بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الباب الأول
ما جاء في أوله ألف أصلية أو مجتلبة
المجموعة الثالثة

المثل المضروب
أفرخ روعك
تفسير هذا المثل
أي زال ما كنت تخاف منه. وقال ابن الأنباري: أول من قاله معاوية، وذلك خطاً. وأول من قاله النبي صلى الله عليه وسلم؛ أخبرنا أبو أحمد، عن ابن الأنباري، عن أبي العباس، قال: ولى معاوية زياداً البصرة، واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، فلم يلبث أن مات المغيرة، فتخوف زياد أن يستعمل مكانه عبد الله بن عامر، فكتب إليه يشير عليه باستعمال الضحاك بن قيس، وكتب إليه معاوية: " أفرخ روعك "، قد ضممناها إليك، فقال زياد: " النبع يقرع بعضه بعضاً ". فذهبت كلمتاهما مثلين.
والروع: الفزع، وهذا وهم على ما ذكرناه، والصحيح ما أخبرنا به أبو أحمد قال: حدثنا عبد الوهاب بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي، قال: حدثنا خلف بن خليفة عن أبي يزيد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس، قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بجمع قبل أن يصلي الغداة، فقلت: يا نبي الله، قد طويت الجبلين، ولقيت شدة. فقال: " أفرخ روعك، من أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك " يعني الحج. أفرخ روعك، أي زال ما كنت ترتاع له وتخاف، وأصله خروج الفرخ من البيضة، وانكشاف الغم عنه. قال ذو الرمة:
جذلان قد أفرخت عن روعة الكرب
والروع في بيت ذي الرمة مضموم الراء، وهو الخلد.

المثل المضروب
أخذنا في الدوس
تفسير هذا المثل
قال الأصمعي: يريد تسوية الخديعة وتزيينها، من قولك: داس السيف يدوسه إذا صقله، والحجر الذي به يصقل به مدوس.
وأخذنا في التزكين أي التشبيه، وزكن عليه وزكم إذا شبه، وكذلك الظن، وما يضمر الإنسان يجري هذا المجرى، وقد زكن الرجل وزكن بالتشديد. وأنشد:
يا أيهذا الكامش المزكن * أعلن بما تخفي فإني معلن
وقال آخر:
زكنت من أمرهم مثل الذي زكنوا

المثل المضروب
احذر الصبيان لا تصبك بأعقائها
تفسير هذا المثل
يقال ذلك في التحذير من صحبة من يعيبك من الوضعاء والأدنياء. وصحبة الدنيء تضع الشرف، وتقصر الهمة. وتخمد الذكر، وتفسد الجاه، ومثل الشريف يخالط الدنيء مثل المسك تخلطه بالرماد فيأتي على جميع محاسنه، ويهلك سائر مفاخره، قلت في شريف خالط قوماً أدنياء:
أراك تلففت في جيفة * فلم يجد أنك من عنبر
والأعقاء: جمع عقي، وهو الذي يخرج من الصبي ساعة يولد. والعقي بالفتح المصدر. وفي هذا المعنى قولهم: صديق السوء كالقين، إن لم يحرقك بناره يؤذك بدخانه.

المثل المضروب
أعور عينك والحجر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للمتمادي في المكروه، والمشفي منه على الهلكة، فيقال له: أبق على نفسك من أن يصيبك بتماديك ما يصيب الأعور إذا فقئت عينه الصحيحة، فيبقى بلا بصر، وكما أن الأعور بالحذر على عينه فإنك أحق بمراجعة الحسنى لمقاربتك العطب.
وروي أن أبا سفيان بن حرب ذهبت إحدى عينيه، ثم أصاب الأخرى حجر، فقال: أمسينا وأمسى الملك لله.
وقال الأصمعي: أصل هذا المثل أن غراباً وقع على دبرة ناقة، فكره صاحبها أن يرميه، فتثور الناقة، وكره أن يتركه فيدمي الدبرة، فجعل يشير إليه بالحجر ويقول: " أعور عينك والحجر ".
ويقال للغراب: الأعور؛ لحدة بصره، كما قيل للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض: أبو الجون، وللملدوغ: السليم؛ ثم استعمل المثل في المعنى الذي تقدم، والحجر والعين منصوبان على الإغراء.

المثل المضروب
اتخذ الليل جملا
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يجد في طلب الحاجة، يقال: شمر ذيلا وادرع ليلا. هكذا قال بعضهم، وقال آخرون: معناه: ركب الليل في حاجته، ولم ينم حتى نالها.
وهو من أمثال أكثم بن صيفي، وأخذه أبو تمام فقال:
جعل الدجى جملا وودع راضياً * بالهون يتخذ القعود قعوداً
وقال أكثم أيضاً: " ادرعوا الليل، فإن الليل أخفى للويل ". فأخذه الشاعر، فقال:
لا تلق إلا بليل من تواصله * فالشمس نمامة والليل قواد
وقلت:
وإنما النجح في ليل ترادفه * إذا تأوب أو صبح تواكبه
وساهر الليل في الحاجات نائمه * وواهب المال عند المجد كاسبه
وقيل: من كثر نومه اشتد فقره، والصبحة مبخرة معجزة مجفرة، والصبحة: نوم الغداة، وقال النابغة الجعدي:
وما طالب الحاجات في كل وجهة * من الناس إلا من أجد وشمرا
فلا تـرض مـن عـيش بـدون ولا تـنـم * وكيف ينام الليل من بات معسرا
وقال رجل لبقراط: كيف جمعت هذا العلم الكثير، قال: إني أنفدت من الزيت مثلما شربت من الماء.
المجفرة: المصدة عن النكاح، يقال: جفر الفحل، إذا انصرف عن الإبل ولم يضربها.

