منتدى ميراث الرسول

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ

avatar
اسرة التحرير
Admin


عدد المساهمات : 3695
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ Empty حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ

مُساهمة من طرف اسرة التحرير الأحد مارس 09, 2014 6:51 am

حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ Albary10

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
فتح البارى ـ صحيح البخارى
باب : كيف كان بدء الوحى
حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ 1410
حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِى قَالَ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِى، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِى يَقُولُ:
سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِى اللَّهُ عَنْهُ -عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ).
الشرح
(1/10) قوله: (حدثنا الحميدى) هو: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى، منسوب إلى حميد بن أسامة، بطن من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى، رهط خديجة زوج النبى -صلى الله عليه وسلم- يجتمع معها فى أسد، ويجتمع مع النبى -صلى الله عليه وسلم -فى قصى. وهو إمام كبير مصنف، رافق الشافعى فى الطلب عن ابن عيينة وطبقته، وأخذ عنه الفقه ورحل معه إلى مصر، ورجع بعد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومائتين. فكأن البخارى امتثل قوله -صلى الله عليه وسلم -" قدموا قريشا"فافتتح كتابه بالرواية عن الحميدى، لكونه أفقه قرشى أخذ عنه. وله مناسبة أخرى: لأنه مكى كشيخه، فناسب أن يذكر فى أول ترجمة بدء الوحى، لأن ابتداءه كان بمكة، ومن ثم ثنى بالرواية عن مالك، لأنه شيخ أهل المدينة، وهى تالية لمكة فى نزول الوحى وفى جميع الفضل، ومالك وابن عيينة قرينان، قال الشافعى: لولاهما لذهب العلم من الحجاز.
قوله: (حدثنا سفيان) هو: ابن عيينة بن أبى عمران الهلالى أبو محمد المكى، أصله ومولده الكوفة، وقد شارك مالكا فى كثير من شيوخه، وعاش بعده عشرين سنة، وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين.
قوله: (عن يحيى بن سعيد) فى رواية غير أبى ذر: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصارى. اسم جده: قيس بن عمرو وهو صحابى، ويحيى من صغار التابعين، وشيخه محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمى من أوساط التابعين، وشيخ محمد علقمة بن وقاص الليثى من كبارهم، ففى الإسناد ثلاثة من التابعين فى نسق. وفى المعرفة لابن منده، ما ظاهره أن علقمة صحابى، فلو ثبت لكان فيه تابعيان وصحابيان، وعلى رواية أبى ذر يكون قد اجتمع فى هذا الإسناد، أكثر الصيغ التى يستعملها المحدثون، وهى: التحديث والإخبار والسماع والعنعنة والله أعلم.
وقد اعترض على المصنف فى إدخاله حديث الأعمال هذا فى ترجمة بدء الوحى، وأنه لا تعلق له به أصلا، بحيث أن الخطابى فى شرحه، والإسماعيلى فى مستخرجه، أخرجاه قبل الترجمة، لاعتقادهما أنه: إنما أورده للتبرك به فقط، واستصوب أبو القاسم بن منده صنيع الإسماعيلى فى ذلك. وقال ابن رشيد: لم يقصد البخارى بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه فى هذا التأليف، وقد تكلفت مناسبته للترجمة، فقال: كل بحسب ما ظهر له.
انتهى.
وقد قيل: إنه أراد أن يقيمه مقام الخطبة للكتاب، لأن فى سياقه أن عمر قاله على المنبر بمحضر الصحابة، فإذا صلح أن يكون فى خطبة المنبر، صلح أن يكون فى خطبة الكتب. وحكى المهلب: أن النبى -صلى الله عليه وسلم -خطب به حين قدم المدينة مهاجرا، فناسب إيراده فى بدء الوحى، لأن الأحوال التى كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها، لأن بالهجرة افتتح الإذن فى قتال المشركين، ويعقبه النصر والظفر والفتح انتهى.
وهذا وجه حسن، إلا أننى لم أر ما ذكره - من كونه صلى الله عليه وسلم خطب به أول ما هاجر - منقولا. وقد وقع فى باب ترك الحيل بلفظ: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول -"يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية"الحديث، ففى هذا إيماء إلى أنه كان فى حال الخطبة، أما كونه كان فى ابتداء قدومه إلى المدينة فلم أر ما يدل عليه، ولعل قائله استند إلى ما روى فى قصة مهاجر أم قيس، قال ابن دقيق العيد: نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فلهذا خص فى الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به، انتهى.
