الأحاديث من العشرين الى الثانى والعشرين

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2592
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الأحاديث من العشرين الى الثانى والعشرين

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء سبتمبر 14, 2016 2:57 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم
الأحاديث من العشرين الى الثانى والعشرين

● [ الحديث العشرون ] ●

عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي إذا لم تستح فاصنع ما شئت. رواه البخاري.
هذا الحديث خرجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن أبي مسعود عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم فاختلف في إسناده لكن أكثر الحفاظ حكموا بأن القول قول من قال عن أبي مسعود منهم البخاري وأبو زرعة الرازي والدارقطني وغيرهم ويدل على صحة ذلك أنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه وخرجه الطبراني من حديث أبي الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا.
● فقوله صلى الله عليه وسلم " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى " يشير إلى أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين وأن الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن وهذا يدل على أن النبوة المتقدمة جاءت بهذا الكلام وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة وفي بعض الروايات قال: " لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا "، خرجها عبيد بن زنجويه وغيره.
● وقوله " إذا لم تستح فاصنع ما شئت "، في معناه قولان:
أحدهما أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء ولكنه على معنى الذم والنهي عنه وأهل هذه المقالة لهم طريقان أحدهما أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد والمعني إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فالله يجازيك عليه كقوله ( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ) وقوله ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من باع الخمر فليشقص الخنازير، يعني ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها، وأمثلته متعددة وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس بن ثعلبة والطريق الثاني أنه أمر ومعناه الخبر والمعنى، أن من لم يستح صنع ما شاء فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر وما يمتنع من مثله من له حياء على حد قوله صلى الله عليه وسلم: من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، فإن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر وإن من كذب عليه يتبوأ مقعده من النار وهذا اختيار أبي عبيد والقاسم بن سلام رحمه الله وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول، وعن ابن عباس قال الحياء والإيمان في قرن فإذا نزع الحياء تبعه الآخر خرجه كله حميد بن زنجويه في كتاب الأدب وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك تستحي كأنه يقول قد أضر بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال الحياء شعبة من الإيمان وفي الصحيحين عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء لا يأتي إلا بخير وفي رواية لمسلم قال: الحياء خير كله، أو قال: الحياء كله خير، وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث الأشج المنقري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيك لخصلتين يحبهما الله، قلت: ما هما قال: الحلم والحياء، قلت: أقديما كان أو حديثا، قال: بل قديما، قلت الحمد لله الذي جعلني على خليقتين يحبهما الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقال إسماعيل بن أبي خالد دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل فاستسقى فأتى بماء فشرب فستره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا قال الحياء أوتوها ومنعتموها.
واعلم أن الحياء نوعان:
● أحدهما ما كان خلقا وجبلة غير مكتسب وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير، فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا اختفى ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقى، وقال الجراح بن عبدالله الحكمي وكان فارس أهل الشام تركت الذنوب حياء أربعين سنة ثم أدركني الورع وعن بعضهم قال رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فاستحالت ديانة.
● النوع الثاني ما كان مكتسبا من معرفة الله ومعرفة عظمته وقربه من عباده واطلاعه عليهم وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور فهذا من أعلى خصال الإيمان بل هو من أعلى درجات الإحسان وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: استحي من الله كما تستحي من رجل من صالح عشيرتك، وفي حديث ابن مسعود " الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وماحوى وأن تذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله " خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا.
وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى ورؤية التقصير في شكرها فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة فصار كأنه لا إيمان له وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياء حياءان طرف من الإيمان والآخر عجز، ولعله من كلام الحسن كذلك قال بشير بن كعب العدوي لعمران بن حصين إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارا لله ومنه ضعف فغضب عمران وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه والأمر كما قاله عمران رضي الله عنه فإن الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد به الخلق الذي يحث عل فعل الجميل وترك القبيح فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء فإنما هو ضعف وخور وعجز ومهانة و الله أعلم.
● والقول الثاني في معنى قوله " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " أنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر أمره وأن المعنى إذا كان الذي يريد فعله مما لا يستحي من فعله لا من الله ولا من الناس لكونه من أفعال الطاعات أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة فاصنع منه حينئذ ما شئت وهذا قول جماعة من الأئمة منهم إسحاق المروزي الشافعي وحكى مثله عن الإمام أحمد ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أبي داود المختصرة عنه والذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخلال في كتاب الأدب ومن هذا قول بعض السلف وقد سئل عن المروءة فقال: أن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية وسيأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس "، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وروي عبدالرازق في كتابه عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل من مزينة قال قيل يا رسول الله ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم قال: الخلق الحسن، قال: فما شر ما أوتي الرجل المسلم، قال: إذا كرهت أن يرى عليك شيء في نادى القوم فلا تفعله إذا خلوت، وفي صحيح ابن حبان عن أسامة بن شريك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كره منك شيء فلا تفعله إذا خلوت، وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال قلت يا رسول الله ما تمام البر قال: أن تعمل في السر عمل العلانية، وخرجه أيضا من حديث أبي عامر السكوني قال قلت يا رسول الله فذكره وروى عبدالغني ابن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدث بإسناده عن حرملة بن عبدالله قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأزداد من العلم فقمت بين يديه فقلت يا رسول الله ما تأمرني أن أعمل به قال: ائت المعروف واجتنب المنكر، وانظر الذي سمعته أذنك من الخير الذي يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه، قال فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئا إتيان المعروف واجتناب المنكر وخرج ابن سعد في طبقاته بمعناه وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولا آخر حكاه عن جرير قال معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس كأنه يخاف الرياء يقول فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت كما جاء في الحديث إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال إنك ترى فزدها طولا ثم قال أبو عبيد وهذا الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحملها الناس قلت لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إذا استحييت مما لا يستحيا منه فافعل ما شئت ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه والله أعلم