المثل المضروب
أجر الأمور على أذلاها
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرفق بالأمر وحسن التدبير له؛ ومعناه: أجرها على وجوهها ومجاريها. وواحد الأذلال: ذل، وهو ضد الصعوبة.
والمعنى: أنك إذا أجريت الأمر على وجهه لم يصعب عليك اطراده. ونحوه قول الله تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها)، ونحوه قول قيس بن الخطيم:
إذا ما أتيت العز من غير بابه * ضللت وإن تقصد من الباب تهتد

المثل المضروب
ارض من المركوب بالتعلق
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرضا بدون الحاجة، أي ارض من الأمر بدون تمامه، ومن العيش بدون الكفاف، يحثه على القناعة.
وأصله في الركوب، يقال للرجل: تعلق بعقبة تركبها، والعقبة أن يركب قليلا، ثم ينزل فيركب صاحبه، وقد اعتقب القوم رواحلهم.
ومن أجود ما جاء في القناعة والرضا بدون الحاجة قول أبي العتاهية:
أنت محتاج فقير أبداً * دون أن ترضى بأدنى ما لديك
وذم بعضهم القناعة فقال: هي خلق البهائم، إنها إذا وجدت أكلت، وإن لم تجد باتت على خسف، وأنشد:
ولا يقيم على ضيم يسام به * إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد
وقلت في هذا النحو:
سأستعطف الأيام حتى تردني * إلى جانب منها يلين ويسهل
وأقنع لا أن القناعة لي هوى * ولكن صون العرض بالحر أجمل

المثل المضروب
اصنعه صنعة من طب لن حب
تفسير هذا المثل
يقال ذلك لن يلتمس منه النيقة في الشيء، أي اصنعه صنعة حاذق لمن يحبه. وطببت يا رجل وطببت، أي حذقت. وحب مثل " أحب " وجعلوا الفاعل من " أحب "، فقالوا: هو محب والمفعول به من " حب "، فقالوا: هو محبوب. هذا هو الأكثر، وربما قالوا: محب، كما قال عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره * منى بمنزلة المحب المكرم
وقال الفرزدق:
وقد علموا أني أطب وأعرف
وفحل طب، إذا كان بصيراً بالضراب، لا يدع حائلا، ولا يقرب لاقحاً. والطب: السحر، والمطبوب: المسحور، والطب أيضاً: الداء. قال الشاعر:
وما إن صبنا جبن ولكن * مناياناً ودولة آخرينا
وأنشد أبو تمام:
وما إن طبها إلا اللغوب
أي ما بها داء إلا الإعياء.

المثل المضروب
أتبع الفرس لجامها
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل قضى الحاجة ولم يتمها. يقول: جدت بالفرس، واللجام أيسر خطباًً، ولا غناء بالفرس دونه، فإذا منعته فكأنك لم تجد بالفرس.
والمثل لعمرو بن ثعلبة من كلب، وكان ضرار بن عمرو الضبي أغار على كلب، فساق في الغنيمة سلمى بنت وائل وكانت أمة لعمرو بن ثعلبة، وهي أم النعمان بن المنذر ومعها أمها وأختاها، فسأله عمرو ردهن، فردهن غير سلمى وكانت أعجبته فقال عمرو: " أتبع الفرس لجامها " فردها فسارت الكلمة مثلا.
وأخذه البحتري، فقال يصف فرساً:
ترى أحجاله يصعدن فيه * صعود البرق في الغيم الجهام
وما حسن بأن تهديه فذا * سليب السرج منزوع اللجام
فأتمم ما مننت به وأنعم * فما المعروف إلا بالتمام
وقال في موضع آخر:
والطرف أجلب زائر لمؤونة * ما لم تزره بسرجه ولجامه
وأخذ هذا المعنى من أبي العيناء.

المثل المضروب
أوردها سعد وسعد مشتمل
أهون السقي التشريع
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لإدراك الحاجة بلا تعب ولا مشقة، يعني أنه أورد إبله شريعة الماء، فشربت، واشتمل هو بكسائه ونام، ولم يوردها بئراً فيحتاج إلى الاستقاء لها. وهو مثل قولهم: " أهون السقي التشريع " أي إيراد الإبل الشريعة هكذا فسره بعضهم، والصحيح أنه يضرب مثلا للرجل يقصر في الأمر إيثار للراحة على المشقة، والدليل على ذلك قوله:
ما هكذا تورد يا سعد الإبل
أي ما هكذا يكون القيام في الأمور.
والمثل لمالك بن زيد مناة بن تميم، ورأى أخاه سعداً أورد إبله، ولم يحسن القيام عليها، فقال ذلك، وكان مالك آبل أهل زمانه على حمقه، وسنذكر قصته على التمام بعد إن شاء الله.
وخرج قوم في خلافة علي رضى الله عنه سفراً، فقتلوا بعضهم، فلما رجعوا طالبهم علي رضي الله عنه، وأمر شريحاً بالنظر في أمرهم، فحكم بإقامة البينة، فقال علي رضى الله عنه:
أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل
أراد أنه قصر ولم يستقص، كتقصير صاحب الإبل في تركها، واشتماله وبومه. ثم فرق بينهم، وسألهم واحداً واحداً، فاختلفوا عليه، فلم يزل يبحث حتى أقروا، فقتلهم، وذلك أول ما فرق بين الخصوم.

المثل المضروب
آخرها أقلها شرباً
تفسير هذا المثل
يحث به على التقدم في الامر؛ وأصله في سقي الابل، وذلك أن المتأخر عن الورد ربما جاء وقد مضى الناس بعفو الماء، وصادف منه نفاداً، ولا يكون تأخير الورد عندهم إلا من ذل أو عجز. ومن ذلك قول النجاشي:
إذا الله عادى أهل لؤم ودقة * فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية * إذا صدر الوارد عن كل منهل
وقال آخر يصف إبلا رأى أهل الماء سماتها فعرفوا شرف أربابها، فخلى الورد لها:
قد سقيت آبا لهم بالنار * والنار قد تشفي من الاوار
والنار: السمة، سميت بذلك لانها بالنار تكون سماتها.
وقال بعض اللصوص، وقد ساق إبلا إلى سوق ليبيعها:
تسألني الباعة أين نارها * إذ زعزعوها فسمت أبصارها
كل نجار إبل نجارها * وكل دار لاناس دارها
وكـل نـار الـعـالـمـين نـــارهـــا
وقال الشاعر في الحث على التقدم في الامور:
إذا ضيعت أول كل أمر * أبت أعجازه إلا التواء
وإن سومت أمرك كل وغد * ضعيف كان أمركما سواء
وإن داويت ديناً بالتناسي * وبالليان أخطأت الدواء
وقلت:
ركوب لأعناق الأمور ولم يكن * يدب على أعجازها متقفرا
إذا أدبر المطلوب عنك فـخـلـه * فإن عناء أن تحاول مدبرا
ومما يجري مع ذلك قول برج بن مسهر:
متى كان أمر الحي يوسي بحندج * وقيس بن جزء شرده دهرك آخره
وجاء في تفسير هذا المثل قول آخر، قال الأصمعي: يراد به أن أقل الحاجة ما بقي. وأصله أن رجلا سقى لرجل إبلا، فبقيت منها بقية، فخشى أن يتركها ولا يسقيها، فقال " آخرها أقلها شربا " أي بقية العمل أقل. والشرب: النصيب من الماء. والشرب: اسم يقام مقام المصدر.

