الفن الأول [ المقالة الرابعة : أمراض الرأس ]

شاطر

الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2331
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الفن الأول [ المقالة الرابعة : أمراض الرأس ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الثلاثاء ديسمبر 13, 2016 6:01 am


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
الفن الأول: أمراض الرأس والدماغ
المقالة الرابعة: أمراض الرأس وأكثر مضرتها
في أفعال الحس والسياسة

● [ فصل في السبات والنوم ] ●

يقال سبات للنوم المفرط الثقيل، لا لكل مفرط ثقيل، ولكن لما كان ثقله في المدّة والكيفية معاً، حتى تكون مدّته أطول، وهيئته أقوى، فيصعب الانتباه عنه، وإن نبّه، فالنوم منه طبيعي في مقداره وكيفيته، ومنه ثقيل، ومنه سبات مستغرق. والنوم على الجملة، رجوع الروح النفساني عن آلات الحسّ والحركة إلى مبدأ تتعطل معه آلاتها عن الرجوع بالفعل فيها، إلا ما لا بدّ منه في بقاء الحياة، وذلك في مثل آلات النفس.
والنوم الطبيعي على الإطلاق ما كان رجوعه مع غور الروح الحيواني إلى باطن لإنضاج الغذاء، فيتبعه الروح النفساني، كما يقع في حركات الأجسام اللطيفة الممازجة لضرورة الخلاء، وما كان أيضاً للراحة، وليجتمع الروح إلى نفسه ريثما يغتذي، وينمى ويزداد جوهره، وينال عوض ما تحلّل في اليقظة منه، وقريب من هذا ما يعرض لمن شارف الإقبال من مرضه، فإنه يعرض له نوم غرق، فيدل على سكون مرضه، لكنه لا يدِلّ في الأصحّاء على خير. وقد يعرض أيضاً من هذا القبيل لمن استفرغ كثيراً بالدواء، وذلك النوم نافع له رادّ لقوّته، وقد يعرض نوم ليس طبيعياً على الإطلاق، وذلك إذا كان الرجوع إلى المبدأ، لفرط تحلّل من الروح لا يحتمل جوهره الانبساط، لفقد زيادته على ما يكفي الأصول، بسبب التحلّل الواقع من الحركة فيغور، كما يكون حال التعب والرياضة القوية، وذلك لإستفراغ مفرط يعرض للروح النفساني، فتحرص الطبيعة على إمساك ما في جوهرها إلى أن يلحقها من الغذاء مدد. والفرق بين هذا وبين الذي قبله، كالفرق بين طلب البدن الصحيح للغذاء ليقوم بدل التحلّل الطبيعي منه، وطلب البدن المدنف بالإسهال والنزف للغذاء، فإن الأوّل من النومين يطلب بدل تحليل اليقظة، وهو أمر طبيعي، والثاني يطلب بدل تحليل التعب، وهو غير طبيعي.
وقد يعرض نوم غير طبيعي على الإطلاق أيضاً، وهو أن يكون رجوع الروح النفساني عن الآلات بسبب مبرّد مضادّ لجوهر الروح، إما من خارج، وإما من الأدوية المبرّدة، فتكتسب الآلات برداً منافياً لنفوذ الروح الحيواني فيها على وجهه، أو مخدراً للتصبّب الحاصل فيها من الروح النفساني يفسد المزاج الذي به يقبل القوة النفسانية عن المبدأ، فيعود الباقي غائراً من الضدّ، ويتبلّد عن الانبساط لبرد المزاج، وهذا هو الخدر. وقد يعرض أيضاً بسبب مرطّب للآلات، مكدر لجوهر الروح، سادّ لمسالكه، مُرَخ لجواهر العصب والعضل إرخاء يتبعه سدد، وانطباق، فيكون مانعاً لنفوذ الروح، لأن جوهر الروح نفسه قد غلظ وتكدر، لأن الآلات قد فسدت بالرطوبة ولاسترخائها جميعاً، وهذا نوم السكر.
وقريب من هذا، ما يعرض بسبب التخمة وطول لبث الطعام في المعدة، وهؤلاء يزول سباتهم بالقيء. وهذان السببان هما بعينهما سبباً أكثر ما يعرض من السبات إذا استحكما، وقد يجتمع البرد والرطوبة معاً في أسباب النوم، إلا أن السبب المقدّم منهما حينئذ يكون هو البرد وتعينه الرطوبة، كما يجتمع في السهر الحر واليبوسة، ويكون السبب ، الحقيقي هو الحَر وتعينه اليبوسة. وللسبات أسباب أخر، من ذلك اشتداد نوائب الحمّى، وإقبال الطبيعة بكنهها على العلة، وانضغاطها تحت المادة، فيتبعها الروح النفساني كما قيل، وخصوصاً إن كانت مادة الحمّى بلغمية باردة وإنما سخنت بالعفونة.
وقد يكون لرداءة الأخلاط والبخارات المتصعّدة إلى مقدّم الدماغ من المعدة والرئة في عللهما وسائر الأعضاء. وقد يكون من كثرة الديدان وحبّ القرع، وقد يكون من انضغاط الدماغ نفسه تحت عظم القحف، أو صفحه، أو قشره إذا أصاب الدماغ ضربة.
وأشد البطون إسباتاً عند القطع هو أشدّها منه إسباتاً عند الضغط، وقد يكون لوجع شديد من ضربة تصيب عضلات الصدغ، أو على مشاركته لأذى في فم المعدة، أو في الرحم، فينقبض منه الدماغ، وتنسدّ مسالك الروح الحساس انسداداً تعسر معه حركة الروح إلى بارز، وقد يكون لشدّة ضعف الروح وتحلله، فيعسر انبساطه. ولأنّ أول الحواس التي تتعطل في النوم والسبات هو البصر والسمع، فيجب أن تكون الآفة في السبات في مقدم الدماغ، وبمشاركة فساد التحليل، فإنه لو كان قد سلم مقدم الدماغ، وإنما عرض الفساد لمؤخره، لم يجب أن يصيب البصر والسمع تعطل، ولم يكن نوم، بل كان بطلان حركة أو لمس وحده، ولكانت الحواس الأخرى بحالها، كما يقع ذلك في أمراض الجمود والشخوص ولم يكن ضرر السبات بالحسّ فوق ضرره بالحركة، فإنه يبطل الحس أصلاً، ولا يبطل الحركة أصلاً، فإنها تبقى في التنفس سليمة. ويجب أن تكون السدة الواقعة في السبات ليست بتامّة، ولا بكثيفة جداً، وإلا لأضرت بالتنفس. وكل سبات يتعلق بمزاج فهو للبرد أولاً، وللرطوبة ثانياً، وقد ينتقل إلى السبات من مثل ذات الجنب وذات الرئة ونحو ذلك.
