الفن الأول [ المقالة الخامسة : أمراض دماغية ]

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2552
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

الفن الأول [ المقالة الخامسة : أمراض دماغية ]

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء ديسمبر 14, 2016 10:48 am


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
الفن الأول: أمراض الرأس والدماغ
المقالة الخامسة : أمراض دماغية
آفاتها في أفعال الحركة الإرادية قوية

● [ فصل في الدُّوَار ] ●

الدوار هو أن يتخيل لصاحبه أن الأشياء تدور عليه، وأن دماغه وبدنه يدور، فلا يملك أن يثبت، بل يسقط، وكثيراً ما يكره الأصوات، ويعرض له من تلقاء نفسه مثل ما يعرض لمن دار على نفسه كثيراً بالسرعة، فلم يملك أن يثبت قائماً أو قاعداً، وأن يفتح بصره، وذلك لما يعرض للروح الذي في بطون دماغه، وفي أوردته وشرايينه من تلقاء نفسه، ما يعرض له عندما يدور دوراناً متصلاً. والفرق بين الصرع والحوار، أن الدوار قد يثبت مدة، والصرع يكون بغتة ويسقط صاحبه ساكناً ويفيق، وأما السَدَر، فهو أن يكون الإنسان إذا قام أظلمت عينه وتهيأ للسقوط. والشديد منه يشبه الصرع، إلا أنه لا يكون مع تشنّج كما يكون الصرع.
وهذا الدوار قد يقع بالإنسان بسبب أنه دار على نفسه فدارت البخارات والأرواح فيه، كما يدور الفنجان المشتمل على ماء مدة، ويسكن فيبقى ما فيه دائراً مدة، وإذا دار الروح تخيل للإنسان أنّ الأشياء تدور لأنه سواء، اختلف نسبة أجزاء الروح إلى أجزاء العالم المحيط به من جهة الروح، أو اختلف ذلك من جهة العالم إذا كان الإحساس بها وهي دائرة يكون بحسب المقابلة، فإذا تحرّك الحاس استبدل المقابلات، كما إذا تحرك المحسوس.
وقد يكون هذا الدوار من النظر أيضاً إلى الأشياء التي تدور حتى ترسخ تلك الهيئة المحسوسة في النفس، ولهذا قيل: إن الأفاعيل الحسية كلها متعلقة بآلات جسدانية منفعلة، أولها وأولاها الروح الحساس، وتبقى فيه عن كل محسوس مئة بعد مفارقته إذا كان المحسوس قوياً، فإن كل محسوس إنما يفعل في الآلة الحاسة هيئة هي مثاله، ثم تثبت تلك الهيئة وتبطل بمقدار قبول الآلة، وقوة المحسوس، وشرح هذا في العلم الطبيعي.
وكلما كان البدن أضعف، كان هذا الانفعال فيه أشدّ كما في المرضى، فإنه قد يبلغ المريض في ذلك مبلغاً بعيداً حتى إنه ليدار به بأدنى حركة منهم، لأنهم يحتاجون في الحركة إلى تكلف شديد يتمكنون به من الحركة لضعفهم، فيعرض لروحهم أذى وانفعال و تزعزع.
وقد يكون اِلدوار إما من أسباب بدنية حاضرة في جوهر الدماغ، حاصلة فيه من بخارات حائلة في العروق التي فيه وفي العصب. وإما من أخلاط محتقنة فيه من كل جنس فيتبخر بأدنى حركة أو حرارة، فإذا تحركت تلك الأبخرة حركت بحركتها الروح النفساني الذي إنما ينضج ويتقوّم في تلك العروق، ثم يستقرّ في جوهر الدماغ، ثم يتفرّق في العصب إلى البدن.
وإما بسبب كثرة بخارات قد احتقنت فيه متصعدة إليه من مواضع أخرى، ثم مستقرة فيه باقية عن مرض حاد متقدم، أو مرض بارد فتكون رياح فجّة تحركها القوة المنضجة والمحللة.