المثل المضروب
إلاده فلاده
تفسير هذا المثل
فسر على وجوه؛ فقال بعضهم: يضرب مثلا للرجل يطلب شيئاً، فإذا منعه طلب غيره.
وقال الأصمعي: لا أدري ما أصله، وقال غيره: أصله أن بعض الكهان تنافر إليه رجلان، فامتحناه، فقالا له: في أي شيء جئناك? قال: في كذا، قالا: لا، فأعاد النظر وقال: إلاده فلاده، أي إن لم يكن هذا فليس غيره، ثم أخبرهما، وقال آخرون: معناه إن لم يكن ذلك الآن لم يكن أبداً، يغريه به، وأنشد قول رؤبة:
وقول: إلاده فلاده
أي إن لم يكن هذا الآن لم يكن بعد. وقال الخليل: يقال: إن قول رؤبة: إلاده فلاده فارسي حكى صوت ظئره، وكانت العرب تقول إذا رأى الرجل ثأره: إلاده فلاده، أي إن لم تثأر الآن فلا تثأر أبداً.

المثل المضروب
اسق أخاك النمري
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لكل من طلب الشيء مراراً. وأصله أن كعب بن مامة الإيادي خرج في ركب في حمارة القيظ، فلما كانوا بالدهناء عطشوا، فجعلوا يقسمون الماء على الحصاة، فشرب القوم حصصهم، فلما بلغ الشرب كعباً نظر إليه شمر بن مالك النمري، فقال كعب للساقي: اسق أخاك النمري فساروا، ثم نزلوا فاقتسموا الماء، فلما بلغ الشرب كعباً نظر إليه النمري، فأمر له بنصيبه، فأدركه الموت، فاستكن تحت شجرة، وقد قربوا من الماء، فقيل له: رد كعب إنك وراد فذهبت مثلا، ومات فقال مامة أبوه يرثيه:
أوفى على الماء كعب ثم قيل له * رد كعب إنك وراد فما وردا
ما كان من سوقة أسقى على ظمأ * خمرا بماء إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عي به * زو المنية إلا حرةً وقدى
وهذا أسخى الناس، لأنه جاد بما فيه حياته، على حسب قول مسلم بن الوليد:
يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وزو المنية: قدرها. وكان كعب إذا جاوره رجل فمات وداه، وإذا مات له بعير أو شاة أخلف عليه. وقدى: فعلى من الوقود، والحرة: حرارة الجوف من العطش.

المثل المضروب
أخلف رويعيا مظنه
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا في الحاجة تلتمس، فيحول دونها حائل. وأصله أن راعياً قد عرف مكاناً معشباً، فقصده، فصادف عارضاً يمنعه من رعيه. والرويعي: تصغير الراعي، ومثله قولهم: قد علقت دلوك دلو أخرى أي عرض في أمرك عارض، ونحوه قول يزيد بن معاوية:
باعت على بيعك أم مسكين
وله حديث نذكره. ومثله قولهم:
والأمر يحدث بعده الأمر
قال الشاعر في إخلاف الظن:
ظننت به ظناً فقصر دونه * فيا رب مظنون به الخير يخلف
وما الناس بالناس الذين عرفتهم * وما الدار بالدار التي كنت تعرف
وما كل من تهواه يهواك قلبه * وما كل من أنصفته لك ينصف

المثل المضروب
أسائر اليوم وقد زال الظهر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للحاجة يوءس منها، ويرجع بالخيبة عنها، أي تطمع فيها وقد تبين لك اليأس من نيلها. ومعناه: أسائر اليوم? يقال: هذا ضارب زيد غداً، بمعنى ضارب زيداً غداً. وفي القرآن: (كل نفس ذائقة الموت) بمعنى ذائقة الموت وفي خلاف هذا المعنى قول الشاعر:
أجارتنا إن القداح كواذب * وأكثر أسباب النجاح مع الياس
ومن أمثالهم في اليأس قول الشاعر:
وأجمعت يأساً لا لبانة بعده * ولليأس أدنى للعفاف من الطمع
وقول الحطيئة:
ولا ترى طارداً للحر كالياس

المثل المضروب
آخر الداء الكي
تفسير هذا المثل
قال أبو بكر: المثل السائر آخر الداء الكي، ورد بعض أهل اللغة هذا، وقال: إنما هو آخر الدواء الكي.
يضرب مثلا لما يصلح بالشدة، ولا ينجع فيه اللين. وفي مثل: من أبعد أدوائها تكوى الإبل.

المثل المضروب
إذا نام ظالع الكلاب
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لتأخير الحاجة ثم قضائها في غير وقتها، وذلك أن الظالع من الكلاب لا يقدر أن يعاظل مع صحاحها، لضعفه، فهو يؤخر ذلك، وينتظر فراغ آخرها، فلا ينام حتى إذا سفد كلها سفد هو.
والظالع: الغامز من شيء يصيب رجله. وأصله في المائل؛ لان الغامز إذا غمز مال إلى جانب، وقال النابغة:
وتترك خصماً ظالماً وهو ظالع
أي مائلا عن الحق.

