من ملح أشعب وطرف مستملحة وطرف مليحة

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 2556
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

من ملح أشعب وطرف مستملحة وطرف مليحة

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت يونيو 17, 2017 3:28 pm


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة الأدبية
جمع الجواهر في الملح والنوادر

● [ بدء الكتاب ] ●

وهذا حين أبتدىء متصرفاً بك من بلاغة خطاب، إلى براعة جواب، وصريح منادرة، إلى مليح مهاترة، وغريب مراجعة، إلى عجيب منازعة، وتشبيه واقع، إلى مثل صادع، وغير ذلك مما يحي موات القلوب، ويشفي نجي الكروب، مما تجذل له الخواطر، وترتاح إليه السرائر، وتنفتح به الأسماع، وتنشرح له الطباع.
فما مر به من هذه النوادر فلا تنظر إليها نظر المنكر فتعرض عنها صفحاً، وتطوي دونها كشحاً، إذا وقعت فيها كلمة قذف، أو لفظة سخف. وتقول: قد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لغلامه ورأى روث دابة: نح ذلك النقيل تصوناً عن اسم الروث. وقال: عرضت لي دمل تحت يدي فآلمتني، ولم يقل تحت إبطي.
وكان الحجاج على قبح أفعاله، وسوء أحواله، يتنزه عن أن ينطق بلفظة سخيفة. وقد قال لمن اتهمه بمال ابن الأشعث: لو خبأته تحت، حتى قال: تحت ذيلك، لم يكن بد من إخراجه. وإنما أراد أن يقول تحت استك.
وأكثر القاذورات وردت بالكنايات؛ كالغائط وهو المطمئن من الأرض. وكانا إذا أرادوا قضاء الحاجة ذهبوا إلى ذلك الموضع؛ فسمي ما يخرج من الإنسان باسم موضعه. وكذلك الاستنجاء أيضاً مأخوذ من النجو، وهو المكان المرتفع؛ لاستتارهم وراءه. والحش: البستان. والعذرة: فناء الدار. وكذلك وصفهم لطيب الأردان، وهي الأكمام، وإنما يراد ما تحتها، وإنما ذلك كله للفرار من النطق بأسماء الأقذار.
وليس في كل موضع أعزك الله تحسن الكنايات عن لفظ فحش، ولا بكل مكان يجمل الإعراض عن معنى وحش. فيكون كما حكى الجاحظ: أن رجلاً بعث غلامه إلى غريم له، فأساء الغلام خطابه، فخرق الغريم ثيابه؛ فرجع إلى مولاه، فقال: ما لك ؟ قال: شتمك يا مولاي، فلم أحتمل الصبر، فرددت عله، فحل بي ما ترى، قال؛ وما كان شتمه ؟ قال: قال لي: أدخل هن الحمار في حر أم من أرسلك. فقال له مولاه: دعني عنك مما جرى، ولكن لم لم تجعل لي من الوقار ما جعلته لأير الحمار حين كنيت عن ذا ولم تكن عن ذا ! فلو صرح بالجميع لكان أسلم له من الذنب، وآمن من العتب.
وقد قال أبو فراس الحمداني لرسول أرسله إلى من يهواه، فجفا في جوابه، فلطف الرسول رسالته فتبين أبو فراس ذلك فأنشده:
وكنى الرسول عن الجواب تظرّفاً . ولئن كنى فلقد علمنا ما عنى
قل يا رسول ولا تحاش، فإنّه . لا بدّ منه أساء بي أم أحسنا
الذنب لي فيما جناه لأنني . مكّنته من مهجتي فتمكّنا
أخذه بعض المتأخرين فقال:
يا رسولي خلّ عنك الظّ . رف إن كنت رسولا
لا تقل ما لم يقله . واشف بالصدق الغليلا
وهذا وإن لم يكن من محض هذا الباب، إذ كان إنما يستطاب، لأنه من الأحباب، كقول الآخر:
أتاني عنك شتمك لي وسبّي . أليس جرى بفيك اسمي فحسبي
وكما قال منصور النمري:
لا يطيب الهوى ولا يحسن الحـ . بّ لخلقٍ إلاّ بخمس خصال
بسماع الهوى وعذل نصيحٍ . وعتابٍ وهجرةٍ وتقال
وكقول الآخر:
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه . فإنّ الأذى ممن يحبّ سرور
غبار قطيع الشاء في عين ربّها . إذا ما تلا آثارهن ذرور
وقول الآخر:
لولا طراد الخيل لم تك لذّةٌ . فتطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له . من لذةٍ حتى يصيب غليلا
فهو يلم ببعض جهاته، ويتطرف بإحدى جنباته.
وفي مثل التهاتر يمكن قول العتبي فيما سهل سبيله من ترك الإعراض عما كان مثله بالقول لقائله كالولد لناجله: ما على مبصره أن يراه شريراً فاتكاً، دون أن يراه وقوراً ناسكاً. وإنما تلزم عمدته، وتعود عهدته، في سخفه وجهله، على نفسه وأهله. وقد قال بعض الظرفاء:
إنما للناس منّا . حسن خلقٍ ومزاح
ولنا ما كان فيا . من فسادٍ أو صلاح
ولو كنت هنا إنما آتي بما فيه ركانة وأصالة، دون ما فيه سخافة ورذالة، لزال عن الملح اسمها، وارتفع عنها وسمها، وخرجت عن حدودها، وأفلتت من قيودها. ولا بد من توشيحه بلطئاف من الجد، وظرائف من القصد، تتعلق بأغصانه، وتتشبث بأفنانه؛ ليكون استراحة للناظر، وإجماماً للخاطر؛ وكما يمل الجد، فيدخل فيه الهزل؛ كذلك يمل الرقيق فيحتاج إلى الجزل. والله أستغفر مما شغل به الخاطر، وأتعب له الناظر، وصرف إليه الفكر، واستخدم فيه السر، مما غيره أعم فائدة، وأتم عائدة؛ فهو الرؤوف الرحيم، والجواد الكريم.

