قال أبو عمرو الشيباني : قال موسى - عليه السلام - يوم الطُّورِ : يا ربِّ ، إنْ أنا صلَّيتُ فمِنْ قِبَلِكَ ، وإنْ أنا تصدقت فمن قبلك ، وإنْ أنا بلَّغتُ رسالتَك فمن قبلك ، فكيف أشكرُكَ ؟ قال : الآن شكرتني(1) .
وعن الحسن قال : قال موسى - عليه السلام - : يا ربِّ ، كيف يستطيع آدم أنْ يؤدِّي شكرَ ما صنعت إليه ؟ خلقتَه بيدِكَ ، ونفخت فيه من رُوحِكَ ، وأسكنته جنَّتَكَ ، وأمرتَ الملائكة فسجدوا له ، فقال : يا موسى ، عَلِمَ أَنَّ ذلك مني ، فحمدني عليه ، فكان ذلك شكراً لما صنعته(2) .
وعن أبي الجلد(3) قال : قرأتُ في مسألة داود أنَّه قال : أي ربِّ كيف لي أنْ أشكُرَكَ وأنا لا أصلُ إلى شكرك إلاَّ بنعمتك ؟ قال : فأتاه الوحي : أنْ يا داود ، أليس تعلمُ أنَّ الذي بك من النِّعم مني ؟ قال : بلى يا ربِّ(4) ، قال : فإنِّي أرضى بذلك منك شكراً(5)
__________
(1) أخرجه : الخرائطي في " فضيلة الشكر " ( 39 ) .
(2) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 12 ) ، ومن طريقه أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 4427 ) .
(3) اسمه حيلان بن فروة . انظر : حلية الأولياء 6/54 .
(4) يا رب ) لم ترد في ( ص ) .
(5) أخرجه : ابن أبي شيبة في " الشكر " ( 5 ) ، وأحمد بن حَنْبل في " الزهد " ( 375 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 6/56 .
● [ الصفحة التالية ] ●
قال : وقرأتُ في مسألةِ موسى : يا ربِّ ، كيف لي أنْ أشكركَ وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي مِنْ نِعَمِكَ لا يُجازي بها عملي كله ؟ قال : فأتاه الوحيُ : أنْ يا موسى ، الآن شكرتني(1) .
وقال أبو بكر بن عبد الله : ما قال عبد قطُّ : الحمدُ لله مرَّةً ، إلاَّ وجبت عليه نعمةٌ بقوله : الحمد لله ، فما جزاء تلك النَّعمة ؟ جزاؤها أنْ يقولَ : الحمد لله ، فجاءت نعمةٌ أخرى ، فلا تنفد نعماءُ الله(2) .
وقد روى ابنُ ماجه(3) من حديث أنسٍ مرفوعاً: ( ما أنعمَ الله على عبدٍ نعمةً، فقال : الحمدُ لله ، إلاَّ كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ ) .
وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب(4) ، عن أسماء بنت يزيد مرفوعاً أيضاً .
وروي هذا عن الحسن البصري من قوله(5) .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 6 ) ، وأحمد بن حنبل في " الزهد " ( 349 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 6/56 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4415 ) .
(2) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 7 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4408 ) .
(3) في " سننه " ( 3805 ) ، وإسناده ضعيف لضعف شبيب بن بشر .
(4) لم أقف على هذه الرواية ، وشهر بن حوشب ضعيف .
(5) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 111 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4406 ).