المثل المضروب
أرسل حكيماً ولا توصه
تفسير هذا المثل
المثل للزبير بن عبد المطلب، في أبيات له معروفة، أولها:
إذا كنت في حاجة مرسلا * فأرسل حكيماً ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى * فشاور لبيباً ولا تعصه
ولا تنطق الدهر في مجلس * حديثاً إذا أنت لم تحصه
ونص الحديث إلى أهله * فإن الوثيقة في نصه
وذو لحق لا تنتقص حقه * فإن القطيعة في نقصه
فهذا هو قول الزبير. وقال غيره: إذا أرسلته، ولم توصه ولم تعرفه ما في نفسك، وما تحتاج إليه من حوائجك، وكلفته أن يبلغ مرادك فيها، فقد سمته علم الغيب. والصحيح أن يقال: أرسل حكيماً وأوصه، كما قال الشاعر:
إذا أرسلت في أمر رسولا * فأفهمه وأرسله حكيما
وقالت الحكماء: الرسول دليل على عقل مرسله. ومن أجود ما قيل في صفة الرسول قول عمر بن أبي ربيعة:
فأتتها طبة عالمة * تخلط الجد مراراً باللعب
ترفع الصوت إذا لانت لها * وتراخى عند سورات الغضب
وسمع ابن أبي عتيق هذا الشعر فقال: نحن منذ قتل عثمان رضي الله عنه في طلب من هذا صفته، لنوليه الخلافة، ولسنا نجده.
وقال غيره:
ترفق في رسولك يا أميري * فإني من رسولك في غرور
أحمله رسالاتي فينسى * ويبلغـك القليل من الكثير
إذا كان الرسول كذا بليداً * تكسرت الحوائج في الصدور
فأرسل من إذا لحظته عيني * حكى لك طرفه ما في ضميري

المثل المضروب
أرغوا لها حوارها تقر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لإغاثة الملهوف بقضاء حاجته ليسكن؛ والناقة إذ سمعت رغاء حوارها سكنت. ويروى هذا المثل على وجه آخر وهو: حرك لها حوارها تحن ومعناه أن تذكر الرجل بعض أشجانه فيهتاج. والمثل لمعاوية رضي الله عنه
أخبرنا أبو القاسم، عن العقدي، عن أبي جعفر، عن المدائني، قال: كتب معاوية إلى علي رضي الله عنه كتاباً في تسليمه قتلة عثمان رضي الله عنه إليه، ليبايعه على الخلافة، وأنفذه مع أبي مسلم الخولاني، فلما قرأ علي الكتاب قال من حوله: كلنا قتلنا عثمان، فقال أبو مسلم: أرى قوماً ليس لك معهم أمر، ولو أردت دفعهم إلينا لمنعوك، فورد على معاوية، وقال: إن القوم قد أقرّوا بقتل ابن عمك، فاطلب بثأرك، فصعد المنبر، ودعا بقميص عثمان فنشره، فبكى الناس، فقال معاوية: حرك لها حوارها تحنّ، وبايعه القوم على الطلب بدم عثمان. فكتب إلى علي رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم أدرج الكتاب، وبعث به إليه مع رجل من بني عبس، وعنوانه: من معاوية إلى علي، ففك علي رضى الله عنه الكتاب، فلم ير فيه شيئاً، فقال للرجل: هل أمرك بتبليغ رسالة، قال: لا، ولكن أخبرك أني خلّفت بالشام خمسين ألفاً قد اخضلت لحاهم تحت قميص عثمان، قد رفعوه على الرماح، وعاهدوا الله ألا يكفّوا حتى يموتوا أو يقتلوا قتلته، يتواصون بذلك ليلهم ونهارهم، وتركوا: " تعس الشيطان " ويقولون: " تعس قاتل عثمان ". قال: يريدون ماذا، قال: خيط رقبتك، قال: تربت يداك، فقال صلة بن زفر العبسي أو قبيصة بن ضبيعة: بئس والله الوافد، تخوفنا ببكاء أهل الشام على قميص عثمان، فوالله ما هو بقميص يوسف، ولا حزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام لقد خذلوه بالحجاز. ثم رحل علي رضي الله عنه، فكانت وقعة صفين.

المثل المضروب
أحشفا وسوء كيلة
أكسفاً وإمساكاً
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لجمعك على الرجل ضر بين من الخسران، ونوعين من النقصان. والكيلة: ضرب من الكيل؛ مثل القعدة والجلسة، والحشف: رديء التمر. يقول تعطى الحشى وتسيء الكيل، وقال بعض الشعراء:
إن كنت لا تلطفيني فاقبلي لطفي * لا تجمعي لي سوء الكيل والحشفا
والعامة تقول: حشفا وسوء كيل. والصواب " كيلة " بالكسر، لأنهم أنكروا نوعاً من الكيل سيئاً. والكيلة: النوع من الكيل، ونصبوا " حشفا ً" بفعل مضمر، يريدون: أتجمع حشفاً? وعطفوا " الكيلة " عليه.
وقولهم: " أكسفا وإمساكا ً"، أصله أن يلقاك بعبوس مع بخل، والبشر الحسن إحدى العطيتين. وقيل: البشر علم من أعلام النجح، وأول من مدح بالبشر عند السؤال زهير في قوله:
تراه إذا ما جئنه متهللا * كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وقال غيره من المحدثين:
إذا ما أتاه السائلون توقدت * عليهم مصابيح الطلاوة والبشر
له في بنى الحاجات أيد كأنها * مواقع ماء المزن في البلد القفر
وقلت:
وقد يونس الزوار منك إذا التقوا * سخاء عـليه للطلاقة شاهد
بدائع أفعال تناهى جـمالها * فهـن لأعناق الليالي قلائد
مشهرة في العالمين كأنما * على صفحات الليل منها فراقد
ولبعضهم على خلاف شعر زهير، قال:
تراث إذا ما جئته متعبساً * كأنك بالمنقاش تنتف شاربه
وقال محمد بن حازم الباهلي في خلاف ذلك:
ولا يقنع الراجين أهل ومرحب
ونحوه قول جحظة:
قائل إن شدوت أحسنت زدني * وبـأحسنت لا يباع الدقيق