● [ من ملح أشعب ] ●

قيل لأشعب الطماع: لقد لقيت التابعين وكثيراً من الصحابة، فهل رويت مع علو سنك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: نعم، حدثني عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلتان لا تجتمعان في مؤمن. قيل: وما هما ؟ قال: نسيت واحدةً، ونسي عكرمة الأخرى.
وقيل له: كم كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر رطلاً.
وهذا كما قيل لطفيلي: كم اثنين في اثنين ؟ قال: أربعة أرغفة.
وسألته صديقة له خاتماً وقالت له: أذكرك به. قال: اذكري أنك سألتني فمنعتك.
وساوم بقوس بندق، فقال صاحبها: بدينار، فقال: والله لو كنت إذا رميت بها طائراً وقع مشوياً بين رغيفين ما اشتريتها بدينار.
وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤي إلى إسماعيل الأعرج فالوذجة وأشعب حاضر فقال: كل يا أشعب، فأكل منها، فقال له: كيف تراها ؟ قال: الطلاق يلزمه إن لم تكن عملت قبل أن يوحي ربك إلى النحل، أي ليس فيها حلاوة.
وبأشعب هذا يضرب المثل في الطمع. قال الشاعر:
إني لأعجب من مطالك أعجب . من طول تردادي إليك وتكذب
وتقول لي تأتي وتحلف كاذباً . فأجيء من طمعٍ إليك وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ . قالوا مسيلمة وهذا أشعب
وقيل له: أرأيت أطمع منك ؟ قال: نعم كلبة آل أبي فلان، رأت شخصاً يمضغ علكاً، فتبعته فرسخاً تظن أنه يرمي لها بشيء من الخبز.
ومر أشعب برجل يعمل طبقاً من الخيزران؛ فقال له: أريد أن تزيد فيه طوقاً أو طوقين. قال: فما فائدتك ؟ قال: لعل أحداً من أشراف المدينة يهدي لنا فيه شيئاً.
وكان أشعب يعشق امرأة بالمدينة ويتحدث فيها حتى عرف بها، فقال لها جاراتها: لو سألته شيئاً ؟ فأتاها يوماً فقالت: إن جاراتي يقلن ما يصلك بشيء. فخرج عنها ولم يقربها شهرين. ثم أتاها فأخرجت له قدحاً فيه ماء، فقالت له: اشرب هذا للفزع ! فقال: بل أنت اشربيه للطمع، ومضى فلم يعد إليها.
وأشعب هذا: هو أشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس مفاكهةً.
قال الزبير بن بكار: أهل المدينة يقولون: تغير كل شيء من الدنيا إلا ملح أشعب، وخبز أبي الغيث، ومشية برة. وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة؛ وبرة بنت سعد بن الأسود؛ وكانت من أجمل النساء وأحسنهن مشية.
وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة بنت عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أبي الزناد. قال أشعب: فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا الغاية.
قال: وأسلمته عائشة إلى من يعلمه البز؛ فسألته بعد سنة أين بلغت ؟ قال: نصف العمل وبقي نصفه، قالت له: كيف ؟ قال: تعلمت النشر وبقي الطي.
وكان أشعب أطيب الناس غناء، وأكثرهم ملحاً، ونسك في آخر عمره ومات على ذلك رحمه الله تعالى. وكان يوم قتل عثمان غلاماً يسقي الماء وبقي إلى خلافة المهدي.
وخرج سالم بن عبد الله متنزهاً إلى ناحية من نواحي المدينة ومعه أهله وحرمه، فبلغ أشعب الخبر، فوافاهم يريد التطفيل؛ فصادف الباب مغلقاً، فتسور الحائط عليهم. فقال له سالم: ويلك يا أشعب ! معي بناتي وحرمي ! فقال له أشعب: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد. فضحك منه وأمر له بطعام أكله وحمل منه إلى منزله.
وكان يقول: ما أحسست قط بجار لي يطبخ قدراً إلا غسلت الغضار، وكسرت الخبز، وانتظرته يحمل إلي قدره.
وقال له بعض أصحابه: لو صرت إلي العشية نتحدث ؟ فقال: أخاف أن يجيء ثقيل، قال: ليس معنا ثالث فمضى معه. قال: فلما صلينا الظهر ودعونا بالطعام إذا بشخص يدق الباب، فقال أشعب: ترى أنا قد صرنا إلى ما نكره ؟ قال فقلت له: إنه صديق وفيه عشر خصال إن كرهت واحدةً منهن لم آذن له. قال: هات. قلت: الأولى أنه لا يأكل ولا يشرب، قال: التسع لك، إئذن له.
وهذا نظير حديث الغاضري وقد أتى الحسن بن زيد وهو أمير المدينة. فقال: جعلت فداك ! إني عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت ! وكيف ذاك ؟ قال: لأن الله عز وجل يقول " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأةً. وأنا أطعت امرأتي فاشتريت غلاماً فأبق، فقال الحسن: اختر واحدةً من ثلاث؛ إن شئت ثمن الغلام، فقال: بأبي أنت ! قف عند هذه فلا تجاوزها. قال: أعرض عليك الخصلتين ؟ قال: لا، حسبي هذه.
وغاضبت مصعب بن الزبير زوجه عائشة بنت طلحة، فاشتد ذلك عليه وشكا أمره إلى خاصته. فقال له أشعب: فما لي إذا هي كلمتك ؟ قال: عشرة آلاف درهم؛ فأتى إليها فقال: يابنة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفضلي بكلام الأمير؛ فقد استشفع بي عندك، وأجزل لي العطية إن أنت كلمته. قالت: لا سبيل إلى ذلك يا أشعب؛ وانتهرته. فقال: جعلت فداك ! كلميه حتى أقبض عشرة آلاف درهم، ثم ارجعي إلى ما عودك الله من سوء الخلق، فضحكت فقامت فصالحته.