وهذا لو صح لم يستلزم البداءة بذكره أول الهجرة النبوية. وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد من منصور قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: من هاجر يبتغى شيئا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس فكان يقال له: مهاجر أم قيس. ورواه الطبرانى من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين،
لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر فى شيء من الطرق ما يقتضى التصريح بذلك. وأيضا فلو أراد البخارى إقامته مقام الخطبة فقط إذ الابتداء به تيمنا وترغيبا فى الإخلاص، لكان سياقه قبل الترجمة كما قال الإسماعيلى وغيره. ونقل ابن بطال عن أبى عبد الله بن النجار قال: التبويب يتعلق بالآية والحديث معا، لأن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء ثم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -أن الأعمال بالنيات لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}.
(1/11) وقال أبو العالية فى قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} قال: وصاهم بالإخلاص فى عبادته. وعن أبى عبد الملك البونى قال: مناسبة الحديث للترجمة أن بدء الوحى كان بالنية، لأن الله تعالى فطر محمدا على التوحيد، وبغض إليه الأوثان، ووهب له أول أسباب النبوة وهى الرؤيا الصالحة، فلما رأى ذلك أخلص إلى الله فى ذلك، فكان يتعبد بغار حراء فقبل الله عمله وأتم له النعمة. وقال المهلب ما محصله: قصد البخارى الإخبار عن حال النبى -صلى الله عليه وسلم -فى حال منشئه، وأن الله بغض إليه الأوثان وحبب إليه خلال الخير ولزوم الوحدة فرارا من قرناء السوء، فلما لزم ذلك أعطاه الله على قدر نيته، ووهب له النبوة، كما يقال: الفواتح عنوان الخواتم. ولخصه بنحو من هذا القاضى أبو بكر بن العربى.
وقال ابن المنير فى أول التراجم: كان مقدمة النبوة فى حق النبى -صلى الله عليه وسلم - الهجرة إلى الله تعالى بالخلوة فى غار حراء، فناسب الافتتاح بحديث الهجرة.
ومن المناسبات البديعة الوجيزة ما تقدمت الإشارة إليه: أن الكتاب لما كان موضوعا لجمع وحى السنة صدره ببدء الوحى، ولما كان الوحى لبيان الأعمال الشرعية صدره بحديث الأعمال، ومع هذه المناسبات لا يليق الجزم بأنه لا تعلق له بالترجمة أصلا. والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد تواتر النقل عن الأئمة فى تعظيم قدر هذا الحديث: قال أبو عبد الله: ليس فى أخبار النبى -صلى الله عليه وسلم -شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث. واتفق عبد الرحمن بن مهدى والشافعى، فيما نقله البويطى عنه وأحمد بن حنبل وعلى بن المدينى وأبو داود والترمذى والدارقطنى وحمزة الكنانى، على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال ربعه، واختلفوا فى تعيين الباقى. وقال ابن مهدى أيضا: يدخل فى ثلاثين بابا من العلم. وقال الشافعى: يدخل فى سبعين بابا، ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة. وقال عبد الرحمن بن مهدى أيضا: ينبغى أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب. ووجه البيهقى كونه ثلث العلم، بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد: نية المؤمن خير من عمله، فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين. وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم، أنه أراد أحد القواعد الثلاثة التى ترد إليها جميع الأحكام عنده، وهى هذا و"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"و"الحلال بين والحرام بين" الحديث. ثم إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنه فى الموطأ، مغترا بتخريج الشيخين له والنسائى من طريق مالك. وقال أبو جعفر الطبرى: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودا لكونه فردا، لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرد به من فوقه، وبذلك جزم الترمذى والنسائى والبزار وابن السكن وحمزة بن محمد الكنانى، وأطلق الخطابى نفى الخلاف بين أهل الحديث فى أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال لكن بقيدين: أحدهما: الصحة لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطنى وأبو القاسم بن منده وغيرهما. ثانيهما: السياق لأنه ورد فى معناه عدة أحاديث صحت فى مطلق النية، كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم:"يبعثون على نياتهم"، وحديث ابن عباس:"ولكن جهاد ونية"، وحديث أبى موسى:"من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله " متفق عليهما، وحديث ابن مسعود:" رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته"أخرجه أحمد، وحديث عبادة:"من غزا وهو لا ينوى إلا عقالا فله ما نوى"أخرجه النسائى، إلى غير ذلك مما يتعسر حصره، وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر، إلا إن حمل على التواتر المعنوى فيحتمل. نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد: فحكى محمد بن على بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مائتان وخمسون نفسا، وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده فجاوز الثلاثمائة، وروى أبو موسى المدينى عن بعض مشايخه مذاكرة عن الحافظ أبى إسماعيل الأنصارى الهروى قال: كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى. قلت: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتى هذا، فما قدرت على تكميل المائة، وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم، كما سيأتى مثال لذلك فى الكلام على حديث ابن عمر فى غسل الجمعة إن شاء الله تعالى.