ومن الناس من تكون أخلاطه ما دام جالساً منكسرة غير مؤذية، فيغلبه النعاس، فإذا طرح نفسه غارت الحرارة الغريزية فتثوّرت وهاجت أبخرة إلى الدماغ، فلم يغشه النوم، لا سيما في يابس المزاج. وإذا كثر غشيان النوم أنفر بمرض، وقيل: ماء الرمان مما يبطئ في المعدة، ويحبس البخارات ويخلص من السهر. وقد ذكرنا كيف ينبغي أن تكون هيئات المضطجع على الغذاء. ونقول الآن: إن استعمال الاستلقاء للغذاء كثيراً يوهن الظهر ويرخيه، وعلاجه استعمال الانتصاب الكثير. والنوم في الشمس وفي القمر على الرأس مخوف منه، مورث لتنخّع الدم لما يحرك من الأخلاط، والخرخرة سببها انطباق فم القصبة، فلا يخرج النفس إلا بضرب رطوبة.
علامات أصناف السبات:
أما إذا كان السبات من برد ساذج من خارج، فعلامته أن يكون بعقب برد شديد يصيب الرأس من خارج، أو لبرد في داخل البدن والدماغ، ولا يجد في الوجه تهيجاً ولا في الأجفان، ويكون اللون إلى الخضرة، والنبض متمدد إلى الصلابة مع تفاوت شديد، وإن كان السبات من برد شيء مشروب من الأدوية المخدرة، وهو الأفيون، والبنج، وأصل اليبروح، وبزر اللفاح، وجوز ماثل، والفطر، واللبن المتجبن في المعدة، والكزبرة الرطبة، وبزر قطونا الكثير، ويستدلّ عليه بالعلامات التي نذكرها لكل واحد منها في باب السموم، وبأن يكون السبات مع أعراض أخرى من اختناق، وخضرة أطراف، وبردها، وورم لسان، وتغير رائحة، ويكون النبض ساقطاً نملياً ضعيفاً ليس بمتفاوت، بل متواتر تواتر الدودي والنملي.
وإن كان متفاوتاً لم يكن له نظام ولا ثبات، بل يعود من تفاوت إلى تواتر، ومن تواتر إلى تفاوت، فيعلم أنه قد سقي شيئاً من هذه، أو شربها فيعالج كلاً بما ذكرنا في باب السموم.
ومن الناس من قال: إن سبات البرد الساذج أخفّ من سبات المادة الرطبة، وليس ذلك بالقول السديد الصحة، بل ربما كان قوياً جداً، وجميع أصناف السبات الكائن عن برد الدماغ في جوهره، أو لدواء مشروب، فإنه يتبعه فساد في الذكر والفكر.
وأما إن كان السبات من رطوبة ساذجة، فعلامته أن لا يرى علامات الدم ولا ثقل البلغم. وأما الكائن من البلغم، فيعلم ذلك من تقدم امتلاء وتخمة، وكثرة شرب ولين نبض، وموجية مع عرض، ويعلم باستغراق السبات وثقله، وبياض اللون في الوجه والعين واللسان، وثقل الرأس، ومن التهتج في الأجفان، وبرد اللمس، والتدبير المتقدم، والسن والبلد وغير ذلك.
وأما الكائن عن الدم، فيعلم ذلك من انتفاخ الأوداج، وحمرة العينين والوجنتين، وحمرة اللسان وحس الحرارة في الرأس وما أشبه ذلك مما علمت. وإن كان الدم أو البلغم مع ذلك مجتمعاً اجتماع الأورام، رأيت علامات قرانيطس أو ليثرغس أو السبات السهري. وإن كان السبب فيه بخارات تجتمع وترتفع من البدن في حمّيات، وخاصة عند وجع الرئة والورم فيها المسمى ذات الرئة والبخارات من المعدة، علمت كلاً بعلاماته، فإنه إن كان من المعدة تقدّمه سدر ودوار ودوي وطنين وخيالات، وكان يخفّ مع الجوع، ويزيد مع الامتلاء، وإن كان من ناحية الرئة والصدر تقدّمه الوجع الثقيل، أو الوجع في نواحي الصدر وضيق النفس والسعال، وأعراض ذات الجنب، وذات الرئة. وكذلك إن كان من الكبد تقدّمه دلائل مرض في الكبد، وإن كان من الرحم تقدمه علل الرحم وامتلاؤها. والذي يكون من ضربة على الهامة أو على الصدغ، فيعرف بدليله.
والفرق بين السبات وبين السكتة، أن المسبوت يمكن أن يفهم وينبه، وتكون حركاته أسلس من إحساسه، والمسكوت معطل الحسّ والحركة. وجملة الفرق بين المسبوت وبين المغشي عليه لضعف القلب، أن نبض المسبوت أقوى وأشبه بنبض الأصحاء، ونبض المغشي عليه أضعف وأصلب، والغشي يقع يسيراً يسيراً مع تغير اللون إلى الصفرة وإلى مشاكلة لون الموتى وتبرد الأطراف. وأما السبات فلا يتغير فيه لون الوجه، إلا إلى ما هو أحسن ولا ينحف رقعة الوجه والأنف، ولا يتغير عن سحنة النوام إلا بأدنى تهيج وانتفاخ.