وقد يكون لا لحركة بخارات في الدماغ، ولكن لسوء مزاج مختلف بغتة يلزم منه هيجان حركة مضطربة في الروح لا لمحرّك جرماني يخالطه من بخار أو غيره، كما يعرض ذلك من الحركة المختلفة الحادثة من الماء والنار إذا اجتمعا، وقد يكون من محرّك للروح من خارج، مثل ضارب للرأس، أو كاسر للقحف حتى يضغط الدماغ، والروح الساكن، فيتبعه حركات مختلفة دائرة متموّجة، كما يحدث في الماء من وقوع ثقل عليه، أو وقوع ضرب عنيف على متنه فيستدير موجه، ووقوع مثل ذلك في الهواء والجرم الهوائي أولى، لكنه لا يحس. وقد يكون من بخارات متصاعدة إلى الدماغ حال تصاعدها وإن لم تكن متولدة في جوهره ولا محتقنة فيه قديماً، فإذا تصاعدت حركت ويكون تصاعدها إليه، إما في منافذ العصب، فيكون من المعدة والمرارة بتوسط المعدة والمثانة والرحم والحجاب إذا أصابها أمراض، أو تحرّكت الأخلاط التي فيها. وأكثر ذلك من المعدة، وبعده من الرحم القابلة للفضول، وإما في الأوردة والشرايين. أما الغائرة، وأما الظاهرة.
ومادة البخار قد تكون صفراء، وقد تكون بلغماً. والدوار البلغمي شبيه بصرع، وكثيراً ما تكون المشاركة المسمرة والمديرة، لا لأجل مادة تصل، بل لأجل تأذّ بكيفية تتصل بالدماغ، فتورث السدر والدوار، مثل الذي يعرض عند الخوى والجوع لبعض الناس، وخصوصاً لمن لا يحتمل الجوع، لأن فم المعدة منه يتأذى فيشاركه الدماغ، وقد يكون الدوار والسدر على طريق البخران والدوار المتواتر، خصوصاً في المشايخ ينذر بسكتة، وكذلك الدوار الحادث عقب خمر لازم لعضو، وقد يحلّ الدوار صداع عارض، وقد يحل الصداع دوار عارض.
علامات أصنافه :
أما الكائن من دوران الإنسان على نفسه، أو من نظره إلى الأشياء الدائرة أو المستضيئة، أو المرتفعة فمعلوم بنفسه، وكذلك ما كان عن ضربة أو سقطة. وأما الذي يكون لاحتقان بخارات قديمة في الدماغ، أو متولّدة في نفس الدماغ، فتكون العلة دائمة غير تابعة لمرض في بعض الأعضاء، ولا هائجة مع الامتلاء ساكنة مع الخوى، ويكون قد تقدمه أوجاع الرأس، والدويّ والطنين، والثقل في الرأس، ويجد ظلمة بصره ثابتة، ويجد في الحواس تقصيراً حتى في الذرق والشم، ويحس في الشريانات المتقدمة ضرباناً شديداً، ويصيب ثقلاً في الشم، فإن كان الخلط الذي في الدماغ أو في غيره الذي منه تهيج البخارات بلغماً، كان ثقل وجبن، وكثرة نوم، وعسر حركة، وعلامات البلغم المذكورة في القانون. وإن كان صفراء، كان سهر والتهاب يحس بلا كثير ثقل، وخيالات صفر ذهبية. وإن كان دماً كانت العروق منتفخة والوجه والرأس والعين حمراً حارة وكان ثقل وإعياء ونوم وضربان. وإن كان عن سوداء كان ثقل بقدر وسهر وتخيل شعر وصفائح سود ودخان وفكر فاسد وسائر العلامات المذكورة.
