بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الباب الثاني
الأمثال المضروبة في أوله باء
المجموعة الأولى

المثل المضروب
بدا نجيث القوم
تفسير هذا المثل
أي ظهر ما كانوا يخفون، والنجيث: الأمر يستخرج فيظهر، وهو نجيث ومنجوث، وقد نجث. وأصله من قولهم: نجثت التراب أنجثه نجثاً، إذا استخرجته من بئر أو حفرة. ورجل نجاث: بحاث عن الأمور، والتراب نجيث ومنجوث، والجنثي بالضم: القين، والجنثي بالكسر: اسم من أسماء السيف، قال الشاعر:
بجنثية قد أحكمتها الصياقل

المثل المضروب
برح الخفاء
تفسير هذا المثل
معناه: زال الستر، وانكشف السر، وهو من قولهم: برح الرجل من مكانه، إذا زال عنه. وقال ثعلب: معناه صار في براح من الأرض، وهو ما ظهر منها، فأما قولهم: ما برح فلان يفعل كذا فمعناه ما زال يفعله. وفي القرآن: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين)، أي لا أزال أسير حتى أبلغه. وأبرح الرجل: إذا جاء بالبرحاء، وهو الأمر الجسيم؛ قال الشاعر:
أبرحت رباً وأبرحت جارا، وبرح به الأمر؛ إذا صعب عليه واشتد. وتباريح الشوق: شدته.

المثل المضروب
بالرفاء والبنين
تفسير هذا المثل
يقال ذلك للمتزوج. والرفاء: الموافقة والملاءمة، من قولك: رفأت الثوب، إذا لأمت خرقه، وقد ذكرنا أصل المثل. وقال شقيق بن سليك لامرأة فارقها:
وطوفي لتلتقطي مثلنا * وأقسم بـالله لا تفعلـينا
وكلن لعلك أن تنكحي * لئيم المركب خباً بطينا
فإما نكحت فلا بالرفا * ء إذا ما نكحت ولا بالبنينا
إذا ما حملت إلى دارهـ * أعد لظهرك سوطاً متينا
كأن المساويك في شدقه * إذا هن أكرهن يقلعن طينا
يعني به أفلح. فأما قولهم: رفوت، بغير همز فمعناه التسكين، يقال: رفوت الرجل، إذا سكنت فزعه، قال الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم

المثل المضروب
البلاء موكل بالمنطق
تفسير هذا المثل
قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا العلاء بن عبد الملك بن هارون بن عنتر، عن أبيه، عن جده علي عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البلاء موكل بالمنطق ".
أنشد القاضي بن بهلول:
لا تمزحن بما كرهت فربما * ضرب المزاح عليك بالتحقيق
وقال غيره:
لا تنطقن بما كرهت فربما * نطق اللسان بحادث فيكون
وقال آخر:
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى * إن البلاء موكل بـالمنطـق

