الفن الأول [ التعليم الرابع ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2597
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الفن الأول [ التعليم الرابع ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء نوفمبر 18, 2015 5:36 am


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
الفن الأول: حد الطب وموضوعاته من الأمور الطبيعية
التعليم الرابع: الأخلاط

● [ الفصل الأول: ماهية الخلط وأقسامه ] ●

الخلط: جسم رطب سيال يستحيل إليه الغذاء أولاً، فمنه خلط محمود وهو الذي من شأنه أن يصير جزءاَ من جوهر المغتذي وحده أو مع غيره، ومتشبهاً به وحده أو مع غيره. وبالجملة سادًا بدل شيء مما يتحلل منه، ومنه فضل وخلط رديء وهو الذي ليس من شأنه ذلك أو يستحيل في النادر إلى الخلط المحمود، ويكون حقه قبل ذلك أن يدفع عن البدن وينفض.
ونقول: إن رطوبات البدن منها أولى ومنها ثانية. فالأولى: هي الأخلاط الأربعة التي نذكرها.
والثانية: قسمان: إما فضول وإما غير فضول. والفضول سنذكرها. والتي ليست بفضول هي التي استحالت عن حالة الابتداء ونفذت في الأعضاء، إلا أنها لم تصر جزء عضو من الأعضاء المفردة بالفعل التام وهي أصناف أربعة: أحدها الرطوبة المحصورة في تجاويف أطراف العروق الصغار المجاورة للأعضاء الأصلية الساقية لها.
والثانية: الرطوبة التي هي منبثّة في الأعضاء الأصلية بمنزلة الطلّ ، وهي مستعدّة لأن تستحيل غذاء إذا فقد البدن الغذاء ولأنْ تَبُل الأعضاء إذا جفّفها سبب من حركة عنيفة أو غيرها. والثالثة: الرطوبة القريبة العهد بالانعقاد، فهي غذاء استحال إلى جوهر الأعضاء من طريق المزاج والتشبيه، ولم تستحل بعد من طريق القوام التام.
والرابعة: الرطوبة المداخلة للأعضاء الأصلية منذ ابتداء النُشُوّ التي بها اتصال أجزائها ومبدؤها من النطفة ومبدأ النطفة من الأخلاط.
ونقول أيضاً: إن الرطوبات الخلطية المحمودة والفضلية تنحصر في أربعة أجناس: جنس الدم وهو أفضلها، وجنس البلغم، وجنس الصفراء، وجنس السوداء.
والدم: حار الطبع رطبه وهو صنفان: طبيعي وغير طبيعي، والطبيعي: أحمر اللون لا نتن له، حلو جداً. وغير الطبيعي: قسمان فمنه ما قد تغيّر عن المزاج الصالح لا بشيء خالطه، ولكن بأن ساء مزاجه في نفسه فبرد مزاجه مثلا" أو سخن، ومنه ما إنما تغيّر بأن حصل خلط رديء فيه وذلك قسمان: فإنه إما أن يكون الخلط ورد عليه من خارج فنفذ فيه فأفسده، وإما أن يكون الخلط تولّد فيه نفسه مثلاً بأن يكون عفن بعضه فاستحال الطبقة مُرَة صفراء، وكثيفه مرَة سوداء، وبقيا أو أحدهما فيه، وهذا القسم بقسميه مختلف بحسب ما يخالطه. وأصنافه من أصناف البلغم وأصناف السوداء وأصناف الصفراء والمائية، فيصير تارة عكراً وتارة رقيقاً وتارة أسود شديد السواد وتارة أبيض، وكذلك يتغير في رائحته وفي طعمه فيصير مرًا ومالحاً وإلى الحموضة.