وأما إن كان سببه من المعدة كان مع بطلان من الشهوة، أو آفة فيها وفساد في الهضم وخفقان وفتور من النفس وتقلب من المعدة، وميل من الأذى إلى مقدم الرأس ووسطه، ولا يبعد أن يتأدى إلى مؤخّره واختلاف حال الوجع، فتارة يسكن، وتارة يزيد بحسب الامتلاء والخوى، ويكون لحمى قد سلفت.
ويجد أيضاً وجعاً في المعدة ونفخاً في الأحايين، ويكون طريق مشاركته. العصب، ويجد قبله وعند اشتداده في آخره، وجعاً خلف اليافوخ عند منبت الزوج السادس، وفي نواحي القفا.
وإن كان من الرحم تقدمه اختناق الرحم، واحتباس المني أو الطمث، أو أورام فيه، وكذلك إن كان من المثانة وإن كان المبدأ من الأعضاء كلها، أو من ينبوع الغذاء، وهو الكبد أو ينبوع الروح، وهو القلب كان نفوذه في العروق والشرايين النابتين منهما.
أما الذي خلف الأذن، أو الذي في القفا، وعلامة ذلك أن يكون مع ضربان شديد وتوتّر من العروق التي في الرقبة، وإن لا يجد وجعاً يعتريه في الرقبة وأعصابها ولا في سائر العصب، وإذا رأيت الشرايين الخارجة متمدّدة عند القفا وكان إذا منعت النبض بيدك، أو بالرباط الأعجمي، أو بالأسرب، أو طليت عليه القوابض المذكورة قبل، فإن علمت أن المسالك فيها وإلا ففي الآخر، ولذلك جرّب في الآخر فإن لم يجد فهي في الغائرة.
وأما الذي يكون عن سوء مزاج مختلف فيعرف بخفة الدماغ وعدم الأسباب المذكورة ووقوع برد أو حرّ معافص من خارج أو من المتناولات المبردة والمسخنة دفعة، فيتبعه الدوار وصاحب السدر لا ينتفع بالشراب انتفاعه بشرب الماء، واعلم أن السدر والدوار إذا طال فالعلة باردة، وعلامة البحراني ظاهرة.
المعالجات :
أما الكائن بسبب في دوران الإنسان على نفسه ونظره إلى الدورات أو نظره من مكان عالٍ، فيعالج بالسكون والقرار والنوم إن لم يسكن سريعاً، ويتناول القوابض الحارة، ويكسر لقماً فيها ويتناولها. وأما الكائن عن دم وأخلاط محتقنة في البدن فيعالج بالفصد من القيفال، ثم من العرق الساكن الذي خلف الأذن، فإنه أفضل علاج لجميع أصناف الدوار المادي.
وربما كُوي كياً وخاصة فيما كان سببه صعود أبخرة من البدن في أي الطريق صعدت، وتنفع الحجامة على النقرة وعلى الرأس أيضاً.
وإن كان مِع الدم أخلاط مختلفة، أو كان سببه الأخلاط دون الدم فليبادر بالاستفراغ بحب الأيارج، أو نقيع الصبر، إن كانت الأخلاط حارة، أو طبيخ الهليلج، أو طبيخ الأفتيمون وحب الإصطمحيقون، إن كانت مختلفة.
وبعد الاستفراغ يستعمل حقنة بماء القنطريون والحنظل، ثم يحتجم على الرأس والنقرة، ثم يقبل على الغرغرات والعطوسات والشمومات التي فيها مسك جوجِندبادستر وشونيز ومرزنجوش، وإذا هاجت النوبة فليستعن بالدلك للأسافل، وإن كان السبب في ذلك من المعدة وأخلاط فيها، فليستعمل القيء بما طبخ فيه شبث وفجل، وجعل فيه عسل وملح وسائر المقيئات المعتدلة، ثم يستفرغ بالقوقايا إن كانت القوة قوية، أو حب الأيارج ونقيع الصبر إن كانت القوة دون القوية. وإذا علم أن الأخلاط مرة ساذجة فبطبيخ الهليلج مع الشاهترج، ويعلم ذلك بالدلائل المذكورة في هذا الباب وفي باب المعدة.