● [ الصفحة التالية ] ●
وكتب بعضُ عمال عمر بن عبد العزيز إليه : إني بأرضٍ قد كثُرَت فيها النِّعم، حتى لقد أشفقتُ على أهلها مِنْ ضعفِ الشُّكر ، فكتب إليه عُمَرُ : إنِّي قد كنتُ أراك أعلم بالله ممَّا أنتَ ، إنَّ الله لم يُنعم على عبدٍ نعمةً ، فحمِدَ الله عليها ، إلاَّ كان حمدُه أفضلَ من نِعَمِه ، لو كنتَ لا تعرف ذلك إلاَّ في كتاب الله المنزل ، قال الله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } (1) ، وقال تعالى : { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءوهَا } إلى قوله : { وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ } (2) وأيّ نعمة أفضلُ من دخول الجنَّة(3) ؟
وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا في " كتاب الشكر "(4) عن بعض العُلماء أنَّه صوَّب هذا القولَ : أعني قولَ من قال : إنَّ الحمدَ أفضلُ من النِّعم ، وعن ابن عُيينة أنَّه خطَّأ قائلَه ، قال : ولا يكون فعلُ العبدِ أفضلَ من فعلِ الربِّ - عز وجل -(5).
__________
(1) النمل : 15 .
(2) الزمر : 73 – 74 .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 5/293 .
(4) الشكر ( 11 ) عن الحسن .
وأخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 4586 ) .
(5) ذكره : المناوي في " فيض القدير " 5/547 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ولكن الصواب قول من صوَّبه ، فإنَّ المرادَ بالنعم : النعم الدنيوية ، كالعافية والرِّزق والصِّحَّة ، ودفع المكروه ، ونحو ذلك ، والحمد هو مِنَ النِّعم الدينية ، وكلاهما نعمةٌ مِنَ اللهِ ، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده ، فإنَّ النعم الدنيوية إنْ لم يقترن بها الشُّكرُ ، كانت بليةً كما قال أبو حازم : كلُّ نعمةٍ لا تقرِّبُ مِنَ الله فهي بليَّةٌ(1) ، فإذا وفَّقَ الله عبدَه للشكر على نعمه الدنيوية بالحمدِ أو غيره من أنواع الشكر ، كانت هذه النعمةُ خيراً من تلك النعم وأحبَّ إلى الله - عز وجل - منها ، فإنَّ الله يُحِبُّ المحامدَ ، ويرضى عن عبدِه أنْ يأكلَ الأكلة ، فيحمده عليها ، ويشرب الشربة ، فيحمَده عليها ، والثناء بالنِّعم والحمدُ عليها وشكرُها عندَ أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم ، فهم يبذلُونَها طلباً للثناء ، والله - عز وجل - أكرمُ الأكرمين ، وأجودُ الأجودين ، فهو يَبذُلُ نِعَمَهُ(2) لعباده ، ويطلب منهم الثناءَ بها ، وذكرها ، والحمد عليها ، ويرضى منهم بذلك شكراً عليها ، وإنْ كان ذلك كلُّه من فضله عليهم ، وهو غيرُ محتاجٍ إلى شكرهم ، لكنَّه يُحِبُّ ذلك من عباده ، حيث كان صلاحُ العبدِ وفلاحُه وكماله فيه . ومِن فضله أنَّه نسب الحمدَ والشُّكر إليهم ، وإنْ كان من أعظم نِعَمِه عليهم ، وهذا كما أنَّه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ، ثم استقرض منهم بعضَهُ ، ومدحهم بإعطائه ، والكلُّ ملكُه ، ومِنْ فضله ، ولكن كرمه اقتضى ذلك ، ومِنْ هُنا يُعلم معنى الأثرِ الذي جاء مرفوعاً(3)
__________
(1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 20 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 3/320 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4537 ) ، وابن الجوزي في " صفة الصفوة " 2/92 .
(2) نعمه ) لم ترد في ( ص ) .
(3) ذكره المنذري بصيغة التمريض في " الترغيب والترهيب " ( 2334 ) عن ابن عمر ، به مرفوعاً ، وقال : ( رواه البخاري في الضعفاء ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وموقوفاً(1) : ( الحمد لله حمداً يُوافي نعمَه ، ويكافئُ مزيده ) .
ولنرجع الآن إلى تفسير حديث : ( كلُّ سُلامى مِنَ النَّاس عليه صدقة كُلَّ يوم تطلع فيه الشَّمسُ ) .