وأما البلغم: فمنه طبيعي أيضاً ومنه غير طبيعي. والطبيعي: هو الذي يصلح أن يصير في وقت ما دماً لأنه دم غير تام النضج، وهو ضرب من البلغم والحلو، وليس هو بشديد البرد بل هو بالقياس إلى البدن قليل البرد بالقياس إلى الدم والصفراء بارد، وقد يكون من البلغم الحلو ما ليس بطبيعي، وهو البلغم الذي لا طعم له الذي سنذكره إذا اتفق أن خالطه دم طبيعي. وكثيراً ما يحس به في النوازل وفي النفث وأما الحلو الطبيعي فإن "جالينوس" زعم أن الطبيعة إنما لم تعد له عضواً كالمفرغة مخصوصاً مثل ما للمرتين، لأن هذا البلغم قريب الشبه من الدم وتحتاج إليه الأعضاء كلها، فلذلك أجري مجرى الدم ونحن نقول: إن تلك الحاجة هي لأمرين: أحدهما ضرورة، والآخر منفعة، أما الضرورة فلسببين: أحدهما: ليكون قريباً من الأعضاء، فمتى فقدت الأعضاء الغذاء الوارد إليها صار دماً صالحاً لاحتباس مدده من المعدة والكبد، ولأسباب عارضة أقبلت عليه قواها بحرارته الغريزية فأنضجته وهضمته وتغذت به، وكما أن الحرارة الغريزية تنضجه وتهضمه وتصلحه دماً، فكذلك الحرارة الغريبة قد تعفنه وتفسده. وهذا القسم من الضرورة ليس للمرَتين، فإن المرَتين لا تشاركان البلغم في أن الحار الغريزي يصلحه دماً، وإن شاركناه في أن الحار العرضي يحيله عفناً فاسداً.
والثاني: ليخالط الدم فيهيئه لتغذية الأعضاء البلغمية المزاج التي يجب أن يكون في دمها الغاذيها بلغم بالفعل على قسط معلوم مثل الدماغ، وهذا موجود للمرّتين، وأما المنفعة فهي أن تبلّ المفاصل والأعضاء الكثيرة الحركة ، فلا يعرض لها جفاف بسبب حركة العضو وبسبب الاحتكاك وهذه منفعة واقعة في تخوم الضرورة. وأما البلغم الغير الطبيعي فمنه فضلي مختلف القوام حتى عند الحس وهو المخاطي، ومنه مستوي القوام في الحس مختلفة في الحقيقة وهو الخام، ومنه الرقيق جد"ا وهو المائي منه، ومنه الغليظ جدًا" وهو الأبيض المسمى بالجصي وهو الذي قد تحلل لطبقة لكثرة احتباسه في المفاصل والمنافذ وهو أغلظ الجميع، ومن البلغم صنف مالح وهو أحر ما يكون من البلغم وأيبسه وأجفه، وسبب كل ملوحة تحدث أن تخالط رطوبة مائية قليلة الطعم أو عديمته أجزاء أرضية محترقة يابسة المزاج مرة الطعم مخالطة باعتدال فإنها إن كثرت مررت . ومن هذا تتولد الأملاح وتملح المياه. وقد يصنع الملح من الرماد والقلي والنورة وغير ذلك بأن يطبخ في الماء ويصفى ويغلى ذلك الماء حتى ينعقد ملحاً، أو يترك بنفسه فينعقد وكذلك البلغم الرقيق الذي لا طعم له أو طعمه قليل غير غالب إذا خالطته مرة يابسة بالطبع، محترقة مخالطة باعتدال ملحته وسخنته فهذا بلغم صفراوي. وأما الحكيم الفاضل "جالينوس، فقد قال: إن هذا البلغم يملح لعفونته أو لمائية خالطته. ونحن نقول: إن العفونة تملّحه بما تحدث فيه من الاحتراق والرمادية فتخالط رطوبته. وأما المائية التي تخالطه فلا تحدث الملوحة وحدها إذا لم يقع السبب الثاني- ويشبه أن يكون بدل أو القاسمة الواو الواصلة