منتدى ميراث الرسول

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ

avatar
اسرة التحرير
Admin


عدد المساهمات : 3695
تاريخ التسجيل : 23/01/2014

حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ Empty حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ

مُساهمة من طرف اسرة التحرير الإثنين مارس 17, 2014 9:21 am

حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ Albary10

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مختارات من فتح البارى
شرح صحيح البخارى
باب : كيف كان بدء الوحى
حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ 1410
حدبث ما كان من أمر هِرَقْل.َ
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِى قَالَ : أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَه ُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِى الْمُدَّةِ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِى مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِى فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ : أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا . فَقَالَ : أَدْنُوهُ مِنِّى، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِه ِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّى سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِى فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَى كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِى عَنْهُ أَنْ قَال َ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ : هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَال َ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ : لَا. قَالَ : فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: لَا. قال َ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ . قَالَ : أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ : بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ : فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ : لَا. قَالَ : فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ : لَا. قَال َ: فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ : لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةٍ لَا نَدْرِى مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَال َ: وَلَمْ تُمْكِنِّى كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَال َ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ : نَعَم ْ. قَال َ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ : الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَال َ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ : يَقُولُ : اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ. وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَة ِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ : قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا ، فَقُلْتُ : لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ . وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ : فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ : هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّه ِ. وَسَأَلْتُكَ : أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ . وَسَأَلْتُكَ : أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِم َّ. وَسَأَلْتُكَ : أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ . وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِر ُ. وَسَأَلْتُكَ : بِمَا يَأْمُرُكُمْ ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَى هَاتَيْنِ. وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّى أَعْلَمُ أَنِّى أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِى بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْل َ، فَقَرَأَهُ ، فَإِذَا فِيهِ : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم ِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى . أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ . فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ( وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )} قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : فَلَمَّا قَالَ مَا قَال َ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ ، وَأُخْرِجْنَا. فَقُلْتُ لِأَصْحَابِى حِينَ أُخْرِجْنَا : لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى الْأَصْفَرِ . فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامَ . وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاء َ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ : قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَك َ. قَالَ ابْنُ النَّاطورِ : وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِى النُّجُومِ ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ : إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، قَالُوا : لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ ، أُتِى هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّان َ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَال َ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَال َ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ . فَقَالَ هِرَقْل ُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَر َ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِى الْعِلْمِ . وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْى هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِى . فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْص َ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الرُّومِ ، هَلْ لَكُمْ فِى الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِى ، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ : رُدُّوهُمْ عَلَى . وَقَالَ : إِنِّى قُلْتُ مَقَالَتِى آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ ، فَقَدْ رَأَيْتُ . فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْل َ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِى.
الشرح
قوله: (قال حدثنا أبو اليمان) فى رواية الأصيلى وكريمة: حدثنا الحكم بن نافع، وهو هو، أخبرنا شعيب: هو ابن أبى حمزة دينار الحمصى، وهو من أثبات أصحاب الزهرى.
قوله: (أن أبا سفيان) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
قوله: (هرقل) هو ملك الروم، وهرقل: اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ولقبه قيصر، كما يلقب ملك الفرس: كسرى ونحوه.
قوله: (فى ركب) جمع راكب كصحب وصاحب، وهم: أولو الإبل، العشرة فما فوقها. والمعنى: أرسل إلى أبى سفيان حال كونه فى جملة الركب، وذاك لأنه كان كبيرهم فلهذا خصه، وكان عدد الركب ثلاثين رجلا، رواه الحاكم فى الإكليل. ولابن السكن: نحو من عشرين، وسمى منهم المغيرة بن شعبة فى مصنف ابن أبى شيبة بسند مرسل، وفيه نظر، لأنه كان إذ ذاك مسلما. ويحتمل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر ثم قدم المدينة مسلما. وقد وقع ذكره أيضا فى أثر آخر فى كتاب السير لأبى إسحاق الفزارى، وكتاب الأموال لأبى عبيد من طريق سعيد بن المسيب قال: كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلى كسرى وقيصر.. الحديث وفيه: فلما قرأ قيصر الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمع بمثله. ودعا أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة وكانا تاجرين هناك، فسأل عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قوله: (وكانوا تجارا) بضم التاء وتشديد الجيم، أو كسرها والتخفيف، جمع تاجر.