● [ الحديث الحادي والعشرون ] ●

عن أبي عمرو وقيل أبي عمرة سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم. رواه مسلم.
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان وسفيان هو ابن عبدالله الثقفي الطائفي له صحبة وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف وقد روي عن سفيان بن عبدالله من وجوه أخر بزيادات فخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن عبدالرحمن بن ماعز وعند الترمذي من رواية عبدالرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبدالله قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: " قل ربي الله ثم استقم "، قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف على، فأخذ بلسان نفسه، قال: " هذا "، وقال الترمذي حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية عبدالله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: " قل آمنت بالله ثم استقم "، قلت: فما أتقي، فأومأ إلى لسانه، وقال سفيان بن عبدالله للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد بعدك، طلب منه أن يعلمه كلاما جامعا لأمر الإسلام كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " قل آمنت بالله ثم استقم "، وفي الرواية الأخرى، " قل ربي الله ثم استقم "، هذا منتزع من قوله عز وجل ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) فصلت، وقوله عز وجل ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ) الاحقاف،
وخرج النسائي في تفسيره من رواية سهيل بن أبي حزم حدثنا ثابت عن أنس فقال قد قالها الناس ثم كفروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) فمن مات عليها فهو من أهل الاستقامة، وخرجه الترمذي ولفظه فقال قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام وقال حسن غريب وسهيل تكلم فيه من قبل حفظه وقال أبو بكر الصديق في تفسيره ( ثم استقاموا ) قال: لم يشركوا بالله شيئا، وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله ربهم، وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال نص آية في كتاب الله ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) على شهادة أن لا إله إلا الله، وروى نحوه عن أنس ومجاهد والأسود بن هلال وزيد بن أسلم والسدي وعكرمة وغيرهم، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) فصلت فقال: لم يروغوا روغان الثعلب، وروي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) فصلت قال: استقاموا على أداء فرائضه وعن أبي العالية قال ثم أخلصوا له الدين والعمل وعن قتادة قال استقاموا على طاعة الله وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ولعل من قال أن المراد الاستقامة على التوحيد إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصي خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ودعاء والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله عز وجل ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) الجاثية قال الحسن وغيره: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه، هذا ينافي الاستقامة على التوحيد.
وأما على رواية من روى " قل آمنت بالله " فالمعنى أظهر لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث وقال الله عز وجل ( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ) هود فأمره أن يستقيم ومن تاب معه وأن لا يجاوزوا ما أمروا به وهو الطغيان وأخبر أنه بصير بأعمالكم مطلع عليها قال تعالى ( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ) الشورى وقال قتادة أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمر الله وقال الثوري على القرآن وعن الحسن قال لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رؤي ضاحكا، خرجه ابن أبي حاتم وذكر القشيري عن بعضهم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له يا رسول الله قلت شيبتني هود وأخواتها فما شيبك منها قال: قوله ( فاستقم كما أمرت ) هود وقال عز وجل ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه ) فصلت وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عموما كما قال ( شرع لكم في الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) الشورى وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه كما أمر بالاستقامة على التوحيد في نيتك الآيتين والاستقامة في سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها وفي قوله عز وجل ( فاستقيموا إليه واستغفروه ) فصلت إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها فيجير ذلك الاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حق الاستقامة كما خرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استقيموا ولن تحصوا وأعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، وفي رواية الإمام أحمد رحمه الله " سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن " وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سددوا وقاربوا، فالسداد هو حقيقة الاستقامة وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى وقال له: اذكر بالسداد تسديدك السهم وبالهدى هدايتك الطريق والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السداد وإصابة الغرض فتكون مقاربته عن غير عمد ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحكم ابن حزم الكلبي " أيها الناس إنكم لن تعملوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم ولكن سددوا وأبشروا "، والمعني اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة فإنهم لو سددوا في العمل كله لكانوا قد قعلوا ما أمروا به كله فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) فصلت، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلها على طاعته فإن القلب هو ملك الأعضاء وهي جنوده فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه وكذلك فسر قوله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا ) الروم، بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له،
وأعظم ما يراعي استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه ففي مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه "، وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها نفكر اللسان فتقول اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ".