يعني : أنَّ الصَّدقةَ على ابنِ آدمَ عن هذه الأعضاء في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ الدُّنيا ، فإنَّ اليوم قد يُعَبَّرُ به عن مدَّةٍ أزيدَ مِنْ ذلك ، كما يقال : يوم صِفِّين ، وكان مدَّةَ أيَّام، وعن مطلق الوقت كما في قوله : { أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } (2). وقد يكون ذلك ليلاً ونهاراً ، فإذا قيل : كلَّ يوم تطلعُ فيه الشمس ، علم أنَّ هذه الصدقة على ابن آدم في كلِّ يوم يعيشُ فيه من أيام الدُّنيا ، وظاهرُ الحديث يدلُّ على أنَّ هذا الشُّكر بهذه الصَّدقة واجبٌ على المسلم كلَّ يوم ، ولكن الشُّكر على درجتين :
__________
(1) أخرجه : أبو الشيخ الأصبهاني في " العظمة " ( 1053 ) من طريق أبي صالح ، به .
(2) هود : 8 .
● [ الصفحة التالية ] ●
إحداهما : واجب ، وهو أنْ يأتي بالواجبات ، ويجتنب المحارم، فهذا لابدَّ منه، ويكفي في شكر هذه النِّعم ، ويدلُّ على ذلك ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي الأسود الدِّيلي ، قال : كنا عند أبي ذرٍّ ، فقال : يُصبح على كُلِّ سُلامى مِنْ أحدكم في كُلِّ يومٍ صدقة ، فله بكلِّ صلاة صدقةٌ ، وصيام صدقة ، وحجٍّ صدقة ، وتسبيح صدقة ، وتكبير صدقة ، وتحميد صدقة ، فعدَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هذه الأعمال الصالحات قال : ( يجزئ أحدكم مِنْ ذلك ركعتا الضحى )(1) وقد تقدَّم في حديث أبي موسى(2) المخرَّج في " الصحيحين " : ( فإنْ لم يفعل ، فليمسك عَنِ الشَّرِّ ، فإنَّه له صدقة ) . وهذا يدلُّ على أنَّه يكفيه أنْ لا يفعل شيئاً من الشرِّ ، وإنَّما يكون مجتنباً للشرِّ إذا قام بالفرائض ، واجتنبَ المحارمَ ، فإنَّ أعظمَ الشرِّ تركُ الفرائض ، ومن هنا قال بعضُ السَّلف : الشُّكرُ ترك المعاصي(3) . وقال بعضهم : الشُّكرُ أنْ لا يُستعانَ بشيءٍ مِنَ النِّعَمِ على معصية(4).
وذكر أبو حازمٍ الزاهد شُكْرَ الجوارح كُلِّها ، وأنْ تُكفَّ عن المعاصي وتُستعمل في الطاعات ، ثم قال : وأمَّا من شكر بلسانه ، ولم يشكر بجميع أعضائه ، فمثله كمثل رجل له كِساءٌ ، فأخذ بطرفه ، فلم يلبسه ، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر(5) .
__________
(1) تقدم تخريجه .
(2) تقدم تخريجه .
(3) أخرجه : أبن أبي الدنيا في " الشكر " ( 19 ) عن مخلد بن الحسين .
وأخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 4547 ) عن محمد بن لوط .
(4) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 6045 ) عن الجنيد بلفظ : ( الشكر أن لا يعصى الله فيما أنعم به ) .
(5) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 129 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 3/246 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4564 ).