● [ عبد الملك بن مروان وعمر بن بلال ] ●

والشيء يذكر بالشيء، أي بما قاربه. كان عبد الملك بن مروان محباً لعاتكة بنت يزيد بن معاوية؛ فغاضبته يوماً، وسدت الباب الذي بينها وبينه؛ فساءه ذلك وتعاضله، وشكا إلى من يأنس به من خاصته، فقال له عمر بن بلال الأسدي: إن أنا أرضيتها لك حتى ترى فما الثواب؟ قال: حكمك. فأتى إلى بابها، وقد مزق ثوبه وسوده؛ فاستأذن عليها وقال: أعلموها أن الأمر الذي جئت فيه عظيم. فأذنت له؛ فلما دخل رمى بنفسه وبكى. فقالت: ما لك يا عم ؟ قال: لي ولدان هما من الإحسان إلي في الغاية، وقد عدا أحدهما على أخيه فقتله، وفجعني به؛ فاحتسبته وقلت: يبقى لي ولد أتسلى به؛ فأخذه أمير المؤمنين وقال: لا بد من القود، وإلا فالناس يجترئون على القتل، وهو قاتله إلا أن يغيثني الله بك ! ففتحت الباب ودخلت على عبد الملك وأكبت على البساط تقبله وتقول: يا أمير المؤمنين؛ قد تعلم فضل عمر بن بلال، وقد عزمت على قتل ابنه؛ فشفعني فيه ؟ فقال عبد الملك: ما كنت بالذي أفعل؛ فأخذت في التضرع والخضوع حتى وعدها العفو عنه وصلح ما بينهما؛ فوفى لعمر بما وعده به.

● [ إفهام من الفتى وفهم من المنصور ] ●

وعلى ذكر عاتكة بنت يزيد، قال المدائني: لما حج أبو جعفر المنصور قال للربيع: ابغني فتى من أهل المدينة أديباً ظريفاً عالماً بقديم ديارها، ورسوم آثارها فقد بعد عهدي بديار قومي، وأريد الوقوف عليها؛ فالتمس له الربيع فتىً من أعلم الناس بالمدينة، وأعرفهم بظريف الأخبار، وشريف الأشعار؛ فعجب المنصور منه؛ وكان يسايره أحسن مسايرة، ويحاضره أزين محاضرة، ولا يبتدئه بخطاب إلا على وجه الجواب؛ فإذا سأله أتى بأوضح دلالة، وأفصح مقالة؛ فأعجب به المنصور غاية الإعجاب، وقال للربيع: ادفع إليه عشرة آلاف درهم؛ وكان الفتى مملقاً مضطراً؛ فتشاغل الربيع عنه واضطرته الحاجة إلى الاقتضاء، فاجتاز مع المنصور بدار عاتكة؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل . حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
فقال المنصور: ما هاج منه ما ليس هو طبعه: من أن يخبر بما لم يستخبر عنه، ويجيب بما لم يسأل عنه ؟ ثم أقبل يردد أبيات القصيدة في نفسه إلى أن بلغ إلى آخرها وهو:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم . مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فدعا بالربيع وقال له: هل دفعت للمدني ما أمرنا له به ؟ فقال: أخرته علة كذا يا أمير المؤمنين، قال: أضعفها له وعجلها.
وهذا أحسن إفهام من الفتى، وأدق فهم من المنصور، ولم أسمع في التعريض بألطف منه.
ولقول الأحوص هذا سبب ذكره عبد الله بن عبيدة بن عمار بن ياسر. قال: خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد الله بن الحسن إلى الحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي، فأنشدنا من رقيق شعره ؟ فأرسل إليه، فأنشدنا قصيدةً له يقول فيها:
يا بيت خنساء الذي أتجنّب . ذهب الزمان وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحت الصدود وإنما . قسماً إليك مع الصدود لأجنب
ما لي أحنّ إذا جمالك قرّبت . وأصدّ عنك وأنت مني أقرب
للّه درّك هل إليك معوّل . لمتيّم أم هل لودّك مطلب ؟
فلقد رأيتك قبل ذاك وإنني . لموكّل بهواك لو يتجنّب
إذ نحن في الزمن الرجيّ وأنتم . متجاورون، كلاكما لا يرقب
تبكي الحمامة شجوها فتهيجني . ويروح عازب همّي وتخصب
وأرى السميّة باسمكم فيزيدني . شوقاً إليك سميّك المتقرب
وأرى العدو يودّكم فأودّه . إن كان ينبىء عنك أو يتنسّب
وأحالف الواشين فيك تجمّلاً . وهم عليّ ذوو ضغائن دوّب
ثم اتخذتهم عليّ وليجةً . حتى غضبت ومثل ذلك يغضب
فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز، فلما مر بالمدينة دخل عليه الأحوص بن محمد فاستصحبه ففعل. فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: ما تريد بنفسك ؟ تقدم الشام بالأحوص وفيها من تبعك من بني أبيك وهو من السفه على ما علمت ! فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص منتجزاً ما وعده من الصحابة، فدعا له بمائة دينار وأثواب وقال: يا خال؛ إني نظرت فيما ضمنت لك من الصحابة، فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين. فقال الأحوص: لا حاجة لي بعطيتك، ولكني سعيت عندك، ثم خرج، فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى الأحوص وهو أمير المدينة فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثياباً، ثم قال له: يا خال؛ هب لي عرض أخي، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص وهو يقول في عروض قصيدة سليمان بن أبي دباكل يمدح عمر:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل . حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
هل عيشنا بك في زمانك راجعٌ . فلقد تفاحش بعدك المتعلّل
أصبحت أمنحك الصدود وإنني . قسماً إليك مع الصدود لأميل
فصددت عنك وما صددت لبغضة . أخشى مقالة كاشحٍ لا يغفل
وتجنّبي بيت الحبيب أزوره . أرضي البغيض به حديثٌ معضل
إنّ الزمان وعيشنا ذاك الذي . كنّا بلذّته نسرّ ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره . أسفاً يعلّ به الفؤاد وينهل
حتى انتهى إلى قوله:
فسموت عن أخلاقهم وتركتهم . لنداك، إنّ الحازم المتوكّل
ووعدتني في حاجتي فصدقتني . ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدّلوا
ولقد بدأت أريد ودّ معاشرٍ . وعدوا مواعد أُخلفت إذ حصّلوا
حتى إذا رجع اليقين مطامعي . يأساً وأخلفني الذين أؤمّل
زايلت ما صنعوا إليك برحلة . عجلى وعندك عنهم المتحوّل
وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم . مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال عمر بن عبد العزيز: ما أراك أعفيتني مما استعفيك.
والأحوص وإن كان ممن أغار على قصيدة سليمان، فقد أربى عليه في الإحسان، وكان كما قال ابن المرزبان؛ وقد أنشد لابن المعتز قصيدته في مناقضة ابن طباطبا العلوي التي أولها:
دعوا الأُسد تكنس في غابها . ولا تدخلوا بين أنيابها
قال: قد أخذه من قول بعض العباسيين:
دعوا الأسد تسكن أغيالها . ولا تقربوها وأشبالها
أخذ ساجاً ورده عاجاً، وغل قطيفة، ورد ديباجاً.