المثل المضروب
به لا بظبي بالصرائم أعفرا
تفسير هذا المثل
المثل للفرزدق، ويضرب للشماتة بالرجل، يقول: نزل به المكروه، ولا نزل بظبي، يريد أن عنايتي بالظبي أشد من عنايتي به؛ ومن حديثه أن الفرزدق هجا بني نهشل، فقال:
إذا تم أبر النهشلي لأمه * ثلاثة أشبار فقد طاح دينها
وقال:
لعمري لئن قل الحصى في عديدكم * بني نهشل ما لؤمكم بقليل
وقال:
بحق امرئ كانت رميلة أمه * يميل عـليه اللؤم حيث يميل
تقصر باع النهشلي عن العلا * ولكن أير النهشلي طويل
ثم خرج الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والحتات بن يزيد بن صعصة. والمجاشعي عم الفرزدق إلى معاوية، فوصلهم ونقص حتاتاً، فعاتبه الحتات، فقال معاوية: اشتريت منهما دينهما، ووفرت عليك دينك، قال: فاشتر مني ديني أيضاً، فألحقه بهما في الصلة، فأقام يتنجزها، فطعن فمات، فرجع معاوية. فيما أعطاه، فقال الفرزدق وهو بالبصرة:
أبوك وعمي يا معاوي أورثا * تراثاً فأولى بالتراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات أكلته * وميراث حرب جامد لك ذائبه
فلو كان هذا الأمر في جاهلية * علمت من المولى القليل حلائبه
ولو كان ذا في غير دين محمد * لأديته أو غص بالماء شاربه
ولو كان إذ كنا وللكف بسطة * لصمم عضب فيك ماض مضاربه
فكم من أب لي يا معاوي لم يزل * أغر يباري الريح أزور جانبه
وكم من أب لي يا معاوي لم يكن * أبوك الذي من عبد شمس يقاربه
نمته فروع المالكين ودارم * وساد جميع الناس مذ طر شاربه
فوجد النهشليون عليه سبيلاً، فسعوا به إلى زياد، وقالوا: قد هجا أمير المؤمنين، فقال زياد لعريف بني مجاشع: أحضر قومك والفرزدق فيهم؛ ليأخذوا عطاءهم، فأحس الفرزدق بالشر، فهرب وقال:
دعاني زياد للعطاء ولم أكـن * لآتيه ما نال ذو حسب وفرا
وعند زياد لـو يريد عـطـاءهم * رجال كثير قد أماتهم فقرا
في أبيات قالها، فما زال يطوف في أحياء العرب حتى أتى المدينة عائذاً بسعيد بن العاص، وقال:
إليك فررت منك ومن زياد * ولم أحسب دمي لكما حلالا
ترى الغر الجحاجح من قريش * إذا ما الأمر في الحدثان غالا
قياماً ينظرون إلى سعيد * كأنهم يرون به هلالا
فإن يكن الهجاء أحل قتلي * فقـد قلنا لشاعركم وقالا
وأخذ هذا المعنى نصيب، فقال:
أغر إذا الرواق انجاب عنه * بدا مثل الهلال على مثال
تراءته العيون كما تراءت * عشية فطرها وضح الهلال
وأخذه المحدث وقال:
كأنه والعيون ترمقه * من كل وجه هلال شوال
فآمنه سعيد، فقال:
ألا من مبلغ عني زياداً * مغـلغلةً يخب بها البريد
بأن قد فررت إلى سعيد * ومن يسطيع ما يحمي سعيد
فبلغ زياداً ذلك فقال: والله لا أرضى عنه حتى ينتسب في بني فقيم، فقال:
ألا من مبلغ عني زياداً * بأني قد فررت إلى سعيد
فإن شئت انتسبت إلى النصارى * وإن شئت انتسبت إلى اليهود
وأن شئت ادعيت إلى فقيم * وإن شئت ادعيت إلى القرود
وأبغضهم إلى بنو فقيم * لئام الناس في الزمن الحرود
فذكر النصارى واليهود والقرود، ثم قال: " وابغضهم إلى بنو فقيم "، فبالغ مبالغة شديدة، فقال له مروان: لم ترض أن نكون قعوداً ننظر إليه حتى جعلتنا قياماً، فقال له: إنك منهم يا أبا عبد الله لصافن، فحقدها عليه مروان، فلما عزل سعيدا أحضره مروان، فقال: أنت القائل:
هما دلتاني من ثمانين قامة * كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فقلت ارفعا الأستار لا يشعروا بنا * وأدبرت في أعجاز ليل أبادره
قال: نعم، قال: أفتقول مثل هذا بين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم! اخرج عن المدينة. فاستجار عبد الله بن جعفر، فلما مات زياد بلغة أن مسكيناً الدارمي رباه، فقال:
رأيت زيادة الإسلام ولت * جهـاراً حـين ودعـنـا زياد
فقال الفرزدق، ولم يكن هجا زياداً حتى مات:
أمسكين أبكى الله عـينك إنما * جرى في ضلال دمعها فتحدرا
بكيت امرأً من أهل ميسان كافراً * ككسرى على عدانه أو كقيصرا
أقول له لما أتاني نعيه * به لا بظبي بالصرائم أعفرا
وقال:
كيف تراني قـالـبـاً مـجـنـي * أقلب أمري ظهره لبطن
قد قاتل الله زياداً عـنـي
والصرائم: جمع صريمة، وهي قطعة من الرمل. والأعقر: الذي لونه لون العفر، وهو التراب.