اسرة التحرير
Admin

عدد المساهمات : 3011
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

تابع شرح الحديث السادس والعشرون

مُساهمة من طرف اسرة التحرير في الجمعة يناير 11, 2019 2:37 pm

● [ الصفحة التالية ] ●

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لينظر العبدُ في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصرِه ويديه ورجليه وغير ذلك ، ليس من هذا شيءٌ إلاَّ وفيه نعمةٌ من الله - عز وجل - ، حقٌّ على العبد أنْ يعملَ بالنِّعم التي في بدنه لله - عز وجل - في طاعته ، ونعمة أخرى في الرزق ، حق عليه أنْ يعمل لله - عز وجل - فيما أنعم عليه مِنَ الرِّزق في طاعته ، فمن عمل بهذا ، كان قد أخذ بحزم الشُّكر وأصله وفرعه(1) . ورأى الحسن رجلاً يتبختر في مشيته ، فقال : للهِ في كُلِّ عُضوٍ منه نعمة ، اللهمَّ لا تجعلنا ممن يتقوَّى بنعمك على معصيتك .
الدرجة الثانية من الشكر : الشكر المستحبُّ ، وهو أنْ يعملَ العبدُ بعد أداءِ الفرائض ، واجتنابِ المحارم بنوافل الطَّاعات ، وهذه درجةُ السَّابقين المقرَّبين ، وهي التي أرشد إليها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث التي سبق ذكرُها ، وكذلك كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في الصَّلاة ، ويقوم حتَّى تتفطَّر قدماه ، فإذا قيل له : أتفعلُ هذا وقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : ( أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ )(2) .
وقال بعضُ السَّلف : لما قال الله - عز وجل - : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً } (3) ، لم يأتِ عليهم ساعةٌ من ليلٍ أو نهارٍ إلاَّ وفيهم مصلٍّ يُصلي(4) .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 188 ) .
(2) أخرجه : البخاري 2/63 ( 1130 ) و6/169 ( 4836 ) ، ومسلم 8/140 ( 2819 ) ( 79 ) و(80 ) .
(3) سبأ : 13 .
(4) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الشكر " ( 74 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4524 ) عن مسعر بن كدام .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهذا مع أنَّ بعضَ هذه الأعمال التي ذكرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - واجبٌ : إمَّا على الأعيان، كالمشي إلى الصلاة عندَ من يرى وجوبَ الصَّلاة في الجماعات في المساجد، وإما على الكفاية ، كالأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر ، وإغاثة الملهوف ، والعدلِ بينَ الناسِ ، إمَّا في الحكم بينهم ، أو في الإصلاح . وقد روي من حديث عبد الله بن عمرو ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أفضلُ الصَّدقةِ إصلاحُ ذات البين )(1) .
وهذه الأنواع التي أشار إليها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الصدقة ، منها ما نفعُهُ متعدٍّ كالإصلاح ، وإعانةِ الرَّجُلِ على دابته يحمله عليها أو يرفع متاعه عليها ، والكلمة الطيبة ، ويدخل فيها السلام ، وتشميتُ العاطس ، وإزالة الأذى عن الطَّريق ، والأمر بالمعروف ، والنَّهيُ عن المنكرِ ، ودفنُ النُّخامة في المسجد ، وإعانة ذي الحاجة الملهوف ، وإسماع الأصمّ ، والبصر للمنقوص بصره ، وهداية الأعمى أو غيره الطريق . وجاء في بعض روايات حديثِ أبي ذرٍّ : ( وبيانك عن الأَرتم صدقة ) يعني : من لا يُطيق الكلام(2) ، إمَّا لآفةٍ في لسانه ، أو لِعُجْمة في لغته ، فيُبَيِّنُ عنه ما يحتاج إلى بيانه .
__________
(1) أخرجه : عبد بن حميد ( 335 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 2059 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 1280 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 11092 ) ، وهو حديث ضعيف لضعف عبد الرحمان بن زياد الإفريقي ، وهو يروي هنا عن شيخ مجهول .