المثل المضروب
أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلوليه
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لاجتماع نوعين من الشر، وهو نحو الأول.
والمثل لعامر بن الطفيل، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أربد أخو لبيد، فقال: أسلم على أن يكون لك المدر ولى الوبر، وأن تجعل لي الأمر بعدك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا، ولا وبرة " فخرج وقال: لأملأنها عليك خيلا جرداً، ورجالا مرداً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهما، فأخذت أربد صاعقة فمات، وضربت عامراً الغدة وهي طاعون الإبل فمال إلى بيت سلوليه، وجعل يقول: " أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية "، وسلول من أذل العرب، والمعنى: أنه جمع له ضربان من الذلة.
وقال الشاعر يذكر ذلة سلول:
إلى الله أشكو أنني بت طاهراً * فجاء سلولي فبال على رجلي
فقلت اقطعوها بارك الله فيكم * فإني كريم غير مدخلها رحلي

المثل المضروب
أغيرة وجبنا
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يجتمع فيه عيبان، وأصله أن رجلا تخلف على قتال عدوه، وترك الحي يقاتلون، ثم رأى امرأته تنظر إلى القتال، فضربها، فقالت: أغيرة وجبناً ، فذمت هذا المرأة الغيرة، وهي من أحمد أخلاق الرجال. وقال جرير يمدح الحجاج:
أم من يغار على النساء حفيظة * إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
وقال أبو نواس
ومن دون عورات النساء غيور
قال إبراهيم بن المهدي في المعتصم، وقد نالت الروم طرفاً من أطراف المسلمين:
يا غيرة الله قد عاينت فانتقمي * تلك النساء وما منهن يرتكب
فهب الرجال على أجرامها قتلت * ما بال أطفالها بالذبح تنتحب
وهو أول من قال: " يا غيرة الله " فخرج المعتصم من وقته إلى الروم، فكان فتح عمورية.
ورأى رجل مع امرأته رجلا فقتله، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أقتلته، قال: نعم. قال: أحسنت، ومن يعد فعد.
وقريب من معنى المثل قول الشاعر:
جهلا علينا وجبناً عن عـدوكم * لبئست الخلتان الجهل والجبن

المثل المضروب
إذا ادعيت الباطل أنجح بك
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يدعي الباطل فيدال منه. وأصله أن امرأة من العرب كانت تحت شيخ، فرأت شباباً ينتعلون من قيام، فتمنت أن تكون تحت أحدهم، فقالت: " حبذا المنتعلون من قيام "، فقال زوجها: أنا أنتعل قائماً، فلما رام ذلك ضرط، فقالت المرأة: " إذا ادعيت الباطل أنجح بك "، أي أنجح بك الباطل خصمك.

المثل المضروب
إنك لا تجني من الشوك العنب
تفسير هذا المثل
المثل لأكثم بن صيفي، ومعناه: إذا ظلمت فاحذر الانتصار، وإذا أسأت فثق بسوء الجزاء. وأخذه الشاعر فقال:
إذا وترت امرأً فاحذر عداوته * من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً

المثل المضروب
اخبر تقله
تفسير هذا المثل
اخبر، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، يقول: إذا خبرتهم قليتهم والمثل لأبي الدرداء فيما زعم بعضهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً.
وشرحه ابن الرومي فقال:
دعتني إلى فضل معروفكم * وجوه مناظرها معجبه
فأخلفتم ما توسمته * وقل حميد على التجربه
وكنت حسبت فلما حسد * ت عفى الحساب على المحسبه
ظلمتكم لا تطيب العرو * ق إلا وأعراقها طيبه
فهل تعذروني كعذريكم * بأن أصولكم المـذنبه
والهاء في " تقله " مثلها في قولهم: يا زيد امشه، ويا امرؤ استوه. وتدخل لبيان الحركة. والقلى: البغض، قليته: أبغضته. وفي القرآن: (إني لعملكم من القالين).
وقال زهير:
لعمرك والأمور مغيرات * وفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أوفى * ولكن أم أوفى ما تبالي

المثل المضروب
أنا تئق وصاحبي مئق، فكيف نتفق
تفسير هذا المثل
التئق: السريع إلى الشر، والمئق: السريع البكاء. يضرب مثلا لسوء الموافقة في الأخلاق. وقالوا: التئق: الممتلئ غضباً، يقال: أتأقت الإناء، إذا ملأته. والمئق: القليل الاحتمال، الجزوع من أدنى مكروه.
وأصله أن رجلين كانا في سفر، فساءت أخلاقهما، فقال أحدهما ذلك، والسفر يورث ضيق الأخلاق.
وقالوا: لا تعرف أخاك حتى تغضبه، أو تسافر معه. وسمي السفر سفراً، لأنه يسفر عن الأخلاق، أي يكشف عنها، وسميت المكنسة مسفرة؛ لأنها تسفر التراب عن وجه الأرض، فتنكشف، كما تسفر المرأة نقابها عن وجهها. وقالوا: الحريص والمسافر مريضان لا يعادان. وقال بعضهم يمدح رجلا:
أبلج بسام وإن طال السفر
وقال علي رضي الله عنه: السفر ميزان القوم.
أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً
يضرب مثلا للرجل الشره، يعطى الشيء فيأخذه ويطلب أكثر منه. والمثل لام عمرو بن عدي جارية مالك وعقيل ندماني جذيمة، وذلك أن عمرو بن عدي، ابن أخت جذيمة فقد زماناً، ثم ظفر به مالك وعقيل، فقد ماله طعاماً فأكله واستزاد، فقالت أم عمرو: " أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعا ً"، ثم جلس معها على شراب، فجعلت تسقيهما وتدعه، فقال عمرو:
تصد الـكـأس عـنـا أم عـمـرو * وكان الكأس مجراها اليمينا
ومـا شـر الـثـلاثة أم عــمـــرو * بصاحبك الذي لا تصبحـينـاً
ثم عرفاه، فقد مابه على جذيمة، فاستجلسهما فنادماه، ولم ينادمه أحد قبلهما، وكان يزعم أنه ليس في الأرض من يصلح لمنادمته؛ ذهاباً بنفسه، فكان ينادم الفرقدين، يشرب قدحاً، ويصب لكل كوكب منهما قدحاً، حتى نادمه مالك وعقيل، فقال متمم بن نويرة:
وكنا كندماني جـــذيمة حـــقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلـمــا تـــفرقـنا كـــأني ومالكاً * لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
يعني كنا كالفرقدين لا نفترق. وقال غيره:
تقــول أراه بـــعـــد عـــروة لاهياً * وذلك رزء لو عـلمت جـلـيل
فلا تحسبي أني تناسيت عهده * ولكن صـبـري يا أمـيم جـمـيل
ألم تعلمـي أن قـد تـفرق قـبلـنا * خلـيلا صـفـاء مالـك وعـقــيل