والفرق بين المسبوت وبين المختنقة الرحم، أن المسبوت يمكن أن يفهم ويتكلم بالتكلف، والمختنقة الرحم تفهم بعسر ولا تتكلم البتة، وتكون الحركة -خاصة حركت العنق والرأس والرجل- أسهل على المسبوت، والحس وفتح الأجفان أسهل على المختنق رحمها، ويكون اختناق الرحم سبباً يقع دفعة، ويقضي سلطانه، وينقضي أو يقتل. والسبات قد يمتد ويكون الدخول في الاستغراق فيه متدرجاً، ويبتدئ بنوم ثقيل إلا أن يكون سببه برداً يصيب دفعة، أو دواء يشرب، فيعلم ذلك قطعاً.
علاج السبات والنوم الثقيل الكائن في الحميات:
أما السبات الذي هو عرض مرض في بعض الأعضاء، فطريق علاجه فصد ذلك العضو بالتدبير ليتنقى ويزول ما به، ويقويه الدماغ حتى لا يقبل المادة، وذلك بمثل دهن الورد والخل الكثير لئلا ينوم الدهن إذا انفرد وحده وبعصارات الفواكه المقوية، وبعد ذلك النطولات المبردة، ثم ينتقل إلى المحللة إن كان احتبس في الدماغ شيء، وقد عرفت جميع ذلك في القانون الذي يكون في الحميات، وفي ابتداء الأدوار، فيجب أن يبادر إلى ربط الأطراف، وتحريك العطاس دائماً، وتشميم الخل وبخاره، وتعريق الرأس بدهن الورد والخل الكثير، أو ماء الحصرم والرمان، والقوابض التي تكون لشرب المخدرات، فيعالج بحسب ذلك المخدر وسقي ترياقه كما نقول في الكتاب الخامس.
وأما السبات الكائن من برد يصل من خارج، فعلاجه سقي الترياق والمثروديطوس، ودواء السمك وتنطيل الرأس بالمياه المطبوخ فيها سذاب وجندبيدستر وعاقر قرحا، وتمريخ الرأس بدهن البان، ودهن الناردين مع جندبيدستر، ودهن المسك، ودهن القسط مع جندبيدستر، وكذلك الضمّاد المتخذ من جندبيدستر، والعنصل، والمسك من جندبيدستر جزءان، ومن العنصل جزء، ومن المسك قدر قليل، ويشمم المسك دائماً، ويستعمل ما قيل في تسخين مزاج الدماغ، ولكن بعنف دون رفق.
وأما الكائن لغلبة الدم، فيجب أن يبادر إلى الفصد من القيفال، وحجامة الساق، أو فصد الصافن، ويستعمل الحقنة المعتدلة ويلطف الغذاء، ويستعمل ماء حمص، وأما الكائن لغلبة الرطوبة الساذجة التي ليست مع مادة، فيجب أن يعالج بالضمادات المتخذة من جندبيدستر، وفقاح الأذخر، والقسط، وجوز السرو، والأبهل، والفربيون، والعاقر قرحا، ويخفف الغذاء، ويجتنب الأدهان والنطولات إلا بالاحتياط، فإن الترطيب الذي في الأذهان ربما غلب قوة الأدوية، إلا أن يكون قوياً جداً، ويجب أن يستعمل تمريخ الرأس وتخميره وتشميم المسك، وإن كانت الرطوبة مع مادة بلغم، فيجب أن يستفرغ بالحقن القوية أولاً، ويحتال له ليتقيأ، وأكثر ما يكون عن بلغم في المعدة أيضاً، فيجب أن تنقيه بما ينفع البلغم مما نذكره في موضعه، ويستعمل النطولات المنضجة القوية والسعوطات والعطوسات والغرغرات وسائر ما علمت في القانون كما مضى لك. ومن معالجاته أنه يسمع صاحبه ويرى ما يغمّه، فإن الغمّ في أمثال هذه الأمراض التي يضعف فيها الفكر ويجمد، فهو مما يحرك النفس ويرده إلى الصلاح. ومن الأدوية المشهورة طلي المنخر بالقلقند، ومسح الوجه بالخلّ، وشد الأعضاء السافلة، واستعمال المعطسات.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في اليقظة والسهر ] ●

أما اليقظة، فحال للحيوان عند انتصاب روحه النفساني إلى آلات الحسّ والحركة يستعملها، وأما السهر فإفراط في اليقظة وخروج عن الأمر الطبيعي، وسببه المزاجي، وهو الحر واليبس لأجل نارية الروح، فيتحرّك دائماً إلى خارج، والحرّ أشدّ إيجاباً للسهر وأقدم إيجاباً، وقد يكون السهر من بورقية الرطوبة المكتنة في الدماغ، أو للوجع، أو للفكر العامة.
ومن السهر ما يكون بسبب الضوء واستنارة الموضع إذا وقع مثله للمستعد للسهر، ومن السهر ما يكون بسبب سوء الهضم وكثرة الامتلاء، ومن السهر ما يكون بسبب ما ينفخ ويشوش الأخلاط والأحلام، ويفزع في النوم مثل الباقلا ونحوه، ومن السهر ما يكون في الحمّيات لتصعّد بخارات يابسة لاذعة إلى الدماغ، والوجع الذي يعرض للمشايخ من السهر فهو لبورقية أخلاطهم وملوحتهما ويبس جوهر دماغهم، ومن السهر مما يكون بسبب ورم سوداوي أو سرطان في ناحية الدماغ. وقد قيل: إن من اشتد به السهر، ثم عرض له سعال مات، وقد ذكرنا، في باب النوم ما يجب أن يتذكر.
العلامات:
أما علامة ما يكن من يبس ساذج بلا مادة ولا مقارنة حرّ، فهي خفة الحواس والرأس، وجفاف العين واللسان والمنخر، وأن لا يحسّ في الرأس بحر ولا برد، وأما ما يكون من حرارة مع يبوسة، فعلامته وجود علامة اليبس مع التهاب وحرقة، وربما كان مع عطش واحتراق في أصل العين، وما كان من بورقية الأخلاط فعلامته وجود بلة في المنخر، ورمص في العين، وإحساس ثقل يسير، وسرعة انتباه عن النوم، ووثوب، ويستدلّ عليه بالتدبير الماضي والسنّ. وما كان من استضاءة الموضع أو من الغذاء، فعلامته أيضاً سببه، وأما كان من ورم سوداوي، فعلاماته العلامات المذكورة مراراً، وأما ما كان من وجع أو أفكار عامة، أو حمّيات حادّة فعلامته سببه.