المثل المضروب
برق الخلب
تفسير هذا المثل
يجعلونه مثلا لكل شيء لا حقيقة له، وهو البرق الذي لا مطر معه. وأصله من الخلابة، وهي الخداع. يقال: برق خلب، وبرق خلب. وقيل: الخلب: ما كان يخلف برقه، قال: أبو الأسود الدؤلي:
لا تهني بعد إذ أعززتني * وشديد عادة منتزعة
لا يكن برقك برقآً خلباً * إن خير البرق ما العيث معه
وقال غيره في هذا المعنى:
قبح الإله عداتكم * كالبرق ليس له بليل
أنت الفتى كل الفتى * لو كنت تفعل ما تقول
وقال آخر:
ما كل بارقة تجود بمائها
وقلت في غير هذا المعنى:
وقد حسنت عندي كواذب وعده * ويا ربما استحسنت بارق خلب

المثل المضروب
بين حاذف وقاذف
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل، لا ينصرف من مكروه إلا إلى مثله. وأصله في الأرنب، وذلك أن كل شيء يطمع فيها حتى الغراب، وقال بعضهم: أول من تمثل به عمرو بن العاص، ومن حديثه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استقدمه من مصر، وهو واليه عليها، فسار سهماً إلى المدينة، فقال له عمر: لقد سرت سير الصرورة المشتاق، قال: إني لم تأبطني الإماء، ولم ينفض على سوادهن، فقال عمر: إن الدجاجة ربما فحصت في التراب، فباضت عليه من غير طروقة، فانصرف عمرو واجماً، فلقى رجلاً من الأنصار، فشكا عمر إليه، فقال: إنك قد صقعت الحاجب، وأوضعت بالراكب، فقال: لا أقع إلا على حاذف أو قاذف.
القاذف بالحجر، والحاذف بالعصا، والطروقة الفحل. والصرورة: الذي لم يحج، والذي لن يتزوج أيضاً.

المثل المضروب
باليدين ما أوردها زائدة
تفسير هذا المثل
و" ما " زائدة. يضرب مثلاً للرجل يزاول الأمر العظيم، فيأخذه بقوة، وأصله في الإبل الجلاد يحتاج موردها إلى فضل قوة، واليد: القوة والقدرة، وربما قيل: اليدان في معنى القوة، كما قال الشاعر:
فاعمد لما نعلو فما لك بالذي * لا تستطيع مـن الأمـور يدان
وأما قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) فمعناه: نعمتاه، الظاهرة والباطنة، في الدنيا والدين. وقولهم: الضيعة في يد فلان، أي هي في ملكه، وتحت قدرته، وهذا معنى القبضة أيضاً، قال عروة بن حزام:
تكلفت من عفراء ما ليس لي به * ولا بالجبال الراسيات يدان
وزائدة: اسم رجل.