(12 /1) قوله: (على المنبر) بكسر الميم، واللام للعهد، أى منبر المسجد النبوى، ووقع فى رواية حماد بن زيد عن يحيى فى ترك الحيل: سمعت عمر يخطب.
قوله: (إنما الأعمال بالنيات) كذا أورد هنا، وهو من مقابلة الجمع بالجمع، أى كل عمل بنيته. وقال الخوبى: كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الاتقاء لوعيده. ووقع فى معظم الروايات بإفراد النية، ووجهه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها. بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر، وهى متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد للواحد الذى لا شريك له . ووقعت فى صحيح ابن حبان بلفظ" الأعمال بالنيات"بحذف"إنما"وجمع الأعمال والنيات، وهى ما وقع فى كتاب الشهاب للقضاعى، ووصله فى مسنده كذلك ، وأنكره أبو موسى المدينى، كما نقله النووى وأقره، وهو متعقب برواية ابن حبان، بل وقع فى رواية مالك عن يحيى عند البخارى فى كتاب الإيمان بلفظ"الأعمال بالنية"، وكذا فى العتق من رواية الثورى، وفى الهجرة من رواية حماد بن زيد، ووقع عنده فى النكاح بلفظ"العمل بالنية"بإفراد كل منهما. والنية بكسر النون وتشديد التحتانية على المشهور، وفى بعض اللغات بتخفيفها. قال الكرمانى: قوله"إنما الأعمال بالنيات"هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختلف فى وجه إفادته، فقيل: لأن الأعمال جمع محلى بالألف واللام مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر، لأن معناه كل عمل بنية فلا عمل إلا بنية، وقيل لأن إنما للحصر. وهل إفادتها له بالمنطوق أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع أو العرف، أو تفيده بالحقيقة أو بالمجاز؟ ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير كالآمدى، وعلى العكس من ذلك أهل العربية، واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن "إنما قام زيد"فى جواب "هل قام عمرو؟"، أجيب بأنه يصح أنه يقع فى مثل هذا الجواب "ما قام إلا زيد "وهى للحصر اتفاقا. وقيل: لو كانت للحصر لاستوى "إنما قام زيد"مع "ما قام إلا زيد"، ولا تردد فى أن الثانى أقوى من الأول، وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفى الحصر، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما فى أصل الوضع، كسوف والسين. وقد وقع استعمال إنما موضع استعمال النفى والاستثناء كقوله تعالى: (إنما تجزون ما كنتم تعملون) وكقوله: (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) وقوله: (إنما على رسولنا البلاغ المبين) وقوله: (ما على الرسول إلا البلاغ). ومن شواهده قول الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر يعنى ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. واختلفوا: هل هى بسيطة أو مركبة، فرجحوا الأول، وقد يرجح الثانى، ويجاب عما أورد عليه من قولهم إن"إن" للإثبات و"ما"للنفى فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد، بأن يقال مثلا: أصلهما كان للإثبات والنفى، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما، بل أفادا شيئا آخر، أشار إلى ذلك الكرمانى قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر، من جهة أن فيه تأكيدا بعد تأكيد، وهو المستفاد من "إنما"ومن الجمع. فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس، لأن قائله لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد، ظن أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر . وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة "إنما"للحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا فى النسيئة بحديث" إنما الربا فى النسيئة"، وعارضه جماعة من الصحابة فى الحكم، ولم يخالفوه فى فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر. وتُعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلا.