● [ طرف مستملحة ] ●

قال سذابة المغني لأبي العباس المبرد: صر إلي اليوم لنأنس بك. قال: أي شيء عندك آكل ؟ قال: أنت وأنا عليك. يريد لحماً مبرداً وعليه سذاب.
ولقي برد الخيار الكاتب أبا العباس المبرد على الجسر في يوم بارد. فقال: أنت المبرد، وأنا برد الخيار، واليوم بارد؛ اعبر بنا لئلا يصيب الناس الفالج.
وقال عون بن محمد: لقيت باذروجة المغني وسكباج الراقص بسر من رأى، فصحت: يا غلام، المائدة؛ فقد وافت الألوان، فضحكوا؛ وأقسم علينا باذروجة؛ فكنا يومنا عنده في أطيب عيش.

● [ من طرف ابن جدار وشعره ] ●

وكان ابن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون بارد المشاهدة، فعاد أبا حفص بن أبي أيوب ابن أخت الوزير، فوافاه وقد أصابته قشعريرة. فقال: ما تجد ؟ جعلت فداك ! قال: أجدك.
وكان أبو حفص أديباً شاعراً بليغاً ولهاً، وقد رأى ورداً قريباً من أقحوان فقال:
أرى أقحواناتٍ يطفن بناصعٍ . من الورد مخضرّ النبات نضيد
يميّله ريح الصّبا فكأنه . ثغور دنت شوقاً للثم خدود
وكان ابن جدار ينقل أخبار أبي حفص إلى العباس بن أحمد بن طولون، فصار إليه يوماً فقال: أعزك الله؛ إنما مجلس المدام حرمة أنس، ومسرح لبانة، ومذاد هم، ومرتع لهو، ومهد سرور؛ وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، وقد بلغني ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل من أخبار مجالسي. وأنشد:
ولقد قلت للأخلاّء يوماً . قول ساعٍ بالنصح لو سمعوه
إنّما مجلس المدام بساطٌ . للمودّات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا . من نعيمٍ ولذةٍ رفعوه
فاعتذر إليه وحلف أنه ما فعل، وقام عن مجلسه. وأنشد:
كم من أخٍ أوجست منه خيفة . فأنست بعد وداده بفراقه
لم أحمد الأيّام منه خليقةً . فتركته مستمتعاً بخلاقه
وكان ابن جدار قبل تعلقه بالعباس يتكسب بالشعر ويقنع باليسير، فصار إلى دار إسحاق بن دينار بن عبد الله وامتدحه، فلم يهب له شيئاً؛ فقال فيه:
عجب الناس أن مدحت ابن دينا . ر فلم يجزني على مدحيه
قلت لا تعجبوا فما قدم اللّؤ . م عجيباً منه ولا منه أخيه
إنّ ديناره أبوه، ومن جا . د من الناس لامرىءٍ بأبيه ؟
وهو القائل في القلم:
وعاشقٍ تحت رواق الدجى . أغرى به الحيرة فقدان
أهيف ممشوق بتحريكه . يحلّ عقد السرّ إعلان
يحوك وشياً لم يحك مثله . بلاغةٌ تحكى وبرهان
وربّما أحيا وأهدى الرّدى . ففيه ماذيٌّ وخطبان
وفيه للناظر أٌعجوبة . يكسو عراة وهو عريان
تجري به خمسٌ مطايا له . مختلفات القدّ أقران
له لسانٌ مرهفٌ حدّه . من ريقة الكرسف ريّان
في دقّة المعنى إذا أغرقت . للقول في التدقيق أذهان
إذا احتسى كأساً كلون الدّجا . حرّك منه الرأس نشوان
كأنّما ينثر من لفظه . درٌّ وياقوتٌ ومرجان
ترى بسيط الفكر في نظمه . شخصاً له حدٌّ وجثمان
كأنّما يسحب في إثره . ذيلاً من الحكمة سحبان
لولا ما قام منار الهدى . ولا سما بالملك ديوان