(34/ 1) قوله: (فى المدة) يعنى مدة الصلح بالحديبية، وسيأتى شرحها فى المغازى، وكانت فى سنة ست، وكانت مدتها عشر سنين كما فى السيرة، وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر، ولأبى نعيم فى مسند عبد الله ابن دينار: كانت أربع سنين، وكذا أخرجه الحاكم فى البيوع من المستدرك، والأول أشهر. لكنهم نقضوا، فغزاهم سنة ثمان وفتح مكة. وكفار قريش بالنصب مفعول معه.
قوله: (فأتوه) تقديره: أرسل إليهم فى طلب إتيان الركب، فجاء الرسول يطلب إتيانهم فأتوه، كقوله تعالى: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت) أى: فضرب فانفجرت. ووقع عند المؤلف فى الجهاد أن الرسول وجدهم ببعض الشام. وفى رواية لأبى نعيم فى الدلائل تعيين الموضع وهو غزة. قال: وكانت وجه متجرهم. وكذا رواه ابن إسحاق فى المغازى عن الزهرى، وزاد فى أوله عن أبى سفيان قال: كنا قوما تجارا، وكانت الحرب قد حصبتنا، فلما كانت الهدنة خرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملنى بضاعة. فذكره. وفيه: فقال هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهرا لبطن حتى تأتى برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله إنى وأصحابى بغزة، إذ هجم علينا فساقنا جميعا.
قوله: (بإيلياء) بهمزة مكسورة بعدها ياء أخيرة ساكنة، ثم لام مكسورة ثم ياء أخيرة ثم ألف مهموزة، وحكى البكرى فيها القصر، ويقال لها أيضا إليا بحذف الياء الأولى وسكون اللام حكاه البكرى، وحكى النووى مثله لكن بتقديم الياء على اللام واستغربه، قيل: معناه بيت الله. وفى الجهاد عند المؤلف: أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس، مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله. زاد ابن إسحاق عن الزهرى: أنه كان تبسط له البسط وتوضع عليها الرياحين فيمشى عليها، ونحوه لأحمد من حديث ابن أخى الزهرى عن عمه. وكان سبب ذلك ما رواه الطبرى وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ملخصها: أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرا من بلاده، ثم استبطأ كسرى أميره فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك فباطن هرقل، واصطلح معه على كسرى وانهزم عنه بجنود فارس، فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرا لله تعالى على ذلك. واسم الأمير المذكور: شهر براز، واسم الغير الذى أراد كسرى تأميره فرحان.
قوله: (فدعاهم فى مجلسه) أى: فى حال كونه فى مجلسه، وللمصنف فى الجهاد " فأدخلنا " فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس فى مجلس ملكه وعليه التاج ".
قوله: (وحوله) بالنصب لأنه ظرف مكان.
قوله: (عظماء) جمع عظيم. ولابن السكن: فأدخلنا عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان والروم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم -عليهما السلام -على الصحيح، ودخل فيهم طوائف من العرب من تنوخ وبهراء وسليح وغيرهم من غسان كانوا سكانا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوها فاختلطت أنسابهم.
قوله: (ثم دعاهم ودعا ترجمانه) وللمستملى " بالترجمان " مقتضاه: أنه أمر بإحضارهم، فلما حضروا استدناهم لأنه ذكر أنه دعاهم ثم دعاهم فينزل على هذا، ولم يقع تكرار ذلك إلا فى هذه الرواية. والترجمان بفتح التاء المثناة وضم الجيم ورجحه النووى فى شرح مسلم، ويجوز ضم التاء اتباعا، ويجوز فتح الجيم مع فتح أوله حكاه الجوهرى، ولم يصرحوا بالرابعة وهى ضم أوله وفتح الجيم. وفى رواية الأصيلى وغيره"بترجمانه" يعنى: أرسل إليه رسولا أحضره صحبته، والترجمان المعبر عن لغة بلغة، وهو معرب وقيل: عربى .
قوله: (فقال: أيكم أقرب نسبا) أى قال الترجمان على لسان هرقل.
قوله: (بهذا الرجل) زاد ابن السكن: الذى خرج بأرض العرب يزعم أنه نبى.
قوله: (قلت أنا أقربهم نسبا) فى رواية ابن السكن: فقالوا هذا أقربنا به نسبا، هو ابن عمه أخى أبيه. وإنما كان أبو سفيان أقرب لأنه من بنى عبد مناف، وقد أوضح ذلك المصنف فى الجهاد بقوله: قال ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمى. قال أبو سفيان: ولم يكن فى الركب من بنى عبد مناف غيرى ا هـ. وعبد مناف الأب الرابع للنبى -صلى الله عليه وسلم -وكذا لأبى سفيان، وأطلق عليه ابن عم لأنه نزل كلا منهما منزلة جده،
( 35 /1) فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعلى هذا ففيما أطلق فى رواية ابن السكن تجوز، وإنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح فى نسبه بخلاف الأقرب، وظهر ذلك فى سؤاله بعد ذلك: كيف نسبه فيكم؟
وقوله: " بهذا الرجل " ضمن أقرب معنى أوصل فعداه بالباء، ووقع فى رواية مسلم:"من هذا الرجل"وهو على الأصل.