(1/13) وأما من قال: يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله"لا ربا إلا فى النسيئة"لورود ذلك فى بعض طرق الحديث المذكور، فلا يفيد ذلك فى رد إفادة الحصر، بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه. وأوضح من هذا حديث"إنما الماء من الماء " فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور فى فهم الحصر منه، وإنما عارضهم فى الحكم من أدلة أخرى كحديث " إذا التقى الختانان". وقال ابن عطية: إنما لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل فى قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازا يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وأن أصل ورودها للحصر، لكن قد يكون فى شيء مخصوص، كقوله تعالى: (إنما الله إله واحد) فإنه سيق باعتبار منكرى الوحدانية، وإلا فلله سبحانه صفات أخرى كالعلم والقدرة، وكقوله تعالى: (إنما أنت منذر) فإنه سيق باعتبار منكرى الرسالة، وإلا فله - صلى الله عليه وسلم - صفات أخرى كالبشارة، إلى غير ذلك من الأمثلة. وهى - فيما يقال - السبب فى قول من منع إفادتها للحصر مطلقا. (تكميل): الأعمال تقتضى عاملين، والتقدير: الأعمال الصادرة من المكلفين، وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر الإخراج، لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهى لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا بها معاقبا على تركها ولا يرد العتق والصدقة لأنهما بدليل آخر. قوله: (بالنيات) الباء للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى: أنها مقومة للعمل فكأنها سبب فى إيجاده، وعلى الأول فهى من نفس العمل فيشترط أن لا تتخلف عن أوله. قال النووى: النية: القصد، وهى: عزيمة القلب. وتعقبه الكرمانى: بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد. واختلف الفقهاء هل هى ركن أو شرط؟ والمرجح أن إيجادها ذكرا فى أول العمل ركن، واستصحابها حكما بمعنى: أن لا يأتى بمناف شرعا شرط. ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فقيل: تعتبر، وقيل: تكمل، وقيل: تصح، وقيل: تحصل، وقيل: تستقر. قال الطيبى: كلام الشارع محمول على بيان الشرع، لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان، فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع، فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعى. وقال البيضاوى: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء الله وامتثال حكمه. والنية فى الحديث محمولة على المعنى اللغوى، ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيل لما أجمل، والحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية، إذ التقدير: لا عمل إلا بالنية، فليس المراد نفى ذات العمل لأنه قد يوجد بغير نية، بل المراد نفى أحكامها كالصحة والكمال، لكن الحمل على نفى الصحة أولى لأنه أشبه بنفى الشيء نفسه، ولأن اللفظ دل على نفى الذات بالتصريح، وعلى نفى الصفات بالتبع، فلما منع الدليل نفى الذات بقيت دلالته على نفى الصفات مستمرة. وقال شيخنا شيخ الإسلام: الأحسن تقدير ما يقتضى أن الأعمال تتبع النية، لقوله فى الحديث:"فمن كانت هجرته"إلى آخره. وعلى هذا يقدر المحذوف كونا مطلقا من اسم فاعل أو فعل. ثم لفظ العمل يتناول فعل الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال. قال ابن دقيق العيد: وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد، ولا تردد عندى فى أن الحديث يتناولها. وأما التروك فهى وإن كانت فعل كف لكن لا يطلق عليها لفظ العمل. وقد تعقب على من يسمى القول عملا لكونه عمل اللسان، بأن من حلف لا يعمل عملا فقال قولا لا يحنث. وأجيب بأن مرجع اليمين إلى العرف، والقول لا يسمى عملا فى العرف ولهذا يعطف عليه. والتحقيق أن القول لا يدخل فى العمل حقيقة ويدخل مجازا، وكذا الفعل، لقوله تعالى (ولو شاء ربك ما فعلوه) بعد قوله: (زخرف القول). وأما عمل القلب كالنية فلا يتناولها الحديث لئلا يلزم التسلسل، والمعرفة: وفى تناولها نظر، قال بعضهم: هو محال لأن النية قصد المنوى، وإنما يقصد المرء ما يعرف فيلزم أن يكون عارفا قبل المعرفة. وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى بما حاصله: إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلم، وإن كان المراد النظر فى الدليل فلا، لأن كل ذى عقل يشعر مثلا بأن له من يدبره، فإذا أخذ فى النظر فى الدليل عليه ليتحققه لم تكن النية حينئذ محالا.