وحدها فيكون الكلام تاماً. ومن البلغم حامض. وكما أن الحلو كان على قسمين: حلو لأمر في ذاته، وحلو لأمر غريب مخالط، كذلك الخامض أيضاً تكون حموضته على قسمين: أحدهما بسبب مخالطة شيء غريب وهو السوداء الحامض الذي سنذكره. والثاني بسبب أمر في نفسه وهو أن يعرض للبلغم الحلو المذكور أو ما هو في طريق الحلاوة ما يعرض لسائر العصارات الحلوة من الغليان أولاً، ثم التحميض ثانياً، ومن البلغم أيضاً، عفص وحاله هذه الحال، فإنه ربما كانت عفوصته لمخالطة السوداء العفص، وربما كانت عفوصته بسبب تبرده في نفسه تبرداً شديداً فيستحيل طعمه إلى العفوصة لجمود مائيته واستحالته لليبس إلى الأرضية قليلاً، فلا تكون الحرارة الضعيفة أغلته فحمضته ولا القوية أنضجته. ومن البلغم نوع زجاجي ثخين غليظ يشبه الزجاج الذائب في لزوجته وثقله، وربما كان حامضاً، وربما كان مسيخاً ويشبه أن يكون الغليظ من المسيخ منه هو الخام، أو يستحيل إلى الخام وهذا النوع من البلغم هو الذي كان مائياً في أول الأمر بارداً، فلم يعفن ولم يخالطه شيء، بل بقي مخنوقاً حتى غلظ وازداد برداً. ! فقد تبين إذاً، أن أقسام البلغم الفاسد من جهة طعمه أربعة: مالح وحامض وعفص و مسيخ. ومن جهة قوامه أربعة: مائي وزجاجي ومخاطي وجصّي. والخام في إعداد المخاطي.
وأما الصفراء: فمنها أيضاً طبيعي، ومنها فضل غير طبيعي، والطبيعي منها: هو رغوة الدم وهو أحمر اللون ناصعه خفيف حاد، وكلما كان أسخن فهو أشد حمرة فإذا تولد في الكبد انقسم قسمين: فذهب قسم منه مع الدم، وتصفَى قسم منه إلى المرارة. والذاهب منه مع الدم يذهب معه لضرورة ومنفعة، أما الضرورة فلتخالط الدم في تغذية الأعضاء التي تستحق أن يكون في مزاجها جزء صالح من الصفراء وبحسب ما يستحقه من القسمة مثل الرئة، وأما المنفعة فلأن تلطف الدم وتنفذه في المسالك الضيقة والمتصفى منه إلى المرارة يتوجه أيضاً نحو ضرورة ومنفعة، أما الضرورة فإما بحسب البدن كله فهي تخليصه من الفضل، وإما بحسب عضو منه فهي لتغذية المرارة.
وأما المنفعة فمنفعتان: إحداهما غسلها المعي من الثفل والبلغم اللزج، والثانية لذعها المعي ولذعها عضل المقعدة لتحس بالحاجة وتحوج إلى النهوض للتبرز. ولذلك ربما عرض قولنج بسبب سدة تقع في المجرى المنحدر من المرارة إلى المعي.
وأما الصفراء الغير الطبيعي: فمنها ما خروجه من الطبيعة بسبب غريب مخالط، ومنها ما خروجه عن الطبيعة بسبب في نفسه بأنه في جوهره غير طبيعي. والقسم الأول منه ما هو معروف مشهور وهو الذي يكون الغريب المخالط له بلغماً وتولده في أكثر الأمر في الكبد، ومنه ما هو أقل شهرة وهو الذي يكون الغريب المخالط له سوداء، والمعروف المشهور هو إما المرة الصفراء، وإما المرّة المحية ، وذلك لأن البلغم الذي يخالطه ربما كان رقيقاً فحدث منه الأولى، وربما كان غليظاً فحدثت منه الثانية، أي الصفراء الشبيهة بمح البيض. وأما الذي هو أقل شهرة فهو الذي يسمى صفراء محترقة.