المثل المضروب
به داء الظبي
تفسير هذا المثل
ومعناه: أنه صحيح لا داء به، ولا تخلو الظباء من الأدواء كسائر الحيوان، ولكن لما رأتها العرب تفوت الطالب، ولا يقدر على لحاقها المجتهد نسبوا ذلك إلى صحة أجسامها، فقالوا: لا داء بها، ويقولون: " ما به قلبة " أي ما به داء، وأصله في الدابة يكون في باطن حافرها داء، فيقلبه البيطار، وينظر إليه ويداويه.
قال الراجز
ولم يقلب أرضها البيطار * ولا لحبليه بها حبار
والحبار: الأثر، ومنه سمي الحبر حبراً لتأثيره في الكتب.. وأرض الدابة: قوائمها، وهي ها هنا حافرها، قال الشاعر:
وأحمر كالديباج أما سماؤه * فرياً وأما أرضه فمحول
سماؤه: أعلاه، وأرضه: أسفله

المثل المضروب
بنت الجبل
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل يتكلم مع كل متكلم، ويجيب كل قائل. وأصله الصدى الذي يجيب المتكلم في الجبال، وما يجري مجراها، وأما من يتبع كلا على رأيه فهو إمعة، وقد تقدم ذكره. وقلت في رجل تمتام كثير الكلام:
اسكت لحاك الله من أخرس * لا يفهم الناس ولا يسكت
يجري مع النطاق مثل الصدى * لا يحسن القول ولا يصمت

المثل المضروب
بيتي يبخل لا أنا
تفسير هذا المثل
يقول: ليس البخل من أخلاقي، ولكن ليس في بيتي شيء أجود به. ووقفت امرأة على بعض الأجواد فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، فقال: ما ألطف ما سألت، وأعطاها حتى أغناها. وقريب من هذا المعنى قول الشاعر:
يرى المرء أحياناً إذا قل ماله * من الخير أبواباً فلا يستطيعها
وما إن به بخل ولكن ماله * يقصر عنها والبخيل يضيعها
وقال أبو نواس:
كفى حزناً أن الجواد مقتر * عليه ولا معروف عند بخيل
وقال بعضهم: من جاد لم يجد، ومن وجد لم يجد.

المثل المضروب
بالساعد تبطش الكف
تفسير هذا المثل
أي إنما أقوى على ما أريده بالسمة والمقدرة، وليس ذلك عندي. ويضرب مثلاً أيضاً لقلة الأعوان، ونحوه قول الشاعر:
أولئك إخواني الذين رزئتهم * وما الكف إلا إصبع ثم إصبع
ونحوه قول بشار:
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة * فإن الخوافي قوة للقوادم
وما خير كف أمسك الغـل أختها * وما خير سيف لم يؤيد بقائم

المثل المضروب
بأذن السماع سميت
تفسير هذا المثل
أي فعلك يصدق ما تسمعه الآذان من قولك، يحنه أن يكون فعله تابعاً لقوله، وأحسن الأشياء أن يقدم فعلك قولك، ودون ذلك في الحسن أن تفعل إذا قلت، فأما أن تقول ولا تفعل فهو النكال. وقلت:
يقولون ما لا يفعلون وإنما * يطيب نثا من لا يقول ويفعل

المثل المضروب
بين العصا ولحائها
تفسير هذا المثل
يقال: دخل بين العصا ولحائها، إذا دخل مدخلاً خص فيه بما لم يخص به غيره. هذا قول بعضهم، ونحن نقول: إذا دخل بين القرينين والصديقين بالشر. ونظمه شاعر فقال:
لا تدخلن تكلفاً * بين العصا ولحائها
واللحاء: قشر العود، لحوت العود؛ إذا قشرته، ولحيت لرجل: إذا لمته، وجعل تأبط شراً اللوم خرقاً للجلد، فقال:
يا من لعذالة خذالة أشب * يخرق باللؤم جلدي أي تخراق