المثل المضروب
إنك لا تشكو إلى مصمت
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لقلة اهتمام الرجل بشأن صاحبه؛ وأصله قول الشاعر. " يخاطب جمله ":
ِإنك لا تشكو إلى مصمت * فاصبر على الحمل الثقيل أو مت
ونحوه قول الراجز:
يشكو إلى جملي طول السرى * يا جملي ليس إلي المشتكى
الـدرهـمـان كـلفاني ما ترى * شد الجواليق وجـذبـاً بـالبرى
صبـراً قـلـيلا فـكـلانـا مـبـتـلــى
والمصمت: المشكي المعتب، وأصله من الصمت، وهو أنك إذا شكوته أعتبك فتصمت عن الشكاية.

المثل المضروب
استنت الفصال حتى القرعى
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يفعل ما ليس له بأهل. وأصله أن الفصال إذا استنت صحاحها نظرت إليها القرعى فاستنت معها، فسقطت من ضعفها، والاستنان هاهنا: العدو، والقرع: بثر يخرج بالفصال، فتجر على السباخ فتبرأ. يقال: قرعت الفصيل، إذا فعلت به ذلك، كما يقال: قردته، إذا نزعت عنه القردان.
والفرس تقول في معنى هذا المثل: رأت فأرة خيلا تنعل، فرفعت رجلها. ومما هو في معنى هذا المثل من الشعر قول بشار:
فيأيهـا الـطـالـب المبتغي * نجـوم الـسـمـاء بـسـعي أمم
سمعت بمكرمة ابن العلا * ء فأنشأت تطلبها، لست ثم
وقول أبي تمام:
هيهات منك غبار ذاك الموكب

المثل المضروب
إن هلك عير فعير في الرباط
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للشيء يقدر على العوض منه، فيستخف بفقده. والرباط: الحبل الذي تربط به الدابة، وسميت الخيل رباطاً، لأنها تربط بإزاء العدو في الثغر، ويربط العدو بإزائها خيله، يعد كل لصاحبه، وفي القرآن: (ومن رباط الخيل).
وقلت في هذا المعنى:
ومن يك ممدوحاً بنظم يصوغه * فإنك ممدوح بك النظم والنثر
فإن يك بعض الأكرمين يعقني * فإنك مد البحر إن أخلف القطر
ونحو المثل قول كثير:
هل وصل عزة إلا وصل غانية * في وصل غانية من وصلها بدل

المثل المضروب
اختلط المرعى بالهمل
واختلط الخاثر بالزباد
واختلط الحابل بالنابل
تفسير هذا المثل
كل ذلك يضرب مثلا في اختلاط الأمر على القوم، حتى لا يعرفوا وجهه.
والهمل: المهملة التي لا راعي معها.
و " اختلط الخاثر بالزباد " شبيه بقولهم: " لا يدري أيخثر أم يذيب " وأصله الزبد يذاب فيفسد، ولا يدري أيجعل سمناً أو يترك زبداً، ومنه قول بشر:
فكنتم كذات القدر لم تدر إذ غلت * أتنزلها مذمومة أم تذيبها
والحابل: صاحب الحبالة، وهي شبكة الصائد. والنابل: صاحب النبل، وذلك أن يجتمع القناص، فيختلط أصحاب النبال بأصحاب الحبائل، فلا يصاد: شيء، وإنما يصاد في الانفراد.

المثل المضروب
أحشك وتروثني
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا لسوء الجزاء. وهو لرجل يخاطب فرسه، يقول: أجز له الحشيش، وأعلفه إياه، وهو يروث عليه. يقال: حش الفرس، إذا علفه الحشيش، وحش النار، إذا طرح عليها الحشيش لتشتعل؛ وحش الولد في البطن، إذا يبس. والحش: البستان، لغة مدنية، ثم سمى الكنيف حشا؛ لان أهل المدينة كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والحشيش: اليابس من النبات، ولا يقال للرطب حشيش، إنما يقال له الرطب، والكلأ، والخلى، مقصور.
ومن أمثالهم في سوء الجزاء قول عبد الرحمن بن الحكم:
عدوك يخشى صولتي إن لقيته * وأنت عدوي ليس ذاك بمستوى
وقال معبد بن مسلم:
لددتهم النصيحة كل لد * فمجوا النصح ثم ثنوا فقاموا
فكيف بهم وإن أحسنت قالوا * أسأت وإن غفرت لهم أساءوا

المثل المضروب
أجع كلبك يتبعك
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للئيم تذله فيطيعك. ومثله قول الآخر:
إكرامك الأحمق مما يفسده * إدناؤك الأحمق مما يبعـده
وقربه أهون شيء تـفـقـده
وقلت:
داريتـكـم حـينـاً فـأبطرتكم * وليس للعير سوى الضرب
وقال البحتري:
ولو أخفت لئيم القوم جنبني * أذاته وصديق الكلب ضاربه
وحبس المنصور أرزاق الجند، وقال: أجع كلبك يتبعك، فقيل له: ربما أجعته فتبع غيرك. فوقر في نفسه، وأخرج المال وأعطاهم.