وحدوثه على وجهين: أحدهما أن تحترق الصفراء في نفسها فيحدث فيها رمادية، فلا يتميز لَطِيفُها من رماديتها بل تحتبس الرمادية فيها وهذا شر، وهذا القسم يسقى صفراء محترقة. والثاني: أن تكون السوداء وردت عليه من خارج فخالطته، وهذا أسلم. ولون هذا الصنف من الصفراء أحمر، لكنه غير ناصع ولا مشرق، بل أشبه بالدم، إلا أنه رقيق وقد يتغير عن لونه لأسباب. وأما الخارج عن الطبيعة في جوهره فمنه ما تولّد أكثر ما يتولد منه في الكبد، ومنه ما تولّد أكثر ما يتولّد منه في المعدة، والذي تولد أكثر ما يتولد منه في الكبد هو صنف واحد وهو اللطيف من الدم إذا احترق وبقي كثيفه سوداء، والذي تولّد أكثر ما يتولد منه مما هو في المعدة هو على قسمين: كرّاثي، وزنجاري، والكرّاثي يشبه أن يكون متولداً من احتراق المحّي فإنه إذا احترق أحدث فيها الاحتراق سواداً وخالط الصفرة فتولّد فيما بين ذلك الخضرة. وأما الزنجاري فيشبه أن يكون متولداً من الكرَاثي إذا اشتد احتراقه حتى فنيت رطوباته وأخذ يضرب إلى البياض لتجفّفه، فإن الحرارة تحدث أوَلاً في الجسم الرطب سواداً، ثم يسلخ عنه السواد إذا جعلت تفني رطوبته وإذا أفرطت في ذلك بيضَتْهُ. تأمل هذا في الحطب يتفحم أوَلا"، ثم يترمد ، وذلك لأن الحرارة تفعل في الرطب سواداً، وفي ضده بياضاً. والبرودة تفعل في الرطب بياضاً، وفي ضده سواداً. وهذان الحكمان مني في الكراثي والزنجاري تخمين. وهذا النوع الزنجاري أسخن أنواع الصفراء وأردؤها وأقتلها. ويقال إنه من جوهر السمون وأما السوداء فمنها ما هو طبيعي ومنها فضل غير طبيعي. والطبيعي دردي الدم المحمود وثفله وعكره. وطعمه بين حلاوة وعفوصة. وإذا تولد في الكبد توزعّ إلى قسمين: فقسم منه ينفذ مع الدم وقسم يتوجَّه نحو الطحال. والقسم النافذ منه مع الدم ينفذ لضرورة ومنفعة. أما الضرورة فليختلط بالدم بالمقدار الواجب في تغذية عضو من الأعضاء التي يجب أن يقع في مزاجها جزء صالح من السوداء مثل العظام. وأما المنفعة فهي أنه يشد الدم ويقويه ويكثفه ويمنعه من التحلل. والقسم النافذ منه إلى الطحال وهو ما استغنى عنه الدم ينفذ أيضاً لضرورة ومنفعة. أما الضرورة فإما بحسب البدن كله وهي التنقية عن الفضل، وأما بحسب عضو وهي تغذية الطحال. وأما المنفعة، فإنما تقع عند تحلّلها إلى فم المعدة وتلك المنفعة على وجهين: أحدهما: أنها تشد فم المعدة وتكثّفه وتقوّيه، والثاني: أنها تدغدغ فم المعدة بالحموضة فتنبه على الجوع وتحرك الشهوة. واعلم أن الصفراء المتحلبة إلى المرارة هي ما يستغني عنه الدم. والمتحلبة عن المرارة هي ما تستغني عنه المرارة. وكذلك السوداء المتحلّبة إلى الطحال هي ما يستغني عنه الدم. والمتحلّبة عن الطحال هي ما يستغني عنه الطحال. وكما أن تلك الصفراء الأخيرة تنبه القوة الدافعة من أسفل كذلك هذه السوداء الأخيرة تنبّه القوة الجاذبة من فوق فتبارك اللّه أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين.
وأما السوداء الغير الطبيعية: فهي ما ليس على سبيل الرسوب والثفلية، بل على سبيل الرمادية، والاحتراق، فإن الأشياء الرطبة المخالطة للأرضية تتميّز الأرضية منها على وجهين: إما على جهة الرسوب ومثل هذا الدم هو السوداء الطبيعي، وإما على جهة الاحتراق بأن يتحلّل اللطيف ويبقى الكثيف. ومثل هذا الدم والأخلاط هو السوداء الفضلية تسمّى المرة السوداء، وإنما لم يكن الرسوب إلا للدم لأن البلغم للزوجته لا يرسب عنه شئ كالثفل، . والصفراء للطافتها وقلة الأرضية فيها ولدوام حركتها، ولقلّة مقدار ما يتميز منها عن الدم في البدن لا يرسب منها شيء يعتدّ به وإذا تميّز لم يلبث أن يعفن أو يندفع، وإذا عفن تحلل لطيفه وبقي كثيفه سوداء احتراقية لا رسوبية.