وقوله:"الذى يزعم"فى رواية ابن إسحاق عن الزهرى " يدعى ". وزعم: قال الجوهرى بمعنى قال، وحكاه أيضا ثعلب وجماعة كما سيأتى فى قصة ضمام فى كتاب العلم. قلت: وهو كثير ويأتى موضع الشك غالبا.
قوله: (فاجعلوهم عند ظهره) أى: لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، وقد صرح بذلك الواقدى.
وقوله: " إن كذبنى " بتخفيف الذال أى: إن نقل إلى الكذب.
قوله: (قال) أى: أبو سفيان. وسقط لفظ قال من رواية كريمة وأبى الوقت فأشكل ظاهره، وبإثباتها يزول الإشكال.
قوله: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا) أى: ينقلوا على الكذب لكذبت عليه. وللأصيلى عنه أى: عن الإخبار بحاله. وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف. وفى قوله: يأثروا دون قوله يكذبوا، دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه فى عداوة النبى - صلى الله عليه وسلم-، لكنه ترك ذلك لك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعى ذلك كذابا. وفى رواية ابن إسحاق التصريح بذلك ولفظه " فوالله لو قد كذبت ما ردوا على"، ولكنى كنت امرءا سيدا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما فى ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عنى ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه. وزاد ابن إسحاق فى روايته: قال أبو سفيان فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف، يعنى: هرقل.
قوله: (كان أول) هو بالنصب على الخبر، وبه جاءت الرواية، ويجوز رفعه على الاسمية .
قوله: (كيف نسبه فيكم) أى: ما حال نسبه فيكم، أهو من أشرافكم أم لا، فقال: هو فينا ذو نسب. فالتنوين فيه للتعظيم، وأشكل هذا على بعض الشارحين، وهذا وجهه.
قوله: (فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله) وللكشميهنى والأصيلى بدل قبله " مثله " فقوله: منكم أى من قومكم يعنى قريشا أو العرب. ويستفاد منه أن الشفاهى يعم، لأنه لم يرد المخاطبين فقط. وكذا قوله: فهل قاتلتموه،
وقوله: بماذا يأمركم، واستعمل قط بغير أداة النفى وهو نادر، ومنه قول عمر: " صلينا أكثر ما كنا قط وآمنه ركعتين " ويحتمل أن يقال: إن النفى مضمن فيه كأنه قال: هل قال هذا القول أحد أو لم يقله أحد قط.
قوله: (فهل كان من آبائه ملك؟) ولكريمة والأصيلى وأبى الوقت بزيادة " من " الجارة، ولابن عساكر بفتح من، وملك فعل ماض، والجارة أرجح لسقوطها من رواية أبى ذر، والمعنى فى الثلاثة واحد.
قوله: (فأشراف الناس اتبعوه) فيه إسقاط همزة الاستفهام وهو قليل، وقد ثبت للمصنف فى التفسير ولفظه: أيتبعه أشراف الناس؟ والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم، لا كل شريف، حتى لا يرد مثل أبى بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال. ووقع فى رواية ابن إسحاق: تبعه منا الضعفاء والمساكين، فأما ذوو الأنساب والشرف فاتبعه منهم أحد. وهو محمول على الأكثر الأغلب.
قوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه. وأخرج بهذا من ارتد مكرها، أو لا لسخط لدين الإسلام بل لرغبة فى غيره كحظ نفسانى، كما وقع لعبيد الله بن جحش.
قوله: (هل كنتم تتهمونه بالكذب؟) أى: على الناس، وإنما عدل إلى السؤال عن التهمة عن السؤال عن نفس الكذب، تقريرا لهم على صدقه، لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها، ولهذا عقبه بالسؤال عن الغدر.
قوله: (ولم تمكنى كلمة أدخل فيها شيئا) أى: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبى، وذلك أن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه فى الجملة، وقد كان معروفا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر.