المعالجات:
أما ما كان سببه اليبس، فينبغي أن يستعمل صاحبه الغذاء المرطّب والاستحمامات المعتدلة، خاصة، فإن لم ينوّمه الحمام، فهو غير معتدل البدن ولا جيّد المزاج، وإن هو إلا في سلطان اليبس،، أو في سلطان أخلاط رديئه يثيرها الحمام، ويجب أن يهجر الفكر والجماع والتعب، ويستعمل السكون والراحة وإدامة تعريق الرأس بالأدهان المذكورة، وحلب اللبن على الرأس، والنطولات المرطبة المذكورة، واستنشاق الأدهان، واستسعاطها، وتقطيرها في الأذن وخصوصاً دهن النيلوفر، لا سيما سعوطاً، وذلك أسفل القدم.
وأما ما كان من حر مع ذلك، فتدبيره الزيادة في تدبير هذه الأدوية واستعمالها، مثل جرادة القرع، والبقلة الحمقاء ولعاب بزر قطونا، وعصا الراعي، وحي العالم وما أشبه ذلك. ومن المنوّمات الغناء اللذيذ الرقيق الذي لا إزعاج فيه، وإيقاعه ثقيل أو هزج متساو، ولأجل ذلك ما صار خرير الماء وحفيف الشجر منوماً. وأما ما كان من وجع، فتدبيره تسكين الوجع، وعلاجه بما يخصّ كل وجع في بابه. وأما ما كان في الحميات، فكثيراً ما يسقى صاحبه الديافود الساذج، فينوم، ويجب أن يستعمل صاحبه غسل الوجه، والنطولات، وتفريق الصدغ، والجبهة بدهن الخشخاش والخس، وأن تجعل في أحشائه بزر الخشخاش الأبيض، وربما بخر بالمخدرات التي نسختها في الأقراباذين وأقراص الزعفران المذكورة في باب الصداع الحار إذا ديفت في عصارة الخشخاش، أو ماء ورد طبخ فيه الخشخاش، أو ماء خس وطلي على الجبهة كان نافعاً.
ومما جرِّب في ذلك، أن يؤخذ السليخة والأفيون والزعفران، فيداف بدهن الورد، ويمسح به الأنف، وكذلك الطلاء المتّخذ من قشور الخشخاش، وأعمل اليبروح على الصدغين، والاشتمام منه أيضاً. ومن أخذ من هؤلاء قدر حبّة كرسنّة نام نوماً معتدلاً، وإن كان الخلط المتصاعد إليه غليظ أضمدّت الجبهة بإكليل الملك مع بابونج وميبختج.
ومما ينوم أصحاب الحميات وغيرهم، أن يربط أطراف الساهر منهم ربطاً موجعاً، ويوضع بين يديه سراج، ويؤمر الحضور بالإفاضة في الحديث والكلام، ثم يحل الرباط بغتة ويرفع السراج، ويؤمر القوم بالسكوت بغتة فينام.
وأما الكائن من رطوبة بورقية مالحة، فيجب أن يجتنب تناول كل حريف ومالح، ويغتذي بالسمك الرضراضي واللحوم اللطيفة شورباجة قليلة الملح، ويستفرغ بحب الشبيار، ويديم تفريق الرأس بالأدهان العذبة المفتّرة. وإذا عرض هذا النوع من السهر في سن الشيخوخة، كان علاجه صعباً، ولكن ينبغي أن يستعمل صاحبه التنطيل بماء طبخ فيه الصعتر والبابونج والأقحوان لا غير كل ليلة، فإنه ينوّم تنويماً حسناً، وكذلك ينشق من دهن الأقحوان أو دهن الإيرسا أو دهن الزعفران، وربما اضطررنا إلى أن نسقي صاحب السهر المفرط الذي يخاف انحلال قوته قيراطاً ونحوه من الأفيون لينوّمه.
ومن ليس سهره بذلك المفرط، فربما كفاه أن يتعب ويرتاض ويستحم، ثم يشرب قبل الطعام بعض ما يسدد، ويأكل الطعام، فإنه ينام في الوقت نوماً معتدلاً.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في آفات الذهن ] ●

إن أصناف الضرر الواقعة في الأفعال الدماغية هي لسببين، وتتعرف من وجوه ثلاثة، فإنه إذا كان الحق من الإنسان سليماً، وكان يتخيل أشباح الأشياء في اليقظة والنوم سليماً، ثم كانت الأشياء والأحوال التي رآها في يقظته أو نومه مما يمكن أن يعبر عنها وقد زالت عنه، وإذا سمعها أو شاهدها لم يبق عنده، فذاك آفة في الذكر، وفي مؤخر الدماغ.
فإن لم يكن في هذا آفة، ولكن كان يقول ما لا ينبغي أن يقال، ويستحسن ما لا ينبغي أن يُستحسَن، ويرجو ما لا يجب أن يرجى، ويَطلب ما لا يجب أن يُطلب، ويصنع ما لا يجب أن يُصنع، ويحذر ما لا ينبغي أن يُحذر، وكان لا يستطيع أن يروي فيما يروي فيه من الأشياء، فالآفة في الفكرة وفي الجزء الأوسط من الدماغ.
فإن كان ذكره وكلامه كما كان، ولم يكن يحدث فيما يفعله ويقوله شيئاً خلاف السديد، وكان يتخيل له أشياء محسوسة، ويلتقط الزئبر، ويرى أشخاصاً كاذبة ونيراناً ومياهاً، أو غير ذلك كاذبة، أو كان ضعيف التخيل لأشباح الأشياء في النوم واليقظة، فالآفة في الخيال، وفي البطن المقدم من الدماغ. لأن اجتمع اثنان من ذلك، أو ثلاثة، فالآفة في البطنين أو الثلاثة، ولأن يمرض الفكر ويقع فيه تقصير بمشاركة آفة في الذكر سبقت أولاً، اسهل من أن يمرض الفكر، فيتبعه مرض الذكر. وما كان من هذا يميل إلى النقصان، فهو من البرد، وما كان يميل إلى التشوش والاضطراب، فهو من الحر. وزعم بعضهم أنه قد يميل إلى النقصان لنقصان جوهر الدماغ، وليس هذا ببعيد، وجميع ذلك، فأما أن يكون سببه بدياً في الدماغ نفسه، وإما من عضو آخر، وقد يكون من خارج كضربة، أو سقطة.