والسوداء الفضلية: منها ما هو رماد الصفراء وحراقتها وهو مرّ والفرق بينه وبين الصفراء التي سميناها محترقة هو أن تلك الصفراء يخالطها هذا الرماد، وأما هذا فهو رماد متميز بنفسه، تحلّل لطيفه، ومنها ما هو رماد البلغم وحراقته فإن كان البلغم لطيفاً جداً مائيا" ، فإن رماديته تكون إلى الملوحة وإلا كانت إلى حموضة أو عفوصة، ومنها ما هو رماد الدم وحراقته، وهذا مالح إلى حلاوة يسيرة، ومنها ما هو رماد السوداء الطبيعية، فإن كانت رقيقة كان رمادها وحراقتها شديدة الحموضة كالخل يغلي على وجه الأرض حامض الريح ينفر عنه الذباب ونحوه، وإن كانت غليظة كانت أقل حموضة ومع شيء من العفوصة والمرارة، فأصناف السوداء الرديئة ثلاثة: الصفراء إذا احترقت وتحلل لطيفها، وهذان القسمان المذكوران بعدها. وأما السوداء البلغمية: فأبطأ ضرراً وأقل رداءة. وتترتّب هذه الأخلاط الأربعة إذا احترقت في الرداءة. فالسوداء أشدها وأشدها غائلة. وأسرعها فساداً هو الصفراوية لكنها أقبلها للعلاج. وأما القسمان الآخران فإن الذي هو أشد حموضة أردأ، ولكنه إذا تدورك في ابتدائه كان أقبل للعلاج، وأما الثالث فهو أقل غلياناً على الأرض وتشبثاَ بالأعضاء وأبطأ مدة في انتهائه إلى الإهلاك، ولكنه أعصى في التحلل والنضج وقبول الدواء. فهذه هي أصناف الأخلاط الطبيعية والفضلية.
قال " جالينوس "، ولم يصب من زعم أن الخلط الطبيعي هو الدم لا غير وسائر الأخلاط فضول لا يحتاج إليها البتّة، وذلك لأن الدم لو كان وحده هو الخلط الذي يغذو الأعضاء لتشابهت في الأمزجة والقوام، ولما كان العظم أصلب من اللحم إلا ودَمُهُ دَم مازَجَهُ جوهر صلب سوداوي، ولما كان الدماغ ألين منه إلا وإن دمه دم مازجه جوهر ليّن بلغمي، والدم نفسه تجده مخالطاً لسائر الأخلاط فينفصل عنها عند إخراجه وتقريره في الإناء بين يدي الحسّ إلى جزء كالرغوة هو الصفراء، وجزء كبياض البيض هو البلغم، وجزء كالثفل والعكر هو والسوداء، وجزء مائي هو المائية التي يندفع فضلها في البول، والمائية ليست من الأخلاط، لأن المائية هي من المشروب الذي لا يغذو وإنما الحاجة إليها لترقق الغذاء وتنفذه وأما الخلط فهو من المأكول والمشروب الغاذي ومعنى قولنا غادّ، أي هو بالقوة شبيه بالبدن والذي هو بالقوة شبيه بدن الإنسان هو جسم ممتزج لا بسيط، والماء هو بسيط، ومن الناس من يظن أن قوة البدن تابعة لكثرة الدم، وضعفه تابع لقلته، وليس كذلك بل المعتبر حال رزء البدن منه أي حال صلاحه ومن الناس من يظن أن الأخلاط إذا زادت أو نقصت بعد أن تكون على النسبة التي يقتضيها بدن الإنسان في مقادير بعضها عند بعض، فإن الصحة محفوظة وليس كذلك، بل يجب أن يكون لكل واحد من الأخلاط مع ذلك تقدير في الكم محفوظ ليس بالقياس إلى خلط آخر، بل في نفسه مع حفظ التقدير الذي بالقياس إلى غيره. وقد بقي في أمور الأخلاط مباحث ليست تليق بالأطباء أن يبحثوا فيها، إذ ليست من صناعتهم بل بالحكماء فأعرضنا عنها.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ الفصل الثاني: كيفية تولد الأخلاط ] ●