وإن كان السبب في عضو آخر عالجت كلاً بما وجب، وقويت الرأس في ابتدائه بدهن الورد مع قليل دهن بابونج، وبعد الاستحمام بدهن البابونج المفرد.
وإذا علم أن المادة في الرأس وحدها احتجم على الرأس والنقرة وفصد العرق الذي خلف الأذن واستعمل الشبيارات والغرغرات والنطولات، والشمومات والعطوسات، والسعوطات المذكورة وما أشبهها بحسب المواد على ما علمت في القانون.
وإن رأى أن السبب سوء مزاج مختلف، فيجب أن تعرف سببه وعلامته بما علم، وتعالج بالضد ليستوي مزاجاً طبيعياً. وإن كان السبب ضربة أو سقطة عالجتها أولاً بما قيل في بابه، فان برأت وبقي الدوار عالجت الدوار بما بين، ويجب أن يجتنب صاحب الدوار النظر إلى كل شيء دائر بالعجلة، ويجتنب الإشراف من المغارات ومن القلل والآكام والسطوح العالية.
وأما السدر والدوار الكائن بسبب خوى المعدة فيسكّنه تناول لقم مغموسة في رب الفواكه القابضة ومياهها، وخصوصاً الحصرم.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في اللِّوى ] ●

ويعرض للبدن من جهة تواتر الامتلاء ونحوه في العضل والعروق حاله كالإعياء، تتمدد له العروق، ويكثر التثاؤب والتمطي لكثرة الريح والبخار ويحمر معه الوجه والعين، ويستدعي التَلَوي والتمدد، وإذا كثر بالإنسان ذلك، دَل على امتلاء، فيجب أن يستفرغ الخلط الدموي والصفراوي، ويستعمل الماء البارد، فإن ذلك ربما سكنه في الحال بما يفشّ الغليان، وللوج خاصية في إزالته إذا مضغ واستف وشرب، ولعله بما يجلّل الريح المغلية، وكذلك الكزبرة بالسكر والحماميون يشقون صاحبه بشد اليد على العرق السباتي حتى يصيب الإنسان كالغشي، ولعله بما يزعج من الروح المتصعد إلى الدماغ بحملة عنيفة مستولية على المواد بالتحليل، وفيه خطر، ويجب أن لا يحبس اليد على العرق بقدر ما لا يطيق الإنسان أن يمسك معه نفسه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
● [ فصل في الكابوس ] ●

ويسمى الخانق، وقد يسمى بالعربية الجاثوم، والنيدلان. الكابوس مرض يحسّ فيه الإنسان عند دخوله في النوم خيالاً ثقيلاً يقع عليه، ويعصره ويضيق نفسه، فينقطع صوته وحركته، ويكاد يختنق لانسداد المسام وإذا تقضى عنه انتبه دفعة، وهو مقدمة لإحدى العلل الثلاث، إما الصرع، وإما السكتة، وإما المانيا، وذلك إذا كان من مواد مزدحمة، ولم يكن من أسباب أخرى غير مادية، ولكن سببه في الأكثر بخار مواد غليظة دموية أو بلغمية أو سوداوية ترتفع إلى الدماغ دفعة في حال سكون حركة اليقظة المحلّلة للبخار، ويتخيل كل خلط بلونه. وعلامة كل خلط ظاهرة بالقوانين المتقدمة.
وقد يكون من برد شديد يصيب الرأس دفعة عند النوم، فيعصره، ويكثفه، ويقبضه، ويختل منه تلك الخيالات بعينها، ولا يكون ذلك إلا لضعف أيضاً من الدماغ لحرارته، أو سوء مزاج به.