(2) انظر : لسان العرب 5/133 ( رتم ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنه ما هو قاصرُ النَّفع : كالتَّسبيحِ ، والتَّكبير ، والتَّحميد ، والتَّهليل ، والمشي إلى الصَّلاةِ ، وصلاة ركعتي الضُّحى ، وإنَّما كانتا مجزئتين عن ذلك كلِّه ؛ لأنَّ في الصَّلاة استعمالاً للأعضاء كلِّها في الطَّاعة والعبادة ، فتكون كافيةً في شكر نعمه سلامة(1) هذه الأعضاء . وبقية هذه الخصال المذكورة أكثرُها استعمالٌ لبعض أعضاء البدن خاصَّةً ، فلا تكمُلُ الصدقة بها حتَّى يأتيَ منها بعدد سُلامى البدن ، وهي ثلاث مئة وستون كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - .
وفي " المسند "(2) عن ابنِ مسعود ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أتدرون أيُّ الصَّدقة أفضلُ وخير ؟ ) قالوا : الله ورسولُه أعلمُ . قال : ( المِنحة : أنْ تمنح أخاك الدَّراهم ، أو ظهرَ الدابَّةِ ، أو لبنَ الشَّاةِ أو لبنَ البقرة ) . والمراد بمنحة الدراهم : قرضُها ، وبمنحة ظهر الدَّابةِ إفقارها ، وهو إعارتها لمن يركبُها ، وبمنحة لبن الشاة أو البقرة أنْ يمنحه بقرةً أو شاةً ليشربَ لبنها ثمَّ يعيدها إليه ، وإذا أطلقت المنيحةُ ، لم تنصرِفْ إلاَّ إلى هذا .
وخرَّج الإمام أحمد(3) والترمذي(4) من حديث البراء بن عازبٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال : ( من منح منيحة لبن ، أو وَرِقٍ ، أو هدى زُقاقاً ، كان له مثلُ عِتْقِ رقبةٍ ) وقال الترمذي : معنى قوله : ( من منح منيحة وَرِق ) إنَّما يعني به قرض الدراهم ، وقوله : ( أو هدى زقاقاً ) إنَّما يعني به هداية الطريق ، وهو إرشادُ السبيل .
__________
(1) عبارة : ( نعمه سلامة ) لم ترد في ( ص ) .
(2) 1/463 ، وإسناده ضعيف لضعف إبراهيم الهجري .
(3) في " المسند " 4/285 و286 و296 و300 و304 .
(4) في " جامعه " ( 1957 ) ، وقال : ( حسن صحيح ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج البخاري(1) من حديث حسّان بن عطية ، عن أبي كبشةَ السَّلولي ، قال : سمعتُ عبد الله بنَ عمرٍو يقول : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أربعون خَصلةً ، أعلاها منيحة(2) العنْز(3) ، ما مِنْ عاملٍ يعملُ بخصلةٍ منها رجاءَ ثوابها ، وتصديقَ
موعودها ، إلاَّ أدخله الله بها الجنة ) . قال حسان : فعددنا ما دونَ منيحة العنْزِ من ردِّ السَّلام ، وتشميت العاطس ، وإماطة الأذى عن الطَّريق ونحوه ، فما استَطعنا أنْ نبلُغَ خمس عشرة خصلة .
وفي " صحيح مسلم "(4) عن جابر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( حقُّ الإبل حلبُها على الماء ، وإعارةُ دلوها ، وإعارةُ فحلها ، ومنيحتها ، وحملٌ عليها في سبيل الله ) .
وخرَّج الإمامُ أحمد(5) من حديث جابر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( كلُّ معروفٍ صدقةٌ ، ومِنَ المعروف أنْ تلقَى أخاكَ بوجهٍ طلقٍ ، وأنْ تُفرِغَ من دلوك في إنائه ) . وخرَّجه الحاكم(6)
__________
(1) في " صحيحه " 3/217 ( 2631 ) .
(2) قال ابن حجر : ( والمنيحة بالنون المهملة وزن عطية هي في الأصل العطية ، قال أبو عبيد : المنيحة عند العرب على وجهين أحدهما : أنْ يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له ، والآخر : أنْ يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحليبها ووبرها زماناً ثم يردها ) . انظر : فتح الباري 5/299 .