● [ بين ابن مكرم وأبي العيناء ] ●

قدم محمد بن مكرم من الجبل؛ فقال له أبو العيناء: ما لك لم تهد إلينا شيئاً ؟ فقال: والله ما قدمت إلا في خف، قال: كذبت، ولو قدمت في خف خفت روحك. وأكثر عليه أبو العيناء من المهاترة، فقال: إن زدت علي قمت، قال: أراك تتهددنا بالعافية.
وكانا يشربان يوماً عند صديق لهما، فقال ابن مكرم لصاحب الدار: أقوم إلى الخلاء؛ فقال أبو العيناء: إذاً لا يعود إلينا منك شيء.
وولد لأبي العيناء مولود فأتاه ابن مكرم مهنئاً، فوضع بين يدي أبي العيناء حجراً وانصرف. فجسه أبو العيناء فوجده حجراً. فقال: من وضع هذا ؟ فقالوا: تركه ابن مكرم لما قدم، قال: لعنه الله؛ إنما عرض بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وأتى محمد بن مكرم شاعر فقال: إني قد هجوتك بشعر ؟ فقال: قل، فوالله لئن أحسنت لأخلعن عليك خلعةً، فأنشده:
يا فتى مكرم تنحّ عن الفخ . ر فما مكرمٌ وما دينار
لا تفاخر إذا فخرت بهذي . ن فذا كودن وذاك حمار
فقال: أحسنت، ولكني أكسوك من ثيابنا، يا غلام، ارم عليه جلاً وبرذعةً.

● [ عود إلى الطرف المتفرقة ] ●

دخل بعض أبناء الملوك على المبرد وعنده سلة حلوى قد أعدها لبعض إخوانه، فوجد ابنه الفرصة في اشتغال أبيه فأقبل يأكل منها. فنظر إليه المبرد فأنشده:
الناس في غفلاتهم . ورحى المنيّة تطحن
ودخل أبو الحارث حمير على بعض الملوك فرأى بين يديه سلة حلوى. فقال: ما في هذا أيها الأمير ؟ قال: باذنجان. وكان أبو الحارث يكره الباذنجان كراهية شديدة.
وأصلح محمد بن يحيى بن خالد دعوةً، وأمر الطباخ أن يجعل الباذنجان في جميع الطعام، وحضر أبو الحارث فكلما قدم لون وهم بالأكل منعه ما يراه إلى أن ضاق فأقبل يأكل بدقة المائدة فعطش فقال: اسقوني ماءً لا باذنجان فيه.
ودخل على محمد بن يحيى وبين يديه مزورات وكان محمياً، فأكل معه وخرج من عنده، فلقيه بعض إخوانه، فغطى رأسه منهم واستخفى فقالوا: ما لك يا أبا الحارث ؟ قال: أكلت عند محمد بن يحيى بقولاً كثيرة. قالوا: فما تخاف ؟ قال: أخاف أن يمر المساح فيمسحني خضراء فلا يقبلوا مني مظلمةً.
وهذا كما حكي عن الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل: أنه مر ببعض إخوانه بعقبة النجارين، وهو يعدو بأكثر مما يقدر عليه، فقال له: قف علي، فخاف أن تكون نزلت به نزلة، فأتاه إلى الدار فخرج مستخفياً. فقال: ما لك يا أبا عبد الله ؟ قال: أما علمت أن السخرة وقعت في الجمال ؟ فما يؤمنني أن يقال هذا الجمل، فأؤخذ فلا أتخلص إلا بشفاعة. وكان الجمل حلواً ظريفاً.

● [ ابن المدبر يجيز بالصلاة ] ●

وكان أبو الحسن أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يحسن وكل به من يمضي معه إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلي مائة ركعةً؛ فتحاماه الشعراء، فأتاه الجمل فأنشده:
أردنا في أبي حسن مديحاً . كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثفلين طرّاً . ومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن . جوائزه إلى الناس الصّلاة
فقلت لهم: وما تغني صلاتي . عيالي ! إنّما الشأن الزكاة
فأمّا إذ أبى إلاّ صلاتي . وعاقتني الهموم الشاغلات
فيأمر لي بكسر الصاد منها . لعليّ أن تنشّطني الصّلات
فيصلح لي على هذي حياتي . ويصلح لي على هذي الممات
فأمر له بمائة دينار.
وقيل له: من أين اهتديت إلى هذا ؟ قال: من قول أبي تمام:
هنّ الحمام فإن كسرت عيافةً . من حائهنّ فإنّهن حمام

● [ برمكي بخيل ] ●

وكان محمد بن يحيى البرمكي يبخل، ولم يكن بخيلاً إلا بالإضافة إلى أخويه الفضل وجعفر؛ وكان أبو الحارث حمير يكثر وصفه بذلك، فقيل له يوماً: كيف مائدة محمد ؟ فقال: أما خوانه فعدسة، وأما صحافه فمنقورة من خشب الخشخاش، وبين الرغيف والرغيف فترة. قيل: فمن يحضرها ؟ قال: أكرم الخلق وألأمهم يريد الملائكة عليهم السلام والذباب. وقد ذكر غير هذا والحكايات تختلف.
وقيل له: كيف كنت عنده ؟ قال: عليه الطلاق إن لم يكن أقام ثلاثة أيام وبطنه يظن أن رأسه قطع؛ لأنه لم يدخل إليه آثار طعام ولا شراب.