المعالجات :
علاجه الفصد والإسهال بما يخرج كل خلط، وإن كانت الأخلاط غليظة كثيرة ينتفع بهذا المسهل، ونسخته: يؤخذ من الخربق مقدار درهم، مع ثلث درهم سقمونيا، وربع درهم شحم حنظل، ودانقين أنيسون إن كانت القوة قوية، وإلا حب اللازورد، أو حب الأصطمحيقون الأفتيموني، أو الأيارجات الكبار: أيارج قثاء الحمار، وأيارج روفس خاصة، ثم يقوي الرأس بما تعلمه من القانون الكلي.
ومما ينفع منه سقي حب الفاواينا على الاتصال، وإن كان السبب فيه برداً يصيب الدماغ فيؤثر فيه هذا الخيال، فيجب أن يستعمل الأدهان الحارة المسخنة القابضة والضمادات المحمرة وغير ذلك، ويجب أن لا يطول الكلام فيه، فقد تقدم منا ما يغني.


● [ فصل في السكتة ] ●

السكتة تعطّل الأعضاء عن الحس والحركة لانسداد واقع في بطون الدماغ، وفي مجاري الروح الحساس والمتحرك، فإن تعطّلت معه آلات الحركة والتنفس، أو ضعفت فلم تسهل النفس، كان هناك زبد، وكان ذا فترات كالاختناق، أو كالغطيط، فهو أصعب، يدل على عجز القوة المحرّكة لأعضاء النفس. وأصعبه أن لا يظهر النفس، ولا الزبد ولا الغطيط، وإن لم تعظم الآفة في التنفس، ونفذ في حلقه ما يوجر، ولم يخرج من الأنف، فهو وإن كان أرجى من الآخر، فليس يخلو من خطر عظيم. وقد قال بقراط: إن السكتة إذا كانت قوية لم يبرأ صاحبها، وإن كانت ضعيفة لم يسهل برؤه، وهذا الانسداد يكون، إما لانطباق، وإما لامتلاء. والانطباق هو أن يصل إلى الدماغ ما يؤلمه أو يؤذيه، فيتحرّك حركة الانقباض عنه، أو تكون الكيفية الواصلة إليه قابضة مكثفة لطباعها كالبرد الشديد. وأما الامتلاء، فأما أن يكون امتلاء مورماً، أو يكون غير مورم. والامتلاء المورم، هو أن يحصل هناك مادة فتسدّ من جهة الامتلاء، وتسدّ من جهة التمديد، وهذا من أنواع السكتة الصعبة، وسواء كانت المادة حارة، أو كانت باردة. والذي يكون بغير ورم -وهو الذي يكون في الأكثر- فإما أن يكون في نفس الدماغ، وبقربه في مجاري الروح من الدماغ، وإما أن يكون في مجاري الروح إلى الدماغ.
والذي يكون في مجاري الروح من الدماغ وفي الدماغ، فإما خلط دموي ينصبّ إلى بطون الدماغ دفعة، وإما خلط بلغمي، -وهو الغالب الأكثري- وأما الذي يكون في مجاري الروح إلى الدماغ، فذلك عندما يسدّ الشريانات والعروق من شدة الامتلاء، وكثرة الدم، فلا يكون للروح منفذ، فلا يلبث أن يختنق، ويعرض من ذلك ما يعرض عند الشدّ على العرقين السباتيين من سقوط الحس والحركة، فإن مثل ذلك إذا وقع من سبب بدني، فعل ذلك الفعل.
فهذه أنواع السكتة وأسبابها، وربما قالوا سكتة، وعنوا بها الفالج العام للشقّين جميعاً، وإن كانت أعضاء البدن سليمة، وربما قالوا الاسترخاء شق سكتة ذلك الشق قد جاء ذلك في كلام بقراط، وقد يعرض أن يسكت الإنسان، فلا يفرّق بينه وبين الميت، ولا يظهر منه تنفس ولا شيء، ثم أنه يعيش ويسلم، وقد رأينا منهم خلقاً كثيراً كانت هذه حالهم، وأولئك فإن النفس لا يظهر فيهم، والنبض يسقط تمام السقوط منهم، ويشبه أن يكون الحار الغريزي فيهم ليس بشديد الافتقار إلى الترويح، ويفضي البخار الدخاني عنه إلى نفس كثير لما عرض له من البرد، ولذلك استحبّ أن يؤخر دفن المشكل من الموتى إلى أن تستبين حاله، ولا أقل من اثنتين وسبعين ساعة.