(3) قال ابن حجر : ( بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي معروفة وهي واحدة المعز ) . انظر : فتح الباري 5/301 .
(4) الصحيح 3/74 ( 988 ) ( 28 ) .
(5) في " مسنده " 3/344 و360 ، وإسناده ضعيف لضعف المنكدر بن محمد بن المنكدر لكن للحديث شواهد يتقوى بها ، والله أعلم .
(6) في " المستدرك " 2/50 .
وأخرجه : أبو يعلى ( 2040 ) ، والدارقطني في " سننه " ( 2872 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 94 ) ، والبيهقي 10/242 ، ورواية الحاكم في سندها عبد الحميد بن الحسن الهلالي ضعيف ، وتوبع في بعض المصادر بمن هو مثله من الضعفاء .
● [ الصفحة التالية ] ●
وغيره بزيادة ، وهي : ( وما أنفق المرءُ على نفسه وأهلِه ، كُتِبَ له به صدقةٌ ، وما وقى به عرضَه كُتِبَ له به صدقة ، وكُلُّ نفقةٍ أنفقها مؤمن ، فعلى الله خَلَفُها ضامن إلاَّ نفقةً في معصيةٍ أو بنيانٍ ) .
وفي " المسند "(1) عن أبي جُري الهُجيمي، قال : سألتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ المعروف، فقال : ( لا تَحقِرنَّ من المعروف شيئاً ، ولو أنْ تُعْطيَ صِلةَ الحبلِ ، ولو أنْ تُعطي شِسْعَ النَّعلِ ، ولو أنْ تُفرِغَ من دلوكَ في إناء المستسقي ، ولو أنْ تُنَحِّي الشَّيءَ مِنْ طريق النَّاسِ يؤذيهم ، ولو أنْ تلقى أخاكَ ووجهُك إليه منطلق ، ولو أنْ تلقى أخاك فتسلِّمَ عليه ، ولو أنْ تُؤْنِسَ الوحشان في الأرض ) .
ومِنْ أنواع الصَّدقة : كفُّ الأذى عن النَّاس باليد واللسان ، كما في " الصحيحين " عن أبي ذرٍّ(2) ، قلتُ : يا رسولَ الله ، أيُّ الأعمال أفضل ؟ قالَ: ( الإيمانُ بالله ، والجهاد في سبيله ) قلتُ : فإنْ لم أفعل ؟ قال : ( تُعين صانعاً ، أو تصنع لأخرق(3) ) ، قلت : أرأيت إنْ ضعُفت عن بعضِ العمل ؟ قال : ( تكفُّ شرَّكَ عن النَّاسِ ، فإنها صدقة ) .
وفي " صحيح ابن حبان "(4)
__________
(1) المسند 3/482 و4/65 ، وهو حديث صحيح .
(2) أخرجه : البخاري 3/188 – 189 ( 2518 ) ، ومسلم 1/61 (84 ) ( 136 ).
(3) الأخرق الذي لا صنعة له . انظر : شرح السنة عقيب حديث ( 2418 ) .
(4) الإحسان ( 373 ) .
وأخرجه : البزار كما في " كشف الأستار " ( 941 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 1650 ) ، والحاكم 1/63 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 3327 ) ، وجميع أسانيده ضعيفة .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن أبي ذرٍّ قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، دُلَّني على عملٍ ، إذا عملَ به العبدُ دخلَ به الجنَّةَ ، قال : ( يُؤمِنُ بالله ) قلت : يا رسولَ الله ، إنَّ مع الإيمان عملاً ؟ قالَ : ( يرضخُ(1) ممَّا رزقه الله ) ، قلت : وإنْ كانَ معدماً لا شيء لهُ ؟ قالَ : ( يقول معروفاً بلسانه ) ، قلتُ : فإنْ كانَ عيياً لا يُبلغُ عنه لسانُه ؟ قال : ( فيُعين مغلوباً ) ، قلت : فإنْ كان ضعيفاً لا قُدرةَ له ؟ قال : ( فليصنع لأخرق ) ، قلت : فإنْ كان أخرقَ ؟ فالتفت إليَّ ، فقال : ( ما تريدُ أنْ تدعَ في صاحبك شيئاً مِنَ الخيرِ ؟ فليدع النَّاس من أذاه ) ، قلتُ : يا رسول الله ، إنَّ هذا كلَّه ليسيرٌ ، قال : ( والذي نفسي بيده ، ما مِنْ عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يُريد بها ما عندَ الله ، إلا أَخذت بيده يومَ القيامة حتى يدخل الجنَّة ) .