(1/36) ولما كان الأمر مغيبا - لأنه مستقبل - أمن أبو سفيان أن ينسب فى ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده بالتردد، ومن ثم لم يعرج هرقل على هذا القدر منه. وقد صرح ابن إسحاق فى روايته عن الزهرى بذلك بقوله:"قال فوالله ما التفت إليها منى". ووقع فى رواية أبى الأسود عن عروة مرسلا: " خرج أبو سفيان إلى الشام - فذكر الحديث، إلى أن قال - فقال أبو سفيان: هو ساحر كذاب. فقال هرقل: إنى لا أريد شتمه، ولكن كيف نسبه - إلى أن قال - فهل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن يغدر فى هدنته هذه. فقال: وما يخاف من هذه؟ فقال: إن قومى أمدوا حلفاءهم على حلفائه. قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر".
قوله: (سجال) بكسر أوله، أى: نوب، والسجل: الدلو، والحرب: اسم جنس، ولهذا جعل خبره اسم جمع. وينال أى: يصيب، فكأنه شبه المحاربين بالمستقيين: يستقى هذا دلوا وهذا دلوا. وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم فى غزوة بدر وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد فى
قوله:"يوم بيوم بدر، والحرب سجال"ولم يرد عليه النبى - صلى الله عليه وسلم -ذلك بل نطق النبى - صلى الله عليه وسلم -بذلك فى حديث أوس بن حذيفة الثقفى لما كان يحدث وفد ثقيف، أخرجه ابن ماجة وغيره. ووقع فى مرسل عروة"قال أبو سفيان: غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب، ثم غزوتهم فى بيوتهم ببقر البطون وجدع الآذان" وأشار بذلك إلى يوم أحد.
قوله: (بماذا يأمركم)؟ يدل على أن الرسول من شأنه أن يأمر قومه.
قوله: (يقول اعبدوا الله وحده) فيه أن للأمر صيغة معروفة، لأنه أتى بقوله:" اعبدوا الله"فى جواب ما يأمركم، وهو من أحسن الأدلة فى هذه المسألة، لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوى عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم وقد رواه عنه مقرا له.
قوله: (ولا تشركوا به شيئا) سقط من رواية المستملى الواو فيكون تأكيدا لقوله وحده.
قوله: (واتركوا ما يقول آباؤكم) هى كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه فى الجاهلية، وإنما ذكر الآباء تنبيها على عذرهم فى مخالفتهم له، لأن الآباء قدوة عند الفريقين، أى عبدة الأوثان والنصارى.
قوله: (ويأمرنا بالصلاة والصدق) وللمصنف فى رواية"الصدقة"بدل الصدق، ورجحها شيخنا شيخ الإسلام، ويقويها رواية المؤلف فى التفسير"الزكاة"واقتران الصلاة بالزكاة معتاد فى الشرع، ويرجحها أيضا ما تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب فذكر ما لم يألفوه أولى. قلت: وفى الجملة ليس الأمر بذلك ممتنعا كما فى أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة، وقد كانا من مألوف عقلائهم، وقد ثبتا عند المؤلف فى الجهاد من رواية أبى ذر عن شيخه الكشميهنى والسرخسى، قال:"بالصلاة والصدق والصدقة"وفى
قوله: يأمرنا بعد قوله يقول اعبدوا الله إشارة إلى أن المغايرة بين الأمرين لما يترتب على مخالفهما، إذ مخالف الأول كافر، والثانى ممن قبل الأول عاص.
قوله: (فكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها) الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرر عنده فى الكتب السالفة.
قوله: (لقلت رجل تأسى بقول) كذا للكشميهنى، ولغيره"يتأسى"بتقديم الياء المثناة من تحت، وإنما لم يقل هرقل:" فقلت " إلا فى هذا
وفى قوله:"هل كان من آبائه من ملك"لأن هذين المقامين مقام فكر ونظر، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنها مقام نقل.
قوله: (فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه) هو بمعنى قول أبى سفيان ضعفاؤهم، ومثل ذلك يتسامح به لاتحاد المعنى.
وقول هرقل:"وهم أتباع الرسل"معناه: أن أتباع الرسل فى الغالب أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغيا وحسدا، كأبى جهل وأشياعه، إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد حين من أراد سعادته منهم.
قوله (وكذلك الإيمان) أى: أمر الإيمان، لأنه يظهر نورا، ثم لا يزال فى زيادة حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها، ولهذا نزلت فى آخر سنى النبى - صلى الله عليه وسلم -: (اليوم أكملت لكلم دينكم وأتممت عليكم نعمتى) ومنه: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) وكذا جرى لأتباع النبى -صلى الله عليه وسلم-: لم يزالوا فى زيادة حتى كمل بهم ما أراد الله من إظهار دينه وتمام نعمته، فله الحمد والمنة.