والسكتة تنحل في أكثر الأمر إلى فالج، وذلك لأن الطبيعة إذا عجزت عن دفع المادة من الشقين جميعاً دفعتها إلى أقبل الشقين الموصب وأضعفهما ونفذتها في خلل المجاري مبعدة إياها عن الدماغ وبطونه.
وقد يدل على أن السدة في السكتة مشتملة على البطون، إنها لو كانت في البطن المؤخّر وحده لما كان يجب أن يتعطل الحسّ في مقدّم الرأس والوجه، وقد قال بقراط: من عرض له -وهو صحيح- وجع بغتة في رأسه، ثم أسكت، فإنه يهلك قبل السابع، إلا أن يعرض به حمى، فيرجى أي الحمى يرجى معها أن تنحلّ الفضلة.
واعلم أن أكثر ما تعرض السكتة تعرض لذوي الأسنان، والأبدان، والتدابير الرطبة، وخصوصاً إذا كان هناك مع الرطوبة برد، فإن عرض لحار المزاج ويابسه، فالأمر صعب، فإن المرض المضاد للمزاج لن يعرض إلا لعظم السبب.
وقد يكون المزاج بعيداً منه غير محتمل له، وقلما تعرض سكتة عن حرارة، وإذا انبسطت مادة الفالج في الجانبين أحدثت سكتة، كما إذا انقبضت مادة السكتة إلى جانب أحدثت فالجاً. وكثر سبب السكتة في البطنين المؤخرين، وإذا كان مع السكتة حمّى، فهناك ورم في الأكثر، والذي يحوجون إلى فصد كثير لسوداوية مائهم، فينتفعون بكثرة الفصد، يخسرون في العقبى، فيقعون في السكتة ونحوها.
الاستعداد للسكتة الدائرة: تناول الأدوية الحادة معجل لاستعجال الأخلاط المتوانية، وقد ذكرنا إنذار الدوائر بالسكتة، فلتقرأ من هناك.
العلامات
الفرق بين السكتة والسبات، أنّ المسكوت يغطّ، وتدخل نفسه آفة، والمسبوت ليس كذلك، والمسبوت يتدرّج من النوم الثقيل إلى السبات، والمسبوت يعرض ذلك له دفعةً. والسكتة يتقدمها في أكثر الأوقات صُداع، وانتفاخ الأوداج، ودُوار، وسَدر، وظلمةُ البَصر، واختلاج في البدن كله، وتريف الأسنان في النوم، وكسل وثقل، وكثيراً ما يكون بوله زنجارياً وأسود، وفيه رسوب نشاري ونخالي. أما ما كان عن أذى وضربة وسقطة ومشاركة عضو، فتعرفه من الأصول التي تكرّرت عليك. وأما ما كان من ورم، فلا يخلوَ من حمى ما. ومن تقدم العلامات التي ذكرناها للأورام وما كان من الدم. فيدل عليه علامات الدم المذكورة مراراً كثيرة، ويكون الوجه محمراً، والعينان محمرّتين جداً، وتكون الأوداج وعروق الرقبة متمدّدة ويكون العهد بالفصد بعيداً، وتناول ما يولد السوداء سابقاً، وأما ما كان من بلغم، فيدل عليه السحنة، ولون العين، وبلّة الخياشيم، وغير ذلك مما قيل إذا حدث بالتشنّج دوار لازم، أو متكرّر فذلك ينذر بسكتة.