فأما المعالجات، فيجب أن يعول فيها على الأصول التي ذكرت في القانون، وتلتقط من ألواح أمراض أعضاء الرأس. وفي الكتاب الثاني أدوية نافعة من جميع ذلك لتستعملها عليه، وتتأمل منها ومن الأغذية ما يضرها فيجتنبها فيه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في اختلاط الذهن والهذيان ] ●

أما اختلاط الذهن والهذيان من بين ذلك، فالكائن بسبب الدماغ نفسه، فهو إما مرة سوداء، وإما دم حار ملتهب، وإما مرة صفراء، وإما مرّة حمراء، إما حرّ ساذج، وإما بخار حار، وذلك مما تخفّ المؤنة في مثله، وإما يبس لتقدم سهر، أو فكر، أو غير ذلك مما يجفف، فيعدم الدماغ مادة روح غريزية، بمثلها يمكن أن يحفظ طريقة العقل.
والكائن بسبب عضو آخر، أو البدن، فذلك العضو هو كالمعدة، أو فمها، أو المراق، أو الرحم، أو البدن كله، كما في الحميات. وكل ذلك، إمّا لكيفية ساذجة تتأدّى إليه كما يرتفع عن الإصبع من الرجل، ومن اليد إذا ورمت، ومن الأعضاء الفاسدة المزاج المتورِّمة، وإما من بخار حار من مرّة أو بلغم قد عفن واحتدّ. وأسلم اختلاط العقل ما كان مع ضحك وما كان مع سكون، وأردؤه ما كان مع اضطراب وضجر وإقدام.
العلامات:
اعلم إن كل من به وجع شديد ولا يشكوه ولا يحسّ به فيه اختلاط. والبول الذهبي قد يدلّ في الحميات على اختلاط العقل.
أما الكائن من السوداء، فيكون مع غموم وظن شيء ومع علامات المالنخوليا التي نذكرها في بابه، وإن كانت السوداء صفراوية، كان معه سبعية وإقدام، وإن كان السوداء دموية، كان هناك طرب وضحك مع درور العروق. وأمّا الكائن عن الصفراء فيكون مع التهاب، وحرارة، وضجر، وسوء خلق، واضطراب شديد، وتخيّل نار وشرار، وحرقة آماق، وصفرة لون، والتهاب رأس، وامتداد جلد الجبهة، وغؤور العينين ووثب إلى المقابلة.
والذي من الحمراء فتكون هذه الأعراض فيه أشدّ وأصعب. ومن هذا القبيل اختلاط العقل الذي في الحميات، وأكثرِ ما يكون في الوبائيات. وأما الكائن من حرّ ويبس ساذج، فلا يكون معه ثقل ولا علامات المواد المذكورة في القوانين وفي الأبواب المقدمة.
والكائن من بلغم قد عفن واحتد، فيعرض لأصحابه أن يكون بهم مع الاختلاط رزانة، وأن يشيلوا حواجبهم بأيديهم كل وقت، وأن تثقل رؤوسهم ويسبتوا لجوهر البرد، كما تختلط عقولهم لعارض الحرارة، وهؤلاء لا يفارقون ما يمسكونه، وربما عرض لهم أن يتوهموا أنفسهم دواب وطيور. أو بالجملة، فإن اختلاط العقل إذا عرض عن حرارة يابسة، فإنه يدل عليه السهر، أو عن حرارة رطبة من دم أو بلغم عفن، فإنه يدل عليه السبات.
وأما الذي سببه بخار متصاعد من عضو، فيعرف من حال ذلك العضو الألم إن كان عضواً، أو البدن كله إن كان شاملاً، كما في الحمّيات المشتملة، ويعرف هل هو ساذج أو مع مادة أو بخار، فعلامات جميع ذلك مذكورة في باب الصداع.
العلاجات:
أما علاج المالنخوليا، فسنذكره في باب المالنخوليا، وأمّا علاج الاختلاط الكائن من الدم، فينبغي أن يبادر به إلى الفصد، وإلى جميع يعدّل الدم، ويبرّده، ويصلح قوامه.
وأما الكائن من الصفراء والحمراء، فعلاجه أن يبادر ويستفرغ ويبدّل المزاج، إما من البدن كله، وإما من الرأس خاصة، ويستعمل التدبيرات والترطيبات المذكورة في القانون، ويستعمل أضمدته بعد حلق الرأس، وإن اشتدّ وقوي دبّر تدبير مانيا، ومما يصلح لاختلاط الذهن الحار قيروطي مبرد من دهن الورد والخلّ على اليافوخ، أو دهن البنفسج واللبن إن لم يكن حمى، أو دهن الورد والخشخاش مع محاذرة انعطاف البخَارات. وإذا كان سهر فجميع الأطلية غير نافعة، وربما أورثته حقن حادة فلا يستعطن، فيزيد في الجذب، بل اتّبع حقناً ليّنة.