● [ من مستجاد ما قيل في البخل ] ●

ومن مستجاد ما قيل في البخل مما جمع إلى الخلاعة براعة قول أبي نواس في إسماعيل بن نيبخت:
على خبز إسماعيل واقية البخل . فقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنها . ولسنا نراها في الحزون ولا السّهل
وما خبزه إلاّ كالعنقاء مغرب . تصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدّث عنها الناس من غير رؤيةٍ . سوى صورة ما إن تمر ولا تجلي
وما خبزه إلا كليب بن وائل . لبالي يحمي عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده . ولا الصوت مرفوع بجدٍّ ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي . أصاب كليباً لم يكن ذاك عن ذلّ
ولكن قضاءٌ ليس يسطاع ردّه . بحيلة ذي دهي ولا مكر ذي عقل
قال الجاحظ: وأبيات أبي نواس على أنه مولد شاطر أشعر من شعر المهلهل في إطراق المجلس بكليب أخيه إذ يقول:
نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت . واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتحدّثوا في أمر كلّ عظيمةٍ . لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا
وكان كليب إذا جلس في ناديه لم يرفع أحد طرفه، ولا ينطق بكلمة إجلالاً له.
وقال أبو نواس:
رأيت قدور الناس سوداً من الصّلى . وقدر الرقاشيّين زهراء كالبدر
يضيق بحيزوم البعوضة صدرها . ويخرج ما فيها على طرف الظفر
يبيّنها للمعتفي بفنائهم . ثلاثٌ كخطّ الثاء من نقط الحبر
إذا ما تنادوا للرحيل سعى بها . أمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ
وهذا القدر ضد قدر القائل:
وبوّأت قدري موضعاً فوضعتها . برابيةٍ ما بين ميثٍ وأجرع
جعلت لها هضب الرّجام وطخفةً . وغولاً أثافيّ دونها لم تنزّع
بقدرٍ كأنّ الليل شحنة قعرها . ترى الفيل فيها طافياً لم يقطّع
ويجب أن يأكل ما في هذا القدر من ذكر الفرزدق في قوله:
لعمرك ما الأرزاق حين اكتيالها . بأكثر خيراً من خوان العذافر
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى . وحلّ على خبّازه بالعساكر
بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهم . لأشبعهم يوماً غداء عذافر


● [ طرف مليحة ] ●

ودخل رجل على المتوكل فقال له: ما اسمك ؟ قال: قطان. قال: وما صناعتك ؟ قال: حمدان. قال: لعل اسمك حمدان وصناعتك قطان ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولكني دهشت لهيبتك.
وقال رجل لآخر معه كلب: ما اسمك ؟ قال: وثاب. قال: وما اسم كلبك ؟ قال: عروة، قال: واخلافاه ! وقال ابن قادم: كنا نماشي ابن المغتاب القاضي، فمررنا بمقبرة، فإذا عليها مكتوب: بركة من الله صاحبها. وكنا في إملاك فإذا على منارة مكتوب: كل نفس ذائقة الموت. فقلت: هذه بتلك.
وممن وقع له هذا على الغلط فأحسن الاستدراك مطيع بن إياس الحارثي، فإنه دخل على الهادي في حياة المهدي وهو ولي عهد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقيل له: مه ! فقال: بعد أمير المؤمنين.

● [ يتعمدان المقلوب ] ●

وأما أبو العبر ومحمد بن حكيم الكنتجي فقد كانا يتعمدان المقلوب رقاعةً ومجانةً، وأبو العبر هو الذي كتب لبعض أصحابه: أما قبل فأحكم بنيانك على الرمل، واحبس الماء في الهواء، حتى يغرق الناس من العطش؛ فإنك إذا فعلت ذلك أمرت لك كل يوم بسبعة آلاف درهم ينقص كل درهم سبعة دوانيق.
وكتب يوم إلا تسعاً لخمس وأربعين ليلةً خلت من شهر ربيع الأوسط سنة عشرين إلا مائتين. وله مثل هذا كثير من منظوم ومنثور. وهو القائل:
الخوخ يعشق وكنة الرّمّان . والطيلسان قرابة الخفّان
يا من رمى قلبي فعرقب أذنه . فشممت منه حموضة الكتّان
وقال أبو العبر: كنا نختلف ونحن أحداث إلى رجل يعلمنا الهزل، فكان يقول: أول ما تريدون قلب الأشياء، فكنا نقول إذا أصبح: كيف أمسيت ؟ وإذا أمسى: كيف أصبحت ؟ وإذا قال: تعال نتأخر إلى خلف؛ وكانت له أرزاق تعمل كتابتها في كل سنة، فعمل مرة وأن معه الكتاب، فلما فرغ من التوقيع وبقي الختم. قال: أتربه وجئني به، فمضيت فصببت عليه الماء فبطل، فقال: ويحك ! ما صنعت ؟ قلت: ما نحن فيه طول النهار من قلب الأشياء ! قال: والله لا تصحبني بعد اليوم فأنت أستاذ الأستاذين.
وكان نقش خاتم أبي العبر توفي جحا يوم الأربعاء.
وتعرض للمتوكل والمتوكل مشرف على مظهر في قصره الجعفري وقد جعل في رجليه قلنسوتين وعلى رأسه خفاًن وقد جعل سراويله قميصاً، وقميصه سراويل، فقال: علي بهذا المثلة؛ فدخل عليه فقال: أنت شارب ؟ قال: ما أنا إلا عنفقة. قال: إني أضع الأدهم في رجليك وأنفيك في فارس، قال: ضع في رجلي الأشهب وانفني إلى راجل ! قال: أتراني في قتلك مأثوم؟ قال: بل ماء بصل يا أمير المؤمنين، فضحك ووصله.
وأبو العبر القائل في الجد:
ليس لي مال ولي كرمٌ . فبه أقوى على عدمي
لا أقول اللّه يظلمني . كيف أشكو غير متّهم
قنعت نفسي بما رزقت . وتمشّت في العلا هممي
ولبست الصبر سابغةً . فهي من فرقي إلى قدمي
فإذا ما الدهر عاتبني . لم تجدني كافر النعم
وله في الرقيق:
رقّ حتى يكاد خدّك يجري . رقةً والجفون ترنو بسحر
يا قليل الشبه مستظرف الشك . ل بديع الجمال مغرىً بهجر
كفّ عني الصدود يا واحد الحسـ . ن فقد عيل من صدودك صبري
وله أيضاً:
أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت . بكيت عند الرضا خوفاً من الغضب
فالموت إن رضيت والموت إن غضبت . أنّى يرجّى سلوٌّ، عشت في تعب
وهذا قريب من قول فضل الشاعرة، وقيل سعيد بن حميد:
ما كنت أيام كنت راضيةً . عني بذاك الرضا بمغتبط
علماً بأنّ الرضا سيتبعه . منك التجنّي وكثرة السّخط
فكلّ ما ساءني فعن خلقٍ . منك وما سرّني فعن غلط
هذا البيت الأخير كقول أبي العيناء، وقد سأله المتوكل عن ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان البريد وكان يبغضه فقال: يد تسرق، مثله مثل يهودي سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما بقي، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلف.