المعالجات
أما العلاج الكائن من أذى من خارج، فهو تدبير ذلك السبب البادي، والذي من مشاركة، فهو تدبير العضو الذي يشاركه بما مر لك في القانون، ومرّ لك في أبواب أخرى. والذي يكون من الدم فتدبَيره الفصد في الوقت وإرسال دم كثير، يفيق في الحال، وبعد الفصد، فيحقن بما عرفت من الحقن لينزل المادة عن الرأس، ويلطف تدبيره، ويقتصر به على الجلاّب، وماء الشعير الرقيق، وماء الجبن، ويشمم ما يقوي الدماغ، ولا يسخن مما قد عرفت. وأما الكائن من البلغم، فإن وجد معه علامات الدم فصد أيضاً، ثم حُقن بحقن قوية وحمل شيافات قوية يقع فيها الصموغ ومرارة البقر، ثم جرع بما يسهل أن تقذفه، ومن الحبوب المعتمدة في سقيهم حب الفربيون، وأكب بعد ذلك على رأسه وأعضائه بالكمادات المسخنة، وبالنطولات المتخذة من مياه طُبخ فيها الحشائش المسخّنة، مثل الشبث، والشيح، والمرزنجوش، وورق الأترج، والمفوتنج، والحاشا، والزوفا، وأكليل الملك، والصعتر، والقيسوم، وبأدهان فيها قوة هذه الحشائش، ودهن السذاب قد فتق فيه عاقر قرحا، وجندبيدستر وجاوشير، وقنة، وادهن بدنه كله بزيت فيه كبريت، وإن كانت الكمّادات من القرنفل، والهال والبسباسة، وجوزبَوا، والوجّ، كان صواباً، وتدلك رجله بالدهن الحار المسخن والماء الحار والملح، وتمرّخ الخرز بالميعة والزئبق، ويجعل على أصل النخاع الخردل، والسكبينج، والجندبيدستر والفربيون.
ومن الأدهان الجيدة لهم، دهن قثاء الحمار، ودهن السذاب، ودهن الاشقيل المتخذ بالزيت العتيق، إما إنقاعاً للرطب فيه أربعين يوماً، أو طبخاً إياه فيه بأن يؤخذ من الزيت العتيق قسط، ومن الاشقيل، أوقيتان، يطبخ فيه حتى ينهرس، وكذلك دهن العاقر قرحا على الوجهين المذكورين. وأي دهن استعمل عليهم، فأصلح ذلك بأن يخثر بالشمع حتى يقف، ولا يزلق، وينبغي أن يبتدأ بالأضعف من المروخات، فإنّ أنجح، وإلاّ زيد وانتقل الأقوى، ولا بأس بعد استفراغه بالحقن وغيره من أن يقرب إلى أنفه، وخصوصاً الكندس والسعوطات القوية، وبالأدهان القويّة، وأن تحمي الحديد وتحاذيه رؤوسهم، وأن يضمّد رأسه بالضمادات المحللة التي عرفتها.
وأما إن أمكن تقيئته بريشة تدخل في حلقه ملطخة بدهن السوسن، أو الزيت، وخصوصاً إذا حدس أن في معدته امتلاء، ويقون قد تقدمه تخمة انتفع به نفعاً شديداً. وفي القيء فائدة أخرى، فإن التهوّع وتكلف القيء، يسخّن مزاج رؤوس من سكتته باردة رطبة، ويجب أن تسهل رياحهم بما يخرجها، فيجدون به خفاً. وقد يبادر إلى إلقامهم ما تقدم ذكره قبل لئلا تفسد أسنانهم بعضها ببعض، ويجب إذا بقوا يسيراً، أن يسقوا دهن الخروع المطبوخ بماء السذاب كلّ يوم درهمين مع ماء الأصول، ويدرج حتى يسقى كل يوم خمسة دراهم، وإن أمكن بعد الاستفراغ أن يوجروا قدر بندقة من الترياق والمثروديطوس، ومن الشليثا والأنقرديا والشجرنيا وما أشبه ذلك، ومن البسيط: جندبيدستر، مثقال بماء العسل، والسكنجبين العسلي فعل. وأيضاً إذا شرب منه باقلاة، وشرابهم ماء العسل الساذج، أو بالأفاويه بحسب الحاجة، وإذا رأيت خفّاً غرغرت، وعطست، ووضعت المحاجم على القفا والنقرة، بشرط، أو بغير شرط، على حسب المادة، ورجحتهم في أرجوحة، ثم تحمّمهم بعد ثلاثة أسابيع، وتمرخهم يوم الحمّام بأدهان مسخّنة.