فاعلم أن الغذاء له انهضام إما بالمضغ، وذلك بسبب أن سطح الفم متصل بسطح المعدة، بل كأنّهما سطح واحد، وفيه منه قوة هاضمة، فإذا لاقى الممضوغ أحاله إحالة ما، ويعينه على ذلك الريق المستفيد بالنضج الواقع فيه حرارة غريزية، ولذلك ما كانت الحنطة الممضوغة تفعل من إنضاج الدماميل والخراجات ما لا تفعله المدقوقة بالماء والمطبوخة فيه. قالوا: والدليل على أن الممضوغ قد بدا فيه شيء من النضج أنه لا يوجد فيه الطعم الأول، ولا رائحته الأولى، ثم إذا ورد على المعدة، انهضم الانهضام التام لا بحرارة المعدة وحدها بل بحرارة ما يطيف بها أيضاً أما من ذات اليمين فالكبد، وأما من ذات اليسار الطحال، فإن الطحال قد يسخن لا بجوهره بل بالشرايين والأوردة الكثيرة التي فيه، وأما من قدام فبالثرب الشخمي القابل للحرارة سريعاً بسبب الشحم المؤدّيها إلى المعدة، وإما من فوق فالقلب يتوسط تسخينه للحجاب، فإذا انهضم الغذاء أوّلاً صار بذاته. في كثير من الحيوان، وبمعونة ما يخالطه من المشروب في أكثرها كيلوساً وهو جوهر سيال شبيه ،بماء الكشك الثخين، أو ماء الشعير ملاسة وبياضاً، ثم إنه بعد ذلك ينجذب لطيفه من المعدة ومن الأمعاء أيضاَ، فيندفع من طريق العروة المسماة ماساريقا، وهي عروق دقاق صلاب متصلة بالأمعاء كلها، فإذا اندفع فيها صار إلى العرق المسمى باب الكبد ونفذ في الكبد في أجزاء وفروع للباب داخلة متصغرة مضائلة كالشعر ملاقية لفوهات أجزاء أصول العرق الطالع من حدبة الكبد. وإن تنفذه في تلك المضايق فينا الأفضل مزاج من الماء مشروب فوق المحتاج إليه للبدن، فإذا تفرق في ليف هذه العروق صار كأن الكبد بكليتها ملاقية لكلية هذا الكيلوس، وكان لذلك فعلها فيه أشد وأسرع، وحينئذ ينطبخ وفى كل انطباخ لمثله شيء كالرغوة وشيء كالرسوب. وربما كان معهما إما شيء هو إلى الاحتراق إن أفرط الطبخ، أو شيء كالفج إن قصر الطبخ فالرغوة هي الصفراء، والرسوب هي السوداء، وهما طبيعيان. والمحترق لطيفه صفراء رديئة، وكثيفه سوداء رديئة، غير طبيعيين. والفج هو البلغم. وأما الشيء المتصفي من هذه الجملة نضيجاً فهو الدم إلا أنه بعد ما دام في الكبد يكون أرق مما ينبغي لفضل المائية المحتاج إليها للعلة المذكورة ولكن هذا الشيء الذي هو الدم إذا انفصل عن الكبد، فكما ينفصل عنه يتصفى أيضاً عن المائية الفضلية التي إنما احتيج إليها لسبب وقد ارتفع فتنجذب هي عنه في عرق نازل إلى الكليتين، ويحمل مع نفسه من الدم ما يكون بكميته وكيفيته صالحاً لغذاء الكليتين، فيغذو الكليتين الدسومة والدموية من تلك المائية، ويندفع باقيها إلى المثانة والى الإحليل.