قوله: (حين يخالط بشاشة القلوب). كذا روى بالنصب على المفعولية والقلوب مضاف إليه، أى: يخالط الإيمان انشراح الصدور، وروى:"بشاشة القلوب"بالضم والقلوب مفعول، أى يخالط بشاشة الإيمان وهو شرحه القلوب التى يدخل فيها.
(1/37) زاد المصنف فى الإيمان:"لا يسخطه أحد " كما تقدم. وزاد ابن السكن فى روايته فى معجم الصحابة :"يزداد به عجبا وفرحا". وفى رواية ابن إسحاق:"وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه".
قوله: (وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذى لا يبالى طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة. ولم يعرج هرقل على الدسيسة التى دسها أبو سفيان كما تقدم. وسقط من هذه الرواية إيراد تقدير السؤال العاشر والذى بعده وجوابه، وقد ثبت الجميع فى رواية المؤلف التى فى الجهاد وسيأتى الكلام عليه ثم، إن شاء الله تعالى. (فائدة): قال المازنى هذه الأشياء التى سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبى بعينه لأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم. وما أورده احتمالا جزم به ابن بطال، وهو ظاهر.
قوله: (فذكرت أنه يأمركم) ذكر ذلك بالاقتضاء، لأنه ليس فى كلام أبى سفيان ذكر الأمر بل صيغته.
وقوله :"وينهاكم عن عبادة الأوثان" مستفاد من قوله:"ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم" لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان.
قوله: (أخلص) بضم اللام أى: أصل، يقال خلص إلى كذا أى وصل.
قوله: (لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة، أى: تكلفت الوصول إليه. وهذا يدل على أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبى -صلى الله عليه وسلم-، واستفاد ذلك بالتجربة كما فى قصة ضغاطر الذى أظهر لهم إسلامه فقتلوه. وللطبرانى من طريق ضعيف عن عبد الله بن شداد عن دحية فى هذه القصة مختصرا، فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم. وفى مرسل ابن إسحاق بعض أهل العلم أن هرقل قال: ويحك، والله إنى لأعلم أنه نبى مرسل، ولكنى أخاف الروم على نفسى، ولولا ذلك لاتبعته. لكن لو تفطن هرقل لقوله -صلى الله عليه وسلم -فى الكتاب الذى أرسل إليه"أسلم تسلم"وحمل الجزاء على عمومه فى الدنيا والآخرة، لسلم لو أسلم من كل ما يخافه. ولكن التوفيق بيد الله تعالى.
قوله:"لغسلت عن قدميه"مبالغة فى العبودية له والخدمة. زاد عبد الله بن شداد عن أبى سفيان:" لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه"وهى تدل على أنه كان بقى عنده بعض شك. وزاد فيها:"ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقا من كرب الصحيفة"يعنى: لما قرئ عليه كتاب النبى -صلى الله عليه وسلم-. وفى اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه - إذا وصل إليه سالما - لا ولاية ولا منصبا، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة.
وقوله:"وليبلغن ملكه ما تحت قدمى" أى: بيت المقدس، وكنى بذلك لأنه موضع استقراره. أو أراد الشام كله لأن دار مملكته كانت حمص. ومما يقوى أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال، أنه حارب المسلمين فى غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين، ففى مغازى ابن إسحاق: وبلغ المسلمين لما نزلوا معان من أرض الشام، أن هرقل نزل فى مائة ألف من المشركين، فحكى كيفية الوقعة. وكذا روى ابن حبان فى صحيحه عن أنس أن النبى -صلى الله عليه وسلم -كتب إليه أيضا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة، ولم يجب. فدل ظاهر ذلك على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصى مراعاة لملكه وخوفا من أن يقتله قومه. إلا أن فى مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبى -صلى الله عليه وسلم-: إنى مسلم. فقال النبى -صلى الله عليه وسلم-: كذب، بل هو على نصرانيته. وفى كتاب الأموال لأبى عبيد بسند صحيح من مرسل بكر عبد الله المزنى نحوه، ولفظه فقال: كذب عدو الله، ليس بمسلم. فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن - أى أظهر التصديق - لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه وآثر الفانية على الباقية. والله الموفق.
قوله: (ثم دعا) أى: من وكل ذلك إليه، ولهذا عدى إلى الكتاب بالباء. والله أعلم.
حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ Fasel10
فتح البارى . للإمام ابن حجر العسقلانى
حديث : ماكان من أمر هِرَقْل.َ Fasel10


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 25, 2022 4:22 pm