المثل المضروب
بق نعليك، وابذل قدميك
تفسير هذا المثل
أي ابذل نفسك، واستبق مالك لئلا يختل أمرك، وقريب منه قول الشاعر:
واقذف بنفسك حيث يرجى الدرهم
وقال أحيحة بن الجلاح:
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب * من ابن عم ولا عم ولا خال
إني أقيم على الزوراء أعمرها * إن الكريم على الإخوان ذو المال
من أمثال كليلة التي نظمت:
المال فيه الـعـز والـجـمـال * والذل حيث لا يكون مال
وقال وكيع: مات سفيان الثوري وله مائة وخمسون ديناراً، وكان الفاريابي يعاتبه في تقلبي الدنانير، فيقول له: دعنا منك، لولا هذه لتمندل القوم بنا تمندلاً. وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال، فيقضي به دينه، ويصل به رحمه، ويكف به وجهه. ومات وخلف دنانير. وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها وجهي وديني. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ربما تبلغ نفقتي في اليوم أربعين ديناراً. وقال ابن عباس: عندي نفقة ثمانين سنة، لكل يوم لف درهم. وفي الحديث أن ابن الصعبة يعني طلحة ترك مائة بهار، في كل بهار ثلاثة قناطير، والقنطار: مائة رطل. قالوا ومات عبد الله بن مسعود، وترك تسعين ألفاً وأوصى عبد الرحمن بن عوف لمن بقي ممن شهد بدراً بأربعمائة دينار لكل واحد، فأخذوها، وأخذ عثمان معهم، وهو خليفة، وأوصى بألف فرس في سبيل الله. وقال الشاعر:
يحيي الناس كل غـني قـوم * ويبخل بالسلام على الفقير
ويوسع للغني إذا رأوه * ويجبى بـالتحية كالأمير

المثل المضروب
بلغ من العلم أطوريه
تفسير هذا المثل
أي بلغ أقصاه. قال أبو زيد: بلغ أطوريه بكسر الراء. وقال غيره: أطوريه بفتحها، والوجه الفتح؛ معناه: عرف منه الأصول والفروع، وهو من قولك: طرت الدار، إذا طفت بها كلها. والأطوار: الأصناف، في قول الله تعالى: (وقد خلقكم أطواراً) أي: أصنافاً في ألوانكم وأخلاقكم، وقيل: أحوالاً: نطفاً، ثم علقاً، ثم مضغاً، ثم لحماً وعظاماً. والطور: المرة أيضاً، يقال: طوراً تزورني، وطوراً تجنبني، أي مرة ومرة، وقيل: حالاً وحالا.

المثل المضروب
برد غداة غر عبداً من ظمأ
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً لترك الاحتياط في الأمور، ومفارقة الأخذ بالثقة؛ وأصله أن رجلاً خرج في برد غداة، ولم يتزود الماء، فلما حميت الشمس عليه هلك عطشاً.

المثل المضروب
بعت جاري ولم أبع داري
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل يترك داره لسوء معاملة جاره. وفي الأثر: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق. وقال العطوي:
يقولون قبل الدار جار مجاور * وقبل الطريق النهج أنس رفيق
فقـلت: وندمان الفتى قبل كأسه * وما حث كأس المرء مثل صديق
وساوم جار لفيروز بن حصين في دار له، فلما قاموا على الثمن قال: هذا ثمن الدار فأين ثمن جوار فيروز، والله لا أبيعه إلا بضعفي ثمن الدار! فبلغ فيروز، فبعث إليه بضعفي ثمنها وتركها له.
و أخبرنا أبو أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن الرياشي، عن ابن سلام، قال: مر طلحة بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف بدار ابن أذينة الشاعر، وهو ينادي عليها، فقال: إن داراً قعدنا فيها، وتحدثنا في ظلها لمحقوقة أن تمنع من البيع، وبعث إلى ابن أذينة بثمنها، وأغناه عن بيعها. وهذا خلاف ما روي عن ابن الزيات أنه كان يقول: الجوار قرابة بين الحيطان، والرحمة خور في الطبيعة، وضعف في القلب؛ وخبره في ذلك معروف.