(14/ 1) وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال، والذين لم يشترطوها قدروا كمال الأعمال، ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال فالحمل عليها أولى. وفى هذا الكلام إبهام أن بعض العلماء لا يرى باشتراط النية، وليس الخلاف بينهم فى ذلك إلا فى الرسائل، وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم فى اشتراط النية لها، ومن ثم خالف الحنفية فى اشتراطها للوضوء، وخالف الأوزاعى فى اشتراطها فى التيمم أيضا. نعم بين العلماء اختلاف فى اقتران النية بأول العمل كما هو معروف فى مبسوطات الفقه. (تكميل): الظاهر أن الألف واللام فى النيات معاقبة للضمير، والتقدير الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلا صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضا أو نفلا، ظهرا مثلا أو عصرا، مقصورة أو غير مقصورة. وهل يحتاج فى مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث. والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التى لا تنفك عن العدد المعين، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر والله أعلم.
قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) قال القرطبى: فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص فى الأعمال، فجنح إلى أنها مؤكدة. وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى، لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك. والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضى أن من نوى شيئا يحصل له - يعنى إذا عمله بشرائطه - أو حال دون عمله له ما يعذر شرعا بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له. ومراده بقوله ما لم ينوه أى: لا خصوصا ولا عموما، أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا لكن كانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء. ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى. وقد يحصل غير المنوى لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها، لأن القصد بالتحية شغل البقعة وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة، فإنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح، لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلا بد فيه من القصد إليه، بخلاف تحية المسجد والله أعلم. وقال النووى: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوى كمن عليه صلاة فائتة، لا يكفيه أن ينوى الفائتة فقط حتى يعينها ظهرا مثلا أو عصرا، ولا يخفى أن محله ما إذا لم تنحصر الفائتة. وقال ابن السمعانى فى أماليه: أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القربة، كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة. وقال غيره: أفادت أن النيابة لا تدخل فى النية، فإن ذلك هو الأصل، فلا يرد مثل نية الولى عن الصبى ونظائره، فإنها على خلاف الأصل. وقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها. وأفاد أن النية إنما تشترط فى العبادة التى لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له، كالأذكار والأدعية والتلاوة لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة. ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا، ومن ثم قال الغزالى: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت مطلقا، أى المجرد عن التفكر. قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب انتهى. ويؤيده قوله -صلى الله عليه وسلم -:" فى بضع أحدكم صدقة"ثم قال فى الجواب عن قولهم"أيأتى أحدنا شهوته ويؤجر؟ ":" أرأيت لو وضعها فى حرام". وأورد على إطلاق الغزالى أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده. وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله فى الجملة، فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه كتحية المسجد كما تقدم، وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة فإن عدتها تنقضى، لأن المقصود حصول براءة الرحم وقد وجدت، ومن ثم لم يحتج المتروك إلى نية. ونازع الكرمانى فى إطلاق الشيخ محيى الدين كون المتروك لا يحتاج إلى نية: بأن الترك فعل وهو كف النفس، وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلا بد فيها من قصد الترك، وتعقب بأن قوله:" الترك فعل"مختلف فيه، ومن حق المستدل على المانع أن يأتى بأمر متفق عليه.
(15/ 1) وأما استدلاله الثانى فلا يطابق المورد، لأن المبحوث فيه هل تلزم النية فى التروك بحيث يقع العقاب بتركها؟ والذى أورده استدلاله الثانى فلا يطابق المورد، لأن المبحوث فيه هل تلزم النية فى التروك بحيث يقع العقاب بتركها والذى أورده هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر. والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه، وإنما يحصل الثواب بالكف الذى هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى، فرجع الحال إلى أن الذى يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه، لا الترك المجرد. والله أعلم. (تنبيه): قال الكرمانى: إذا قلنا: إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ففى
قوله:"وإنما لكل امرئ ما نوى"نوعان من الحصر: قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور.