وأما الكائن بسبب شركة عضو، فليستعمل فيه تقوية الرأس وتبريده والجذب إلى الّخلاف، وقد علم كل هذا في القوانين الماضية الكلّية والجزئية، وإذا لم يكن مع الاختلاط ضعف وعلامات أورام، فيجب أن يلطم صاحبه لطماً شديداً، وربما وجب ضربه ليثوب إليه عقله، وربما احتيج إلى أن يكوى رأسه كياً صليبياً إن لم ينفع شيء. ومن الأشياء النافعة له أن يصبّ على الرأس منه طبيخ الأكارع والرؤوس، وكثيراً ما يعافيهم الفاشرا إذا سقوا منه أياماً كما هو، أو في شيء آخر من الثمار والحلاوة مما يخفيه يستسره فيه، فإنه نافع.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الرعونة والحمق ] ●

الفرق بين اختلاط الذهن وبين الرعونة والحمق، وإن كانا آفتي العقل وكان السبب المحدث لهما جميعاً، قد يكون واقعاً في البطن الأوسط من الدماغ، إن اختلاط الذهن آفة في الأفعال الفكرية بحسب التغير، والرعونة والحمق آفة بحسب النقصان، أو البطلان، وحاله شبيهة بالخرفية والصبوبة، وقد عرفت أن أصناف آفات الأفعال ثلاثة. وأما أسباب هذا المرض، فإما برودة ساذجة، وإما مع يبس مشتمل على جوهر البطن الأوسط من الدماغ في طول الأيام والمدد، وإما برودة مع بلغمية في تجاويف أوعيته. وإنما كان سبب هذا الضرب من البرودة، ولم يكن من الحرارة، لأن هذا ضرر بطلان ونقصان، لأن الحرارة فعالة للفكرة التي هي حركة ما من حركات الروح، فيحرك بها مقدم الدماغ إلى مؤخره وبالعكس، والحرارة تثير الحركة وتعينها والجمود يمنعها، ولذلك جعل مزاج هذا الجزء من الدماغ مائلاً إلى الحرارة، وجعل في الوسط ليكون له الرجوع من التخيل إلى التذكر، وقد عرفت التخيل والتذكر في موضعه. وهذه العلة تعالج بتسخين الدماغ وترطيبه إن كان مع يبوسة، أو بتحليل ما فيه الاستفراغات بالأدوية الكبار والقيء بالسكنجبين العنصلي وبزر الفجل إن كان عن مادة، ومع ذلك، فيجب أن يقبل على تنبيه القلب بالأدوية الخاصية به، مثل دواء المسك والمثروديطوس والمفرح وما أشبه ذلك. ولا يجب أن نطول القول في هذا الباب، فقد عرف وجه مثل هذا التدبير في القوانين فيما سلف. ويجب أن يكون مسكنه بيتاً مضيئاً، وبالجملة فإن اليقظة والسهر وتلطيف الغذاء وتقليله والميل إلى مزاج أيبس وإلى تلطيف الدم وتعديله وتقليله وتسخينه بحيث لا يكون شديد الغليان والتبخير، بل حاراً لطيفاً غير غالٍ ، هو مما يذكي الذهن ويصفيه، ولا أعدى للذهن من الامتلاء عن أغذية الرطوبات، واليبس يضر بالذهن لا من حيث النقصان، ولكن من حيث الإفراط في سرعة الحركة، أو من حيث قلة الروح جداً، وانحلاله مع أدنى حركه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في فساد الذكر ] ●

هو نظير الرعونة، إلا أنه في مؤخر الدماغ لأنه نقصان في فعل من أفاعيل مؤخر الدماغ، أو بطلان في جميعه، وسببه الأول عند جالينوس هو البرد، إما ساذجاً، وإما مع يبوسة، فلا ينطبع فيه المثل، وإما مع رطوبة فلا يحفظ ما ينطبع فيه. فإن كان مع يبوسة دل عليه السهر، وأنه يحفظ الأمور الماضية، ولا يقدر على حفظ الأمور الحالية والوقتية.
وإن كان مع رطوبة، دل عليه السبات، وأنه لا يحفظ الماضية البتة ولعله يحفظ الوقتية الحالية مدّة أكثر من الماضية، فإن كان هناك برد ساذج كان خَدر وسَدر.
وربما كان من يبس مع حر، ويكون معه اختلاط الذهن، وذلك إما في ذلك الجزء من الدماغ نفسه، أو في بطن منه أو في وعائه. وقد يكون لاختلاط أو سوء مزاج في الصدغين يتادى إلى الدماغ. فقد ذكر هذا بعض المتقدّمين، وهو مما جُرِّب وشوهد.
وأكثر ما يعرض النسيان وفساد الذكر إنما يعرض عن برد ورطوبة، وقد يكون عن أورام الدماغ، وخصوصاً الباردة. واعلم أن النسيان إما عرض مع صحة أنذر بأمراض الدماغ القوية، مثل الصرع والسكتة وليثرغس.
علامات أسبابه وأصنافه: ينبغي أن يتعرّف ذلك من القوانين المذكورة ولا نكررها في كل علّة.
المعالجات:
أما المقارن للحرّ واليبس، فهو أسهل علاجاً، ومعالجته هو بما قيل مراراً. وأما الكائن عن يبس مجرد، فيجب فيه أن يغذّى العليل بالأغذية المرطبة المعتدلة، وأن يستعمل رياضة ناحية الرأس بالدلك والغمز بالخرقة الخشنة، وتحريك اليدين والرجلين. وبالجملة الرياضة التي ليست بقوية، بل بمقدار ما يجيع ويقتضي الزيادة في الغذاء والدعة والنوم والحمّام، ويسخن بالضمّادات المسخنة المعروفة التي لا نكرر ذكرها وبالمحاجم على الرأس بلا شرط، وبالأدوية المحمّرة، وربما احتيج إلى أن يكوى كيتين خلف القفا، ويستعمل مياهاً طبخ فيها بابونج، وإكليل الملك وكرعان الماعز، ومن الأدهان دهن السوسن والنرجس والخيري، وأمّا ما كان من مادة ذات برد ورطوبة فاستفرغه بعد الإنضاج بما تدري، وليسكن بيتاً كثير الضوء، وليبتدئ أولاً من الاستفراغات التي هي أخف مثل أيارج وشحم الحنظل وجندبيدستر، ثم تدرج إلى الأيارجات الكبار، ثم استعمل -إن أمنت سوء المزاج الحار- معجون البلاذر، فإنه أقوى شيء في تقوية الذهن وإفادة