المثل المضروب
برقي لمكن لا يعرفك
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للذي يتهدد ويوعد، وليس عنده نكير. وقد يقال: برق بالتذكير، ونحوه قول الشاعر:
إن الوعيد سلاح العاجز الورع
وقال غيره:
وكثرة الصوت والإيعاد من فشل
وقلت:
وتخافني الأيام فهي تخيفني * وللنكس تهديد إذا ريع رائع

المثل المضروب
بلغ السيل الزبى
بلغ الحزام الطبيين
بلغ منه المخنق
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للأمر يبلغ غايته في الشدة والصعوبة. والزبية: حفيرة تحفر في نشز من الأرض، وتغطى، ويجعل عليها طعم، فيراه السبع من بعيد، فيأتيه، فإذا استوى عليها انقض غطاؤها، فيهوي فيها، فإذا بلغها السيل فقد بالغ. ومثله: بلغ الحزام الطبيين وقد فسرناه قبل، وكتب عثمان رضى الله عنه إلى علي رضي الله عنه: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع في من لا يدفع عن نفسه.
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل * وإلا فأدركني ولما أمزق
ومثله قولهم: بلغ منه المخنق أي بلغ منه غاية الجهد والمخنق: الحلق، وأصله في الماء يبلغ حلق الغريق، فيكون في مجاورته موته.

المثل المضروب
بالت بينهم الثعالب
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للقوم يقع بينهم الفساد، وفي معناه: خرئت بينهم الضبع، وفسا بينهم الظربان. وقال الشاعر في نحوه:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر * من الود قد بالت عليه الثعالب
ونذكر هذا المعنى بأتم من هذا الشرح بعد إن شاء الله تعالى جده.

المثل المضروب
بينهم داء الضرائر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للقوم بينهم عداوة وشر لا ينقطع. وحسد الضرائر وعداوة بعضهم لبعض دائمة، قال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأوه * فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسداً وبغياً: إنه لدميم
وجمعت الضرة على الضرائر، والحرة على الحرائر، وهو جمع قليل. ويقال: تزوج الرجل على ضر؛ إذا تزوج امرأةً على امرأته الأولى، وهو مضر.

المثل المضروب
بين الحذيا والخلسة
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل يسألك الشيء، فإن أعطيته إياه وإلا اختلسه. والحذيا: العطية، حذوت الرجل أحذوه، وأحذيته أحذيه؛ إذا أعطيته، والاسم: الحذيا. وأما الحذوة فالقطعة من اللحم. حذوت له حذوة وحذوة، وحذوت النعل بالنعل حذواً وحذاء، والحذاء: النعل بعينها، وحذوت الرجل، وحاذيته سواء، وحذى النبيذ اللسان يحذيه، إذا قرصه.

المثل المضروب
بين المطيع وبين المدبر العاضي
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل يكون بين الطاعة والخلاف، فلا يوثق منه بأحدهما. وليس في الإخوان شر ممن هذه الحال حاله؛ لأنك لا تعرف على أي أمريه تعتمد، وإذا بنيت أمرك على حالة منه نقضه بغيرها، وقال المثقب:
فإما أن تكون أخي بحق * فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني * عدواً أتقيك وتتقيني
وقال رجل من عبد القيس لابنه: يا بني لا تؤاخ أحداً حتى تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استنبطت منه الخبرة، ورضيت منه العشرة، فاصحبه على إقالة العثرة، والمواساة في العسرة.

المثل المضروب
به تقرن الصعبة
تفسير هذا المثل
يراد أنه قوي على المستصعب من الأمور، إذا قرن به ذللـه.
ونحوه قول بشار:
فقل للخليفة إن جئته * نصيحاً ولا خير في المتهم
إذا أيقظتك جسام الأمو * ر فنبه لها عمراً ثم نم

المثل المضروب
بئس مقام الشيخ أمرس أمرس
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل يكون في أمر يكره لمثله أن يكون فيه. ومعناه: بئس مقام الشيخ على رأس بئر يستقي، فيزول رشاؤه عن البكرة، فيقال له: أمرس أمرس، أي رده إليها. والمرس: الحبل، وقد مرس عن البكرة، إذا زال عنها، وأمرسه المستقي، إذا رده إلى مكانه. وبعد هذا البيت قوله:
إما على القعو وإما اقعنسس
والقعوان: الحديدتان تجري بينهما البكرة. وقيل: القعو: البكرة بعينها.