قوله: (فمن كانت هجرته إلى دنيا) كذا وقع فى جميع الأصول التى اتصلت لنا عن البخارى بحذف أحد وجهى التقسيم وهو قوله:"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله الخ"قال الخطابى: وقع هذا الحديث فى روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخروما قد ذهب شطره، ولست أدرى كيف وقع هذا الإغفال، ومن جهة من عرض من رواته؟ فقد ذكره البخارى من غير طريق الحميدى مستوفى، وقد رواه لنا الإثبات من طريق الحميدى تاما، ونقل ابن التين كلام الخطابى مختصرا. وفهم من قوله مخروما: أنه قد يربد أن فى السند انقطاعا، فقال من قبل نفسه لأن البخارى لم يلق الحميدى، وهو مما يتعجب من إطلاقه مع قول البخارى:"حدثنا الحميدى" وتكرار ذلك منه فى هذا الكتاب، وجزم كل من ترجمه بأن الحميدى من شيوخه فى الفقه والحديث. وقال ابن العربى فى مشيخته: لا عذر للبخارى فى إسقاطه لأن الحميدى شيخه فيه قد رواه فى مسنده على التمام. قال: وذكر قوم أنه لعله استملاه من حفظ الحميدى فحدثه هكذا فحدث عنه كما سمع أو حدثه به تاما فسقط من حفظ البخارى. قال: وهو أمر مستبعد جدا عند من اطلع على أحوال القوم. وقال الداودى الشارح: الإسقاط فيه من البخارى، فوجوده فى رواية شيخه وشيخ شيخه يدل على ذلك انتهى.
وقد رويناه من طريق بشر بن موسى وأبى إسماعيل الترمذى وغير واحد عن الحميدى تاما، وهو فى مصنف قاسم بن أصبغ ومستخرجى أبى نعيم، وصحيح أبى عوانة من طريق الحميدى، فإن كان الإسقاط من غير البخارى فقد يقال: لم اختار الابتداء بهذا السياق الناقص؟ والجواب قد تقدمت الإشارة إليه، وأنه اختار الحميدى لكونه أجل مشايخه المكيين إلى آخر ما تقدم فى ذلك من المناسبة، وإن كان الإسقاط منه، فالجواب ما قاله أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ فى أجوبة له على البخارى: إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال: لعل البخارى قصد أن يجعل لكتابه صدرا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعانى ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية رد علمها إلى الله، فإن علم منه أنه أراد الدنيا أو عرض إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته. ونكب عن أحد وجهى التقسيم، مجانبة للتزكية التى لا يناسب ذكرها فى ذلك المقام . انتهى ملخصا. وحاصله أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المبقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أو لا، فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه فى تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة المشعرة بالقربة المحضة، فرارا من التزكية، وبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته المجازى له بمقتضى نيته. ولما كانت عادة المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم فى مذاهبهم واختياراتهم، وكان من رأى المصنف جواز اختصار الحديث والرواية بالمعنى والتدقيق فى الاستنباط، وإيثار الأغمض على الأجلى، وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره، استعمل جميع ذلك فى هذا الموضع بعبارة هذا الحديث متنا وإسنادا. وقد وقع فى رواية حماد بن زيد، فى باب الهجرة تأخر قوله:"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله"عن قوله:"فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها"، فيحتمل أن تكون رواية الحميدى وقعت عند البخارى كذلك فتكون الجملة المحذوفة هى الأخيرة، كما جرت به عادة من يقتصر على بعض الحديث.
(16/ 1) وعلى تقدير أن لا يكون ذلك فهو مصير من البخارى إلى جواز الاختصار فى الحديث ولو من أثنائه. وهذا هو الراجح، والله أعلم. وقال الكرمانى فى غير هذا الموضع: إن كان الحديث عند البخارى تاما لم خرمه فى صدر الكتاب، مع أن الخرم مختلف فى جوازه؟ قلت: لا جزم بالخرم، لأن المقامات مختلفة، فلعله - فى مقام بيان أن الإيمان بالنية واعتقاد القلب - سمع الحديث تاما، وفى مقام أن الشروع فى الأعمال إنما يصح بالنية سمع ذلك القدر الذى روى. ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخارى لا منه، ثم إن كان منه فخرمه، ثم لأن المقصود يتم بذلك المقدار. فإن قلت: فكان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذى يتعلق بمقصوده، وهو أن النية ينبغى أن تكون لله ورسوله. قلت: لعله نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس. انتهى. وهو كلام من لم يطلع على شيء من أقوال من قدمت ذكره من الأئمة على هذا الحديث، ولا سيما كلام ابن العربى. وقال فى موضع آخر: إن إيراد الحديث تاما تارة وغير تام تارة إنما هو اختلاف الرواة، فكل منهم قد روى ما سمعه فلا خرم من أحد، ولكن البخارى يذكرها فى المواضع التى يناسب كلا منها بحسب الباب الذى يضعه ترجمة له، انتهى. وكأنه لم يطلع حديث أخرجه البخارى بسند واحد من ابتدائه إلى انتهائه، فساقه فى موضع تاما وفى موضع مقتصرا على بعضه، وهو كثير جدا فى الجامع الصحيح، فلا يرتاب من يكون الحديث صناعته أن ذلك من تصرفه، لأنه عرف بالاستقراء من صنيعه أنه لا يذكر الحديث الواحد فى موضعين على وجهين، بل إن كان له أكثر من سند على شرطه ذكره فى الموضع الثانى بالسند الثانى وهكذا ما بعده، وما لم يكن على شرطه يعلقه فى الموضع الآخر تارة بالجزم إن كان صحيحا، وتارة بغيره إن كان فيه شيء، وما ليس له إلا سند واحد يتصرف فى متنه بالاقتصار على بعضه بحسب ما يتفق، ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندا ومتنا فى موضعين أو أكثر إلا بادرا، فقد عنى بعض من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعا. قوله: (هجرته) الهجرة: الترك ، والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره. وفى الشرع: ترك ما نهى الله عنه. وقد وقعت فى الإسلام على وجهين: الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما فى هجرتى الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثانى: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبى _صلى الله عليه وسلم _بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص، وبقى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا.