المثل المضروب
أساء رعياً فسقى
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يفسد الأمر، ثم يريد إصلاحه، فيزيده فساداً. وأصله أن يسئ الراعي رعي الإبل نهاره، حتى إذا أراد إراحتها إلى أهلها كره أن يظهر لهم سوء أثره عليها، فيسقيها الماء حتى تمتلئ أجوافها، فيزيدها ذلك ضرراً.
ويقولون: رعى فأقصب وذاك أنه إذا أساء رعيها، ولم يشبعها من الكلأ لم تشرب، وإنما الشرب على العلف. يقال: بعير قاصب، إذا امتنع من الشرب، وصاحبه مقصب، وقال الأصمعي: أساء رعياً فسقى مقصباً يضرب مثلا للرجل لا يحكم العمل لصعوبته عليه، فيميل إلى ما هو أهون.

المثل المضروب
أجناؤها أبناؤها
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يعمل الشيء بغير روية ولا نظر، فيتعنى فيه، ثم يحتاج إلى نقضه. والأجناء: جمع جان، والأبناء: جمع بان، وهذا جمع قليل، ومثله شاهد وأشهاد، وصاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون الأصحاب جمع صحب، يجمع الصاحب صحباً، ثم يجمع الصحب أصحاباً.
وأصله أن بنتاً لبعض ملوك اليمن أرادت إنشاء بناء كرهه أبوها، فنهاها عنه، ثم خرج في وجه، فأشار عليها قوم بإنشائه، فأنشأته، فلما رآه الملك ألزمهم هدمه، وقال: أجناءها أبناؤها وجعلهم البناة لإشارتهم بالبناء. ونحو المثل، وليس منه بعينه:
ومن لا يمكن رجله مطمئنةً * ليثبتها في مستوى الأرض يزلق
وقال بعضهم: دع الرأي يغب، فإن غبوبه يكشف لكم عن فصه.

المثل المضروب
إن ضج فزده وقراً
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للشدة على البخيل، ولإذلال الرجل والحمل عليه إذا دخله الإباء والعزة؛ ومثله: إن أعيا فزده نوطاً، وإن جرجر فزده ثقلا، يقول: إذا بخل فألحح عليه حتى تستخرج منه.
ومثله: اعصبه عصب السلمة والسلمة: شجرة مفترشة الأغصان؛ فإذا أرادوا قطعها عصبوا أغصانها، أي شدوها حتى يصلوا إلى أصلها فيقطعوه. وقال الحجاج: لأعصبنكم عصب السلمة. والعصب: الشد، عصب رأسه، إذا شده، والعصابة للرأس خاصة، والعصاب لسائر الجسد. والجرجرة: صوت البعير إذا ضجر. والنوط: كل ما علق على البعير وغيره، والجمع الأنواط، ونطته نوطاً، إذا علقته، وهو منوط ونوط، إذا سمي بالمصدر. ويقال: هو مناط الثريا، أي بحيث لا يدرك. والنوطة أيضاً: بوتقة الصائغ.
ونحو المثل قول طهمان:
خيلي إني اليوم شاك إليكما * وهل ينفع الشكوى إلى من يزيدها
وكائن ترى من ذي هوىً حيل دونه * ومتبع إلف نظرةً لا يعيدها

المثل المضروب
إن الجبان حتفه من فوقه
تفسير هذا المثل
المثل لعمرو بن مامة حين أراد جعيد قتله، فقال:
لقد عرفت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مقاتل عن طوقه * والثور يحمي جلده بروقه
يقول: ليس ينجي الجبان حذره من المنية، ونحوه قول عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني * أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل * لا بد أن أسقى بذاك المنهل
وقال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بد * فمن العجز أن تكون جباناً
وقلت:
لا تجبنن فكم جبان محجم * قد مات موت الباسل المتوثب
وليمنح الأعداء صلباً صلباً * وليسم للجلى بقلب قلب
وليغد في تعب يرح في راحة * إن الأمور مريحها في المتعب
وقال أكثم بن صيفي: لا ينفع مما هو واقع التوقي. ونحو هذا قول المتنبي:
يموت راعي الضأن في جهله * مؤتة جالينوس في طبه
وسيجئ خبر عمرو بن مامة على التمام في الباب الثالث والعشرين إن شاء الله تعالى وحده.

المثل المضروب
أفلت وانحص الذنب
أفلت بجريعة الذقن
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل ينجو من الهلكة بعد الإشفاء عليها. والمثل لمعاوية ابن أبي سفيان، وذلك أنه أرسل رجلا من غسان إلى الروم، وجعل له ثلاث ديات، على أن ينادي بالأذان عند باب ملكهم، ففعل، فوثب عليه البطارقة ليقتلوه، فمنعهم الملك، وقال: إنما أراد مرسله أن نقتله، فيقتل كل مستأمن منا عنده، ويهدم كل بيعة لنا قبله؛ ثم أكرمه وجهزه، فلما رآه معاوية قال: " أفلت وانحص الذنب " فقال: كلا إنه لبهلبه، ثم حدثه الحديث، فقال: لقد أصاب ما أردت. وغير بعضهم لفظ هذا المثل فقال:
حتى نجوت وما عليك قميص
وفي مثل آخر: " أفلت وله حصاص " والحصاص: العدو الشديد. وقيل: هو الضراط. والهلب: شعر الذنب وغيره، والانحصاص: سقوط الشعر حتى ينجرد موضعه.
وقولهم: " أفلت بجريعة الذقن "، أي أفلت من الهلكة بعد أن قرب منها كقرب الجرعة من الذقن. وقيل معناه، أفلت ونفسه في شدقة، ولا يقال: " انفلت " عند البصريين، والصواب عندهم " أفلت " كما يقال: أقلع السحاب وأقشع، قال امرؤ القيس:
وأفلتهن علباء جريضاً * ولو أدركته صفر الوطاب

المثل المضروب
أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يتهدد عدوه، وليس على عدوه منه ضرر. والمثل لكعب بن زهير، قاله لأبيه زهير، وكان الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسيد أغار على إبل زهير، فذهب بها وبراعيها يسار، فجعل زهير يهجوه ويتهدده في مثل قوله:
يا حار لا أرمين منكم بداهية * لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
اردد يساراً ولا تعنف على ولا * نمعك بعرضك إن الغادر المعك
تعلمنها لعمر الله ذا قسماً * واقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
لئن حللت بجو من بن أسد * في دين عمرو وحالت بيننا فدك
ليأتنك مني منطق قذع * باق كما دنس القبطية الودك
فلما أكثر من هجائهم وهم لا يكترثون قال له ابنه كعب: " أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل "، أي ليس عليهم من هجائك إياهم كبير ضرر عند أنفسهم، وقد أودوا بإبلك، فأضروا بك.