المثل المضروب
بعد اللتيا والتي
تفسير هذا المثل
قالوا: يقال ذلك في الأمر يكون بعد ما يكاد صاحبه يهلك. وقيل: اللتيا والتي: من أسماء الداهية، واللتيا: تصغير التي. والصحيح في قولهم: بعد اللتيا والتي أي وصلت إليه بعد أن لقيت صغير المكاره وكبيرها، قال الشاعر:
وكفيت جانيها اللتيا والتي
أي كفيتها الصغير والكبير من الأمور، فلم يحتاجوا إلى غيري.

المثل المضروب
بعد الهياط والمياط
تفسير هذا المثل
قال الأصمعي: معناه بعد الإقبال والإدبار. وقال أبو بكر بن دريد: القوم في هيط وميط، وهياط ومياط، إذا كانوا في تجاذب وقتال. والميط: الجور أيضاً، ماط يميط؛ إذا جار، وماط يميط؛ إذا تباعد. وقال القتيبي: الهياط: الصياح. والمياط: الدفع.

المثل المضروب
بيضة العقر
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للفعلة تكون، ثم لا يتبعها مثلها أبداً. والعقر: مصدر العاقر. وقيل: يراد ببيضة العقر بيضة الديك، والديك يبيض بيضة واحدة لا ثانية لها. وروى عن الخليل أنه قال: العقر: استبراء المرأة لينظر أبكر هي أم ثيب، ولم يذكر هذا عن غيره. والعقر الذي يؤخذ على نكاح الشبهة أصله في البكر، وذاك أن البكر تعقر عند الافتضاض، فسمي بالعقر عقراً.

المثل المضروب
بين سمع الأرض وبصرها
تفسير هذا المثل
يقولون: كان فعل ذلك بين سمع الأرض وبصرها، أي في موضع خال لا أحد فيه. وقال بعضهم: معناه بين طول الأرض وعرضها، وليس الطول والعرض من السمع والبصر في شيء. وقال القتيبي في حديث قبله: لا تخبرها فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها، معناه فتتبعه بين أسماع الناس وأبصارهم، كأنها لا تباليهم إذا سمعوا باتباعها إياه، وأبصروا ذلك. وجعل السمع والبصر للأرض ويريد ساكنيها، كما قال تعالى: (واسأل القرية) أي أهلها، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد: " هذا جبل يحبنا ونحبه " أي يحبنا أهله ونحبهم، وهم الأنصار.

المثل المضروب
بصبصن بالأذناب إذ حدينا
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً للرجل إذا غمز أذعن. والبصبصة: تحريك الأذناب في الظباء، وفي الإبل: السير الشديد. ويقال: سرنا سيراً بصباصاً، وقال أبو داود:
ولقد ذعرت بنات عم * المر شقات لها بصابص
يعني حمر الوحش، فجعلها بنات عم الظباء. والمرشقات: الناظرات، كذا قال أبو عبيد، وقال المفضل: المرشق: الذي مد عنقه، وقد أرشق يرشق إرشاقاً. والبصابص: جمع بصبصة، وهي تحريك الذنب.

المثل المضروب
بيدي لا بيد عمرو
بسالم كانت الوقعة
تفسير هذا المثل
يقوله الرجل ينزل بنفسه المكروه مخافة أن ينزله به العدو. والمثل للزباء، قالته لعمرو بن عدي. ونذكر خبره إن شاء الله وحده.
أما قولهم: بسالم كانت الوقعة، اى بفلان كان معظم الأمر، ولا نعرف سالماً هذا.