وأما الدم الحسن القوام فيندفع في العرق الطالع من حدبة الكبد ويسلك في الأوردة المتشعبة منه، ثم في جداول الأوردة، ثم في سواقي الجداول، ثم في رواضع السواقي، ثم في العروق الليفية الشعرية، ثم يرشح من فوهاتها في الأعضاء بتقدير العزيز العليم. فسبب الدم الفاعلي هو حرارة معتدلة، وسببه المادي هو المعتدل من الأغذية والأشربة الفاضلة، وسببه الصوري النضج الفاضل، وسببه التمامي تغذية البدن. والصفراء سببها الفاعلي، أما الطبيعي منها الذي هو رغوة الدم فحرارة معتدلة، وأما للمحترقة منها فالحرارة النارية المفرطة، وخصوصاً في الكبد، وسببها المادي هو اللطيف الحار والحلو الدسم. والحريف من الأغذية، وسببها الصوري مجاوزة النضج إلى الإفراط، وسببها التمامي الضرورة والمنفعة المذكورتان. والبلغم سببه الفاعلي حرارة مقصرة، وسببه المادّي الغليظ الرطب اللزج البارد من الأغذية. وسببه الصوري قصور النضج، وسببه التمامي ضرورته ومنفعته المذكورتان. والسوداء سببها الفاعلي. أما الرسوبي منها فحرارة معتدلة. وأما المحترق منها فحرارة مجاوزة للاعتدال وسبهها المادي الشديد الغلظ القليل الرطوبة من الأغذية، والحار منها قوي في ذلك وسببها الصوري الثفل المترسب على أحد الوجهين فلا يسيل أو لا يتحلل، وسببها التمامي ضرورتها ومنفعتها المذكورتان. والسوداء تكثر لحرارة الكبد أو لضعف الطحال، أو لشدة برد مجمد، أو لدوام احتقان، أو لأمراض كثرت وطالت فرمدت الأخلاط. وإذا كثرت السوداء ووقفت بين المعدة والكبد قل معها تولد الدم والأخلاط الجيدة فقلّ الدم. ويجب أن تعلم أن الحرارة والبرودة سببان لتولد الأخلاط مع سائر الأسباب، لكن الحرارة المعتدلة يولّد الدم، والمفرطة تولد الصفراء، والمفرطة جدًّا تولد السوداء بفرط الاحتراق، والبرودة تولد البلغم، والمفرطة جدًا تولد السوداء بفرط الإجماد، ولكن يجب أن تراعى القوى المنفعلة بإزاء القوى الفاعلة، وليس يجب أن يقف الاعتقاد على أن كل مزاج يولد الشبيه به ولا يولد الضّد بالعرض، وإن لم يكن بالذات، فإن المزاج قد يتفق له كثيراً أن يولد الضد، فإن المزاج البارد اليابس يولد الرطوبة الغريبة لا للمشاكلة، ولكن لضعف الهضم، ومثل هذا الإنسان يكون نحيفاً رخو المفاصل، أذعر الفصل التاسع في أحوال الأدوية المسهّلة من الأدوية المسهلة ما غائلته عظيمة مثل الخربق الأسود، ومثل التُرْبُد إذا لم يكن أبيض جيداً، بل كان من جنس الأصفر، ومثل الغاريقون إذا لم يكن أبيض خالصاً، بل كان إلى السواد، وكالمازريون، فإن هذه الأشياء رديئة، فإذا اتفق شرب شيء من ذلك، وعرضت أعراض رديئة، فالصواب أن يدفع الدواء عن البدن ما أمكن بقيء أو إحدار، وليعالج بالترياق وكثيراً منها ما يدفع شرّه وإفساده للنفس بسقي الماء البارد جداً، والجلوس فيه كالتربد الأصفر والعفن، وبكل ما يكسر الحدة أيضاً بتغرية وتليين ودسومة فيها غروية، فينفع من ذلك.