المثل المضروب
ارق على ظلعك
واقدر بذرعك
تفسير هذا المثل
يقال للرجل يجاوز طوره في الأمر، ومعناه: ارفق بنفسك فإنك ظالع، لا تحملها على مالا تطيق، وذلك أن الظالع لا يكلف ما يكلفه الصحيح. وا " ارق " من قولهم: رقيت في السلم والدرجة والحبل، والظالع إذا رقى تمهل ولم يستعجل.
وقولهم: " اقدر بذرعك "، أي تكلف ما تطيق. والذرع من قولهم: ضاق به ذرعى، وأصله من قولك: ذرعت الشيء؛ إذا قدرته بذراعك ذرعاً، وهو في مذهب قول الفرس: مد رجلك حيث تنال ثوبك.
ونحوه قول الشاعر:
فاعمد لما تعلو فما في الذي * لا تستطيع من الأمور يدان
وقال عمرو بن معدي كرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه * وجاوزه إلى ما تستـطـيع

المثل المضروب
إذا جاء الحين حار العين
تفسير هذا المثل
الحين: الأجل، ويقال له بالفارسية: هوش. وحار: تحير. وقال ناظم كتاب كليلة:
ما لقي الناس من الآجال * كأنها مصيدة الآمال
ولم يقولوا هاهنا: حارث العين؛ لتقدم الفعل الفاعل، ولان الاسم المؤنث الذي لا علم فيه للتأنيث وليس تأنيثه حقيقياً ربما ذكر؛ مثل العين والأذن والسماء والأرض، وقد قال الشاعر:
والعين بالإثمد الحاري مكحول
ولم يقل: " مكحولة ".
ويقال في هذا المعنى: " إذا جاء القدر عشي البصر " وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: تقول: إن الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، فكيف لا يبصر شعيرة الفخ حتى يصاد، فقال ابن عباس: إذا جاء القدر عشي البصر. ومثله قول أكثم بن صيفي: " من مأمنه يؤتى الحذر ".
وقال الآخر:
وكيف توقي ظهر ما أنت راكبه
أي كيف تنجو مما أنت حاصل فيه! وقال أوس بن حارثة لابنه: إنما تعز من ترى، ويعزك من لا ترى.
وقلت:
وقد يعرض المحذور من حيث يرتجى * ويمكنك المرجو من حيث يتقى
وقيل: لا ينفع سهولة المطلب مع وعورة القدر، ولا يغني الحذر إذا حم القدر، وإذا حم القدر دم البصر، وإذا أبرم القدر حسن الظفر، وإذا حان القضاء ضاق الفضاء. وقال الشاعر:
ذهب القضاء بحيلة المحتال
ومعنى قوله: " دم البصر "، أي سد كأنه طلي بشيء، من قولك: دممت القدر؛ إذا طليتها بالطحال.

المثل المضروب
أتتك بحائن رجلاه
تفسير هذا المثل
يضرب مثلا للرجل يسعى إلى المكروه حتى يقع فيه. والمثل للحارث بن جبلة الغساني، وكان المنذر بن المنذر قال لحرملة بن عسلة: اهج الحارث بن جبلة، فقال: إن غسان أخوالي، ولا يحسن بي هجاؤهم. فتهدده، فقال:
ألم تر أني بلغت المشيبا * لدى دار قومي عفاً كسوبا
وأن الإله تنصفته * بألا أعق وألا أحوبا
وألا أكاثر ذا نعمة * وألا أرد أمرأً مستشيبا
وغسان قومي هم ما هم * فهل ينسينهم أن أعيبا
فوزع بها بعض من يعتري * ك فإن لها من معد كليبا
فانتدب ابن العيف، فقال:
لا هم إن الحارث بن جبله * زنى على أبيه ثم قتله
وركب الشادخة المحجله * فأي شيء سيئ لا فعله
قوله: زنى على أبيه، أي ضيق عليه، وأصله " زنأ بالهمز "، فترك همزه، وهي لغة. ثم خرج ابن العيف في جيش المنذر لقتال الحارث، فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر، وأسر ابن العيف، فجئ به الحارث، فقال: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلا، ثم قال له: اختر إحدى ثلاث؛ إما أن أطرحك من طمار- وهو حصن دمشق- وإما أن يضربك الدلامص سيافي ضربةً بالسيف فإن نجوت نجوت وإن هلكت هلكت وإما أن أطرحك بين يدي الأسد. فاختار ضربة الدلامص، فضربه فدق منكبه، فعولج فبرئ، وصار به خبل والخبل: الاسترخاء. والحائن: الذي حان أجله، أي دنا وأتي الحارث بحرملة، فحكمه، فاختار قينتين كانتا له، فأعطاه إياهما، فانطلق بهما، ونزل منزلا يشرب هو ورجل من النمر، يقال له كعب، فلما سكر النمري قال له: قل لهذه الحمراء تقبلني، فضربه بالسيف، وقال:
يا كعب إنك لو قصرت على * حسن الندام وقلة الجرم
وسماع مدجنة تعللنا * حتى نؤوب تناوم العجم
لوجدت فـيما ما تحاول من * طيب الشراب ولذة الطعم
وغدوت والنمري يحسبه * عم السماك وصاحب النجم
جسد به نضح الدماء كما * قنأت أنامل قاطف الكرم
والخمر ليست من أخيك إذا * جعلت تخون بـآمن الحلم
ونحو المثل قول الشاعر:
الحين مجلوب إليه الحائن
وقول الآخر:
أتيح له القلوب من بطن قرقرى * وقد يجلب الشر البعيد الجوالب

مُختصر كتاب جمهرة الأمثال لأبو هلال العسكري