ومن الغراغر النافعة لهم بعد تنقية الكلية، طبيخ الحاشاء والفوتنج، والسعتر، والزوفا ونحو ذلك، في الخلّ يخلط به عسل، وأيضاً ماء سلق طبخ فيه العاقر قرحا، الميويزج، والحاشا، والسمّاق. وأقوى من ذلك أن يؤخذ الفلافل، والدارفلفل، الزنجبيل والميويزج، والبورق والورد، والسمّاق، فيُدقّ ويُعجن بميبختج، ويتخذ منه شيافات، ثم تستعمل مضوغاً، أو غرغرة في طبيخ الزوفا بالمصطكي. ومما يقرب منه إذا فعل ذلك، الفلفل، والدارفلفل، والخردل، والفوتنج ومن المضوغات الفوتنج، والميويزج، والفلفل، والمرزنجوش، والخردل، إفراداً ومجموعة، ويخلط بها مثل الورد والسمّاق لا بدّ منه. والوجّ مما ينفع في هذا الباب ويقوي تأثيره، وينفعهم التدهين بالأدهان الحارة المقويّة للروح الذي في الأعصاب، ولجوهر الأعصاب المحلّلة للفضول في التي لا عنف فيها، مثل دهن السوسن وبعده دهن المرزنجوش، ودهن البابونج والشبث، ودهن الأذخر، وخصوصاً على الرأس، فإنه الذي يجب أن يعتمد عليه في أمر الرأس، خصوصاً وقد أخذ قوّة من الزوفا، والسعتر، والفوتنج، والحاشا ونحو ذلك. وتغذية أصحاب السكتة ألطف من تغذية أصحاب الصرع.
والأصوب أن يقتصر بهم في الغدوات على الخبز وحده. والخبز بالتين اليابس جيد لهم، الشرب على الطعام من أضرّ الأشياء لهم، وإذا أرادوا أن يتعشوا فلا بأس أن يقوموا قبله رياضة خفيفة، وحرّكوا الأعضاء المسترخية تحريكاً. وإذا تناولوه لم يناموا عليه بسرعة، بل يصبرون ريث ما ينزل، وينهضم انهضاماً، ولا يسهرون أيضاً كثيراً، فإن ذلك يُعي الدماغ ويُحلّل من الأغذية بخارات غير منهضمة لمنعه الهضم. وقوم يستحبون لهم الشعير بالعدس والزبيب واللوز والتين من الأنقال الموافقة لهم. والشراب الحديث لا يوافقهم لما فيه من الفضول، والعتيق لما فيه من سرعة النفوذ إلى الدماغ، وملئه، بل أوفق الشراب لهم ما بين بين، وإذا حُمَّ المسكوت فتوقف في أمره حتى ينكشف، فربما كان بُحراناً. والمهلة إلى اثنين وسبعين ساعة، فإن كان ليس كذلك، بل الحمّى لورم وعفونة فهو مهلك. واعلم أن السكتة والفالج تضيق المجاري إليهما فلا تكاد الأدوية المستفرغة تستفرغ من المادة الفاعلة لها خاصة، فاعلم جميع ذلك.

● [ يتم متابعة المقالة الخامسة : أمراض دماغية ] ●


القانون فى الطب لإبن سينا
الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو السبت أغسطس 19, 2017 5:29 pm