● [ أبو محجن الثقفي وطرف من أدبه ] ●

ولما مات أبو محجن الثقفي وقف رجل على قبره، فقال: رحمك الله أبا محجن ! فوالله لقد كنت قليل المراء، جيد الغناء، غير نعاس، ولا عباس، ولا حابس للكاس.
واسم أبي محجن عروة بن حبيب، وكان فارساً شاعراً، وكان مشتهراً بالشراب كثيراً يقول فيه؛ فحده عمر رضي الله عنه مرات، ثم أخرجه إلى العراق، فشرب، فحده سعد بن أبي وقاص وسجنه في قصر العذيب، وكان سعد مريضاً في القصر، وأقام المسلمون في حرب القادسية أياماً، فوجهت الأعاجم قوماً إلى القصر ليأخذوا من فيه، فاحتال أبو محجن حتى ركب فرس سعد من غير علمه فخر فأوقع بهم؛ فرآه سعد، فلما انصرف بالظفر خلى سبيله. وقال: لا أضربك بعدها في الشرب، قال: فإني لا أذوقها أبداً.
ودخل ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أبوك الذي يقول ؟
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمةٍ . تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنني . أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها
فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو شئت لذكرت من شعره ما هو أحسن من هذا وأنشد:
لا تسألي القوم عن مالي وكثرته . وسائلي القوم عن بأسي وعن خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم . إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق
أُعطى السنان غداة الروع حصّته . وعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النّجلاء عن عرضٍ . وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
فقال: لئن كنا أسأنا المقال، لا نسيء الفعال؛ وأمر له بصلة.

● [ الحجاج يضحك في جنازة رجل من أهل الشام ] ●

وقال ابن عائشة: مات رجل من أهل الشام، فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم القدر، وله عز وجاه؛ فصلى عليه وجلس على شفير قبره، وقال: لينزل قبره بعض إخوانه، فنزل نفر منهم، فقال أحدهم وهو يسوي التراب عليه : رحمك الله يا أبا فلان؛ فإن كنت ما علمت لتجيد الغناء، وتسرع رد الكأس، ولقد وقعت بموضع سوء لا تخرج منه إلا يوم الدكة.
قال: فما تمالك الحجاج أن ضحك، وكان لا يضحك في جد ولا في هزل، ثم قال للرجل: هذا موضع هذا الأمر. ويلك ؟ قال: أصلح الله الأمير، فرسي حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير يتغنى:
يا لبينى أوقدي النارا . إنّ من تهوين قد جارا
ربّ نارٍ بتّ أرمقها . تقضم الهنديّ والغارا
عندها ظبيٌ يؤججها . عاقدٌ في الخصر زنّارا
وكان الميت يسمى سعنة. فقال: أخرجوه من القبر يا أهل الشام، ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم ! وكان الميت أقبح خلق الله وجهاً، فلم يبق أحد ممن حضر إلا استغرق ضحكاً.