المثل المضروب
بقطيه بطبك
تفسير هذا المثل
يقال للرجل يؤمر أن يحكم العمل بعلمه وفضل معرفته. وقد ذكرنا أصله في حرف الألف. وبقطيه: فرقيه. والبقط: المتفرق، قال الشاعر:
رأيت تميماً قد أضاعت أمورها * فهم بقط في الأرض فرث طوائف
أي منتشرون متفرقون.

المثل المضروب
باءت عرار بكحل
تفسير هذا المثل
يقال ذلك لشيئين كل واحد منهما يكون بواءً بصاحبه. وعرار وكحل: بقرتان باءت إحداهما بالأخرى. والبواء: السواء، يقال: فلان بواء لفلان، معناه: أنه إذا قتل به ر ضي قومه، ومنه قوله: بؤ بشسع كليب. قال الشاعر:
فيقتل جبراً بامرئ لم يكن له * بواءً ولكن لا نكايل بالدم

المثل المضروب
بطني فعطري
تفسير هذا المثل
أصله في امرأة كانت تعطر رجلاً ولا تطعمه. يقول: أشبعي بطني، ولا تحتاجين إلى تطييبي. وهو مثل للرجل يضيع ما يلزمه، وينظر فيما لا يعنيه. ونحوه قول جحظة:
قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا
وفي بعض ما عبثنا به ونستغفر الله منه:
ما إن وطئنا فناء زيد * إلا أتتنا الـكئوس عجلى
وقال: تختار صوت ناي * فقلت أختار صوت مقلى

المثل المضروب
بعد خيرتها يحتفظ
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً لخطأ التدبير في المعيشة وحفظ المال. وأصله أن يضيع الراعي خيار الإبل وكرائمها، حتى إذا ذهبت احتفظ بحواشيها وخساسها.

المثل المضروب
بلغ الله بك أكلأ العمر
تفسير هذا المثل
معناه: أشده تأخراً، ومنه: الكالئ بالكالئ، وقد جاء النهي عنه، وهو أن تقول: بعتك هذا الشيء بألف درهم إلى شهر، وبألف ومائة إلى شهرين، والكلاءة: الحفظ، كلأه؛ إذا حفظه. ويقال للنبات أول ما ينبت: الرطب، ثم الكلأ، مهموز مقصور، ثم الحشيش، إذا جف، ولا يقال للرطب: الحشيش.

المثل المضروب
بجنبه فلتكن الوجبة
تفسير هذا المثل
يضرب مثلاً في الشماتة بالرجل، ومعناه: ليحل به المكروه دون غيره. والوجبة: الصرعة، من قولهم: وجب الحائط؛ إذا سقط، وجبةً، وسمعت وجبة الشيء، أي هدته لوقعة وقعها، ووجبت الشمس؛ إذا سقطت للمغيب: وفي القرآن: (فإذا وجبت جنوبها)، ووجب الحق وجوباً في كل ذلك. وفي القلب وجيب، ووجب القلب وجيباً، إذا خفق. وذكر جنبه وأراد جملته؛ وقريب من ذلك قول الله تبارك وتعالى: (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) قالوا: معناه: في ذات الله، وأنشدوا:
ألا تتقين الله في جنب عاشق * له كبد حرى عليك تقطع
وقيل: أراد ما فرطت في أمر الله، وفي سلوك الطريق الذي هو طريق الله، أي الطريق إلى مرضاته، وهو الإيمان، والتفريط: التقصير.

المثل المضروب
البادئ أظلم
تفسير هذا المثل
يقوله الرجل يجازي على الإساءة بمثلها، أي الذي ابتدأ الإساءة أظلم. وله حديث نذكره فيما بعد إن شاء الله وحده.

مُختصر كتاب جمهرة الأمثال لأبو هلال العسكري