فإن قيل: الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال مثلا: من أطاع أطاع وإنما يقال مثلا من أطاع نجا، وقد وقعا فى هذا الحديث متحدين، فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر، وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر فى النفس، كقولهم: أنت أنت أى: الصديق الخالص، وقولهم: هم هم أى: الذين لا يقدر قدرهم ، وقول الشاعر:"أنا أبو النجم وشعرى شعرى"، أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب. وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظا كقول الشاعر: خليلى خليلى دون ريب وربما * ألان امرؤ قولا فظن خليلا وقد يفعل مثل هدا بجواب الشرط كقولك: من قصدنى فقد قصدنى، أى فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده. وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما فى التعظيم وإما فى التحقير. قوله: (إلى دنيا) بضم الدال، وحكى ابن قتيبة كسرها، وهى فعلى من الدنو أى: القرب، سميت بذلك لسبقها للأخرى. وقيل: سميت دنيا لدنوها إلى الزوال. واختلف فى حقيقتها فقيل: ما على الأرض من الهواء والجو، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأولى أولى. لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة، ويطلق على كل جزء منها مجازا.
(17/ 1) ثم إن لفظها مقصور غير منون، وحكى تنويها، وعزاه ابن دحية إلى رواية أبى الهيثم الكشميهنى وضعفها ، وحكى عن ابن مغور: أن أبا الهروى فى آخر أمره كان يحذف كثيرا من رواية أبى الهيثم حيث ينفرد، لأنه لم يكن من أهل العلم. قلت: وهذا ليس على إطلاقه، فإن فى رواية أبى الهيثم مواضع كثيرة أصوب من رواية غيره، كما سيأتى مبينا فى مواضعه. وقال التيمى فى شرحه: قوله دنيا هو تأنيث الأدنى ليس بمصروف، لاجتماع الوصفية ولزوم حرف التأنيث. وتعقب بأن لزوم التأنيث للألف المقصورة كاف فى عدم الصرف ، وأما الوصفية فقال ابن مالك: استعمال دنيا منكرا فيه إشكال لأنها أفعل التفضيل، فكان من حقها أن تستعمل باللام كالكبرى والحسنى، قال: إلا أنها خلعت عنها الوصفية أو أجريت مجرى ما لم يكن وصفا قط، ومثله قول الشاعر: وإن دعوت إلى جلى ومكرمة * يوما سراة كرام الناس فادعينا وقال الكرمانى: قوله إلى يتعلق بالهجرة إن كان لفظ كانت تامة، أو هو خبر لكانت إن كانت ناقصة. ثم أورد ما محصله: إن لفظ كان إن كان للأمر الماضى فلا يعلم ما الحكم بعد صدور هذا القول فى ذلك. وأجاب بأنه: يجوز أن يراد بلفظ كان الوجود من غير تقييد بزمان، أو يقاس المستقبل على الماضى ، أو من جهة أن حكم المكلفين سواء.
قوله: (يصيبها) أى: يحصلها، لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود. قوله: (أو امرأة) قيل: التنصيص عليها من الخاص بعد العام للاهتمام به. وتعقبه النووى بأن لفظ دنيا نكرة، وهى لا تعم فى الإثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها. وتعقب بكونها فى سياق الشرط فتعم، ونكتة الاهتمام الزيادة فى التحذير، لأن الافتتان بها أشد. وقد تقدم النقل عمن حكى أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس ولم نقف على تسميته. ونقل ابن دحية أن اسمها قيلة بقاف مفتوحة ثم تحتانية ساكنة، وحكى ابن بطال عن ابن سراج: أن السبب فى تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية ويراعون الكفاءة فى النسب، فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين فى مناكحتهم، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها من كان لا يصل إليها قبل ذلك انتهى. ويحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان مولى وكانت المرأة عربية، وليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام، وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة فى مقام المنع.
قوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) يحتمل أن يكون ذكره بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها، وإنما أبرز الضمير فى الجملة التى قبلها وهى المحذوفة لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما، بخلاف الدنيا والمرأة فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنهما. وقال الكرمانى: يحتمل أن يكون قوله"إلى ما هاجر إليه"متعلقا بالهجرة، فيكون الخبر محذوفا والتقدير قبيحة أو غير صحيحة مثلا، ويحتمل أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذى هو من كانت، انتهى. وهذا الثانى هو الراجح لأن الأول يقتضى أن تلك الهجرة مذمومة مطلقا، وليس كذلك، إلا أن حمل على تقدير شيء يقتضى التردد أو القصور عن الهجرة الخالصة كمن نوى بهجرته مفارقة دار الكفر ، وتزوج المرأة معا فلا تكون قبيحة ولا غير صحيحة، بل هى ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة فإنه يثاب على قصد الهجرة لكن دون ثواب من أخلص، وكذا من طلب التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله ، لأنه من الأمر المباح الذى قد يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف. ومن أمثلة ذلك ما وقع فى قصة إسلام أبى طلحة فيما رواه النسائى عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبى طلحة فخطبها فقالت: إنى قد أسلمت، فإن أسلمت تزوجتك. فأسلم فتزوجته.. وهو محمول على أنه رغب فى الإسلام ودخله من وجهه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، أو بطوافه العبادة وملازمة الغريم.
(18/ 1) واختار الغزالى فيما يتعلق بالثواب أنه إن كان القصد الدنيوى هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الدينى أجر بقدره ، وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين فلا أجر. وأما إذا نوى العبادة وخالطها بشيء مما يغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبرى عن جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان ابتداؤه لله خالصا لم يضمره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب أو غيره. والله أعلم. واستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم، لأن فيه العمل يكون منتفيا إذا خلا عن النية، ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة الحكم، وعلى أن الغافل لا تكليف عليه، لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود والغافل غير قاصد، وعلى أن من صام تطوعا بنية قبل الزوال أن لا يحسب له إلا من وقت النية وهو مقتضى الحديث، لكن تمسك من قال بانعطافها بدليل آخر، ونظيره حديث:"من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها"أى: أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت، وذلك بالانعطاف الذى اقتضاه فضل الله تعالى، وعلى أن الواحد الثقة إذا كان فى مجلس جماعة ثم ذكر عن ذلك المجلس شيئا لا يمكن غفلتهم عنه، ولم يذكره غيره أن ذلك لا يقدح فى صدقه ، خلافا لمن أعل بذلك، لأن علقمة ذكر أن عمر خطب به على المنبر، ثم لم يصح من جهة أحد عنه غير علقمة. واستدل بمفهومه على أن ما ليس بعمل لا تشترط النية فيه، ومن أمثلة ذلك: جمع التقديم، فإن الراجح من حيث النظر أنه لا يشترط له نية، بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة . ويقوى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام جمع فى غزوة تبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطا لأعلمهم به، واستدل به على أن العمل إذا كان مضافا إلى سبب ويجمع متعدده جنس أن نية الجنس تكفى، كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره، لأن معنى الحديث: أن الأعمال بنياتها، والعمل هنا القيام بالذى يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة - وشك فى سببها - أجزأه إخراجها بغير تعيين. وفيه زيادة النص على السبب، لأن الحديث سيق فى قصة المهاجر لتزويج المرأة، فذكر الدنيا القصة زيادة فى التحذير والتنفير. وقال شيخنا شيخ الإسلام: فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصا ، فيستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسيأتى ذكر كثير من فوائد هذا الحديث فى كتاب الإيمان حيث قال المصنف فى الترجمة، فدخل فيه العبادات والأحكام إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ Fasel10
فتح البارى، شرح صحيح البخارى، للإمام ابن حجر العسقلانى
حدبث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ Fasel10


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 25, 2022 3:25 pm