فاشترط في هذا الحديث لهذه الأعمال كلِّها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي فيه ذكر الأربعين خصلةً(2) ، وهذا كما في قوله - عز وجل - : { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } (3). وقد رُوي عن الحسن ، وابن سيرين أنَّ فعلَ المعروف يُؤجَرُ عليه ، وإنْ لم يكن له فيه نيّة . سئل الحسنُ عن الرَّجلِ يسألُه آخَرُ حاجةً وهو يُبغِضُهُ ، فيُعطيه حياءً : هل له فيه أجر ؟ فقال : إنَّ ذلك لمن المعروف ، وإنَّ في المعروف لأجراً . خرَّجه حميدُ بنُ زنجويه .
__________
(1) الرَّضخُ : العطية القليلة . انظر : النهاية 2/228 .
(2) سبق تخريجه .
(3) النساء : 114 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وسُئِلَ ابنُ سيربن عن الرجل يتبع الجنازة ، لا يتبعها حسبةً ، يتبعها حياءً من أهلها : أله في ذلك أجرٌ ؟ فقالَ : أجرٌ واحد ؟ بل لهُ أجران : أجرٌ لِصلاته على أخيه ، وأجرٌ لصلته الحيّ . خرَّجه أبو نعيم في " الحلية "(1) .
ومن أنواع الصدقة : أداءُ حقوق المسلم على المسلم ، وبعضُها مذكورٌ في الأحاديث الماضية ، ففي " الصحيحين "(2) عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( حقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ ، ردُّ السَّلامِ ، وعيادةُ المريض ، واتِّباعُ الجنائز ، وإجابةُ الدَّعوة ، وتشميتُ العاطس ) وفي روايةٍ لمسلم(3) : ( للمسلم على المسلم سِتٌّ ) ، قيل : ما هُنَّ يا رسول الله ؟ قال : ( إذا لقيته تُسلِّمُ عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك ، فانصح له ، وإذا عطس فَحَمِدَ الله ، فشمِّته ، وإذا مَرِضَ فعُدْهُ ، وإذا مات فاتَّبعه ) .
وفي " الصحيحين "(4) عن البراء قال : أمرنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع : بعيادةِ المريض واتِّباع الجنازة ، وتَشميتِ العاطس ، وإبرارِ القسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الداعي ، وإفشاء السلام . وفي روايةٍ لمسلم(5) : وإرشاد الضال ، بدل إبرار القسم .
ومن أنواع الصَّدقة : المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم ، قال ابن عباس : من مشى بحقِّ أخيه إليه ليقضيه ، فله بكلِّ خطوة صدقة(6) .
__________
(1) الحلية 2/264 .
(2) أخرجه : البخاري 2/90 ( 1240 ) ، ومسلم 7/3 ( 2162 ) ( 4 ) .
(3) في " صحيحه " 7/2 ( 2162 ) ( 5 ) .
(4) صحيح البخاري 2/90 ( 1239 ) و3/168 ( 2445 ) ، وصحيح مسلم 6/134
( 2066 ) ( 3 ) .
(5) في " صحيحه " 6/134 ( 2066 ) ( 3 ) .