● [ أهل الشام ] ●

وأهل الشام غاية في الجهل والغباوة. ودخل رجل من أهل العراق الشام في أيام عبد الملك في حوائج له، فحجب عنه، فدخل في غمار الناس، فقال عبد الملك لجلسائه: ما معنى قول الشاعر:
إذا ما المواشط باكرنها . وأتبعن بالظّفر وحفاً طويلا
تخذن القرون فعقّلنها . كعقل العسيف غرابيب ميلا
يصف شعر امرأة، والوحف: البشام، والعسيف: الأجير، والغرابيب الشديدة السواد؛ يريد عناقيد الكرم. وروي عراجين ميلاً فسكتوا عن آخرهم.
فقال العراقي لرجل من أهل الشام له بزة وهيئة: أرأيتك إن أخبرتك بمعناه وحصل لك الحظ عند أمير المؤمنين أتقربني منه حتى أسأله حاجتي ؟ قال: لك ذلك. قال: إنما يصف البطيخ، فوثب الشامي، وقال ذلك، فافتضح وانقلب المجلس ضحكاً. فقال له عبد الملك: من أين لك هذا العلم ؟ قال: هذا العراقي ابن اللخناء قال لي ذلك. فقال عبد الملك: ما أدخلك ؟ أذكر حاجتك ؟ فذكرها فقضاها له وقال: أخرج من الشام لا تفسدها علي بمجاورتك.
مما جمع التصرف في الإحسان
ومما جمع التصرف في الإحسان وبديع الافتنان، قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلةٍ . كأنّ دجاها من قرونك ينشر
نصبت لها حتى تجلّت بغرّةٍ . كغرّة يحيى حين يذكر جعفر
يريد يحيى بن خالد بن برمك وجعفراً ابنه. وقال ابن المعتز:
سقتني في ليلٍ شبيهٍ بشعرها . شبيهة خدّيها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين بالشّعر والدّجى . وشمسين من خمرٍ وخدّ حبيب
وقال أبو الطيب:
نشرت ثلاث ذوائبٍ من شعرها . في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها . فأرتني القمرين في وقتٍ معا
من أعجب ما قيل في وصف الشعر
ومن أعجب ما قيل في وصف الشعر ما جمع فيه وصف سواده وتمامه، وأتى بالتشبيه الواقع، والوصف الرائع؛ قول أبي الحسن علي بن العباس الرومي:
وفاحمٍ وارد يقبّل مم . شاه إذا اختال مسبلاً غدره
أقبل كاللّيل من مفارقه . منحدراً لا يذمّ منحدره
حتى تناهى إلى مواطئه . يلثم من كلّ موطىءٍ عفره
كأنّه عاشقٌ دنا شغفاً . حتّى قضى من حبيبه وطره
يغشى غواشي قرونه قدماً . بيضاء للناظرين مقتدره
مثل الثرّيا إذا بدت سحراً . بعد غمامٍ وحاسرٍ حسره
وقد أخذه منه بعض أهل العصر وهو محمد بن مطران فقاربه في الإحسان:
ظباءٌ أعارتها المها حسن مشيها . كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبّلت . مواطىء من أقدامهنّ الضفائر

● [ بنو أمية وأهل العراق ] ●

وكان بنو أمية يكرهون أهل العراق لفطنتهم ورقتهم؛ إذ سياسة الأغبياء أسهل عليهم؛ فقد قال الإسكندر لأرسطا طاليس: قد أعياني أهل العراق، ما أجري عليهم حيلةً إلا وجدتهم قد سبقوني إلى الخلاص، فتخلصوا قبل إيقاعها بهم؛ وقد عزمت على قتلهم عن آخرهم. فقال: إذا قتلتهم فهل تقدر على قتل الهواء الذي غذى طباعهم وخصهم بهذا الذكاء ؟ فإن ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم. فقال: ما الرأي ؟ قال: من كان فيه هذا العقل كانت فيه أنفة وحمية وشراسة خلق، وقلة رضاً بالضيم؛ فاقسمها طوائف، وول على كل طائفة أميراً، فإنهم يختلفون، فإذا اختلفوا فلت شوكتهم فغفلوا. فأقاموا مختلفين أربعمائة عام حتى جمعهم أردشير بن بابك وقال: إن كلمةً فرقت بيننا أربعمائة سنة لمشؤومة.

● [ إياس بن معاوية أمام القاضي ] ●

ودخل إياس بن معاوية بن قرة الشام وهو صغير؛ فخاصم شيخاً إلى القاضي وأقبل يصول عليه، فقال القاضي: اسكت يا صبي. فقال: فمن ينطق بحجتي ؟ قال: إنه شيخ كبير، قال: إن الحق أكبر منه. قال القاضي: ما أراك تقول حقاً؛ فقال: لا إله إلا الله. فركب القاضي من وقته إلى عبد الملك فأخبره فقال: عجل بقضاء حاجته وأخرجه من الشام لئلا يفسدها.
وبإياس يضرب المثل في الذكاء قال الطائي:
إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ . في حلم أحنفي في ذكاء إياس

● [ أحزم الملوك ] ●

خرج بعض ملوك الفرس متنزهاً، فلقيه بعض الحكماء فسأله عن أحزم الملوك ؟ فقال: من ملك جده وهزله، وقهر لبه هواه، وأعرب لسانه عن ضميره، ولم يختدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن صدقه. فقال الملك: لا، بل أحزم الملوك من إذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا تعب استراح. فقال له: أيها الملك؛ قد أجدت الفطنة، أهذا لك علم مستفاد أم غريزي ؟ قال: كان لي معلم من حكماء الهند، وكان هذا نقش خاتمه. قال: فهل علمك غير هذا ؟ قال: ومن أين يوجد هذا عند رجل واحد. ثم قال الملك: علمني من حكمتك أيها الحكيم. قال: نعم ! احفظ عني ثلاث كلمات؛ قال: صدقت، فهات، قال: صقلك لسيف ليس له جوهر من طبعه خطأ، وبذرك الحب في الأرض السبخة ترجو نباته جهل، وحملك الصعب السير على الرياضة عناء. ومن هنا أخذ أبو تمام قوله:
في دولة غرّاء معتصميّة . ميمونة الإدبار والإقبال
فتعمّق الوزراء يطفو فوقها . طفو القذى وتعقّب العذّال
والسيف ما لم يلف فيه صقلٌ . من طبعه لم ينتفع بصقال


جمع الجواهر في الملح والنوادر
تأليف : الحُصريِ
منتدى دنيا الكراكيب ـ البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 10:50 am