الحفظ، واستعمل أيضاً سائر المسخّنات من المحمرات والغراغر والشمومات التي تدري، ولا تستعجل في تجفيفه، بل تدرّج واحذر أن يبلغ تجفيفك إفناء الرطوبات الأصلية، فيتبعها برد المزاج، وذلك مما يزيد في النسيان، ويجب أن يجتنبوا السكر، ومهاب الرياح، والامتلاء، ويجتنبوا الاغتسال بالماء أصلاً، أما الحار فلما فيه من الإرخاء، وأما البارد فبما يخدر ويضر بالروح الحاس، فإن عرض لهم امتلاء لطفوا التدبير بعده، ويجب أن يجتنبوا الأغذية المسكتة المنقلة والمخدرة والمبخّرة، وأما الشراب فإن الامتلاء منه ضار جداً، وأما القليل فإنه ينشط النفس ويقوّي الروح ويذكّيها ويغني عن الاستكثار من الماء. والاستكثار منه أضرّ شيء لهم، والقيلولة الكثيرة، وبالجملة النوم الكثير ضار لهم، وخصوصاً على امتلاء كثير، والإفراط من السهر أيضاً يضعف الروح ويحلّه، ومع ذلك فيملأ الدماغ أبخرة، وقد جرب لهم الوجّ المربّى، والدار فلفل المربّى، ووجدا يزيدان في الحفظ زيادة بيّنة، وقد جرب هذا الدواء. وصفته: يؤخذ كندر وسعد وفلفل أبيض، وزعفران ومرّ أجزاء سواء، تعجن بعسل وتتناول كل يوم وزن درهم واحد. وجرّب أيضاً هذا، ونسخته: يؤخذ فلفل كمون جزءان، سكر طبرزد ثلاثة أجزاء، وجرّب أيضاً كل يوم على الريق، يسقى مثقال فيه من الكندر ثلاثة أرباع، ومن الفلفل ربع. وأيضاً كمون خمسة، فلفل واحد، وجّ اثنين، سعد اثنين، إهليلج أسود اثنين، عسل البلافر واحد، العسل ضعف الجميع، ويجب أن يرجع إلى الأدوية المفردة المكتوبة في الكتاب الثاني، وموضعها في ألواح علل الرأس، ويجب أن يكون مسكن مثله بيتاً فيه الضوء. وأما الكائن عن أورام الدماغ، فيعالج بما قيل في قرانيطس وليثرغس والسبات السهري.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في فساد التخيل ] ●

هو بعينه من الأسباب والعلامات الموصوفة في الأبواب الأخر، إلا أنه في مقدم الدماغ، وفساده، إما بأن يتخيل ما ليس موجوداً ويرى أموراً لا وجود لها، وذلك لغلبة مرار على مقدم الدماغ، أو لغلبة سوء مزاج حار بلا مادة، وإما أن ينقص التخيّل ويضعف عن تخيّل الأمور التخيّلية ولا يرى الرؤيا والأحلام إلا قليلاً، وينساه وينسى صور المحسوسات كيف كانت، ولا يتخيّلها، ويكون سببه بعينه سبب نقصان الذكر، إلا أن فساد الذكر إنما يكون أكثره عن البرد والرطوبة، وأقله عن اليبوسة. والأمر ههنا بالعكس، ولأن هذه الآلة خلقت ليّنة ليسرع انطباعها بما تتخيّله، وتلك صلة ليعسر تخليتها عما انطبع فيها، فالأمور تقع فيها بالضد، وفساد الذكر يقع في معاني المحسوسات وبسبب تركيبها وفساد التخيّل، يقع في مثل المحسوسات وأشباحها. وهذا يعلم من صناعة أخرى، وأدل ما يدل على أن العلة من رطوبة أو يوبسة حال النوم والسهر، وحال جفاف العين، والأنف ورطوبته، وحال لون اللسان ورطوبته أو جفافه، وإذا كانت العلة فساد التخيل لا نقصانه فأنت يمكن أن تتعرّف أيضاً أنه عن سوداء أو صفراء أو مزاج حار مفرد بما قيل وعرف، وأن المعالجات فبحسب المعالجات في العلل الماضية، إلا أنَّ العلاج يجب أن يكون في ناحية مبادي الحسّ، وإن احتيج إلى دلوك أو وضع حجامة إلى مقدم الدما، فاعمل حسب ما تعلم.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في المانيا وداء الكَلْب ] ●

تفسير المانيا هو الجنون السبعي، وأما داء الكَلْب، فإنه نوع منه يكون مع غضب مختلط بلعب وعبث وإيذاء مختلط باستعطاف كما هو من طبع الكلاب، واعلم أن المادة الفاعلة للجنون السبعي هو من جوهر المادة الفاعلة للمالنخوليا، لأن كليهما سوداويان، إلا أن الفاعل للجنون السبعي سوداء محترق عن صفراء، أو عن سوداء، وهو أردأ. والفاعل للمالنخوليا سوداء طبيعية كثيرة، أو احتراقية، ولكن عن بلغم أو عن دم عذب، وقليلاً ما يكون عن بلغم محترق وجنون، وإن كان يكون عنه المالنخوليا. وأكثر ما يكون المالنخوليا إنما يكون بحصول المادة السوداوية في الأوعية، وأكثر ما يكون المانيا إنما يكون بحصولها في مقدم الدماغ وجوهره، لأنّ وصوله إلى الدماغ كوصول مادة قرانيطس، ويكون المالنخوليا مع سوء ظن وفكر فاسد وخوف وسكون ولا يكون فيه اضطراب شديد. وإما المانيا فكله اضطراب وتوثّب وعبث وسبعية ونظر لا يشبه نظر الناس، بل أشبه شيء به نظر السباع، ويفارق صنفاً من قرانيطس يشبهه في جنون صاحبه، بأنّ هذه العلة لا يكون معها حمى في أكثر الأمر، وفرانيطس لا يخلو عنها، وداء الكلب هو نوع من مانيا فيه معاسرة شديدة، ومصاعبة مع مساعدة وموافقة معاً، وليس فيه من الاعتقاد السوء كل ما في المانيا، وكأنه إلى الدموية أقرب. وأكثر ما تعرض هذه العلة في الخريف لرداءة الأخلاط، وقد تكثر في الربيع والصيف، ويكون له عند هبوب الشمال هيجان لتجفيف الشمال، وهذه العلة كثيراً ما يحلها البواسير والدوالي، وإذا عرض عقيبها الاستسقاء حقها برطوبته خصوصاً إن كان سببها حر الكبد ويبوستها، وكثيراً ما تحدث هذه العلة بمشاركة المعدة فيشفيه القذف.