وقد يناسب بعض الأدوية بعض الأمزجة ولا يناسب بعضها، فإن السقمونيا لا يعمل في أهل البلدان الباردة إلا فعلاً ضعيفاً ما لم يستعمل منه مقدار كثير، كعادته في بلاد الترك، وربما احتيج في بعض البلدان والأبدان إلى أن لا يستعمل أجرام الأدوية بل قواها. ومن الواجب أن يخلط بالأدوية المسهلة الأدوية العطرية ليحفظ بها قوى الأعضاء والأدوية الطيبة حسنة الموقع من ذلك، لأنها تقوي الروح الحيواني في كل عضو. وأكثرها معين بتلطيفه وتسييله، وقد يجتمع دواءان: أحدهما سريع الإسهال لخلطه والآخر بطيء، فيفرغ الأول من فعله قبل ابتداء الثاني في فعله، وقد يزاحم الثاني في خلطه أيضاً مزاحمة تكسر قوته ، وإذا ابتدأ الثاني بعده، كان ضعيف القوة محركاً غير بالغ فيجب أن يركب معه ما يستعمله بسرعة كالزنجبيل للتربد، فإنه لا يدعه يتبلد إلى حين، ولذلك جوذب الخلط بينهما.
ويجب أن تتأمل أصولاً بيّناها في قوى الأدوية المسهّلة، حيث تكلّمنا في أصول كلية للأدوية المفردة. والدواء المسهل قد يسهل بالتحليل مع خاصية كالتربد وقد يسهل بالعصر مع خاصية كالهليلج، وقد يسهل بالتليين مع خاصية كالشيرخشك ، وقد يسهل بالإزلاق كلعاب بزرقطونا والإجاص. وأكثر الأدوية القوية فيها سمية ما فيسهل على سبيل قسر الطبيعة، فيجب أن يصلحها بما فيه فادزهرية، وقد تعين المرارة والحرافة والقبض والعفونة والحموضة كثيراً على فعل الدواء إذا وافقت خاصيته، فإن المرارة والحرافة تعينان على التحليل. والعفوصة على العصر. والحموضة على التقطيع المعَدّ للإزلاق. ويجب أن لا يجمع بين مزلق وعاصر على وجه تتكافأ فيه قوتاهما، بل يصلح في مثله أن يتباطأ أحدهما عن الآخر، فيكون مثل أحد الدواءين مليناً يفعل فعله قبل فعل العاصر، ثم يلحق العاصر فيسهل ما لينه وعلى هذا القياس.
جباناَ بارد اللمس ناعمه ضيق العروق. وشبيه بهذا ما تولد الشيخوخة البلغم على أن مزاج الشيخوخة بالحقيقة برد ويبس. ويجب أن تعلم أن للدم وما يجري معه في العروق هضماً ثالثاَ، وإذا توزع على الأعضاء فليصب كل عضو عنده هضم رابع، ففضل الهضم الأول وهو في المعدة يندفع من طريق الأمعاء. وفضل الهضم الثاني وهو في الكبد يندفع أكثره في البول وباقيه من جهة الطحال والمرارة، وفضل الهضمين الباقيين يندفع بالتحلل الذي لا يحس وبالعرق والوسخ الخارج بعضه من منافذ محسوسة كالأنف والصماخ ، أو غير محسوس كالمسام، أو خارجة عن الطبع كالأورام المتفجرة، أو بما ينبت من زوائد البدن كالشعر والظفر. واعلم أن من رقت أخلاطه أضعفه استفراغها، وتأذى بسعة مسامه إن كانت واسعة تأذياً في قوّته لما يتبع التحلل من الضعف، ولأن الأخلاط الرقيقة سهله الاستفراغ والتحلل وما سهل استفراغه وتحلّله سهل استصحابه للروح في تحلله فيتحلل معه. واعلم أنه كما أن لهذه الأخلاط أسباباً في تولدها، فكذلك لها أسباب في حركتها فإن الحركة والأشياء الحارة تحرك الدم والصفراء وربما حركت السوداء، وتقويها لكن الدعة تقوي البلغم وصنوفاً من السوداء . والأوهام أنفسها تحرك الأخلاط مثل أن الدم يحرّكه النظر إلى الأشياء الحمر، ولذلك ينهى المرعوف عن أن يبصر ماله بريق أحمر، فهذا ما نقوله في الأخلاط وتولدها وأما مخاصمات المخالفين في صوابها فإلى الحكماء دون الأطباء.

● [ تم التعليم الرابع وهو فصلان ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الأول: الأمور الكلية فى علم الطب
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 10:49 am