(6) أخرجه : المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 823 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنها : إنظارُ المعسر ، وفي " المسند "(1) و" سنن ابن ماجه "(2) عن بُريدة مرفوعاً : ( من أنظرَ معسراً ، فله بكلِّ يوم صدقة قبل أنْ يَحُلَّ الدَّيْنُ ، فإذا حلَّ الدين ، فأنظره بعد ذلك ، فله بكلِّ يوم مثله صدقة ) .
ومنها : الإحسّان إلى البهائم ، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما سُئِلَ عن سقيها ، فقال : ( في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجر )(3) ، وأخبر أنَّ بغيّاً سقت كلباً يلهثُ مِن العطش ، فغفر لها(4).
وأمَّا الصَّدقة القاصرةُ على نفس العامل بها ، فمثل أنواع الذكر مِن التَّسبيح ، والتكبير ، والتحميد ، والتهليل ، والاستغفار ، والصلاة على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك تلاوةُ القرآن ، والمشي إلى المساجد ، والجلوسُ فيها لانتظار الصلاة ، أو لاستماع الذكر .
ومن ذلك : التَّواضعُ في اللِّباس ، والمشي ، والهدي ، والتبذل في المهنة ، واكتساب الحلال ، والتحرِّي فيه .
__________
(1) المسند 5/351 و360 والحديث صحيح .
(2) السنن ( 2418 ) .
(3) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 2688 ) برواية يحيى الليثي ، وأحمد 2/375 و517 ، والبخاري 3/146 - 147 ( 2363 ) و3/173 - 174 ( 2466 )، و8/11 ( 6009 ) وفي " الأدب المفرد " ، له ( 378 ) ، ومسلم 7/43 ( 2244 ) ( 153 ) ، وأبو داود
( 2550 ) ، وأبو عوانة 3/365 و366 ، وابن حبان ( 544 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 113 ) ، والبيهقي 4/185 – 186 و8/14 ، والبغوي ( 384 ).
(4) أخرجه : أحمد 2/507 و510 ، والبخاري 4/158 ( 3321 )، ومسلم 7/43 ( 2245 ) ( 154 ) و( 155 ) ، وأبو يعلى ( 6035 ) و( 6044 ) ، وابن حبان ( 386 ) ، والبيهقي 8/14 ، والبغوي ( 1666 ) من حديث أبي هريرة ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنها أيضاً : محاسبةُ النفس على ما سلف من أعمالها ، والندم والتوبة من الذنوب السالفة ، والحزن عليها ، واحتقار النفس ، والازدراء عليها ، ومقتها في الله - عز وجل - ، والبكاء من خشية الله تعالى ، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض ، وفي أمور الآخرة ، وما فيها مِنَ الوعد والوعيد ونحوِ ذلك مما يزيد الإيمانَ في القلب ، وينشأ عنه كثيرٌ من أعمال القلوب ، كالخشية ، والمحبَّةِ ، والرَّجاء ، والتوكُّل ، وغير ذَلِكَ . وقد قيل : إنَّ هذا التفكُّر أفضلُ من نوافل الأعمال البدنية ، روي ذَلِكَ عن غير واحد من التَّابعين ، منهم : سعيدُ بن المسيب(1) ، والحسن(2) ، وعمر بن عبد العزيز ، وفي كلام الإمام أحمد ما يدلُّ عليهِ . وقال كعب : لأنْ أبكي من خشية الله أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّق بوزني ذهباً(3) .
__________
(1) انظر : الطبقات لابن سعد 5/102 ، وحلية الأولياء لأبي نعيم 2/161 – 162 ، والزهد الكبير للبيهقي ( 830 ) .
(2) انظر : الزهد لهناد ( 945 ) ، وحلية الأولياء لأبي نعيم 2/134 .
(3) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 35544 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 5/366 ، وابن الجوزي في " صفة الصفوة " 4/138 ، والمزي في " تهذيب الكمال " 6/170 ( 5569 ) .
● [ تم شرح الحديث ] ●


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يناير 18, 2019 7:42 pm