العلامات:
للمانيا جملة علامات، ولأصنافه علامات، فعلامات جملته أن تتغير الأفعال السياسية والحركية التغير المذكور، والعلامات المنذرة به، فمثل الكابوس مع حرارة الدماغ، ومثل أن يمتلئ القدمان دماً، ويحمران، وينعقد الدم في ثدي المرأة، فيدل على حركات مفسدة للدم، والأول قد يدل على ذلك، وقد يدل على أنه سيصير سبباً لفساد الدم في عضو لا حار غريزي قوي فيه، فيدبر الدم تدبيراً جيداً، بل يفسد فيه الدم نوعاً من الفساد يوفي الدماغ.
وإذا عرضت العلامة الأولى في آخر المانيا فربما دلّ على انحلاله دلالة الدوالي، وكثيراً ما يعرض المانيا في الأمراض الحادة دليلاً للبُحران، فإن شهدت الدلائل الأخرى شهادة جودة، دل على بُحران سيكون حينئذ، وربما كان اشتدا المانيا دليلاً على بُحران مانيا نفسه. أما علامة الكائن من سوداء محترقة، فاعلم أنّ جنونه وسبعيته يكون مع فكر وسكون يمتد مدة، ثم إذا تحرك وتكلّم ابتدأ يتعاقل متفكراً، ثم إذا كرر عليه لم يمكن الخلاص منه، ولا إسكاته وتكون نحافة البدن فيه أشدّ، واللون إلى السواد أميل، والأحلام أردأ، وربما تقيأ شيئاً حامضاً تغلي منه الأرض. وأما الذي عن السوداء الصفراوي، فيكون الانبعاث إلى الشرّ أسرع والسكون عنه أسرع، ولا يذكر من الشر والحقد ما يذكره الأول، ويقلّ سكونه، وتكثر حركته وضجره واضطرابه.
المعالجات:
إن رأيت امتلاء من الأخلاط فافصد، وان رأيت غلبة مرار في البدن بالبول وسائر العلامات فاستفرغ بطبيخ الأفتيمون، أو بطبيخ الهليلج إن كان صفراء سوداوية، وإن كان سوداء صرفة، فربما احتجت أن تستفرغ بالأفتيمون الساذج وزن ثمانية دراهم مع السكنجبين، وبحجر اللازورد، ثم أقبل على الرأس واستفرغ، إن كان به امتلاء دموي أو سوداوي من العرق الذي تحت اللسان، وأدم استفراغه بهذا الحب.
وصفته:
يؤخذ أيارج، وأفتيمون، وأسطوخولحس، من كل واحد جزء، وسْقَمُّونيا نصف جزء، هليلج جزء، يتّخذ منه حب كبار، ويشرب بعد الاستفراغ الكلي في ليال متفرقة، كل ليلة وزن درهمين. ومما ينفع منه حب بهذه الصفة، ونسخته: يؤخذ أفتيمون وبسفايج من كل واحد وزن خمسة دراهم حجر أرمني درهم، هليلج كابلي درهم، أسطوخدس عشرة دراهم، ملح هندي شحم الحنظل أربعة، بليلج أملج حاشا خربق أسود من كل واحد ثلاثة دراهم، تربد عشرون درهماً، يعجن بكسنجبين عسلي ويستعمل، ويُغرغر بالسكنجبين السقمونيا، ولا يفرط في استعمال حبّ الشبيار، بل استعمله مدة ما دمت تجد به خِفة، فإذا أحسست سوء مزاج حار، فاقطع، وبعد الاستفراغ فأقبل على التبريد والترطيب بالنطولات وغيرها، وربما احتيج إلى أن ينطلوا في اليوم خمس مرات، ويطلى رؤوسهم بطبيخ الأكارع والرؤوس، وبحليب اللبن ويوضع عليها الزبد، وليكن قصدك الترطيب أكثر من قصدك التبريد، إلا أنك لا تجد أدوية شديدة الترطيب إلا باردة، فاجعل معها البابونج. وربما احتجت في تنويمه إلى سقيه دياقوذا، فاسقه ماء الرمان الحلو ليرطب، أو مع شراب الأجاص ليلين، أو مع ماء الشعير، وينطله أيضاً بماء طبخ فيه الخشخاش للتنويم، ولكنّ الأصوب أن تجعل فيه قليل بابونج، وتحلب اللبن على رأسه. والأدهان نافعة في ذلك جداً.
وإذا استعملت النطولات والسعوطات المرطبة والأدهان، فاحتل أن ينام بعدها على حال بما ينوّم من النطولات والأدهان المسبتة، خاصة دهن الخس، واسقه من الأشربة ما يرطب كماء الشعير، ولا تسقه ما يجري مجرى السكنجبين، وما فيه تلطيف وتجفيف وتقطيع.
وكلما رأيت الطبيعة صلبة، فاحقن لئلا ترتفع إلى الرأس بخارات مؤذية من النقل، ويجب أن يسقوا في مياههم أصول الرازيانج البرّي، وبزره، وأصل الكرمة البيضاء، وهو الفاشرا، فإنها نافعة. والشربة منه كل يوم مثقال، فإن لم يشربوا دُسّ ذلك في طعامهم، ويجلس بين يدي العليل من يستحي منه ويهابه، ويشدّ فخذاه وساقاه دائماً ليجذب البخار إلى أسفل، وإن خيف أن يَجْنوا على أنفسهم، ربطوا ربطاً شديداً، وأدخلوا في قفص وعلقوا في معلاق مرتفع كالأرجوحة، ويجب أن تكون أغذيتهم رطبة على كل حال، إلا أنها مع رطوبتها يجب أن لا تكون مما يحدث السدد، مثل النشاء وما أشبهه، فإن ذلك ضار لهم جداً، ولا يعطون ما يدرّ البول كثيراً، فإن ذلك يضرّهم. وسائر علاجاتهم فيما يجب أن يتوقّوه ويحذروه هو علاج المالنخوليا، ونذكره في بابه، وإذا انحطوا فلا بأس بأن يسقوا شراباً كثير المزاج، فإن ذلك يرطبهم وينومهم، وعليك أن تجتنب من الأشياء الحارة المسخّنة.

● [ يتم متابعة المقالة الرابعة : أمراض الرأس ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يناير 20, 2017 10:55 am