● [ الحديث الثاني والعشرون ] ●

عن أبي عبدالله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة، قال: نعم. رواه مسلم، ومعنى حرمت الحرام اجتنبته، ومعنى أحللت الحلال، فعلته معتقدا حله.
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر وزاد في آخره قال والله لا أزيد عن ذلك شيئا وخرجه أيضا من رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم "، وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه ويكون الحلال ههنا عبارة عما ليس بحرام فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح ويكون المعنى أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره ويجتنب المحرمات.
وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود وابن عباس في قوله عز وجل ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة، قالوا: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه، والمراد بالتحريم والتحليل فعل الحلال واجتناب الحرام كما ذكر في هذا الحديث وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرم ( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ) التوبة، والمراد: أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عاما فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عاما فيحرمونه بذلك وقال الله عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) المائدة، وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدا في الدينا وتقشفا وبعضهم حرم ذلك على نفسه إما بيمين حلف بها أو بتحريمه على نفسه وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر وبعضهم امتنع عنه من غير يمين ولا تحريم فسمى الجميع تحريما حيث قصد الامتناع منه إضرارا بالنفس وكفا لها عن شهواتها، ويقال في الأمثال: فلان لا يحلل ولا يحرم، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام ولا يقف عند ما أبيح له وإن كان يعتقد تحريم الحرام فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحاشى منه محللا وإن كان لا يعتقد حله وبكل حال فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات وانتهى عن المحرمات دخل الجنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى أو ما هو قريب منه، كما خرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء، ثم تلا ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما )، وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد عبدالله لا يشرك به شيئا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب الكبائر فله الجنة، أو دخل الجنة وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له الصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج وشرائع الإسلام كلها فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق دخل الجنة، وخرجه الطبراني من وجه آخر وفي حديثه قال والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال لأعملن بها ومن أطاعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة، وفي صحيح البخاري عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم، وخرجه مسلم إلا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار، وعنده في رواية فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه، فلما ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، وفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة، فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني بما فرض الله على من الصيام، فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني بما فرض الله على من الزكاة، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله على شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق، ولفظه للبخاري وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه وزاد فيه حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة، ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام رمضان وحج البيت شيئا من التطوع ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك.
وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب المحرمات لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة، وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: أيها الناس اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم، وقال حسن صحيح وخرجه الإمام أحمد وعنده: اعبدوا ربكم بدل قوله اتقوا الله، وخرجه بقي بن مخلد في مسنده من وجه آخر ولفظ حديثه: صلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيتكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم، وخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن المنتفق قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألك عنهما، ما ينجيني من النار وما يدخلني الجنة، فقال: " لئن كنت أوجزت في المسألة لقد أعظمت وأطولت فاعقل عني إذن، اعبد الله لا تشرك به شيئا وأقم الصلاة المكتوبة وأد الزكاة المفروضة وصم رمضان وما تحب أن يفعله الناس بك فافعله بهم وما تكره أن يؤتى إليك فذر الناس منه "، وفي رواية له أيضا قال " اتق الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان " ولم يزد على ذلك وقيل إن هذا الصحابي هو واقد بن المنتفق واسمه لقيط فهذه الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة.
وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقيين والشهداء يوم القيامة هكذا ـ ونصب أصبعيه ـ ما لم يعق والديه، وقد ورد ترتب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة ففي الحديث المشهور " من صلى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة " وفي الحديث الصحيح " من صلى البردين دخل الجنة " وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عليه إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، ويدل هذا على ما خرجه الإمام أحمد عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فشرط على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأؤدي الزكاة وأن أحج حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله فأما اثنتان فوالله ما أطيقهما الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها فقال: فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة، قلت: إذا يا رسول الله أبايعك فبايعته عليهن كلهن، ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة كقوله: لا يدخل الجنة قاطع، وقوله: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، وقوله: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدين حتى يقضي، وفي الصحيح أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم بينهم كانت في الدنيا وقال بعض السلف: إن الرجل ليحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا، فهذه كلها موانع.
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد ففي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق ـ قالها ثلاثا ـ ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، فخرج أبو ذر يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وفيهما عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أو أبي سعيد بالشك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فتحجب عنه الجنة، وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوما: من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة، وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لمعاذ: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، وفيهما عن عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله.
وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار لكن له شروط وهي الإتيان بالفرائض وموانع وهي اجتناب الكبائر قال الحسن للفرزدق إن للاإله إلا الله شروطا فإياك وقذف المحصنة وروي عنه أنه قال هذا العمود فأين الطنب يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، قيل للحسن إن ناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقيل لوهب بن منبه أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك ويشبه ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله هل يضر معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل فقال ابن عمر: اعمل ولا تغتر وقالت طائفة منهم الضحاك والزهري: كان هذا قبل الفرائض والحدود فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت ومنهم من قال بل ضم إليها شروط زيدت عليها وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا فيه خلاف مشهور بين الأصوليين وفي هذا كله نظر فإن كثيرا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود وقال الثوري نسختها الفرائض والحدود فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين فكذلك عقوبات الآخرة ومثل هذا البيان وإزالة الإيهام كان السلف يسمونه نسخا وليس هو نسخا في الاصطلاح المشهور وقالت طائفة هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته وجاء من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل وما إخلاصها قال أن تحجزك عما حرم الله وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلا ويمتليء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها وسواس الشيطان فمن أحب شيئا أو أطاعه وأحب عليه وأبغض عليه فهو إلهه فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله ولا يوالي ولا يعادي إلا لله فالله إلهه حقا ومن أحب لهواه وأبغض له ووالى عليه وعادى عليه فإلهه هواه كما قال تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال الحسن: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال قتادة هو الذي كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوي ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده كما قال الله عز وجل ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) يس فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله ولا على إرادة ما لا يريده الله ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصا في التوحيد وهو نوع من الشرك الخفي ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى ( لا تشركوا به شيئا ) قال: لا تحبوا غيري، وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه على أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال الله عز وجل ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعا " لا تزال لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردها الله عليهم وقال الله كذبتم فتبين "، بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار، وإن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله فمن صدق في قول لا إله إلا الله لم يحب سواه ولم يرج إلا إياه ولم يخش إلا الله ولم يتوكل إلا على الله ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه ومتى بقي في القلب أثر لسوي الله فمن قلة الصدق في قولها نار جهنم تطفأ بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور " تقول النار للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي "، وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار ضجيجا من بردهم، فهذا ميراث ورثة المؤمنين من حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فنار المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نار جهنم قال الجنيد رحمه الله قالت النار يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني قال نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى قالت وهل نار أعظم مني وأشد قال نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين وفي هذا يقول بعضهم ففي فؤاد المحب نار الهوى أحر نار الجحيم أبردها ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة "، فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله ورجح هذا القول الخطابي في مصنف له في التوحيد وهو حسن


جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 9:44 am